زوجة اخي سهام صادق الجزء الأول

​الفصل الأول

أنوار تلمع من حولها، وزغاريد عديدة تدق طبلة أذنيها ونغمات تسرق القلوب للحظات لتحطم حلماً تمنت أن تحياه، ولكن خذلان الحب قد أصاب الحلم بسهمه.
 
​زهرة.. زهرة أنتِ يا بنتي. لتنتبه زهرة الشاردة في كل ما حولها على لمسات أختها التي اصطحبتها معها إلى ذلك الفرح.. الفرح الذي قد تلقت أختها دعوته من مديرها.. لتتأفف زهرة قائلة: مش كفاية كده، يلا بينا. فتبتسم جميلة بحالمية وهي تُشاهد مديرها وعروسته الحسناء قائلة: تفتكري الواد حازم هيقدر يعملي فرح زي ده؟ فتلمع عين زهرة بضحكة باهتة قائلة: فرح زي ده! الله يعينك يا حازم.. وتابعت حديثها بتأفف قائلة: احلمي على قدك يا بنتي وارحمينا.. ده صاحب الشركة وأنتِ وحازم يا دوب مهندسين عنده. لتدفعها جميلة بذراعها قائلة: دايماً سادة نفسي أنتِ وهو. ليأتي صوت شاب أنيق من خلفهم قائلاً: صوتكوا عالي ليه يا حلوين؟ لتبتسم زهرة ابتسامة بسيطة لابن خالتها وخطيب أختها أيضاً قائلة: أصلي كنت بفوق خطيبتك من أحلامها. فيجلس حازم بجانبهم وهو يرتشف من كوب الماء الموضوع أمامه قائلاً بحالمية: الجميل يؤمر ويحلم وأنا أنفذله. وما كان من تلك العاشقة التي بجانبه.. سوى أنها احتضنت ذراعه قائلة: ربنا يخليك ليا يا حازم يا رب، أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غيرك أصلاً. فالتفتت زهرة بأعينها بعيداً عنهم.. فهي تعلم مدى عشق أختها لخطيبها وزوجها.. الذي عقد قرانها فور أن تقدم لخطبتها لأن والدها لم يسمح لهما بأي تجاوز دون رابط محلل. ونهضت من مكانها لتتركهم يحلمون بحياتهم الوردية، وسارت بخطوات بسيطة نحو الخارج، ومن حسن حظها أن طاولات المدعوين مقسمة على حسب المستويات الاجتماعية، فتمتمت بخفوت قائلة: العروسة للعريس والجري… وكادت أن تُكمل جملتها إلا أنها اصطدمت بجسد قوي، جعلها ترفع وجهها بغضب قائلة: مش تفتح! ليقف هو قائلاً ببرود قد اكتسبه مع الزمن: هو مين اللي يفتح بالظبط؟ أنتِ اللي باصة في الأرض ومش شايفة قدامك يا آنسة.. فنقلت بصرها نحوه وهي تتأمل معالم وجهه، حتى قالت بتلعثم من رد فعله: حصل خير! وسارت من أمامه.. ليكمل هو دخوله إلى ذلك الحفل الذي من سوء حظه قد دُعي إليه من صديقه وابن خالته فارس، فعندما عاد إلى أرض الوطن بعد غربة دامت 8 سنوات في الأراضي الفرنسية كان بانتظاره ذلك الحفل الذي قد جاء إليه ليخبرهم جميعاً بأنه قد نسيها ونسي حباً قد مات بقلبه. فيلتف ببصره يميناً ويساراً ليجد كل أفراد عائلته الموقرة جالسين يضحكون ويأخذون الصور.. ليسير نحو الجمع السعيد.. لتذهب إليه أمه بسعادة قائلة: شريف حبيبي! ليحتضن هو أمه ويقبل رأسها بوقار، ناظراً لأعين باقي العائلة… ليقع بصره عليها وهي تحمل بيدها طفلاً يبدو أنه في الرابع من عمره.. والبعض يضحك والآخر يترقب.. حتى ابتسم هو قائلاً: مبروك يا خالتو، مبروك يا عمي طارق! ليبتسموا إليه بخجل، فقد ظنوا بأن الماضي ما زال معلقاً برقبتهم حينما لعب الحب لعبته.. لينتهي بأن تتزوج هي من أول عريس سيجعلها ملكة بالأموال، وينهدم قلب ليس ذنبه سوى أنه كان يبدأ أول خطواته على سلم أحلامه، لينتهي الحلم بأن يحقق حلمه ويحقق ذاته في عالم المال ويفشل في أول قصة حب قد عاشها واليوم قد لمس نتائجها؛ فحبيبته تحمل بين أيديها طفلاً. ……………………………………………………….
وقفت هائمة في بحور ذكريات قد مر عليها عام منذ أن تخرجت، لتتذكر أول حب قد عصف بها عندما كانت في أول عام لها بالجامعة.. لتتدخل في عالم الشبكة العنكبوتية كما فعلت صديقاتها… فتتعلم الحب على يد مجهولٍ طموحٍ قد جعلها تنظر للحياة بقلب هائم وعقل مغلق. لتنطق اسمه بصعوبة قائلة: ليه عملت فيا كده يا هشام! ……………………………………………………..
كان كل من يجلسون من أفراد عائلته يهتم بأخباره وكيف أصبح الآن رجل أعمال شاباً يملك الكثير من الأموال.. لتنطق ابنة خاله قائلة بسعادة: شريف أنت نسيتني صح؟ ليتأمل هو ملامحها ضاحكاً، فالفتاة التي كانت بضفائر أصبحت الآن أنثى تمتلك الجمال. فابتسم قائلاً بدعابة: في حد ينسى مرمر برضه، رشيدة الصغيرة. لتغضب كما اعتاد منها فتقول ببراءة: رشيدة كبرت ودخلت الجامعة كمان. ثم تهللت ضاحكة وهي تشاهد ابن خالتها الذي ترك عروسته وسط أهلها وأصدقائها. منار: العريس نفسه جاي علينا أهه. فارس: أول مرة أشوف عريس يجي يسلم على ابن خالته البارد، أنت يا بني أوروبا علمتك التناحة ولا إيه؟ ونظر إلى خالته الجالسة بسعادة قائلاً: ما تجوزي يا خالتي الواد، ده هشام الأصغر منه عملها وسابقه.. وقبل أن ينطق عبارات الرفض لمبدأ الزواج، وجدها تنهض بعدما جاء من سرق حلمه.. لتترك هي ابنها وتسير خلفه بفستانها المفصل على جسدها. لتحرقه نار الماضي. شريف: قريب قوي يا فارس ما تقلقش. لتهلل الجميع بسعادة، وتنظر خالته إلى زوجها بندم قائلة بهمس: شفت شريف بقى إيه، قلتلك بكرة هيبقى أغنى وأنجح مليون مرة من مجدى .. بس الفلوس عميتك.. يا بخت فعلاً اللي هتكون من نصيبه! وبعد مباركات، ومداعبات لمعرفة من هي العروس التي لمح بها.. وجميعهم ظنوه بأنه قد اختار عروساً فرنسية. لينهض مبتعداً منهم وهو يعلم بأنه قد ورط نفسه، ومن أجل من؟ من أجل من باعته يوماً. ليخرج خارج تلك القاعة باختناق ويبدأ في إشعال سيجارته ببطء وهو يفكر من أين سيجلب تلك العروس. وقبل أن يعود أدراجه للداخل ثانية لمح طيفاً منحنياً بنصف جسده من إحدى الشرف التي تطل على حديقة واسعة في الفندق الذي يملكه وقد صمم أن يهدي إقامة الفرح فيه لابن خالته.. فسار بخطى بطيئة نحو طيف تلك الفتاة.. حتى قال بهدوء: حاسبي لتقعي. فانتفضت فزعاً وكادت أن تسقط من الشرفة ولكنه أمسكها بذراعه قائلاً بغضب: أنتِ مجنونة.. وكاد أن يكمل توبيخها.. ولكن تمالك أعصابه قائلاً: أنتِ تاني! فنطقت زهرة عباراتها بصعوبة قائلة: الأسورة بتاعتي وقعت وبجيبها. فطالعها بغرابة ونظر نحو ما كانت تنظر إليه.. فوجد أن الشرفة بها حافة مسطحة من الجهة الأخرى قد سقطت عليها أسورتها.. فتهكم من مغامرتها المجنونة في التقاط أسورة من الممكن أن تسقط بسببها. فانحنى بجسده القوي وطوله ببساطة والتقط الأسورة بخفة.. فطول ذراعيه يكفي بأن يلتقطها بسهولة.. وأعطاها إليها قائلاً ببرود: تفتكري بطولك وجسمك ده كنتي هتعرفي تجيبيها؟ وسار تاركاً إياها تكُز على أسنانها بغضب وتسب فيه حتى علا صوتها فسمعها وهي تسبه. زهرة: إنسان وقح وعديم الذوق وبارد ومستفز. فتمالك أعصابه بصعوبة وعاد إليها ثانية وهو يتمتم بغضب قائلاً: أنتِ قلتي إيه!

​الــفــصل الــثــانـــي

​شريف.. شريف
كان صوت أحدهما من بعيد يُخاطبه، ليلتفت بجسده إلى ذلك الصوت، فتسمع هي صوتاً أنثوياً يُحادثه برقة.
فظل واقفاً بجسده الجامد دون حركة وكأنه يتأمل ملامحها.
فأزاحت زهرة جسدها يميناً لتتمكن من رؤية صاحبة ذلك الصوت الرقيق، وتطلعت إليهم قليلاً ثم ابتعدت عنهم وهي تُتمتم: إنسان قليل الذوق!
فظلت هي تقترب منه حتى نطقت أخيراً: لدرجادي بقيت تكرهني؟
فطالعها هو بتهكم قائلاً: ومين قالك إني بكرهك؟
فارتسمت على شفتيها ابتسامة أمل حتى أكمل بسخرية لاذعة قائلاً: الكره ده بيكون للناس اللي فارقين معانا، بنكره على قد الحب.. بس أنتي يا مريم ولا حاجة بالنسبة ليا.. أنتي ماضي ومات والميت للأسف مبيصحاش تاني.
ورن هاتفه بنغمة هادئة، فتركها بهدوء ووقار وهو يُحارب نيران الماضي التي اشتعلت بداخله.. حتى سمع صوتها البائس قائلة: مبروك يا شريف!
فالتفت إليها وهو لا يعلم لِمَ تهنئه حتى تابعت حديثها بألم قائلة: خالتو قالت لي إنك قريب هتعرفنا على حبيبتك وتتجوز.
فابتسم بهدوءٍ قد اكتسبه بعد سنين من الألم: الله يبارك فيكي يا مريم.
وأكمل سيره وهو يُتمتم بضيق: غبي، هي فين أصلاً البنت اللي بتحبها وهتتجوزها!
ودخل إلى داخل القاعة بهدوء.. حتى وقعت عيناه على إحداهن، فاقترب منه حازم وهو لا يصدق قائلاً: بشمهندس شريف، حمد لله على السلامة.
فوقف شريف بابتسامته الهادئة وهو يتذكر ملامح من يُخاطبه.. فتابع حازم بحديثه قائلاً: أكيد مش فاكرني.
فرفع شريف يده ليصافحه قائلاً: بشمهندس حازم!
وعاد لابتسامته الصافية قائلاً: هو أنا أقدر أنسى الناس اللي قضيت معاهم الخدمة العسكرية.
فضحك حازم بلطافة، وتأمل نظرات خطيبته وزهرة حتى تابع قائلاً: أسوأ سنة يا ابن الناس الطيبة.
فوقعت عين زهرة بصدمة على ذلك الشخص الذي يقف يتحدث مع حازم وعيناه تتطلع عليها بمكر.. حتى ابتسم حازم قائلاً: جميلة بنت خالتي وخطيبتي.. ودي زهرة أختها.
ليتذكر شريف قصص حازم عندما رافقه سنة كاملة في الخدمة العسكرية في محافظة الإسكندرية.. وكان كل حديثه عن حبيبته التي كانت في أول عام لها بالجامعة وانتهت القصة بخطوبتهما كما كان يحلم.
فرحب بها شريف بلطافة، وتأمل أعين تلك الواقفة بهدوء دون أن ينطق بكلمة.
حتى عاد حازم بالحديث قائلاً: أنت بتعمل إيه هنا صحيح؟
فابتسم شريف قائلاً: فرح ابن خالتي.
فنطق حازم دون تصديق قائلاً: مش معقول بشمهندس فارس يبقى ابن خالتك، فعلاً الدنيا دي صغيرة.
فلمعت عين شريف بحنين للدنيا التي قد تركها وسط أهله، لكي يهرب لعالم آخر لا يوجد فيه سوى طموحاته فقط..
وانتبه لصوت تلك الهادئة وهي تتحدث مع أختها بهمس.
حتى أتت جميلة بالقرب منهم قائلة: حازم لحظة وراجعين معلش.
وسارت الأختان بعيداً، حتى تابع شريف حديثه قائلاً: ممكن رقم تليفونك يا حازم!
……………………………………………………….
دلفت داخل شقتها الفخمة في أرقى أحياء القاهرة، حتى سمعته يصرخ قائلاً: اتفضلي ادخلي يا هانم، ضيعتي عليا سهرة النهاردة.
فاتجهت هي ناحية غرفة صغيرها لتضعه على فراشه حتى جاءت إليه وهي تصرخ به غاضبة: سهراتك اللي في الكباريهات صح.. حرام عليك أنا كرهت حياتي وعيشتي معاك، طلقني وارحمني يا مجدي
فتعالت صوت ضحكاته وهو يتأمل تفاصيل جسدها من فستانها الضيق، حتى أزاح ذلك الوشاح الذي تضعه على كتفيها وهمس في أذنيها قائلاً ببرود: مادام السهرة التانية ضاعت بسبب فرح أخوكي.. يبقى…
وكاد أن يُكمل عباراته حتى وجدها تنفر من لمسة ذراعيه على جسدها، ليطالعها بغضب قائلاً: يبقى زي كل يوم.
وحملها بجمود وهو يُتمتم بوقاحة: برضاكي أو غصب عنك يا مريم.. حقي الشرعي هاخده يعني هاخده.
ولم يكن منها سوى أنها ظلت تصرخ وهي تُتمتم: حرام عليك ارحمني!
…………………………………………………………
ارتسمت ابتسامة جميلة على شفتي تلك السيدة الطيبة، وهي ترى أولادها أمام أعينها يضحكون.. فأكملت وضع الطعام مع خادمتها وهي تتحدث قائلة: يا نسرين سيبي أخوكي في حاله.
فوقفت نسرين ببطنها المنتفخة قائلة: يا ماما أصله كان واحشني أوي دي سنين طويلة، ده أنا خليت ممدوح يقطع إجازة عيد جوازنا وجيت جري.. ده أنا معملتهاش عشان فرح فارس، بس عشان خاطر عيون الجميل اللي واحشني لازم أجيله لو كنت في آخر المريخ.
فأزاحها شريف عن قدميه قائلاً وهو يضحك: بقيتي زي الباندا يا سوسو..
فضحكت أمها بسعادة من مداعبة بكرها لأخته قائلة: وأخوكي ليه منزلتش معاكي، مش مشاكل القرية السياحية بتاعته اتحلت.. الواد ده واحشني أوي هو ومراته.
وجلسوا جميعهم على طاولة الطعام، ليتنهد شريف قائلاً: ابنك هشام بقى بيزنس مان ناجح أوي يا حجة.
فابتسمت أمه بسعادة وهي تطعمه بيدها قائلة: الله يرحمك يا محمود كنت دايماً تقولي ولادي هيكونوا رجالة ناجحين.. مش لازم أكنز ليهم الفلوس أهم حاجة أربيهم وأعلمهم وهما بعد كده اللي هيعملوا الفلوس.
فنظرت نسرين إلى أخاها بصمت، حتى سمعوا صوتاً ينطق قائلاً: أجمل صباح لأجمل مرات عم وحما في الدنيا.
ثم نظر إلى زوجته بعشق وجلس بجانبها وهو يهمس قائلاً: وحشتيني يا حبيبتي.
فرفع شريف رأسه عن طبقه قائلاً بنفاذ صبر: ما تتلم، مش ملاحظ إني موجود؟
وعندما وضع ممدوح يده على بطن زوجته، انفجروا جميعهم من الضحك.. وممدوح يُحدث طفله قائلاً: خالك بيقولي اتلم عشان بعاكس أمك.. شكله نسي إن أخته خلاص بقيت بح.
فابتسم شريف بحب وهو يتأمل خجل أخته الصغيرة وطفلتها كما كان يُسميها.. حتى قالت أمه بسعادة: شريف قرر يتجوز يا ممدوح.
لتقف نسرين قائلة بتهلل: بجد بجد يا شريف.. أكيد شوفتها امبارح في فرح فارس.. قولي مين ها.. حد من قرايبنا صح؟
فتابع زوجها بالحديث قائلاً وهو يغمز له: شكلها واحدة فرنسية.
فتنهد بتأفف وهو يرى نتائج لحظة تهوره قد انسكبت عليه.. حتى ابتسمت أمه قائلة: ابني مش هيتجوز من بنات أوروبا بلا فرنسية بلا إنجليزية…
فنظر هو إلى طبقه بضيق حتى تذكر ما كلفه به فارس بأن يُتابع أخبار شركته الهندسية فنهض متحججاً قائلاً: متستعجلوش، قريب أوي هتعرفوا هي مين.
وانحنى بجسده كي يطبع قبلة حانية على جبين والدته ثم أيديها قائلاً: متقلقيش يا ست الكل، هي مصرية!
وتركهم جميعاً مذهولين، وغادر أمام أعينهم بأناقته ووقاره الذي أصبح يمتاز بهما.
…………………………………………………………
جلست بجانب والدها وهو يتفحص جريدته حتى قالت له بهمس: بابا، أنا عايزة أقولك على حاجة.
لتسمع صوت أمها يُناديها من المطبخ قائلة: يا زهرة يا بنتي، تعالي ساعديني الله يخليكي.
فنظر إليها والدها بتوجس حتى قال: سيبك منها، قولي عايزة إيه يا بنت أبوكي.
فلمعت أعينها بسعادة قائلة: عايزة أشتغل زي جميلة.. أنا لقيت إعلان في جريدة امبارح وبفكر أقدم فيها.
فنظر إليها أباها بفرحة قائلاً: أخيراً يا بنتي!
فتأملت أعين أباها وهي تتذكر أنه رغم شدة ذلك الرجل إلا أنه لم يهدم حلم أحد فيهم أبداً سواء هي أو أختها… ولم يجبرهم على شيء.. فحين تخرجت أختها جميلة وأرادت أن تخطو أول خطوة لها في البحث عن عمل قد شجعها.. وعندما هي تخرجت ولم ترغب في أن تعمل لم يفرض عليها رأيه ولكن هي أحبت أن تجلس مع والديها ترعاهم وتُساعد أمها في أعباء المنزل.
فنطقت بسعادة وهي تُقبل يده قائلة: أحلى فنجان قهوة محوج هعملهولك يا عم منصور يا عسل أنت!
…………………………………………………………
أخذ يُتابع سير العمل بهدوء، حتى وجد هاتفه يرن لينتبه إلى اسم المتصل ليُحادثه قائلاً: أهلاً بالعريس اللي دبسني في الشغل، يعني أنا نازل إجازة أطمن على خالتك وماشي تدبسني.
ليضحك فارس وهو يُحادثه قائلاً: جاي عشان خالتي ولا عشان الصفقة الجديدة اللي هتعملها هنا، وكمان يا عم شريف أنت ناسي إن ليك نسبة في الشركة وبتاعتك زي ما هي بتاعتي.
فتمتم شريف بضيق قائلاً: فارس قولتلك مليون مرة دي شركتك ومش معنى إني ساعدتك يبقى آخد تعبك ومجهودك.
ليأتيه صوت فارس قائلاً: مش عارف أقولك إيه يا شريف، أنت فعلاً أخويا… وتابع بحديثه قائلاً: أخبار الشغل إيه صحيح؟
ليتأمل شريف أحد الأوراق قائلاً: متقلقش كله تمام، روح انبسط مع مراتك.
وأغلق الهاتف في وجهه وهو يبتسم، حتى وجد هاتفه يرن ثانية ولكن برقم أخيه هشام الذي هلل قائلاً: بارك لي يا شريف.. نهى حامل!
………………………………………………………….
مسحت دموعها بسبب ذلك البصل اللعين، حتى وجدت أمها تضحك قائلة: عشان تبقي ست بيت شاطرة، لازم تحاربي البصل.
فتمتمت زهرة قائلة: ما أنا بسبب بصلك يا ست الكل قررت أسيب المطبخ كله ليكي وأدور على شغل، وحاربي أنتي البصل يا نور عنيا.
فطالعتها أمها قائلة: شغل إيه يا بنتي، مش كفاية أختك متبهدلة؟ أنا لولا إن معاها حازم مكنتش رضيت أبداً.. ربنا يكرمك بإنسان يهنيكي ويسعدك بلا شغل بلا هم.. ما أنا اشتغلت في شبابي وسيبت الشغل عشان أربيكم بعد ما خسرت بسببه أخوكي.
ودمعت عين والدتها بالذكريات، فاقتربت من والدتها وهي تشفق عليها بسبب هذه الذكرى رغم أنها لا تذكرها.
زهرة بحنان: يا ماما ده قضاء ربنا ومن سنين طويلة.. ادعي له.
فنطقت والدتها بصعوبة قائلة: يا حبيبي الحُمى كانت جاية جامدة عليه ومستحملهاش، كان طفل صغير، لو كان عايش دلوقتي كان زمانه راجل كبير.
فابتسمت زهرة لأمها بحب قائلة: يا ماما يا حبيبتي، ربنا مش بيحرمنا من حاجة غير لما بيعوضنا بغيرها، وقبل ده كله لكل بلاء حكمة يصحبها الخير.
فمسحت أمها دموعها، وهي تُتمتم قائلة: الحمد لله، أنا راضية يارب سامحني..!
…………………………………………………………
نظر حازم بدهشة لما سمعه منذ لحظات، حتى تابع هو بحديثه قائلاً: مالك يا حازم؟ هو طلبي ضايقك؟
فابتسم حازم بسعادة قائلاً: بس أنت مشوفتش زهرة غير مرة واحدة، إزاي عايز تتقدم ليها؟
فتأمل شريف معالم الغرابة التي ارتسمت عليه حتى قال وهو يربت على أحد أكتافه: وهي المرة دي متكفيش إني أتقدم ليها؟ ها، قولت إيه؟
لتلمع عين حازم بحب قائلاً: القرار مش بإيدي، أنا هكون مرسال، بس أتمنى من كل قلبي إن زهرة تبقى ليك يا بشمهندس.
………………………………………………………….
دلفت داخل شقتهم بتعب وهي تحمل أوراقها بخيبة أمل، حتى وجدتهم جميعهم يجلسون ويتسامرون..
فتأملها حازم وجميلة بسعادة وأيضاً والدها.
حتى وقفت والدتها واقتربت منها لتحتضنها قائلة: مبرووك يا زهرة يا حبيبتي!
 

رواية زوجة أخي.
بقلم سهام صادق.

الفصل الثالث
​سقطت دمعة تلو الأخرى مع كل ذكرى تحيا بداخلها إلى الآن.. حتى مسحت دموعها سريعاً وهي تخاطب صديقتها قائلة: “بس أنا يا ريم لسه منستش اللي حصلي، أنتِ عارفة يعني إيه أول إنسان يعلمك الحب هو اللي يخذلك؟”.
فنطقت صديقتها بأسف على حالها قائلة: “زهرة، لازم تفوقي من الماضي، هشام كان درس واتعلمتي منه وخلص خلاص.. هشام كان وهم ومات”.
لتهطل دموعها ثانية وهي تتحدث بأسف قائلة: “يعني إيه يا ريم، أوافق على العريس؟”.
فاقتربت منها صديقتها لتضمها إليها بحنان قائلة: “باباكي ومامتك مبسوطين بالعريس، فرحيهم يا زهرة وافرحي.. وكمان يا ستي ده واحد هياخدك فرنسا وهيعيشك في مستوى كويس وشاب أمور..” ثم غمزت لها ريم بعينيها قائلة بخبث: “مش هو برضه الواد البارد المستفز اللي حكتيلي عنه أول ما جيتي من الفرح؟”.
فانفجرت شفتا زهرة بضحكة حالمة قائلة: “تفتكري إنه عوض ربنا ليا؟”.
فنظرت إليها ريم بحنو وهي تتذكر كل ما مرت به صديقتها حتى قالت بتنهد: “بصي يا زهرة، معرفتك بهشام كانت غلط.. إيه أعرف واحد من على النت وأثق فيه؟”. وكادت أن تتحدث زهرة لتدافع عن ثقتها به وحسن نيتها، حتى تابعت ريم قائلة: “هتقوليلي إنكم اتقابلتوا في الحقيقة وكان زي ما أنتِ متصوراه وكان شخص عادي.. بس ديه مرة واحدة يا زهرة، عارفة يعني إيه؟ وكمان كانت صدفة وأنتِ اللي عرفتيه بنفسك”.
لتتذكر زهرة ذلك اليوم شاردة فيه.. حتى ابتسمت ابتسامة باهتة تداري فيها أوجاعها قائلة: “أول رحلة في حياتي أطلعها مع جميلة كانت لشرم، قابلته صدفة هناك في قرية كان هو المدير بتاعها.. مصدقتش نفسي إن القدر ممكن يلعب لعبته”. وابتسمت ببلاهة عندما تذكرت مغازلته لها وهو يقول: “طلعتي قمر يا زهرة!”.
وعادت تمسح دموعها ببؤس حتى تحدثت ريم قائلة: “وانتهت القصة الجميلة بأنه سابك عشان يتجوز ست الحسن والجمال بنت صاحب المنتجع…”.
فضحكت زهرة قائلة: “بتتريقي عليا صح يا ريم؟ بس عارفة، أنا نسيت هشام بس للأسف منستش وجعه”. ومسحت ما تبقى من دموعها حتى قالت: “أنا هوافق على العريس، وهبني ليا حياة جديدة!”.
فابتسمت صديقتها بفرح، وهي تتأمل معالم وجهها حتى قالت بحنان: “ربنا يسعدك يا زهورة!”.
………………………………………………………….
وقف يتأمل ظلام الليل من شرفته، وهو يتنفس الهواء المصحوب بدخان سيجارته.. وعاد بذاكرته للوراء ليوم أن رآها ترتدي دبلة لرجل آخر غيره، فقد كان يسير دوماً بمبدأ “انثر على جروحك ملحاً كي تطيب” وهذا ما فعله؛ فاليوم الذي قرر أن يهاجر فيه البلاد هو نفسه اليوم الذي خُطبت فيه لغيره، بعد قصة حب عاشت بداخله منذ أن ولدت وهو طفل في الخامس من عمره.. فضحك باستهزاء وهو يوقف ذلك الشريط اللعين ويلعن نفسه مئة مرة لقدومه مرة ثانية لحياته التي هجرها.
رنّ هاتفه ليعلن عن اتصال، فتأمل الاسم قليلاً قبل أن ينبعث صوته ليتحدث قائلاً: “ازيك يا رامز؟”.
فجاءه صوت رامز الضاحك قائلاً: “فرنسا كلها وحشتها”، وتابع بحديثه قائلاً: “وديانا هتموت وترجع”.
فتأفف هو بضيق قائلاً: “سيبك من ديانا وقولي أخبار الشغل إيه؟”.
فهتف صديق غربته قائلاً: “كله تمام متقلقش، وأنا ببعت ليك كل حاجة تخص الشغل على إيميلك.. بس شكلك مش فاضي تبص على أي حاجة.. إيه مصر بقيت حلوة كده عشان تخليك تنسى الشغل ومشاريعك؟”.
ليتحدث شريف قائلاً وهو يلعن تلك الطاحونة التي وضعه فيها فارس لكي يكمل عنه تصميماته وأعماله إلى أن يعود من رحلة زواجه: “معلش يا رامز بس مضغوط في شركة فارس الأيام ديه، لأنه مسافر… عقبال عندك أصله اتجوز من أسبوع”.
فأتاه صوت رامز الضاحك قائلاً: “حاجتين ربنا يبعدني عنهم؛ الجواز وإني أنزل مصر تاني..”.
ليشفق شريف على حال صديقه، فلكل تارك لبلاده قصة جعلته يفر دون رغبة في الرجوع وكأن الوطن أصبح وباءً.
…………………………………………………………
جلس باسترخاء على مكتبه الفخم الذي دوماً قد حلم به.. ففتح عينيه على صورة زوجته القابعة على مكتبه وهي في حضن أبيها.. فظل يتأملها قليلاً إلى أن حنّ لوجه طفولي قد عصف به.. فأخرج هاتفه ليبحث فيه عن صورة وحيدة لها ما زال محتفظاً بها، وقد أخذها لها دون أن تلاحظ، وقد كانت الصورة تحتوي على بعض السائحين.
ليتذكر اليوم الذي قابلها فيه وقد كانت فعلاً ملاكاً كما كان يتخيلها؛ فنظر باسماً وهو يتأمل ملامحها وضحكتها وهي تحادث أختها وتشير بأصبعها على أحد السياح، ليتنهد قائلاً: “وحشتيني أوي يا زهرة، كنتي أنقى إنسانة عرفتها ونورت حياتي.. بس للأسف حظك وقعك مع إنسان مش بيفكر غير في نفسه وبس”.
وأغلق هاتفه سريعاً عندما أحس بأن الحنين سيأخذه لذكرى راحلة.. وبدأ يتابع أعماله على حاسوبه الشخصي.. حتى رن هاتفه ليرد بحبور: “ازيك يا عمي؟ نهى الحمد لله كويسة.. والقرية تمام”.
ليأتيه صوت أحدهما يضحك قائلاً: “جوز بنتي طول عمره شاطر ودماغه عجباني، سلملي على نهى وخد بالك منها”. وقبل أن تنتهي محادثته مع والد زوجته، سمع صوتاً أنثوياً يتحدث بمياعة: “هنروح فين يا بيبي؟”.
ليضحك هشام على أفعال حماه وهو يتمتم: “بيبي..”، وتابع بحديثه قائلاً: “ادلع وانبسط يا بيبي”.
………………………………………………………….
هتفت نسرين بسعادة وركضت نحوه لتتعلق برقبته قائلة: “بجد يا شريف هنروح النهاردة نشوف العروسة؟”.
فابتسم شريف وداعب وجنتي أخته قائلاً: “شريف حاف كده؟ فين أبيه يا بت راحت فين؟”.
فضحكت نسرين وتأملت وجه أمها البشوش قائلة: “أنا كبرت دلوقتي وبقيت مدام..”.
فحضنها بحب وهو يرى دموع والدته التي تقف أمامه.. فترك أخته وذهب إليها ليضمها إليه بحنان قائلاً: “بتعيطي ليه دلوقتي يا ست الكل؟”.
فنطقت أمه وهي تغالب دموع سعادتها: “البيت من غيرك كان ضلمة يا حبيبي، وروحي كانت رايحة مني… ربنا يفرحك يا بني ويكرمك”.
فرفع كفي أمه الاثنين وقبلهما وهو يبتسم قائلاً: “ربنا يخليكي ليا يا أمي وأعيش طول حياتي تحت رجليكي.. سامحيني إني سيبتك.. بس كان غصب عني”.
فرفعت أمه عينيها إليه وهي تبتسم قائلة: “مسامحاك يا شريف وحاسة بيك..”.
لتأتي نسرين إليهم قائلة بدعابة: “ابنك عريس يا منى وبتعيطي؟ يا ست أنتِ زغرطي!”.
وكادت والدته تستجيب لفكرة أخته المجنونة حتى قال: “ماما أبوس إيدك بلاش فضايح..”.
وتركهم وهو يضحك، حتى أتى بفكرة لقاء اليوم فأخذ يتمتم بإحباط: “شكلي هصلح غلطة بغلطة!”.
………………………………………………………….
أخذت تتأمل أثر اعتدائه عليها ليلة أمس وهي تتأوه من الألم حتى دمعت عيناها لتسمع طرقات طفلها الصغير على الباب قائلاً: “أيوه يا شريف يا حبيبي، أنا طالعة أهه”.
فسكبت على وجهها قطرات الماء كي تزيل أثر دموعها، وأكملت ارتداء ملابسها لتغطي أثر الكدمات عن جسدها، وخرجت إليه لتنحني بجسدها أمامه قائلة وهي تمسح دموعه: “مالك يا حبيبي زعلان ليه؟”.
فخرجت الكلمات من فم صغيرها بصعوبة قائلاً: “اللعبة بتاعتي اتكسرت يا مامي”.
فضمته إليها بحنان وأخذت تلامس جسده الصغير وهي تتمتم: “حال مامي زي لعبتك يا حبيبي.. بس اللعبة ممكن يجي غيرها، أما أنا فخلاص مُت بسبب أنانيتي وحبي للمظاهر”.
…………………………………………………………
وقفت أمها وراءها وهي تتمتم: “يا بنتي يلا اخرجي بقى للناس”.
فرجعت بأقدامها للخلف قائلة: “هو أنا لازم أخرج؟”.
فابتسمت أمها بسعادة قائلة: “يا بنتي بطلي كسوف، الراجل مستني بره هو وأمه وأخته وجوزها.. يلا يا زهرة أنا مش عارفة مش طالعة زي جميلة أختك ليه”.
فتذكرت هي موقف أختها التي تركتها هي وحازم في مثل ذلك اليوم من أجل أن يروا إحدى الشقق من أجل زواجهم المعطل منذ عامين، فضغطت على شفتيها بحنق قائلة: “متفكرنيش ببنتك ديه، ماشي يا جميلة أنتِ وحازم”.
وسارت بهدوء نحو غرفة صالونهم المتواضعة وهي تقرأ بعض الآيات ويداها تهتزان بأكواب العصير.
وعندما وصلت إلى “اللامفر”، وجدت وجهاً بشوشاً يطالعها لتسمع صوت سيدة أنيقة قائلة: “ما شاء الله.. قمر يا شريف”.
لتبتسم والدتها قائلة: “ده من ذوقك يا حاجة، قدمي العصير يا زهرة للضيوف”.
فأخذت زهرة تطالع الأكواب بتردد متذكرة نصائح والدتها من أجل التقديم… وسارت نحو حماتها التي يبدو عليها الطيبة، ثم إلى تلك الفتاة التي يبدو أنها في شهورها الأخيرة بسبب انتفاخ بطنها.. ثم إلى الرجل الذي بجوارها ويبدو أنه زوجها.. وجاء دور والدها الذي ضحك ببشاشة قائلاً: “قدمي لخطيبك الأول يا حبيبتي”.
فاقتربت منه وهي تهمس بصوت أنثوي راقٍ قائلة: “اتفضل”.
ليرفع هو أحد حاجبيه بشك من تلك الفتاة التي كان أول معرفته بها صداماً وجنوناً بسبب أفعالها… وكاد أن يمد يده كي يأخذ كوب العصير ولكن هيهات.. قد انسكب العصير على بدلته التي يبدو أنها غالية الثمن.
لتقترب أمها قائلة: “إيه اللي عملتيه ده؟ إحنا آسفين يا بني”.
فوجدها تبتعد عنه بخجل حتى شعر هو بها فقال بهدوء: “مفيش حاجة حصلت”.
فابتسمت أمه بطيبة قائلة: “محصلش حاجة يا جماعة، تعالي يا زهرة يا حبيبتي جنبي..”. ونظرت إلى ابنها الذي يطالع بدلته بتأفف حتى قالت: “وأنت ممكن الحج يقولك فين الحمام وأنقذ ما يمكن إنقاذه”. وضحكت وهي تتأمل ملامحه فربطت على يد زهرة بحنان قائلة: “حد يطول القمر ديه توقع عليه العصير؟”.
ليخرج صوت ممدوح الضاحك وهو يتذكر نفس فعلة زوجته حتى غمز لها قائلاً: “مبتفكركيش بحد الحكاية ديه؟”.
فضحكت نسرين بحب وهي تتأمل ملامحه قائلة: “قلبك أسود يا زوجي العزيز”.
وتحولت تلك الزيارة الكئيبة للضحك والمداعبات حتى شعرت الأسرتان بالألفة..
………………………………………………………….
ضحكت جميلة بقوة إلى أن سمعت صوت أمها المحذر قائلة: “جميلة!”.
لتنظر جميلة إلى أختها التي ما زالت هائمة فقالت بهدوء: “خلاص يا ست الكل، معلش يا زهورة أصلي بتخيلك وأنتِ بتدلقي على شريف العصير..”، وتابعت بحديثها قائلة: “حد قدك يا عم؟ هتسافري فرنسا معاه، لأ واسمع كمان إنه عايش في شقة قصاد برج إيفيل”.
فنظرت زهرة إلى جميلة دون استيعاب حتى قالت بسعادة: “مين قالك كده؟”.
فتأملتها أمها قائلة: “ربنا يشفيكي يا بنت بطني، يا بت أنتِ مش من شوية قولتي لأبوكي إنك مش عايزة تبعدي عننا؟”.
فلمعت عين زهرة قائلة: “يا ماما ديه فرنسا! بس يا ست الكل هو قال فترة بسيطة هيخلص شغله هناك وهنرجع تاني”.
فتأملتها جميلة بمشاغبة قائلة: “صبرتي ونولتي!”.
وما كان من أمهما سوى أن تمتمت بسعادة: “ربنا يسعدكم يا بناتي”.
………………………………………………………….
نظرت إليها منى بإشفاق لما فعله ابنها حتى قالت بأسف وهي تتأمل أعين ابنتها نسرين: “شريف بيقولك اختاري الشبكة اللي تعجبك يا حبيبتي”.
فنظرت والدتها بانبهار للأطقم المعروضة من الألماس حتى قالت: “ربنا يعينه يا حاجة، أكيد يا حبة عيني مشاغله كتير”. ومدت يدها تجاه ابنتها كي تقترب وتتأمل الأطقم المعروضة، ولكن زهرة ظلت واقفة بقهر وألم لما فعله.
فأحست بوجع وهي تحطم حلماً آخر من أحلامها؛ فخطيبها يترك والدته وأخته تختاران لها شبكتها.. أما هو فمنشغل بأعماله وأمواله. وكادت أن تفر دمعة من عينيها لم تلاحظها سوى حماتها التي أشفقت عليها… أما أمها فكانت منشغلة مع نسرين ليختاروا من بين الأطقم المعروضة طقماً مبهراً.
فاقتربت منها أمها قائلة: “زهرة، تعالي شوفي اختارت ليكي إيه”.
فنظرت لأمها التي استسلمت لأموال ذلك المدعو بخطيبها.. ولم تشعر بها، فاقتربت من أمها وهي تشير على دبلة ذهبية ثمنها لا يساوي شيئاً قائلة: “أنا هاخد الدبلة ديه وبس”.
فنظرت إليها أمها بصدمة، حتى اقتربت منها حماتها قائلة: “ليه يا بنتي؟ ده شريف موصيني أجيبلك كل اللي نفسك فيه وميهمكيش الفلوس”.
فأخذت تهز رأسها برفض وهي تطالعهم.. وكادت أن تنهرها أمها على فعلتها ولكن هيهات.

الــفــصــل الــرابــع
​جلست تتأمل مُشاغبة طفلها مع ألعابه حتي ابتسمت بحزن وهي تتذكر السبع أعوام التي قضتها في ذلك الزواج الذي عاشت في بدايته كالملكة إلى أن توفيت طفلتها التي قد أنجبتها بعد عام من زواجها وقد كانت تبلغ من العمر عامين.
لتنقلب حياتها إلى كل ذلك الحزن … وتصبح حياتها وكأنها حطاماً .. ليعلو رنين هاتفها فترى المتصل ليس إلا والدتها.
لتتحدث مريم قائلة : إزيك يا ماما.
ليأتيها صوت والدتها التي تخبرها بجمود : خالتك عزمتنا على خطوبة شريف.
فيسقط الهاتف من بين أيديها ودموعها تتساقط وهي تُتمتم : شريف هيخطب وهيتجوز ، بس شريف لسا بيحبني.
…………………………………………………………
أخذت تنظر إليه بعمق حتى تحدث قائلاً : إزيك يا زهرة.
فالتفتت زهرة حولها كي تُتابع نظرات أختها وحازم الذين قد تركوهم سوياً وجلسوا على طاولة بالقرب منهم .. لتتحدث بخجل قائلة : الحمد لله.
فأخذ يتأملها قليلاً إلى أن عاد لحديثه ثانية قائلاً : ليه مأخترتيش شبكتك وأكتفيتي بالدبلة بس؟
لتظهر لمحة حزن في أعينها ، وصمت لم يفسره حتى قال بأسف : عارف إني المفروض كنت أبقى معاكي في يوم زي ده بس ..
وكاد أن يُكمل كلامه إلى أنها أوقفته قائلة : حصل خير!
فظل يتأملها بتعجب وهو لا يعلم كيف تفكر هذه الفتاة.
ولكن ظل صوت والدتها بداخلها يخبرها بأنها تُريد أن تفرح بها وترتدي ذلك الفستان اللعين لكي تفرحهم وفقط.
ليطالعها شريف قائلاً : زهرة ممكن تكلميني عن نفسك؟
فابتسمت بابتسامة بسيطة وهي تتأمل مغزى سؤاله حتى قالت : أنا عندي 23 سنة، اتخرجت من كلية التجارة من سنة .. بحب التصميم أووي ونفسي أكون مصممة أزياء.
وضحكت بضحكة بسيطة قد جعلته يبتسم لها بعفوية .. حتى تابعت بحديثها قائلة : وبس كده!
فتأملها شريف برتياح، فهو لا يُنكر بأن اختياره لها كان من باب أن يُثبت للجميع بأنه لن يوقف حياته على ماضٍ قد علمه درساً واحداً.
(حارب من آذوك بنجاحك ..)
ليفيق من شروده على سؤال قد ألجمه ولم يعرف كيف سيجد الإجابة.
زهرة : أنت حبيت قبل كده يا شريف!
………………………………………………………….
احتضنها من خصرها كي يوقفها عن الدوران بذلك الفستان اللعين الذي قد سرق جزءاً من عقله، وبدأ يُطالعها برغبة حتى ابتعدت عنه وهي تضحك قائلة : عجبك الفستان يا هشام؟
فطالعها هشام بأعين نارية وهو يتأمل تفاصيل مفاتنها حتى قالت هي بضحكة رنانة : مالك يا هشام، الفستان مش عاجبك؟ وتابعت بحديثها قائلة : أنت متعرفش أنا عملت إيه عشان أخده من الأتيليه من صافي .. أنت عارف كانت هتموت وتأخده.. بس على مين أنا أخدته وهحضر بيه حفلة عيد ميلاد ريري.
فأخذ يُطالعها هشام حتى نطق أخيراً قائلاً : تحضري بيه فين!
فطالعته بهدوء وهي تتأمل معالم وجهه قائلة : البارتي بتاع ريري.
فقربها منه بجمود وهو يُتمتم بوقاحة : وأنا اللي فاكر جايباه تلبسهولي .. وأشار على الفستان قائلاً : وده فستان ست محترمة تظهر بيه للناس .. ده قميص نوم يا هانم.
وأبعدها عن ذراعيه وهو يتحدث بغضب : أنا غلطان إني جيت .. لاء وقول لازم أهتم بيها شوية عشان حامل .. وبلاش أغيب كتير عن البيت .. ألاقي أصلاً الهانم مقضياها مع صحابها.
وأخذ يُطالع زجاجة الخمرة الموضوعة على أحد الطاولات حتى صرخ عالياً : رجعتي للشرب تاني .. وقد كاد أن يُكمل عبارات صراخه.
حتى اقتربت هي منه بفزع قائلة : خلاص يا هشام، أنا آسفة صدقني هسمع كلامك.
واقتربت منه أكثر كي تحتضنه قائلة : أنا بحبك أوي يا هشام.
………………………………………………………….
تأملت والدتها العلبة القطيفة التي تحتوي على شبكة ابنتها حتى قالت بسعادة : مش قولتلك يا زهرة .. أكيد كان مشغول يومها .. وآه اعتذر منك وصالحك وجيه أخدك يعزمك وجابلك الشبكة .. وأخذت تُطالع الفصوص الخضراء في ذلك الطقم الألماسي قائلة : بكرة هخرس لسان كل العيلة، عشان يشوفوا بنتي خطيبها جابلها شبكة إزاي وهيعيشها إزاي.
لتُطالعها زهرة بيأس وطالعت والدها الذي انسحب كي لا يُصيبه الشلل من تفكير زوجته ..
فتنهدت زهرة بخنقة قائلة : يا ماما حرام عليكي بلاش حبك للمظاهر ينسيكي إن في حاجات تانية المفروض نفكر فيها.
فطالعتها والدتها بجمود قائلة : بلاش تتكلمي إنتي على الحاجات التانية .. فاكرة ولا أفكرك حبك للزفت اللي فضل يرسم لك الأحلام وفي الآخر راح خطب بنت واحد معاه فلوس.
فأغمضت عيناها بألم وهي لا تُصدق بأن أمها لم تغفر لها إلى أن غلطتها ومازالت تُذكرها بها .. حتى هدأت أمها بندم قائلة : إنتي النهارده قعدتِ مع شريف واتكلمتِ، ارتحتِ ليه ولا لاء؟
فطالعت والدتها بموافقة قائلة : أيوه ارتحتله، هو شخص كويس بس شكله غامض أوي ومش بيحب يتكلم عن نفسه كتير.
فضحكت أمها بمرح وهي تُطالع ابنتها قائلة : يا حبيبتي هي الرجالة العاقلة كده، نفسي أشوفك إنتي وأختك في بيتكم.. عشان أطمن عليكوا يا بنتي.
………………………………………………………..
جلس يُنفث دُخان سيجارته بعشوائية وهو يُطالع صفحات ذلك الكتاب الذي يقرأ فيه عن عالم المال .. ليأتي سؤالها على ذهنه فأخذ يتنفس بضيق وهو يتذكر كيف كان رده عندما سألته هل كان لديه قصة حب.
ولم تكن الإجابة سوى رد بارد أصبح يتقنه .. لتأتي أمه من خلفه لتربط على كتفه قائلة : مالك يا شريف؟
فأخذ يُطفئ سيجارته سريعاً ونهض لها وهو يُطالع فنجان قهوته المُمسك به وقد أعدته له بنفسها قائلاً : ربنا يخليكي ليا يا ست الكل.
فجلست على أحد المقاعد وجلس هو بجانبه لتبتسم قائلة : قولي مالك يا بني، أوعى تكون خطبة زهرة عشان ترضيني وتيجي على نفسك ولا عشان…
ليتحدث هو قائلاً : لاء يا ماما، أنا معملتش كده عشان مريم .. أنا نسيت مريم خلاص .. مريم بنت خالتي مش أكتر أما الحب بتاع زمان ده كان كلام فارغ وهبل عيال.
وتابع حديثه بتنهد قائلاً : لازم يبقى ليا زوجة وبيت وأولاد .. أنا نجحت في شغلي الحمد لله وقدرت أوصل لأحلامي.
لتغمره أمه بدعائها قائلة : ربنا يكرمك يا بني، وزهرة شكلها بنت حلال وطيبة.
………………………………………………………
أدمعت عيناها وهي تستمع لحديث صديقتها حتى قالت : مرديش يتكلم عن حياته القديمة يا ريم، عارفة أنا كنت هصارحه بحكايتي مع هشام.
لتسمع صوت صديقتها وهي تُنهرها قائلة : أوعي يا زهرة تقوليله حاجة .. الراجل الشرقي مهما سافر وعاش حياته لازم يحس إن مراته مكنش ليها أي قصص عاطفية أو تجارب قبل كده.. ثم تابعت حديثها قائلة : وأظن إنه ليه ماضي زيك .. يبقى خلاص يا زهرة بلاش إنتوا الاتنين تدوروا في اللي فات.
ثم بدأت ريم تقص عليها فسحتها مع زوجها وماذا فعل لها منذ يومين .. حتى لمعت عين زهرة بسعادة وهي تتخيل كل ذلك مع شريف .. وتنهدت بعمق وهي تستمع لصديقتها حتى قالت : ربنا يسعدك يا ريم.
فانتبهت ريم لثرثرتها دون شعور بأنها جعلت رفيقتها تبني أحلامها .. وبعد أن انتهت مُحادثتهم الهاتفية.
أخذت زهرة وسادتها بين أحضانها وبدأت تعبث بأصابعها لتتأمل دبلتها بسعادة لا تعلم من أين أتت .. لتدخل أختها في ذلك الوقت وهي تُغني بأغاني الحب وممسكة بيدها باقة زهور رائعة .. لتقترب منها جميلة قائلة : الحب جميل أوي يا زهرة، إمتى صح هتنزلي إنتي وشريف نختار قاعة الخطوبة؟
فسقط الاسم على أذنيها وهي لا تعلم بما تُجيب، فهي مازالت لا تعرف رقم هاتفه …
………………………………………………………..
أخذ يتذوق الطعام بضيق حتى صرخ بها قائلاً : إمتى بقى هتطبخي لينا عدل؟
لتطالعه هي بأسى بعدما رفعت بوجهها عن طبق طعامها قائلة : أظن إنك اتجوزتني وأنا مبعرفش أطبخ .. مش جاي بعد سبع سنين جواز تقولي أكلي ..
ليقذف بشوكته في طبقه بضيق وهو يُتمتم : عيشة تقرف يا بنت الحسب والنسب.
فأدمعت عيناها بألم وهي تتذكر أول عامين من زواجها، وكيف كانت تعيش ملكة لا تفعل شيئاً سوى الذهاب لمراكز التجميل والتسوق .. ولكن.
فطالعها هو بتهكم قائلاً : نفسي أفهم أنا متجوزك ليه، أكل ولحد دلوقتي مفيش مرة أكلت حاجة منك عدلة .. بنتنا وبإهمالك ماتت .. الحسنة الوحيدة ليكي في حياتي يا مريم هو شريف ولولاه كنت زماني طلقتك من زمان .. بس للأسف مش عايز ابني يشوف اللي أنا شوفته ويعيش بين أب وأم منفصلين.
وكادت أن تنطق بكلمة كي تُدافع عن كرامتها، ولكن خياله هو من تبقى .. لتحمد ربها بأن طفلها نائم …
…………………………………………………………
اقتربت أخته منه تسأل قائلة : إمتى يا شريف هتختار قاعة الخطوبة إنت وزهرة؟
فطالعها هو بصمت حتى ابتسم قائلاً : إنتي يا بت إنتي مش ليكي بيت، ليل نهار ناطة لينا كده لينا.
فأخذت تزم شفتيها كالأطفال وهي تأكل حبات الرز بنهم قائلة : بحبكم وبتوحشوني كل ساعة ..
فضحك هو قائلاً : ماشي يا ستي.
ثم طالع والدته الهائمة فتحدث قائلاً : مالك يا ماما؟
فتنهدت والدته بضيق قائلة : أخوك يا شريف وحشني أوي، أهل مراته أخدوه مني.
فطالع هو والدته بإشفاق ثم أخذ يُداعبها قائلاً : مين اللي ياخد هشام منك يا ست الكل .. إنتي عارفة هشام طموحاته كتير.
غير إنه سمعت نص المُنتجع بتاع حماه بقى ملكه واشتراه.
فظهرت ابتسامة خفيفة على ملامح والدته لتتحدث بفخر قائلة : ربنا يحميكم يا أولادي وأشوفكم ديماً ناجحين .. وكادت أن تصمت إلا أنها تذكرت شيئاً قد ألجم لسانها لتتابع حديثها بتساؤل قائلة : صح يا شريف عايزة أقول لزهرة تشوف يوم عشان ننزل نختار الفستان والقاعة .. إنت ناسي إن الخطوبة بعد أسبوع؟
فأخذ يُهز رأسه بالموافقة وهو يتذكر أنه إلى الآن لا يعرف رقمها ولا شيء عنها منذ 3 أيام.
………………………………………………………….
نظرت إليها جميلة بتساؤل قائلة : إنتي رايحة فين الصبح كده؟
فلمعت عين زهرة بتحدٍ قائلة : هنزل أدور على شغل، في إيه ده مستقبلي ..
فأخذت تُطالعها أختها قائلة : ماما وبابا عارفين بالكلام ده .. وخطيبك؟
فطالعتها بتهكم قائلة وهي تُداري خيبتها بكذبة: آه عارف، يلا أنا خارجة معاكي ..
وكان نفس السؤال قد واجهها من والديها .. فابتسم أباها بإقناع بعدما أقنعته بأن خطوبتها لشريف لن تهدم به مُستقبلها، وأن الزواج ليس فقط الحياة بأكملها.
ولكن رد أمها كان : يا بنتي إنتي كلها 6 شهور وتتجوزي وتسافري مع جوزك .. شغل إيه بقى، الحاجة منى اتصلت بيا من شوية عشان تأكد علينا إن شريف هيعدي بليل ياخدنا نشوف القاعة والفستان .. ثم تابعت قائلة : إنتي مقولتيش ليه إنك اتفقتِ إنتي وشريف إنكم هتنزلوا النهارده؟
فنظرت إلى والدتها بصدمة من اتفاقها مع شريف وهو في الأصل لم يُهاتفها منذ ذلك اليوم الذي اصطحبها خارجاً مع أختها وحازم .. ليفيقها صوت أختها جميلة وهي ترتدي حذائها قائلة : يا ماما مدام خطيبها موافق سبيها، زهرة عندها حق مش كل حاجة جواز .. إيه هو إحنا اتخلقنا عشان نتجوز؟
فنظر والدهم إلى والدتهم حتى تحدث قائلاً : مكنتش متجوز أمكم بالعقلية ديه يا بنات .. ربنا يسامحك يا أبويا.
وضحك وهو يُشاهد تغير ملامح زوجته التي ضحت كثيراً من أجله وتحملت معه ظروف الحياة.. ولكن في النهاية هي بشر وبها أيضاً عيوب.
وكادت أن تتحدث والدتهم حتى وجدت ابنتيها يغلقان الباب خلفهما فتمتمت بغضب قائلة : إنت اللي مقوي البنات ديه عليا.
فطالعها زوجها بحنان قائلاً : يا أم جميلة .. سيبي البنات يختاروا حياتهم .. وبلاش زهرة تيجي عليها مش عشان مبتتكلمش ولا بتعارض نيجي عليها ونختار ليها حياتها .. وكمان يعني إيه شريف ده اللي توقف حياتها عليه .. مش معنى إنه هيعيش بنتي عيشة مرتاحة فأنا همسك فيه بإيدي وسناني وأقولها اتخلي عن مستقبلك وأحلامك، وتابع بحديثه قائلاً : ولولا إنه راجل محترم ويعتمد عليه وعجبني دماغه .. مكنتش أقنعت زهرة بيه.
فتنهدت هي قائلة : بخاف على زهرة أوي البت طيبة وبيضحك عليها .. بنتك عاملة نفسها ناصحة وهي هابلة يا منصور .. عارف جميلة أنا مش خايفة عليها زي زهرة، ربنا يصلح لهم الحال.
فطالعها منصور بشك من هدوئها قائلاً : بس إنتي عمالة تحلوي كده ليه يا ست إنتي!
…………………………………………………………
نظرت إلى جميع الفتيات الجالسات بكامل أناقتهن ينتظرن مُقابلة المدير من أجل الحصول على تلك الوظيفة التي قد أعلنوا عنها في بعض المواقع الإلكترونية .. لتهتف سكرتيرة ذلك المدير قائلة : آنسة زهرة، اتفضلي.
فأخذت زهرة تُطالع نظرات تلك الفتيات بخوف، وأخذت تُتمتم قائلة وهي تتأمل أوراقها: ربنا يُستر.
وبعد طرقة خفيفة قد طرقتها قبل أن تردف للداخل، سمعت صوت أحدهما يتحدث مع آخر في أمور تخص العمل والصفقات.
فرفعت وجهها لتشاهد وجه رجلين .. أحدهم يجلس خلف مكتبه والآخر يجلس في الكرسي المُقابل له ويتسامرون براحة وكأنهم رفقاء، فتأملها ذلك القابع خلف مكتبه قائلاً وهو يُشاهد ملفها الشخصي : آنسة زهرة مش كده؟
فحركت رأسها بالإيجاب دون أن تتفوه بكلمة .. حتى سمعت صوت ذلك المدير البغيض يتهكم قائلاً : إنتي مأخدتيش بالك من إعلان التوظيف إن مطلوب خبرة لا تقل عن عامين؟
وبدأ يُحادثها ببرود، ثم خاطب صديقه .. الذي التفت كي يُشاهد وجه تلك الفتاة التي لم تتحدث سوى بكلمة .. لتلجمه الصدمة فوقف قائلاً : زهرة!
​

الفصل الخامس
​أخذت تُحدق به بصدمة وهي لا تُصدق… بأنه يجلس أمامها الآن.. فقد تغيرت ملامحه وأصبحت أكثر خشونة.. حتى تلك اللحية التي تراها به قد جعلته شخصاً آخر.. ولولا أنها لم تنسَ ملامحه التي عشقتها يوماً… لكانت ظنت بأن قلبها قد عاد لحنينه.. ولكن
صوت ذلك المدير الذي يُعد معها المُقابلة قد أفاقها من شرودها وهي يُتمتم: أنتِ تعرفين الآنسة.. يا هشام
فأخذ يُطالعها هشام بحنين.. وهو يتأمل كل تفاصيل وجهها البريء الذي لم يتغير إلى اليوم.. فحبيبته التي أطفأها.. تقف اليوم أمامه… فتنهد بأسى وهو يتذكر ما فعله بها وخذلانه لها بسبب زواجه
وهتف بحنين: أنا والآنسة زهرة معرفة قديمة يا رامي
فابتسم رامي بود وهو يتأمل ملامحهما ثم ألقى نظرة على أوراقها قائلاً: تقديرك العام جيد جداً… أمممممم ممتاز
وتابع بحديثه وهو لا يجد كلاماً يتحدث به: تقدري تتفضلي يا آنسة زهرة.. وأكيد لو اتقبلتِ في الوظيفة هنبلغك
لتسحب زهرة أقدامها بضعف… وهي هائمة في عالم آخر.. فكل ما دار في تلك المُقابلة لم تسمع منه حرفاً واحداً
وخرجت راكضة من الشركة وهي تتنفس بصعوبة.. ودموعها تنساب بغزارة على وجهها.. وهي لا تصدق بأن القدر جمعها بهشام في تلك الفترة التي كان لا بد فيها أن تأخذ خطوة بحياتها
وبدأت تُخرج هاتفها بارتعاش.. لتبحث عن رقم صديقتها
وضغطت على زر الاتصال سريعاً وما من لحظات حتى سمعت صوت صديقتها تُهاتفها
لتنطق هي بصعوبة: أنا قابلت هشام يا ريم.. قابلته
………………………………………………………..
وقف هشام سريعاً وهو يسحب مفاتيح سيارته التي وضعها على مكتب صديقه قائلاً: رامي.. زي ما اتفقنا اقبل زهرة في الوظيفة.. أرجوك
فتنهد رامي بيأس وهو يخبره: حاضر يا هشام.. مع أنك عارف أني مش بحب الوسايط.. بس عشان خاطرك أنت يا صديقي
وكاد أن يُكمل رامي بحديثه ليعرف منه كم يوم سيقضيه هنا.. قبل رجوعه إلى شرم الشيخ
ولكن انصراف هشام السريع.. جعله يجلس على كرسي مكتبه ثانية
أما هشام فأخذ يسير في رواق الشركة يلتف حوله.. وهو يُتابع أوجه كل فتاة أمامه… إلى أن خرج من شركة صديقه متنهداً بيأس: روحتِ فين يا زهرة
وأخذ يغمض عينيه وهو يحفر ملامحها في عينيه.. فقد عاد إليه الحنين الذي قتله…
………………………………………………………….
جلست على فراشها بتعب وهي تتأمل ملامح صديقتها قائلة:
ليه شوفته النهارده يا ريم.. ليه منستهوش
فنظر إليها ريم وهي تَلعن ذلك المُسمى بهشام: عشان هشام ده إنسان خسيس وزبالة.. ما كنا صدقنا أنك نسيتيه
لتضحك زهرة بيأس وهي تتذكر أن اليوم سوف تذهب مع والدتها وخطيبها الغامض الذي يعتبر عريس لقطة بالنسبة لوالدتها
قائلة: بعد اللي حصل النهارده مفتكرش أني نسيته يا ريم.. للأسف لسا بحبه
لتسقط تلك الكلمة على مسمع والدتها وهي تردف إلى حجرة ابنتها قائلة بغضب: لسا بتحبي مين يا ست زهرة..
فتنهض ريم وهي ترى والدة صديقتها.. متأملة وجه زهرة الشاحب: يا طنط.. زهرة متقصدش حاجة
فتجلس نعمة بضيق وهي تتأمل ابنتها: مش واحد شوفتيه في رحلة واتعرفتِ عليه مرة ولا اتنين وبعدين اتكلمتوا شوية على الزفت اللي اسمه فيس.. تقومي ” تحبيهولي ”
فأخذت الصديقتان.. تتأملا ملامح بعضهما… فوالدتها لا تعلم إلا نصف الحكاية
وتابعت والدتها بحديثها وهي تنهض: الحاجة منى اتصلت ولغت الميعاد بتاع النهارده.. عشان أخو خطيبك جه فجأة ليهم
وخرجت والدتها وهي تسب وتلعن في غباء ابنتها…
لتحتضنها صديقتها بعجز قائلة: معلش يا زهرة.. طنط لما بتتعصب بتنسى نفسها..
فأدمعت عين زهرة وهي تلعن ضعفها منذ عام عندما قصت على والدتها نصف حكاية حبها لهشام.. ظناً منها أنه سوف يأتي لخطبتها كما كان يخبرها…
ونطقت بألم: يارتني ما كنت ضعفت وحكيت ليها
………………………………………………………….
جلست منى بجانب أولادها الاثنان وهي تضحك من قلبها قائلة: لو تعرفوا أنا فرحانة النهارده إزاي يا ولاد… قلبي هيطير من الفرحة وأنا شيفاكم جنبي
لتركض نحوهم نسرين.. كي تجلس على أقدام أحدهما
فيضحك هشام قائلاً: إنتِ مالك بتتقلي كده ليه..
ليبتسم شريف لمزحة أخيه وهو يتأمل ملامح أخته الغاضبة قائلاً: مش أنا لوحدي اللي قولت كده.. عشان تعرفي أنك بقيتي شبه الباندا
فوقفت هي بتذمر وهي تُطالع والدتها: شايفة يا ماما ولادك بيتريقوا عليا إزاي
فتأملتهما منى وهي تضحك بحنان.. قائلة: بيهزروا معاكي يا عبيطة
ليردف ممدوح إليهم وهو يهتف بغضب مصطنع: بتزعلوا مراتي ليه.. وتابع بحديثه: شايفة مش بقولك نسافر الإمارات ونعيش هناك.. وإنتِ تقوليلي لأ
لتتغير ملامحها سريعاً… وهي تتأمل زوج ابنتها قائلة بصدمة: تسافر فين يا ممدوح.. أنتِ وعدتني أن بنتي مش هتبعد عني.. مش كفاية أخواتها كل واحد فيهم شاف حياته ونسيني
ونهضت من جانب أولادها… وهي تتذكر زوجها الراحل قائلة: ياريتك كنت عايش لحد دلوقتي يا محمود
فنهض شريف خلفها ليحتضنها بأسف: يا ماما يا حبيبتي.. محدش هيبعد عنك ويسيبك
ليرمق هشام ملامح ممدوح بضيق: ضيعت القاعدة أه علينا.. وزعلت مرات عمك.. قوم صالحها
وما كان من ممدوح سوى أن استجاب لطلبه دون أن يتفوه بكلمة.. فهو يعشق زوجة عمه التي يعتبرها أماً ثانية له
واحتضن هشام.. نسرين الواقفة تُتابع كل ما يحدث بصمت قائلة لها بحب: احكيلي بقى يا نونو.. خطيبة شريف حلوة ولا.. أخوكي أدبس
………………………………………………………….
نظرت إلى أختها بسعادة رغم حزنها.. لتتأمل فرحتها هي وحازم بعدما وجدوا شقة من أجل إتمام قصة حبهم
لتقترب جميلة منها قائلة بغمز: عقبالك يا زهرة لما تتجوزي إنتِ وشريف
فخفضت زهرة رأسها سريعاً وهي تستمع لأختها.. وثم وجدت عين والدتها تُحدق بها بقسوة
حتى اقترب حازم من خالته قائلاً بخبث: مالك يا خالتي بتبصي للبت زهرة كده ليه.. وبدأ يضع دعابته في حديثه: أوعي تكوني عملتي حاجة يا زهرة تزعل الجميل ده مننا
فرمقته خالته بنظرة غاضبة.. إلى أن ضحك منصور قائلاً بفكاهة: خالتك دي شكلها قلبت على ريا لما كبرت
وضم زهرة إلى أحضانه وهو يهمس في أذنيها: حاسس فيكي حاجة يا بنتي..
وعندما وجدت نعمة دموع ابنتها أوشكت على الهبوط.. غادرت المكان قائلة: تعالي يا جميلة نحضر العشا
فلمعت عين زهرة وهي لا تُصدق بأن والدتها نفذت تهديدها لها.. عندما طلبت منها ألا تُكمل في تلك الخطبة التي لا تشعر بها.. ولكن ردها كان
” لساني مش هيخاطب لسانك لو فكرتِ تعملي كده يا زهرة.. وقلبي عمره ما هيرضى عنك ”
فأفزعها حازم بصوته.. ليُفيها من شرودها: قررتوا تعملوا الخطوبة فين إنتِ وشريف.. على فكرة الفندق اللي روحناه يوم فرح فارس.. ملكه
وداعبها بحديثه: وقعتِ واقفة يا زهرة.. بس أوعي تنسي حزومتك.. لأحسن أدعي عليكي دعوة أسخطك
لترتسم ابتسامة بسيطة على شفتي زهرة.. إلى أن هتف منصور بعدما طالع وجه ابنته: طلعنا منك بفايدة يا واد يا حازم النهارده
………………………………………………………..
سيجارة تلو الأخرى أخذ يُشعلها في شرود.. إلى أن اقترب منه أخيه قائلاً:
بتشربي سجاير يا هشام مش معقول
فالتفت إليه هشام ضاحكاً.. وهو يُتمتم: شوفت بقى السنين بتغير..
فحدق به شريف للحظات.. ومن ثم ابتسم له بحنين: عارف يا هشام… لحظة وجودنا سوا بيخليني أكره الغربة وأكره ضعفي إن سيبتكم وسافرت
ليطفئ هشام لهيب سيجارته.. بعدما نفث دُخانها بعمق وهو يتأمل المساحة الفارغة التي تطل عليها ساحة منزلهم
وبدأ يشرد في سنين مراهقتهما معاً قائلاً: فاكر أحلامنا يا شريف
فلمعت عين شريف وهو يتذكر أحلامهم: أننا ما نفترقش عن بعض أبداً مهما حصل
ليعم الصمت للحظات.. إلى أن تنهدوا سوياً
ليلتف هشام قائلاً: مبروك على الخطوبة
فطالعه شريف بعجز وهو لا يشعر بأي شعور نحو تلك الكلمة… ليبتسم هشام قائلاً: مبتحبهاش صح.. وللأسف لسا بتحب مريم
فرمقه شريف باعتراض خفي قائلاً: هتجوز وهعيش حياتي.. وحبي لمريم خلاص مات
ووضع بكفيه نحو كف أخيه وهو يُتمتم: وهتظلم نفسك وهتظلمها يا شريف صدقني..
ليعود به الحنين إلى اليوم الذي تزوج به نهى.. تلك الزيجة التي اختار فيه العقل القرار..
……………………………………………………….
وقفت مصدومة في رواق المشفى وهي تُشاهد والدها وعم زوجها واقفان أمام غرفة العمليات
واقتربت منهم بجسد مرتجف قائلة: مجدي كويس يا بابا صح
فلمعت عين والدها وأخذ يحتضنها بدفء.. وهو يخشى أن تفقد ابنته زوجها.. فالحادث الذي وقع به زوجها.. كان صاعقاً
ليخرج الطبيب متطلعاً إلى وجههم قائلاً بأسف: البقاء لله
………………………………………………………….
أخذ هاتفها يُدق برقم غريب.. فتناولته بصمت وهي ترى نظرات والديها تُحاوطها
فنظر إليها والدها قائلاً: ردي يا بنتي.. يمكن الشركة اللي إنتِ روحتِ تقدمي فيها قبلوكي ولا حاجة
فابتسمت زهرة وهي ترى الأمل يلمع في عين والدها.. فتمتمت بخفوت: مفتكرش يا بابا.. أنا نسيت خلاص فكرة الشغل، أنا شكلي فاشلة في كل حاجة
لتلوي والدتها شفتيها باعتراض: عشان هبلة وبيضحك عليكي
وعاد الرنين ثانية بنفس ذلك الرقم.. ليأخذ منها والدها الهاتف بعدما ترك كوب قهوته.. ليُهاتف المتصل قائلاً: أيوه يا بنتي.. اه تليفون زهرة منصور.. بس أنا والدها
وظهرت ابتسامة سعادة على وجهه وهو يتأمل أعين زوجته.. وعندما أنهى الحديث نظر لزهرة بسعادة: مبروك يا بنتي
قبلوكي في الوظيفة.. مش قولتلك إني متفائل
فلمعت عين زهرة بفرحة وقد نسيت كل المشاعر الزائفة التي كانت تُحاوطها حتى أنها نسيت تُفكر للحظة كيف قد قُبلت في تلك الوظيفة رغم عدم وجود خبرة لها.. إلى أن هتفت والدتها بجمود: لازم خطيبها يعرف
ليحتضن منصور ابنته وهو يرمقها بنظرات جامدة: خطيب مين ده.. بنتي تعمل اللي هي عايزاه.. وأنا الخطوبة دي مش عجباني ومبقتش مرتاح ليها.. واسكتي خالص عشان أنا فرحان بابنتي..
فطالعتهم هي بغضب: خليك مبسوط.. لما تقعدها جنبك كده وتعنس… وبرضه لازم تقول لخطيبها
ونهضت سريعاً من أمامهم وهي تضرب كفاً بآخر
ليتأمل منصور فعلتها بصدمة.. إلى أن تحولت صدمته لضحكة عالية تعالت معها ضحكة زهرة هامساً بحنان أبوي لها: لو مش عايزة الخطوبة دي.. قوليلي يا بنتي
فصمتت زهرة للحظات وهي تستجمع شجاعتها،
ونطقت أخيراً: بابا أنا …….
…………………………………………………….
نظر إلى والدته التي عادت إليه بعدما ذهبت لتُجيب على هاتف المنزل… فهمست بأسى: أشرف جوز مريم بنت خالتك مات يا هشام
فأخذ يُحدق بعين والدته وهو لا يُصدق بما سمعت أذناه..
وكاد أن ينهض من مقعده ليقترب منها.. خشية عليها
إلى أن وجد شريف يقترب منه بعدما استعد بهيئته المُنمقة من أجل أحد الاجتماعات التي سيعقدها مع تلك الشركة التي جاء من أجلها قائلاً: بتسألوا مالكم؟ إيه اللي حصل؟
فعم الصمت للحظات بينهم جميعاً.. وكل من هشام ووالدته يرمقان بعض بنظرات قلقة
​

​الفصل السادس
​وقف يتأمل الأجواء حوله وهو لا يُصدق كل ما حدث منذ أن علم من والدته بخبر الوفاة، وتنهد بأسف ليرى أن الدنيا حقاً صغيرة.
واقترب من زوج خالته وفارس كي يُصافحهما مُقدماً لهما واجب العزاء.
فرفع طارق وجهه قليلاً ليتأمل ملامحه، ليتذكر السنين الماضية التي حطم فيها قلبين بسبب رغبته بأن يرى ابنته تعيش حياة مترفة، ولكن الآن ماذا حدث؟
زوج ابنته الغني قد أصبح تحت التراب، ومعظم أمواله قد ضاعت بسبب ديونه ولعبه للقمار.
وبعد أن تصافحت الأيدي للحظات، أخذ يُطالع كل منهما الآخر بنظرات غامضة تُداريها نظاراتهم السوداء.
ليلتف شريف بعينيه قليلاً باحثاً عن والدته وسط النساء، فيجدها تقف بجانب خالته، وبجانبهما هي؛ من تخلت عنه يوماً، تاركة حبها دون دفاع، والسبب هو إرضاء طموحات والدها وطموحاتها أيضاً.
وبدأ يتحرك قليلاً نحو خالته ووالدته قائلاً بصوت رخيم: “البقاء لله يا خالتو”.
ثم التفت بعينيه نحوها وهو يُشاهد دموعها التي تنحدر كالشلال على فراق زوجها مُتمتماً بخفوت: “البقاء لله يا مريم”.
لتبتسم خالته له بابتسامة شاحبة، أما هي فرفعت عينيها نحوه تتأمل هيبته وجموده، وهي تشرد بذهنها في الماضي عندما كانت ترتمي دوماً في أحضانه تتدلل عليه وتُشاكسه مثل نسرين.
ولكن سريعاً قد أفاقت من تخيلاتها عندما وجدته يمسك بيد خالتها مُغادرين المقابر مع باقي المعزين.
ووجدته يصعد لسيارته هو ووالدته بعدما أنهى واجب عزائه برسمية، ليحتضنها والدها بدفء أبوي قائلاً: “سامحيني يا بنتي!”.
………………………………………………………..
جلست بتوتر على إحدى الأرائك تنتظر ذلك المُدير كي تجري معه مقابلتها الأخيرة قبل أن تستلم وظيفتها، ولكن الصدمة كانت هو! هو يندرف إليها بهيبته ونظراته المُتفحصة.
فنهضت سريعاً وهي تهتف بغضب: “متقفلش الباب، خليه مفتوح لو سمحت”.
ولكنه أغلق الباب واقترب منها قائلاً بحنين: “زهرة، أرجوكي اديني فرصة أفهمك أنا عملت كده ليه”.
فخانتها دموعها وهي تتذكر صفعة الخذلان التي حطم بها قلبها البريء واستغل سذاجتها، ورغم أن حبه مازال ينبض بقلبها، ولكن الكره قد تعشش أيضاً حوله، فأصبح الحب والكره ممزوجين ببعضهما.
فحملت حقيبتها وهي تخطو سريعاً نحو الباب قائلة: “مش عايزه أفهم حاجة…”.
وتذكرت سريعاً بأنه بالتأكيد من كان سبباً في قبولها بتلك الوظيفة، وكادت أن تسحب مقبض الباب لتُغادر تلك الحجرة، ليقف أمامها بضعف: “أنا هشام يا زهرة.. أنا حبك الأول، نسيتي حبنا؟”.
فوقفت تُطالعه للحظات وهي تتذكر كل أحلامها معه، وعندما رأت ابتسامة نصر بأنه جعلها تلين عندما ذكرها بحبهما، رفعت يدها لتصفعه بقهر: “وده قلم وجعك ليا يا هشام.. أنا بكرهك، ابعد من قدامي”.
فأخذ يُحدق بها بصدمة وهو لا يُصدق بأن زهرة، تلك الفتاة التي شكلها على يديه، تقف الآن أمامه بتلك القوة وتصفعه!
وبسبب ذهوله المُفاجئ بفعلتها ودخول صديقه رامي أيضاً في تلك اللحظة، فرت هاربة وهي تُلعن غباءها الذي جعلها لا تُفكر للحظة بأن قبولها في الوظيفة كان اتفاقاً.
فجلس هشام بصمت على إحدى الأرائك، ونظرات رامي تُحاوطه بشك قائلاً: “مسمعتكش صح، عندها حق والله”.
وقبل أن يُكمل رامي حديثه وجده ينهض بضيق قائلاً: “رامي.. اسكت خالص، أنا مش ناقصك دلوقتي”.
ليعلو رنين هاتفه، فينظر لرقم المتصل بصمت، لتتعلق نظراته بنظرات صديقه ويبدأ في إشعال إحدى سجائره، وصوت رنين الهاتف يدق للمرة الثانية، إلى أن سمع صوت رسالة، فأخرج هاتفه ثانية ليرى ما بُعث إليه، فتكون الرسالة: “أنا وصلت يا هشام عند مامي مني..”.
………………………………………………………….
نظرت إليها والدتها بملامح مخدوشة بعدما فتحت لها الباب قائلة: “أنتي رجعتي بدري ليه كده؟ مش النهارده هتستلمي وظيفتك؟”.
فأردفت زهرة للداخل وهي تخلع عن قدميها حذاءها وتمتمت قائلة: “سيبت الشغل خلاص، مش أنتي عايزة كده؟”.
فلمعت عينا والدتها بشك واقتربت منها بحنان: “مالك يا زهرة؟ أوعي تكوني فاكراني مش حاسة بيكي يا بنتي، أنا أمك وبكرة لما تخلفي هتعرفي أد إيه غلاوة الضنا”.
واحتضنتها والدتها بدفء وهي تُداعبها كي تزيل عنها ما كانت سبباً فيه الأيام السابقة: “لسة زعلانة مني عشان هددتك قدام أبوكي لو سيبتي شريف هسيبلكوا البيت؟”.
لتتذكر زهرة ليلة أمس عندما سألها والدها عن رغبتها في الاستمرار بتلك الخطبة، وقبل أن تبلغ هي أبيها برغبتها في عدم إكمالها، كان رد والدتها التي جاءت من المطبخ هو الأسبق، لتبدأ مرحلة عراك بين والدها ووالدتها بسبب إصرارها على تلك الزيجة.
لتُحرك زهرة رأسها برفض: “لاء يا ماما مش زعلانة.. مع أني عارفة أنك هتزعليني تاني وعمرك ما هتفهميني، أشمعنا جميلة طيب مبتتخنقيش معاها؟ ولا بتدخلي في قراراتها؟”.
فابتسمت والدتها بود وهي تتذكر مراهقتها قبل أن تتزوج والدها قائلة: “عشان أنتي هبلة ومبتفكريش غير بالقلب، ومحدش بيودينا في داهية غيره.. أما جميلة كل حاجة بتحسبها بعقلها… عرفتي السبب يا بنت أبوكي؟”.
ورغم صدمتها في كل ما حدث لها اليوم، ظهرت ضحكتها.
فضمّتها والدتها إلى صدرها بحنان قائلة: “يلا تعالي نعمل لأبوكي البسبوسة اللي بيحبها.. عشان أصالحه”.
فتأملتها زهرة بخبث وقد لمعت عيناها بالمشاكسة، وما كان من والدتها سوى أن ضربتها على ذراعها: “مش أنتي السبب… ورايا على المطبخ!”.
………………………………………………………
وقف يتأمل زوجته بزيها القصير وأعين والدته تُطالعه، إلى أن نهضت نهى سريعاً وتركت كوب العصير الطازج الذي كانت ترتشف منه وركضت نحوه تُقبله: “وحشتني أوي يا حبيبي، كده تغيب عني أسبوع أنا والبيبي؟”.
وأمسكت بكفه لتضعها على بطنها التي برزت قليلاً.
فقبض على معصمها بقوة وهو يُطالعها بغضب: “إيه اللبس اللي أنتي لابساه ده يا هانم؟ جيتي من المطار بالمنظر ده؟”.
وعندما بدأت نبرة صوته تعلو، نهضت أمه نحوه وهي تُزيحه عنها: “هشام.. عامل مراتك كويس قدامي.. ديه بنت ناس”.
فأخذ يُطالع هو والدته بقهر وهو يرى نظرات عدم رضاها على زوجة ابنها، ورغم ذلك تُدافع عنها.
وزفر بضيق وهو يجلس على إحدى الأرائك، ورفع وجهه نحو زوجته بغضب قائلاً: “ادخلي أوضتي، غيري المسخرة ديه… كويس إن شريف مشفكش بالمنظر ده”.
فربتت منى على ظهرها بحنان: “روحي يا حبيبتي أوضة جوزك ارتاحي من السفر”.
فصمتت نهى للحظات تتطلع إلى وجه زوجها بندم، ومن ثم استجابت لطلب حماتها.
واقتربت منه والدته بعتاب: “مدام اختيارك.. يبقى لازم تنصحها مش تشخط وتنطر”.
وكاد أن يعترض على كلمات والدته، إلا أنها طالعته بحزم: “قوم صالح مراتك.. قوم”.
………………………………………………………
وضعت صينية الحلوى أمام والديها وهي تبتسم قائلة: “هاخد لحازم وجميلة طبقهم”.
فابتسم إليها والداها وهما يُتابعان أحد المسلسلات القديمة، وقبل أن تتجه لأختها وخطيبها التفتت إلى والديها ثانية: “اتصالحتوا طبعاً وبقيتوا سمن على عسل..”.
فحدقت بها والدتها، ثم تعالت صوت ضحكتها وهي تمسك يد زوجها وعشرة عمرها: “هو أنا برضه أقدر أزعل أبوكي؟ الكلمة كلمته والشورى شورته”.
فأخذت تُطالعها زهرة كالبلهاء، إلى أن وجدت والدها يهمس بحب: “ربنا يخليكي ليا يا أم البنات”.
فوقفت تستوعب ما يدور بين والديها للحظات، وبدأت تُشاكسهما قائلة: “يا سيدي يا سيدي على الحب.. يعني أطلع منها أنا؟”.
فحرك كل من والديها رأسيهما، لتضحك هي بسعادة وهي ترى الحب في عين والديها.
واتجهت نحو الغرفة التي يجلس بها حازم وجميلة.
فنظرت إليهما بصدمة: “أنت بتبوس إيد أختي يا حازم، يا دي المصيبة.. يا دي المصيبة.. يا حاج منصور تعال شوف اللي بيحصل!”.
فركض حازم نحوها ووضع يده على فمها: “كده يا زهرة؟ ديه مراتي يا ناس والله، مكتوب كتابنا”.
فتأملت زهرة وجه أختها المرتبك، وأخذت تُحرك حاجبيها بطفولة، لتنهض جميلة بخجل نحو طبق الحلوى الذي مازالت تحمله هي.
وابتسمت بخبث وهي تُحرك وجهها نافرة من يد حازم التي كتمت أنفاسها: “خلاص عفوت عنكم..”.
وبدأت تُشاكس أختها وهي تتأمل ملامحها: “وقال إيه ماما بتقول جميلة معندهاش غير عقل.. تيجي تشوف الحب”.
فأقتربت منها جميلة وهي تضحك من أفعال أختها وهمست بنبرة دافئة: “بكرة شريف يعلمك الحب، يا أم لسان طويل”.
ليضحك حازم مؤكداً على حديثها: “أما نشوف.. رومانسيتكم بقي..”. ثم تابع بخبث: “بس قوليلي يا زهرة أنتي وشريف بتتكلموا أمتا في التليفون؟ عايزين نرخم”.
فضحكت جميلة بعدما تناست خجلها: “مش بيتكلموا يا حبيبي، هو مش فاضي وهي علطول قافلة تليفونها، بس طنط منى مظبطاها هدايا كل شوية وأيه من أغلى الماركات”.. وتابعت حديثها بغمز: “ما أكيد حبيب القلب موصيها…”.
فاستمعت هي لدعابتهما بألم وهي تتمنى أن تعيش لو للحظة مثل تلك المشاعر التي شاهدتها بين والديها، وأختها مع خطيبها، ولكن شعورها بأنها لا شيء قد عاد إليها ثانية.
فجلست بينهم تتوسطهم: “دلوقتي الحفلة بقيت عليا، آه ما أنتوا مهندسين بقى.. وبتعرفوا تطلعوا منها”.
وصرخت بوجههم: “ولعلمكم بقى أنا وشريف.. مش راضيين نتكلم في التليفون أو نخرج سوا عشان كل ده حرام، غير إنه تعبان في شغله أوي.. عايز يخلص الشغل بسرعة عشان نتجوز ونسافر فرنسا، وأشوف الناس النضيفة”.
وبدأت تتأملهم بقرف وهي تُتابع بحديثها الذي يُمزقها: “مش أنتوا..”.
ليُطالعها حازم ضاحكاً وهو يستمع لجدّيتها، إلى أن صفقت جميلة قائلة: “أيوه بقى يا واد يا محافظ أنت، أنا قولت برضه أنك مش سهلة… يا بتاعت فرنسا والناس النضيفة!”.
ونهضت فجأة من بينهم وهي تهتف: “هات تليفونك يا حازم، عايزة أعمل مكالمة مهمة”.
وقبل أن يُناولها حازم هاتفه، أخذته قائلة وهي تُغادر الغرفة: “هعمل تليفون منه، ورجعة لكم تاني يا روميو أنت وجوليت”.
فعاد يُطالع حازم جميلة بهيام: “عملت خير والله، هو أحنا كنا بنقول إيه يا قلب حازم؟”.
……………………………………………………….
أغلقت زهرة غرفتها خلفها بإحكام، وجلست على فراشها بأقدام مُرتجفة: “أنا لازم أتصل بيه، ليه بيتصل بس بماما أو حازم؟.. لما يحسسني إني خطيبته ليروح لحاله.. أنا مش ناقصة وجع!”.
وأخذت تبحث في هاتف حازم عن رقمه الخاص، إلى أن وجدته فسجلته على هاتفها سريعاً، وتنهدت بعمق وهي تُحادث نفسها: “اتصلي بيه يا زهرة، أفهمي منه ليه بيعمل كده.. ليه ناسيكي ولا كأنك خطيبته.. مش هو اللي طلب إيدك زي ما ريم قالتلك؟”.
وتمالكت قواها، وأخذت تُرتب أفكارها بأنفاس مُضطربة.
………………………………………………….
وضع حاسوبه الشخصي على تلك المنضدة المُقابلة للأريكة التي يجلس عليها ويُتابع أعماله عندما وجد والدته تتردد إليه.
واقترب منها: “تعبتِ ليه نفسك يا ماما؟”.
فربتت منى على ذراعه بحب وهي تُناوله كوب النسكافيه المفضل له وبعض السندوتشات البسيطة: “مأكلتش كويس على العشاء.. قولت أجيبلك حاجة خفيفة يا حبيبي..”.
وجلست على فراشه بقلق: “مرات أخوك تصرفاتها مش عجباني يا شريف.. رغم أن باين عليها طيبة بس تربيتها مش زينا يا ابني”.
فاقترب من والدته وحاوطها بذراعيه وهو يُطمئنها: “هشام شخصيته قوية يا ماما وهو عارف يسيطر عليها كويس.. وبتحترمه، أظن أنتي شوفتي لما زعق فيها على العشاء أول ما شافها خارجة قدامنا بلبس مش مظبوط.. وكمان هي اختياره، فحر بقى يا ست الكل متتعبيش نفسك”.
فحاوطت والدته وجهه بين كفيها قائلة: “وأنت يا شريف.. من ساعة موت..”.
وقبل أن تُكمل والدته بباقي عباراتها، نهض من جانبها قائلاً بعدما فهم مقصدها: “أنا نسيت مريم يا ماما، وجوازي من زهرة هيتم وقريب أوي… أنا قررت أتكلم مع عمي منصور بكرة وأطلب منهم أتجوزها وأسافر علطول”.
ورغم أن كلمة سفر أصبحت تزيد همّها، ولكن زواج ابنها هو الحل الوحيد ليؤسس حياته من جديد، فابتسمت بحب وهي تنهض خلفه قائلة: “فكر كويس يا شريف.. قبل ما تظلمها”.
فطالعها شريف للحظات وهو يُفكر بقراره الذي اتخذه اليوم، عندما ذهب إلى منزل خالته بعد إصرار فارس عليه ليطمئن على أحوالها بسبب وعكتها حزناً على ابنتها، وقد رآها تجلس بشرود تحتضن طفلها الذي سمته على اسمه.
فأخذ يتنهد بعمق وهو يُلعن قلبه.
ليفيق من شروده صوت والدته: “هو أنا ليه مش بشوفك بتكلم زهرة زي أي اتنين مخطوبين؟.. وسؤالك عنها بيكون عن طريق حازم أو مامتها.. وبيكون قدامي عشان تراضيني، حتى تليفونك مفيوش رقمها..”.
وأشارت إليه والدته بأصبعها: “دورت في تليفونك يا شريف.. وفهمت دلوقتي سبب اختيارك لزهرة بالسرعة ديه…”.
وتذكرت يوم حفل زفاف ابن أختها لتُطالعه: “شريف ابني ميظلمش بنات الناس.. مش ديه تربيتي وتربية أبوك يا شريف”.
وكاد أن يُدافع عن نفسه، إلا أنه وجدها خرجت من غرفته، لتتركه يقف كالتائه وهو لا يُصدق بأنه أصبح ظالماً في نظر والدته.
ليشعر باهتزاز هاتفه في جيب بنطاله القطني، فيُخرجه ليرى من يُهاتفه.. فأخذ يُطالع الرقم الظاهر أمامه بدون اسم، إلا أنه ضغط على زر الإجابة ليسمع صوتاً أنثوياً يُحادثه: “بشمهندس شريف معايا؟”.
فهتف شريف: “أيوه، مين معايا؟”.
لترفع هي سماعة الهاتف عن أذنها وقلبها يخفق بألم، فهو لم يعرف صوتها.
وعادت تضع سماعة الهاتف على أذنها ثانية قائلة بحرقة: “أنا زهرة”.
​

الفصل السابع

​نظرت إلى كأس العصير الذي يضعه لها النادل بتوتر.. وحركت رأسها بإيماءة بسيطة كشكر.. لينصرف النادل من المكتب بعدما نفذ أوامر رئيسه..
ليردف إليها هو بعد ذلك للحظات يتبعه شخص يحمل أوراقاً يناقشه فيها.. فتنظر هي إلى كأس عصيرها.. وكأنها تُلهي توترها به.
إلى أن غادر الموظف المكان بعدما أنهوا نقاشهم بأحوال ذلك الفندق الذي جاءت إليه سابقاً يوم حفل الزفاف مدير أختها وابن خالتها حازم… وأخذت تُشغل بالها للحظات بسبب وجوده هنا ودعوته لها في مكتب المدير.. وكأنه هو المالك للفندق..
فتنحنح هو بابتسامة لأول مرة تراها فيه قائلاً: مش معقول كاس العصير عجبك لدرجة دي!
لتنصدم زهرة من حديثه ونظراتها البلهاء التي لاحظها لكأس العصير.. والتفتت نحوه باضطراب قائلة: ها؟
فنهض هو من فوق ذلك الكرسي الذي جلس عليه للتو.. وجلس على الكرسي الذي أمامها قائلاً بهدوء: تعرفي أن شكلك وأنتِ متوترة.. شبه الأطفال.
وعندما وجدها ترمقه بنظرات قاتلة… تعالت أصوات ضحكته وهو يهمس: قوليلي بقى عايزة تتكلمي معايا في إيه…
وأسند بمرفقه الأيسر على حافة المكتب.. متطلعاً إليها ينتظر حديثها الضروري الذي هاتفته من أجله ليلة أمس.
فلاحظ هو سكونها.. إلى أن همس باعتذار قائلاً: أنا آسف يا زهرة.
فطالعته باندهاش وهي تستمع لاعتذاره المفاجئ قبل أن حتى تبدأ بالحديث..
فتأملها للحظات وهو يرى دهشتها: أكيد بتقولي الشخص البارد ده بيعتذر زي الناس العادية..
فهمست هي بتساؤل: وليه ظنيت إني بقول عليك كده؟
ليُبادلها هو الحديث متجاهلاً سؤالها: عايز أسمعك يا زهرة.
ليدق هاتفه عقب تلك الجملة.. إلى أن ضحك: ثواني يا زهرة معلش.
فأخذت تُحدق به بغرابة… ولأول مرة تكتشف جزءاً من شخصيته حتى وسامته اليوم قد جعلتها تندهش.
فهو بالفعل وسيم بوسامة الرجل الشرقي الهادئة.. جسده يشبه جسد الأوروبيين وكيف لا يشبههم وهو قد عاشرهم لسنوات؟
حتى ضحكته هذه التي يضحكها للشخص الذي يُحادثه جعلتها تشك بكل شيء حولها.. وصوته.
وبعدما أنهى حديثه بلباقة فرنسية لم تفهم منها إلا جزءاً بسيطاً.. وجدته يُفرقع بأصابعه أمامها ضاحكاً: المرة دي شكل حد تاني اللي عجبك!
فرمقته بتلعثم وهي تلعن قلبها الغريب الذي جاء اليوم كي يستكشف ملامحه وتصرفاته وقد نسيت كل الحديث الذي رتبه عقلها.
لتستمتع للحظات برائحة عطره الفواحة التي قد سكرت أنفها وهي لا تعلم كيف قد ظهرت الرائحة فجأة.
فتأملها قائلاً: زهرة.. زهرة!
لتفيق زهرة من كل هذا.. مغمضة عينيها قليلاً كي تفيق من شعورها الغريب قائلة بجدية: أنا جيت النهاردة، عشان أفهم أنت ليه خطبتني مادام مش عايزني؟
فطالعها للحظات قبل أن يتمتم: قدرك يا زهرة.. حطك قدامي.. وللأسف مكنش عندي خيار تاني.
ولأول مرة كانت تشعر هي بالغباء.. فحدقت به متسائلة: مش فاهمة.
ليتنهد هو للحظات.. ويُرتب ما سوف يقوله لها.. إلى أن قص عليها كل شيء صراحةً.
فوقفت من صدمتها وهي لا تُصدق بأنها كانت مجرد غاية أراد أن يُحطم بها قلب حبيبته السابقة.
وما أفضعها من حقيقة قد علمتها..
أحبت مُخذلاً حطم قلبها..
وارتدت دبلة شخص.. أخذها هدفاً.
وماذا بمشاعرها الآن.. فأخذ قلبها يدق بعنف وهي تتأمله بصدمة.. حتى بدأت تُحرك رأسها برفض وهي لا تقوى على الحركة.
ولكن صوت اعتذاره أخذ يرن بأذنيها..
فاقترب منها ليمسك يدها.. التي نفضتها هي سريعاً: زهرة أنتِ كويسة.. تحبي أجبلك دكتور؟
فطالعته للحظات وهي لا ترى شيئاً أمامها.. سوى صورة أخرى لهشام وكأن هشام هو شريف..
فصرخت به بضعف: ليه عملت فيا كده؟ ليه؟ أنا ذنبي إيه؟ قولي! حرام عليك!
وسقطت على مقعدها ثانية، لتقع عينيها على بنصرها الذي يحتوي على دبلة خطبتها فخلعتها سريعاً وهي تضعها على المنضدة التي أمامها قائلة: كده كل حاجة بينا انتهت.. يا بشمهندس.. دور على لعبة تانية تلعب بيها دور الراجل المظلوم من حبيبته وراجع عايز يوجعها.
ووقفت ثانية ولكن بقوة عجيبة وصارت أمامه… وهي تهمس بداخل نفسها: اختارني عشان يوجع حبيبته الأولانية، ويظهر قدامهم إنه نسيها خلاص… أنت السبب يا هشام في اللي بقيت فيه.. حولتني لإنسانة ضايعة مش فاهمة نفسها ولا عارفة هي عايزة إيه.
لتتذكر طموحاتها في أول سنة دخلت بها الجامعة.. عندما كانت تقف بجانب رفيقاتها وهن يحلمن بالخطبة وفارس الأحلام.. أما هي فكل آمالها كانت أن تتخرج بتقدير عالٍ وتعمل في شركة مرموقة ويصبح لها شأن..
فوجدته يهمس لها بأسف: أنا آسف يا زهرة صدقيني مقصدتش أجرحك..
وأخذ يُطالع دبلتها التي تركتها أمامه، وهو يشعر لأول مرة بكرهه لنفسه وأنانيته.. فهو أصبح لا يختلف عن مريم شيئاً.
كلاهما حطموا أناساً.. في سبيل سعادتهم.
هي حطمته.. وهو حطم تلك الضعيفة التي خُطبت له.
…………………………………………………………
نظرت إلى هاتفها الذي يدق بأعين دامعة.. ولكن عندما أخذت تلتف حولها وجدت أن شمس النهار بدأت تغيب..
فقد جلست في تلك الحديقة التي خلف الفندق بعدما شعرت بأن قدماها لا تقوي على الحركة.
فشريف قد حطمها أيضاً.. فحتى لو لم تكن تحبه.
فهو جعلها تكره كونها كأنثى…
ليرن هاتفها ثانية بإصرار.. لتري المتصل هي أختها.
وقبل أن تتحدث بشيء وجدت أختها تبكي هاتفة: أنتِ فين يا زهرة.. ماما خبطتها عربية وهي راجعة من السوق وإحنا دلوقتي في مستشفى…
ليسقط الهاتف من يد زهرة.. وبعدما عادت لتلك الحقيقة التي من الممكن أن تفقد فيها والدتها.
ركضت سريعاً.. وهي تمسح دموعها التي سقطت ولكن هذه المرة من الخوف.
………………………………………………………
أخذ يتلاعب بدبلتها الموضوعة على راحة كفه.. وهو يتذكر وجهها الذي أطفأه.
وحطمه بالحقيقة.. لتردف إليه والدته قائلة: كلمت حماك يا شريف.. بدل ما تبقى خطوبة.. يبقى كتب كتاب وفرح.
وتأخد عروستك وتسافر.
فرفع هو وجهه إليها بعدما خبأ دبلتها في جيب بنطاله قائلاً بتساؤل: هو هشام رجع شرم تاني؟
لتتنهد منى قائلة: لقيته الصبح واخد مراته وبيقولي مسافر.. مع إن مراته يا عيني ملحقتش تقعد معانا.. أخوكِ بقي طبعه غريب يا شريف.
وتابعت بحديثها وهي تُطالعه: مقولتليش برضه كلمت حماك..
فنهض من مجلسه وهو يُغير مجرى الحديث: محتاج فنجان قهوة.. من إيدك الحلوة يا ست الكل.
………………………………………………………
وصلت إلى المشفى بأنفاس لاهثة وهي تبحث عن أختها ووالدها في ذلك الدور الذي أخبرها به موظف الاستقبال بأن الحالة التي تسأل عنها فيه.
لتجد حازماً واقفاً مع أحد الأطباء.. يتحدث معه بوجه مُريح جعلها تطمئن قليلاً.. إلى أن اقتربت منهما.
فانصرف الطبيب، ليُطالعها حازم باطمئنان: متقلقيش يا زهرة، خالتي بخير الحمد لله مجرد كسر في رجليها ودراعها..
وتابع بحديثه: مال وشك مخطوف كده ليه؟
لتدفعه بذراعيها وهي تصيح به: فين ماما يا حازم، اخلص!
ليضرب هو كفاً بكف قائلاً: انجري قدامي يا أختي!
وتتحرك خلفه حيث غرفة والدتها.. لتجد أختها وأباها الذي مازال في صدمته جالسين قربها يحمدون الله على سلامتها.
لتسقط حقيبتها أرضاً.. وتندفع إلى أحضان والدتها التي قالت متألمة: براحة يا بت دراعي، آه..
لتلمع عين زهرة بالدموع وهي تُقبل جبين والدتها بحب: كده تخضينا عليكي يا ماما، يارتني كنت أنا وأنتِ لا.
لتهس والدتها بضعف وهي تتأمل زوجها وبناتها حولها: مكنتش أعرف إني غالية عندكم كده.
وتبدأ تقص عليهم كل ما حدث لها.. منذ أن أخذ السارق منها حقيبتها إلى أن ركضت خلفه هاتفة في الناس بمساعدتها.. حتى اصدمتها السيارة.
ويتبدل قلقهم.. لضحكات..
………………………………………………………….
نظر إليه حماه بعتاب.. بعدما عاد من رحلته التي قضى فيها شهر عسله مع عروسه الجديدة قائلاً: مزعل نهى منك ليه يا هشام؟
ليترك هشام الملف الذي يحمله.. ويضعه جانباً: اسألها مين اللي مزعل مين!
بنتك رجعت لشرب السجائر والخمرة تاني.. لا وكمان الشلة اللي كانت مصاحباها.. وكانوا السبب في إدمانها.
لينتفض صالح فجأة.. وهو يرتشف من كوب الماء الذي اهتز من يده قائلاً: أنت بتقول إيه يا هشام.. هي وعدتني أنها خلاص مش هترجع لكل ده تاني!
هشام أعمل حاجة! أومال أنا جوزتهالك ليه؟ نهى بنتي بتحبك يا هشام وبتسمع كلامك.
لتلمع عين هشام بالذكريات وهو يتذكر ذلك اليوم الذي رأى فيه نهى فقد كانت فتاة طائشة… كانت تقضي إجازتها الصيفية في دبي حيث المنتجع الآخر الذي يملكه والدها.
وهو كان يعمل هناك كمدير… فصالح كان يأتمنه على أمواله ويعتبره شبيهاً له في شبابه.. إلا أن تعرف على نهى كأصدقاء… وتواعدوا بأن يتقابلوا حينما يعود هو لمصر في إجازته السنوية.. وعندما عاد في إحدى المرات بدأت علاقتهم تأخذ محوراً آخر وخاصة منها.. فقد تعلقت به بشدة حتى أنها صارحته بمشاعرها التي رفضها ونهرها عليها فهو كان يعيش نفس المشاعر مع أخرى قد دمرها.
ولكن…..
صوت صالح المرهق أفاقه وهو يتمتم قائلاً: أنت عارف غلاوتك عندي يا هشام… نهى بنتي الوحيدة يا هشام وسلمتها ليك وأنا واثق إن هتخليها تتغير.. أنا مصدقت خرجت من المصحة واتعالجت.
…………………………………………………………
وقف منصور مصعوقاً بعدما استمع للطبيب وهو يخبره بنتائج الأشعة والفحص الشامل الذي فعلوه من أجل الاطمئنان على صحة زوجته.. ليكتشفوا بأن زوجته مريضة بـ Chondrosarcoma.
والتي لم يفهم معناها إلا عندما بدأ يشرح له الطبيب.
بأنه سرطان عظام.. حيث تبدأ الإصابة في الخلايا الغضروفية ثم تنتشر إلى كامل العظم.
ليشعر بأن الدنيا توقفت للحظات.. إلى أن طالعه الطبيب بإشفاق قائلاً: يا حاج منصور.. أحمد ربنا إننا اكتشفنا المرض بسرعة.. هو باين عليه لسا في أوله.. وبالتدخل الجراحي هنقدر نعالجه.. بس أهم حاجة السرعة.
فتحرك منصور بثقل.. وهو يسمع صوت الطبيب يخبره بثمن العملية التي لا يملك حتى نصفها…
ليقترب منه شريف بقلق قائلاً: طمني يا عمي.. الدكتور قالك إيه؟
فربط منصور بيده على كتفه بحنان لوقفته معه تلك… وبدأ يخبره بضعف كل ما سمعه للتو من الطبيب وكأنه يُريد أن يحمل عنه جزءاً من همه… كي يستطيع الصمود من أجل زوجته التي تنتظره في غرفتها.
ويخبرها بأن الطبيب سمح لها بالخروج من المشفى التي أصبحت لا تطيق المكوث فيها.
ليُحدق به شريف مصدوماً.. ولكنه أفاق من صدمته سريعاً وهو يرى جسد منصور يهتز…
فسنده قائلاً: تعالى يا عمي ارتاح، ومتقلقش كل حاجة هتكون بخير ولا تشيل هم حاجة…
ليُطالعه منصور للحظات قبل أن يجلس ويضع وجهه بين راحتي كفيه.
……………………………………………………
جلست تستمع لضحكاتهم وخططهم من أجل زواجها بشريف.
لتتذكر من يومين حينما جاء إليهم مهرولاً بعدما أخبره حازم بالخبر… ليُطالعها بنظرات اعتذار.
ولولا حالة والدتها وحالهم في ذلك الوقت.. لكانت أخبرت الجميع بفسخ خطوبتها منه.
ولكن الآن الجميع يرون أن شريف وزهرة الثنائي المنتظر من أجل إتمام خطبتهم بالزواج.. كما أخبرتهم والدته بذلك ليلة أمس.
فتنهدت هي بأسى وهي تسمع ضحكات أمها وفرحتها الظاهرة على وجهها ودعائها لشريف الذي يأتي كل يوم ليطمئن عليها.
وهمست بضعف داخلي: آه يا ماما لو تعرفي إنه بيعمل كده عشان الواجب..
ويردف هو ووالدها سوياً.. ناظرين إليهم بنظرات شاحبة.
إلى أن هتف حازم بدعابة ناظراً لخالته: الدكتور قال إيه عن الجميل بتاعنا؟
لتوكزه خالته بيدها السليمة: اتلم يا حازم!
فتضحك منى وابنتها على تلك المداعبات… إلى أن لاحظت منى شرود زهرة.. لتسقط بأعينها دون قصد على أصابعها فلا تجد خاتم الخطبة.
قائلة بتساؤل: أومال فين دبلتك يا زهرة؟
فتنظر إليها زهرة بصمت وهي لا تعرف بماذا تُجيب لتري نظرات والدتها مُعلقة نحوها.. إلى أن اقترب منها شريف قائلاً: زهرة ادتهاني عشان أغيرها لأنها بقيت واسعة عليها.
ونظر إلى زهرة التي وقفت مرتبكة.. وكادت أن تعترض وتخبرهم بكل شيء إلى أنه قال بهدوء: مش كده يا زهرة؟
لتُطالعهم والدتها وهي تهمس: ربنا يخليكم لبعض يا ولاد.
فوقفت هي حائرة من كل ما يحدث.. إلى أن همس بأذنيها هو: بلاش تزعليهم بخبر انفصالنا.. خلينا نستنى لحد ما والدتك تقوم بالسلامة.
لتُطالع هي والدتها بأسف… وتلتف نحو والدها الجالس بشرود بينهم.
……………………………………………………….
سقطت دموعها بعجز وهو يخبرها عن أمر تلك العملية..
وأخذ يضم كفيها إليه بحب وهو يعتذر لها عن كل لحظة قد أحزنها فيها… لتربط هي على يده قائلة بحنان: أنا مش زعلانة يا منصور.. ده قضاء ربنا.. بس أنا مش هعمل العملية غير لما أطمن على زهرة.
فلمعت عين منصور بضعف.. إلى أن طلبت منه قائلة برجاء: وافق على كتب كتاب زهرة وشريف، عايزة أطمن على زهرة يا منصور قبل…
وقبل أن تهمس بعبارتها الأخيرة التي ارتجف بسببها قلبه.
نظر إليها بحب سنين طويلة قد قوته العشرة: حاضر… بس قومي لينا بالسلامة وأنا أعملك كل اللي عايزاه يا غالية.
………………………………………………….
أصبح ذهابها إلى المشفى يومياً وهي لا تعلم لماذا لم يسمح الطبيب بخروج والدتهم.. وخرجت من منزلهم لتجده ينتظرها.
فأشاحت بوجهها عنه وهي تهمس: فين حازم؟
فوقف يُطالعها للحظات وهو يرى شحوب وجهها إلى أن تأمل نظرات الناس حولهم في حارتهم: على فكرة عمي منصور عارف بكده.. وحازم سافر تبع الشغل مأمورية.. فأركبي يلا يا زهرة من غير ما تتعبيني زي كل يوم وياريت تركبي قدام لأن أنا مش السواق بتاعك.
لتُطالعه هي بغضب.. لتتذكر اصطحابه لهما كل يوم ولكن دوماً تكون معها جميلة وحازم أو أباها..
لتبتعد هي عنه متمسكة جيداً بالحقيبة البلاستيكية التي بها طعام لوالديها..
قائلة بجمود: أهلي آه لسا فاكرين إنك واحد مننا.. بس النهاردة لازم ننهي المهزلة ديه وشكراً على خدماتك.
فوقف يُطالعها للحظات بجمود إلى أن هتف بتحدي: أكيد لازم ننهي المهزلة ديه.. وللأسف مش هتعرفي تخلصي مني يا زهرة.. لأن بكرة كتب كتابنا وهتبقي مراتي.
​
رواية زوجة أخي.
بقلم سهام صادق.

​الفصل الثامن

​وقفت تُطالع والدها باعتراض وهي لا تُصدق بأن ما أخبرها به شريف حقيقة .. وأن عقد قرانها سوف يكون غدًا.
فتلعثم الحديث في حلقها وأخذت تُحرك أهدابها بصدمة إلى أن خارت قواها ثانيةً على نفس المقعد الذي كانت تجلس عليه تستمع إلى والدها الذي دومًا يقف بجانبها .. ولكن اليوم قد أصبح هو أيضًا في صف والدتها .. التي حين دخلت عليها حجرتها في المشفى تهللت أساريرها وهي تُخبرها بفرحتها.
ليتأمل منصور ابنته قائلاً بقلق: شريف إنسان محترم وليه مستقبل يازهرة ومليون عيلة تتمناه.
لترفع هي وجهها نحو والدها بأسى .. فهي تعلم بأن شريف رجل تتمناه الكثير من الفتيات، كما أنه لم يتخلَّ عنهم في محنتهم رغم انفصالهم… ولكن أخذت تُتمتم بخفوت: بس أنا وهو مننفعش لبعض يابابا.
ليندهش منصور من رد ابنته المُطيعة دومًا إليه.. قائلاً:
أنا أديت كلمتي للراجل والموضوع خلص خلاص.
وأستقام في جلسته.. ونهض قائلاً: يلا خلينا نشوف الدكتور لو ينفع يخرج أمك النهارده من المستشفى.
………………………………………………………….
وقفت تتأمل صورة زفافها.. لتتذكر تلك اللحظة التي كانت من عمرها.
فشردت في ذكريات الماضي.. إلى أن هبطت دموعها وهي تهمس: أنت كمان روحت يامجدي وسبتني، ليه كل حاجة بتروح مني؟
وبدأت تشهق بصوت عالٍ، فركضت والدتها نحوها وهي تتساءل: مالك يامريم، فيكي إيه يابنتي؟
لتلمع عين مريم بالدموع، وهي مازالت تُطالع صورة زفافها قائلة: ردي عليا إنتي ياماما، ليه كل حاجة بتضيع مني؟ ليه؟
فوقفت والدتها مصعوقة وهي ترى انهيار ابنتها، ومن ثم اقتربت منها لتحتضنها إلى أن.. وجدتها تبتعد قائلة: ابعدي عني إنتي وبابا السبب… ضيعتوا شريف مني وادي مجدي ضاع وهو بيكرهني… وشايفني زوجة مستهترة.
لتسقط دموع والدتها وهي تقف حائرة من تصرفاتها… وأخذت تضرب صدرها بصدمة عندما وجدتها تكسر كل ما حولها، فبعد أكثر من أسبوع قضته ابنتها في صمت تام، تقف أمامها الآن كالمجنونة.
………………………………………………………….
ومع أول زغرودة قد رنت بين الجدران.. سقطت دموعها وهي تُشاهد حياتها قد كُتبت بجانب شخص لا يُحبها وكان يُحب أخرى مازال حبها عالقًا بقلبه.
لتأتي جميلة إليها والابتسامة تعلو وجهها: مبروك يازهرة..
فتلتقي عين زهرة بأعين صديقتها ريم التي تقف بجوارها تمسك يدها بحنو.. إلى أن هتفت جميلة: مالك زعلانة كده ليه يابت، ولا كأنك عروسة وكتب كتابك النهارده!
فتتأمل زهرة أختها بخيبة أمل.. حتى سمعتها تهتف بسعادة أكبر: الفندق اللي حضرنا فيه فرح الباشمهندس فارس.. طلع ملك لشريف، ووعدني إن فرحي أنا وحازم هيكون فيه.
فتأملت زهرة نظرات أختها وهي تتذكر حديثها مع والدتها صباحًا عندما عادوا من المشفى.
لتشرد في رجاء والدتها وهي تُخبرها:
” عايزة أفرح بيكي يازهرة، وافقي يابنتي وفرحيني..”
ليدخل والدها في تلك اللحظة مُبتسمًا لنسرين ووالدة شريف قائلاً: تعالوا أهي العروسة.
لتبدأ المباركات وتقف هي مصدومة من كل ما يحدث حولها.
وأفاقت على نظرة والدها الحانية.. وهو يبتسم لها، وكأنه يُخبرها بأنه سعيد لأنها نفذت رغبة والدتها المريضة.. فقد علمت كل شيء من والدها عندما وجدها تخبره بأنها لا تستطيع أن تُنفذ طلبه.
ولكن مرض والدتها جاء كالصاعقة إليها.. فوالدتها تُعاني من مرض السرطان اللعين وتوقف حياتها كي تطمئن عليها.
لتحتضنها منى قائلة بسعادة: أنا أسعد واحدة النهارده ياحبيبتي، يااا متعرفيش قد إيه أنا فرحانة بيكي.
………………………………………………………..
ربطت بحنو على كفه وهو يجلس بجانبها على الفراش، تبارك له قائلة: حافظ على زهرة ياشريف يابني، أنت متعرفش أنا فرحانة إزاي إنك جوز بنتي.. أوعى تزعلها.
فارتسمت ابتسامة حانية على وجه شريف قائلاً: متقلقيش ياماما، زهرة في عنيا.
فتابعت هي حديثها بحسن نية: عوضها يابني واستحملها.. هي لسا مافقتش من صدمة حبها لشخص كان أناني.. منه لله استغل طيبتها.
فانصدم شريف مما سمع.. فزوجته لها أيضًا ماضٍ قد أهلك قلبها.. وكاد أن يسأل عن هذا الشخص، إلى أنه وجدها تردف إلى حجرة والدتها بفستانها الزيتوني وتركض نحو فراشها من الجهة الأخرى البعيدة عنه، ترتمي في أحضانها قائلة: شوفتي أنا سمعت الكلام إزاي؟
لتحتضنها والدتها بسعادة فطرية.. فتابعت زهرة بحديثها: اعملي بقى العملية وخفي.
فوقف هو يُطالعهما بصمت.. فهي وافقت على الزواج منه من أجل أهلها.. وهو قد لبّى طلب والدتها عندما أخبرته بأنها تُريد أن يتزوج ابنتها ويحافظ عليها.
لترفع زهرة وجهها بصدمة لوجوده في الحجرة، فهي لم تنتبه إليه حينما اندفعت نحو والدتها..
لتبتسم والدتها وهي تُطالعهم هما الاثنان قائلة: يلا روحوا احتفلوا بكتب كتابكم وسيبوني أرتاح ياولاد.
وعندما وجدت والدتها عدم استجابتها.. شدت على كلماتها قائلة: سيبوني أرتاح بقى، وندي لي عمك ياشريف.
…………………………………………………………
جلس قبالتها يتأمل توترها ونظرات أعينها الحائرة.. وبدأ يشرد قليلاً في ملامحها الهادئة.. ليأتي النادل إليهم حاملاً لهم مشروبًا باردًا.. ليلقي شريف نظرة عليها وهي تتلفت حولها إلى أن ابتسم قائلاً: مبروك يازهرة.
فسقطت تلك الكلمة عليها وكأنها عود كبريت مشتعل.. فحدقت به بقسوة وهي تُطالعه: مبروك على إيه؟
ثم نظرت إليه ببرود لتُتابع حديثها بتهكم: تقدر دلوقتي تقول لحبيبتك إنك قدرت تاخد حقك.. وعيشت حياتك مع إنسانة دورها كان عرض وطلب.
ليبتسم إليه هو قائلاً بهدوء: مبروك على إنك بقيتي مراتي يازهرة.
وبدأ يدق هاتفه في تلك اللحظة، إلى أن ابتسم وهو يُطالع الاسم: عن إذنك يازهرة دقيقة واحدة.
وأنسحب من أمامها.. ليُحادث المتصل قائلاً: نهى عاملة إيه دلوقتي؟
ليأتيه صوت هشام وهو يعتذر: أنا آسف ياشريف إني مكنتش معاك في اليوم، وتنهد قائلاً: نهى بخير والجنين كمان بخير.. حادثة بسيطة متقلقش.
وبعد حديث دام لدقيقتين، عاد إليها ليجدها تتأمل حبيبين يحتضنان أيدي بعضهما بعشق.
فاقترب من طاولتهم وجلس على مقعده ثانيةً وهو يهمس: شكلهم حلو مش كده؟
فأفقت هي من شرودها المتسلط على هذين الحبيبين، وتنهدت بعمق قائلة: أنا عايزة أروح ياشريف.
…………………………………………………………
اقتربت منه كي تتوسد صدره العاري وأخذت تبعث في خصلات شعرها بمهارة.. فأبتعد عنها شريف نافراً، وألتف بجسده كي يعطيها ظهره قائلاً بحزم: ياريت توفري حركاتك ديه، لأني زهقت منك ومن طيشك.
فتأملته هي بأسى… إلى أن تأسفت قائلة: والله ياهشام، دول صافي ومريان هما اللي اتصلوا بيا.. وشربت معاهم.
فنهض هو من جانبها وهو يصيح بغضب: لأ هايل يامدام، المدام المحترمة تسهر مع صاحباتها الفاشلين المطلقين الصايعين!
وكادت أن تُدافع عن أصدقائها.. إلا أنه صرخ بها ثانيةً: بنتي اللي في بطنك لو حصلها حاجة يانهى، هتندمي.
وخرج من غرفتهما صافعًا الباب خلفه.. فلمعت عيناها بالدموع وهي تتذكر أحداث الليلة الماضية.
…………………………………………………………
لمعت عين مريم بصدمة وهي تستمع لحديث أخيها مع والدتها بصدمة.. فشريف قد أصبح ملكًا لأخرى.. والخطوبة قد تحولت لعقد قران.. فتنهدت بألم إلى أن وجدت طفلها يسحبها من أطراف ملابسها قائلاً: مامي أنا جعان.
فهبطت نحوه وهي ترى لمعة عينيه وملامحه التي أصبحت تشبه أباه، ليعلو صوت والدتها وهي تُخبر ابنها قائلة: يعني شريف ضاع خلاص من أختك.
فألجمتها العبارة بألم وهي تستمع لرغبة والدتها في تزويجها ولم يمر شهر حتى على موت زوجها.
…………………………………………………………
جلس على فراشه بعد يوم حافل من التعب.. ليشرد في أحداث ذلك اليوم.. وبدأ يمرر دبلة زواجه بابتسامة لا يعلم سببها.. ليفيقه من كل هذا… صوت رنين هاتفه لينظر إلى اسم المتصل قليلًا فيفتح الخط قائلاً بضحكات عالية: أيوه دخلت القفص ياسيدي.
ليُحادثه رمزي قائلًا: مبروك ياشريف، متعرفش أنا أد إيه شمتان فيك.
فتتعالى ضحكات شريف وهو يُتمتم: هيجي ليك يوم وأشمت فيك.. ثم بدأ يتنهد قائلًا: أخبار الشغل إيه يارامز؟
………………………………………………………….
مرت الأيام سريعًا على الجميع.. استعدت والدة زهرة لخوض العملية، وكان الجميع يقف بانتظار خروج الطبيب ليُطمئنهم عليها.. وعندما خرج الطبيب مُتنهدًا بتعب، اقترب الجميع منه كي يُطمئنهم.. فأخبرهم الطبيب قائلًا: كل حاجة تمام، والعملية نجحت بس أهم حاجة المتابعة وإنها تفضل تحت الملاحظة.
لتتهلل أساريرهم، فجلس منصور على أحد المقاعد بتعب وهو يحمد الله أن زوجته بخير.
واحتضن حازم جميلة التي كانت تبكي من الفرحة.
أما شريف كان يقف يُتابع زهرة بعينيه.. فقد كانت شاحبة الوجه لا تقوى على الحركة، وكأنها مازالت لم تستوعب نجاح العملية.. فاقترب منها بخطوات هادئة وضمها إليه دون شعور من كل منهما.. وكانت والدته تتابع ذلك بسعادة.
لتفيق زهرة من لمسته على ظهرها، قائلة بخجل: لو سمحت ياشريف.
فتنحنح هو حرجًا بعدما أدرك فعلته، واقترب من أذنها هامسًا: على فكرة إنتي مراتي يازهرة.
ومن ثم ابتعد عنها ليُطالع ساعته.. ثم وقعت عيناه على حماه، فاقترب منه كي يحتضن كفه قائلًا: أنا مضطر أمشي ياعمي، عشان عندي اجتماع مهم..
ليبتسم إليه منصور بحب قائلًا: مش عارف أشكرك إزاي ياشريف ياابني.
وتأمل منصور المشفى وهو يُطالعه بعينيه: جميلك عمري ماهنساه، أنا دلوقتي بقيت مطمن على زهرة معاك.
وابتسم بعفوية: أم جميلة كان عندها حق في نظرتها ليك.
ليتذكر منصور، الأموال التي دفعها من أجل إتمام العملية، وعندما اعترض على ذلك وقرر أن يبيع شقته وكل ما يملك، أخبرها أنه أصبح فردًا من عائلتهم، وتكفل هو بكل المصاريف.
………………………………………………………..
وقف هشام يتأمل زوجته بفستانها الذي يبرز تفاصيل جسدها حتى بطنها البارزة، وأعين جميع رجال الحفل تُطالعها.
فترك كوب العصير الذي يحمله بين يديه، ونظر إلى حماه الذي يقف بجانبه ومعه أحد الرجال المُهمين.
فأشاح حماه وجهه سريعًا وكأنه يترك له الأمر.. فاتجه إليها هشام غاضبًا حتى اقترب منها ساحبًا ذراعها خارج الحفل، وهو ينفث بغضب قائلًا: هي ديه المفاجأة ياهانم؟
فابتسمت نهى بعفوية وهي تُطالعه بسعادة: الفستان حلو مش كده ياهشام، عجبتك صح؟
فأخذ يلتف حول نفسه بغضب وهو يتنفس بصعوبة إلى أن وقف قائلًا: إنتي إيه، مبتفهميش؟ ده لبس إنسانة محترمة؟
وتابع حديثه بغضب: قدامي على البيت.
لتُطالعه هي بصدمة: طب والحفلة؟
وقبل أن تُكمل باقي عباراتها.. سحبها خارج الحفل بأكمله، واتجه بها نحو سيارته وهو يتذكر اليوم الذي وافق فيه على الزواج منها بعدما عرضها عليه والدها ولعب على وتر طموحاته.
………………………………………………………….
ابتسمت والدتها وهي تراها تضع طبق الحلوى أمامه إلى أن قالت بتعب بسبب ما مرت به الأيام الماضية: زهرة هي اللي عاملة الكنافة ياشريف.
فابتسم شريف وهو يتأمل ملامح زهرة الصامتة، فرغم أنه بدأ يشعر نحوها براحة، إلا أنها أصبحت تُقابل كل شيء منه بفتور، حتى إنها أصبحت لا تشغل تفكيرها بأي شيء يخصه، وكأنها استسلمت للأمر الواقع..
فنظر شريف للطبق بتمهل ثم بدأ يتذوق.. فنظر إلى زهرة بهدوء قائلًا: تسلم إيدك ياحبيبتي.
فابتسمت والدتها بسعادة، وحدقت به هي بصمت والغضب يمتلكها… فهو قد تخلى عن دور الصامت وأصبح يهتم بكل شيء يخصها.
فتأمل شريف للحظات تلك الكلمة التي تفوه بها بعفوية وهو لا يُصدق بأنه قد نطقها.. فهو أصبح لا يعرف نفسه، فمشاعر الفتور والبرود أصبحت تتلاشى عنده نحوها.
ليدخل منصور عليهم في تلك اللحظة وهو يبتسم إليهم قائلًا: معلش ياشريف يابني اتأخرت عليك.
فوقف شريف له باحترام، وهو يتذكر الحديث الضروري الذي أتي إليه اليوم.. وبعدما جلس منصور بجانبها، وجدت زهرة تُغادر المكان..
لينتظر منصور أن يسمع منه ذلك الحديث الهام… فبدأ يسرد عليهم شريف مشاكل عمله وأنه يجب أن يُسافر خلال هذا الأسبوع إلى فرنسا، وأن معظم إجراءات الأوراق الخاصة بزهرة قد انتهت.
فنظر منصور إلى زوجته بصدمة.. فابنته ستتركهم خلال هذا الأسبوع بعد أن كانوا قد اتفقوا بأنهم سينتظرون لشهرين آخرين.
ليُطالعهم شريف باعتذار قائلًا: أنا عارف إن طلبي صعب، بس أنا لازم أسافر ضروري..
لتُطالعه والدتها بحزن وهي لا تُصدق بأن صغيرتها سترحل بعيدًا عنها.
إلى أن تنهد منصور قائلًا: بنتي دلوقتي بقيت مراتك يابني، وأنت حر مع مراتك.
وتذكرت والدتها بأن ابنتها لن تحتفل بعرسها ولن تفرح بها بحفل زفاف كما تحلم.. لتتنهد قائلة: والفرح ياشريف يابني؟
وكاد شريف أن يرد على سؤالها، إلا أنه سمع صوت زهرة الهادئ وهي تخبرهم: مش عايزة أعمل فرح ياماما.
وحدقت به وهي تتساءل: شوفوا هسافر امتى وقولولي.
ليُطالعها كل من والديها بصدمة.. فابنته قد تغيرت تمامًا.. أصبحت لا تعترض.. تُلبي رغبتهم بصمت حتى لمعة عينيها ومشاغبتها قد انطفئت.
لتنصرف من أمامهم سريعًا وتدخل غرفتها مُتأملة كل جزء فيها قائلة بندم لنفسها: زعلانة ليه دلوقتي؟ مش اتفقنا خلاص إنك هتستسلمي لقدرك؟ وهبطت دمعة من عينيها وهي تتذكر بأن حلمها قد ضاع.. فقد كانت تتمنى دومًا أن تتزوج رجلًا يُحبها وليس رجلًا اختارها كتحصيل حاصل.
…………………………………………………………
نظرت منى إلى أختها بصدمة.. فأختها اليوم تعرض عليها أن يتزوج شريف بابنتها الأرملة.
لتقف منى قائلة: إنتي بتقولي إيه يانجاة.. ابني مين اللي يتجوز بنتك.. ابني اتجوز خلاص!
لتلوي نجاة فمها قائلة بغرور: شريف لسا بيحب مريم بنتي يامنى، بلاش تبعدي بينهم عشان اللي حصل زمان. وكمان ده كتب كتاب يعني مفيش حاجة لما كل واحد يروح لحاله.
لتتذكر منى ذلك اليوم الذي ذهبت فيه إلى أختها تترجاها بأن لا توافق على ذلك العريس وتخطب مريم لابنها.
لتبتسم منى بشرود قائلة: دلوقتي بقى شريف حلو وبتجروا عليه.. فاكرة يانجاة يوم ما جيتلك أطلب بنتك لابني قولتيلي إيه؟
لتتذكر نجاة ذلك اليوم بغصة قائلة: يامنى ياحبيبتي شريف كان لسا بيبني مستقبله.. كان يرضيكي أمرمط بنتي.. بس دلوقتي شريف بقى راجل مالي مركزه، ليه منرجعش حبهم من تاني؟
لتتأمل منى ملامح أختها بصمت قائلة بفتور: حب إيه اللي يرجع من تاني، ومين قال إن ابني منساش بنتك يانجاة.. سيبي مريم بنتك بقى في حالها حرام عليكي وأبعدي عن ابني وحياته. ولعلمك ابني مسافر كمان كام يوم هو ومراته.
لتنصدم نجاة مما سمعت وتُطالع أختها قائلة: شريف هيسافر؟!
………………………………………………………….
وقفت أمام تلك اليافطة وهي تُطالع أخاها بصدمة قائلة: أنا مش مجنونة يافارس عشان تجيبني لدكتور نفساني!
ليتأملها فارس بحب وهو يمسك يديها: يامريم ياحبيبتي كلنا بقينا محتاجين لدكاترة نفسيين.. وكمان الدكتور ده صديقي هو عايز يدردش معاكي شوية.
فلمعت عيناها وهي تتقدم نحو العيادة قائلة: حاضر يافارس.
وأردفت للدخول وهي تتأمل المكان حولها إلى أن اقترب منها هو قائلًا بحنو: تعالي نقعد لحد أما دورك ييجي.
لتجلس هي على أحد المقاعد وتتأمل نظرات الأشخاص الموجودين.. ثم رفعت بيدها لتنظر في ساعة يدها قائلة: شريف هيسافر النهارده مش كده؟
لينصدم فارس من سؤالها وهو يُطالعها حتى ابتسمت هي: يابختها بيه!
فلمعت عين فارس وهو يُشاهد نظرات أخته النادمة.. إلى أن سألها: إنتي نسيتي مجدي يامريم؟
…………………………………………………………
ارتمت في حضن أبيها وهي لا تُصدق بأنها اليوم في صالة المطار.. ليضمها قائلًا: أنا عارف يابنتي إننا ضغطنا عليكي في الجوازة ديه كتير، بس هيجي يوم وتشكرينا. شريف إنسان كويس.
فالتفتت زهرة نحوه وهي تُشاهده يحتضن أخته ووالدته ويضحك مع أختها جميلة وحازم.
فلمعت عيناها مُتذكرة حديث والدتها إليها عندما كانت تنام ليلة أمس في أحضانها كي تشبع منها.. وأخبرتها أن شريف هو من تكفل بمصاريف علاجها.
فشردت في أناقته ووقاره ولكن ذلك اليوم الذي أخبرها فيه السبب الأساسي لخطبتها مازال عالقًا بها.
لتجده يتحرك نحو شخص ما يرتدي نظارة سوداء ويحتضنه بقوة، ووجدت كل من حماتها ونسرين يركضون نحوه.. فهي تعلم بأن أخاه سوف يأتي إليه اليوم من أجل توديعه.
فلم تهتم بالأمر وألتفت بجسدها للناحية الأخرى تُتابع حديثها مع حازم تخبره أن يخبر والدتها أنها ستشتاق إليها.
لتقترب منها جميلة، وهي توكزها قائلة بدعابة: إيه العيلة اللي كلها مزز ديه، حتى أخوه شبه الممثلين!
أما من الجهة الأخرى.. وقف هشام يُداعب أخاه ويخبره بسعادته له.. وحزنه على رحيله ثانيةً.
ثم هتف قائلًا: فين العروسة عشان أديها هديتها؟
لتبتسم منى لوجود أبنائها حولها ومشاعر الحب بينهم… وتذهب ناحية زهرة التي تقف مع أبيها وأختها قائلة: تعالي يازهرة معايا، عشان تتعرفي على أخو جوزك يابنتي.
فصارت زهرة معها بخجل لتُلبي رغبتها… وهي ترى شريف يبتعد قليلًا يتحدث في هاتفه.
إلى أن وقفت هي خلف ذلك المجهول الذي يعتبر أخو زوجها الذي لأول مرة تراه، فابتسمت إليها نسرين وهي تخبر أخاها بصوت هادئ: أهي العروسة وصلت.
فالتف هشام بجسده ليرى لأول مرة زوجة أخيه… وعندما مدّ بيده كي يُسلم عليها ويبارك لها.. سقطت تلك العلبة القطيفة التي كان يحملها في يده الأخرى أرضًا وهو يُتمتم بصدمة: زهرة!
​

​الفصل التاسع

​ارتجفت أوصاله وهو يُطالعها بأعينه.. لترتعش شفتيها وهي لا تُصدق بأن هشام أخو زوجها.
لتلمع عين كل منهما بأوجاع الماضي.. وكأن الماضي مازال عالقاً في حاضرهم ومستقبلهم.
ولكن نظرة الرجاء التي لمحها في عينيها وهي تخبره بأن يتركها تعيش حياتها كما عاش هو حياته.. جعلته يتمالك قواه ويهدأ قليلاً وهو يُطالعها بنظرات متفحصة.. فحبيبته اليوم عروس لأخيه الأكبر الذي يعشقه.
ولمح نظراتها التائهة ناحية أخاه وكأنها تستنجد به.. فاشتعلت النار بقلبه.. ليسمع صوت أمه القلق: مالك يا هشام؟ أنت تعرف زهرة؟
ليشحب وجه زهرة أكثر، فيُطالعها هو بأسى.
ونظر تحت قدميه حيث هديته التي كان سيهديها لعروس أخيه وهو مازال يشعر بالضياع.. حتى وجد نسرين تنحني ببطنها المنتفخة تلتقط الهدية قائلة: شكلك تعبان من السفر يا سي هشام..
وأعطته العلبة قائلة: الله يعين نهى عليك.
فكررت والدته السؤال ثانية وهي تسأله بمعرفته بزوجة أخيه.
ليحدق هشام بوجه زهرة قليلاً وهو يُريد أن يصرخ بملكيته لها التي ظهرت حينما وجدها تضيع منه وأصبحت لآخر.
وأجاب أخيراً: زهرة معرفة قديمة يا ماما، صديقة لأخت واحد صاحبي.. شوفتها عندهم بالصدفة.
لتخفض زهرة رأسها أرضاً وهي لا تتوقع بأنه أنكر الحقيقة.
ووجدته يعطيها هديتها قائلاً: مبروك يا مدام زهرة.
ومن ثم التفت بجسده ليذهب ناحية أخيه ليودعه.
وعينه مازالت مُسلطة على تلك الشاردة التي أصبحت الآن جزءاً من عائلته وزوجة أخيه.. وتنهد بعمق وهو لا يُصدق بأن القدر قد انتقم منه اليوم.. فأخوه تزوج الفتاة الوحيدة التي تمناها ولكنه للأسف ضحى بالحب من أجل أحلامه بالمال.
………………………………………………………
نظر هشام إلى وجه أمه المبتسم وهي تخبره عن مدى سعادتها لزواج أخيه قائلة بأمل: بكرة أخوك يعرف قيمة الأسرة ويرجع يستقر وسطنا. وتنهدت براحة وهي تتابع حديثها: ويفهم يعني إيه عيلة.. الواحد مش بيعرف قيمة العيلة ودفئها غير لما يخلف يا هشام يا ابني… ربنا يرزقك يا شريف يارب بالذرية الصالحة.
لتسقط تلك الكلمة على أذن هشام وهو يتخيل أطفال أخيه من زهرة.. لينفض كل هذه التخيلات من رأسه بعدما شعر بعدم تحمله لكل ما حدث اليوم.
إلى أن احتضنت والدته كفه قائلة: نهى أخبارها إيه يا هشام، وميعاد ولادتها امتى؟
ليتأمل هو ملامحها بحزن.. ومن ثم ارتمى في أحضانها باكياً: أنا تعبان أوي يا أمي.
فتضمه إليها هي بحنو وهي تُتمتم: أكيد زعلان عشان شريف سافر تاني، ما انتوا مالكوش غير بعض يا حبيبي.
ليغمض هو عينيه بألم… وهو يهمس: سامحني يا شريف!
………………………………………………………….
مدينة أخرى وحياة غريبة وضعت بأقدامها فيها، ليتأمل شريف شحوبها وخوفها بعدما أردف إلى شقته الفخمة قائلاً: مالك يا زهرة من ساعة ما ركبنا الطيارة وأنتي شكلك مش عاجبني.
فحررت أخيراً دموعها وانكمشت في ركن بعيد وهي تبكي بمرارة، ليقترب منها ناظراً في عينيها الملونة بكحلها الأزرق.. ومسح دموعها بأنامله قائلاً بحنان قد أدهشها: أنا عارف إني ظلمتك معايا بتهوري، بس صدقيني أنا مش وحش للدرجادي ولا أناني..
فخارت قواها من بين ذراعيه، وهي تنظر أرضاً قائلة: أنا عايزه أنزل مصر، أنا عايزه أرجع بيتنا أرجوك.
فلم يتمالك هو ضحكاته وبدأ يضحك قائلاً: أنتي ما بقاش ليكي ساعة هنا..
وابتسم بدعابة أصبحت تكتشفها فيه: تعالي أما أفرجك على الشقة..
وأمسك بيدها، وقد كانت كالمسلوبة بين يديه.. إلا أن جاءت صورة هشام بذهنها فوقفت أمامه تتأمل الشبه بينهم حتى صوتهم… فأغمضت عيناها بخوف وهي تبتعد عنه قائلة: أرجوك يا شريف خليني أنزل مصر.. وظلت تترجاه ببكاء وهو يُطالعها بخوف إلى أن احتضنها: متخافيش مني يا زهرة صدقيني مش هأذيكي تاني.
وأوعدك هعوضك عن لعبتي السخيفة.. وعاد يمسح دموعها ثانية وهو يسحبها نحو إحدى الغرف قائلاً: وادي غرفتك يا ستي.
فوقفت تُحدق به وهي تتمنى أن يكون كل ما يحدث لها مجرد حلم تعيشه.. ولكن عندما سقطت بأعينها على تلك المرآة وجدت عروساً باهتة اللون تتشبث بفستانها بقبضة يديها.. وكحل عينيها ينساب على جفونها.
…………………………………………………………
نظرت إلى والديها قليلاً قبل أن تخبرهما: أنا قررت أشتغل.
ليُطالعها كل من والديها بدهشة وهم لا يُصدقون بأن ابنتهم التي تعشق الترف وعدم المسؤولية.. تفكر بمثل ذلك القرار.
إلى أن قال والدها: هو أنا يا بنتي مقصر معاكي في حاجة أنتي وابنك؟
لتلمع عين مريم ببريق من الحزن وهي تتذكر بأن كل شيء قد ضاع، فزوجها ضاع حتى أمواله قد ضاعت في الديون..
وتنهدت قائلة: ربنا يخليك ليا يا بابا، بس صدقني أنا محتاجة فعلاً أشتغل.. وأطلع من اللي أنا فيه.. أنا عايزه أبقى مريم جديدة وأتغير.
لتُطالعها والدتها بندم وهي تعتذر إليها: والله يا بنتي أنا روحت لخالتك.. وعرضت عليها ترجعي أنتي وشريف لبعض بس..
وقبل أن تُكمل والدتها حديثها، حدقت بها مريم بصدمة قائلة: حرام عليكم بقى، سيبوني في حالي.. مجدي وشريف خلاص انتهوا من حياتي.
وركضت من أمامهم وهي تشعر بضآلتها.. فأمها قد عرضتها كالسلعة على ابن خالتها الذي تزوج من أخرى وهدم آخر حلم لها بأن تعود إليه وكأنه يُعاقبها على هجرانه لها قديماً.
………………………………………………………..
جلست على فراشها كالقرفصاء وهي تتمنى أن يعود الزمن للوراء ولم تتعرف على هشام.. وأخذت تتنفس بارتجاف وهي مازالت لا تستوعب حتى الآن بأن هشام شقيق زوجها.
فهتفت بألم وهي تُقارن بملامحهم معاً… إلى أن بدأت تُحرك رأسها برفض لتلك الحقيقة المؤلمة.
فسمعت صوت طرقاته على باب غرفتها… ومن ثم وجدته يفتح الباب قائلاً بابتسامة: تحبي نخرج نتعشا بره؟
وبدأ يُداعبها بحديثه: على فكرة لو رفضتي الفرصة ديه مش هتلاقي فرصة تانية.. فاستغلي الفرصة كويس.. لأن بكرة هنزل الشركة وأنشغل في الشغل.
فأخذت تُطالعه وهي تعود بذاكرتها للماضي.. وتتذكر حوارات هشام معها ودعابته.. فهمست قائلة: أنت اتغيرت معايا ليه؟
فأردف هو لداخل حجرتها ووقف في المنتصف قائلاً بتنهد: طب وكده حلو ولا وحش؟
وانتظر إجابتها للحظات.. إلى أن لاحظ شرودها وتأملها له فضحك غامزاً: للدرجادي أنا جذاب؟
فأشاحت زهرة وجهها بعيداً عنه وهي تُلعن غبائها.. إلى أن بدأ يضحك… ثم تابع حديثه: مش هنكر إن بداية ارتباطي بيكي كانت سخيفة وظلمتك لما وجعتك.. بس أنتي مراتي دلوقتي يا زهرة وحتى لو مافيش بينا حب فأكيد في بينا احترام وتقدير.
وتابع بحديثه مُتنهداً: الحب أكيد هيجي مع العشرة.
فخلينا ندي بعض فرصة وننسى اللي فات..
ووجدها تبكي بحرقة، فأقترب منها بصدمة وجلس بجانبها قائلاً بقلق: زهرة مالك، بتعيطي كده ليه؟
فنهضت من على فراشها وركضت خارج تلك الغرفة وهي لا تعرف لأي وجهة ستتجه.
إلى أن وجدته خلفها يُطالعها بعمق.. فشعرها ينساب على ظهرها بنعومة وتسقط خُصلات مُتمردة على وجهها وترتدي بيجامة قطنية تُحدد جسدها… فاقترب منها وأخذها بين ذراعيه وهو يوشوش في أذنيها: زهرة متخافيش مني، صدقيني هعاملك بما يرضي الله.. أوعدك.
………………………………………………………….
نظرت إلى الأطباق المرصوصة التي أعدتها إليه برضى.. وكادت أن تهرب إلى غرفتها قبل ميعاد وصوله من العمل ككل يوم منذ أن أتت من أسبوع.. فشردت قليلاً في معاملته اللطيفة وحنانه معها وكأنه ليس نفس الشخص الذي عرفته مسبقاً.. فشريف ككثير من الشخصيات التي لا نعرفها على حقيقتها إلا عندما نقترب منهم… وعندما أحست بمفتاح الباب يدور.
ركضت من أمام الطاولة ولكنه دخل الشقة وهو ينده قائلاً: لو هربتي مش هاكل النهاردة.
وتنفس بعمق وهو يُتابع بحديثه: أنا مش جايبك هنا ليا خدامة يا زهرة.. أنا من السهل أوي كنت أجيب خدامة تخدمني أو آكل من بره زي ما اتعودت.
فسحبت زهرة يدها من على مقبض الباب وعادت إليه.. تُطالع الأرضية قائلة: أنا عايزه أكلم أهلي، وحشوني أوي يا شريف.
فوقف هو للحظات يتأمل جمال اسمه عندما خرج من حلقها.. وأفاق من شروده قائلاً: حاضر.
ومن ثم وضع حقيبة عمله على المنضدة التي أمامه، وطالعها بتحذير: عشر دقايق هغير وأجيلك نتعشا سوا.. سامعة؟
واتجه إلى غرفته وهو يبتسم.. فسرحت هي فيه، ثم أفاقت من شرودها الذي أصبح يُلازمها وجلست على طاولة الطعام التي أعدتها تنتظره.
حتى وجدته يأتي نحوها ويجلس على المقعد القريب لمقعدها.
ويرتدي تيشرت بنصف كم يبرز عضلات جسده وشعره يشع بعشوائية على وجهه.. فنظرت إليه للحظات وهي تراه يمسك بملعقته ويحتسي شوربته بوقار…
فهمس بتلذذ قائلاً: تسلم إيدك يا زهرة، كل يوم بتثبتيلي إنك طباخة هايلة.. وطالع بطنه الفارغة من الدهون قائلاً بخوف: خايف أبقى راجل بكرش بعد كده.
فلم تتمالك نفسها من الضحك وأخذت تضحك بقوة حتى إن ملعقة الرز التي كانت قد تناولتها.. قد نُثرت محتواها خارجاً.
فضحك على منظرها إلى أن تنفسوا ببطء وهما يهدئون من نوبة الضحك التي سيطرت عليهم للحظات.
وأكملوا تناول طعامهم بهدوء.. وبعدما أنهوا طعامهم.
حمل معها الأطباق.. وكادت أن تذهب إلى غرفتها كي تجلس بها.
إلا أنه أوقفها قائلاً: تشربي معايا نسكافيه؟
فحدقت به للحظات.. وهي تُريد أن تفر من أمامه حتى وجدته يعود لدعابته في الحديث معها: أنا اللي هعمله يا ستي.
وأخرج هاتفه من جيب بنطاله وبدأ يدق على رقم والدها قائلاً وهو يُعطيها الهاتف: كلميهم لحد ما أعمل النسكافيه وأجي أسلم عليهم وبعدين أكلم ماما ونسرين.
فأخذت منه الهاتف وابتسمت إليه بعفوية دون قصد.
وبعدما أنهت اتصالها مع والديها.. تمنت أن لو تُحادث صديقتها ريم لتجد لها حلاً في تلك المصيبة التي وقعت بها.
ورغم أنها تحفظ رقمها عن ظهر قلب.. إلا أنها شعرت بالخوف.
……………………………………………………..
نظر إليه حماه بشك وهو يرى ذقنه التي أصبحت نامية ورائحة السجائر تملأ المكان.. قائلاً: مالك يا هشام بقيت عصبي كده ليه؟
فأطفأ هشام سيجارته التي كان يتناولها وجلس أمامه.. فلمعت عين حماه وهو يتأمله: أتمنى ما تكونش مشكلة في الشغل أو حتى مشكلة عائلية.
ليبتسم إليه هشام بسخرية لم يفهمها.. وهو ينظر لأحد الملفات الموضوعة قائلاً: ديه الجدولة السنوية للمنتجع.. محتاجة إمضتك..
وكاد أن يُغادر هشام المكتب لينفرد بنفسه بعيداً عن نظرات حماه القلقة.. فوجده يهتف به قائلاً: ابقى خرج نهى من البيت شوية البنت تعبت من الحبسة.. خفف شدتك معاها شوية.
فوقف يُطالعه للحظات.. إلى أن تذكر عقابه لنهى بسبب إهمالها وطيشها.. وحرك رأسه بعدم اكتراث وانصرف سريعاً كي يهدأ من صراع عقله وقلبه كلما فكر بالماضي للحظات.
………………………………………………………
وجدها تخرج من الغرفة راكضة وهي تصيح باسمه بخوف: شريف أنت فين؟
وظلت تتحسس الفراغ المظلم الذي حولها.. فالكهرباء قد انقطعت فجأة وهي بداخل الحمام تتحمم.. لتبكي كالأطفال وهي تتمسك بتلك المنشفة التي تُحيط جسدها.
فانصدمت بجسد صلب، فتراجعت للخلف بخوف وهي تُتمتم: شريف، شريف.
ليحتضنها شريف مُطمئناً لها: النور هيرجع على طول متخافيش يا زهرة، أنا معاكي أهوه.
فتمسكت به بقوة وهي ترتجف.. فزاد من ضمه إليها وهو يهدئها من تلك الحالة.
إلى أن عاد النور فجأة.. فابتعدت عنه وهي تستوعب ذلك الوضع الذي كانت فيه منذ قليل لتجد نفسها تلتف بالمنشفة والمياه تتقطر من خصلات شعرها ونظراته مُسلطة عليها يُجاهد رغبته فيها.
وأرادت أن تفر من أمامه هاربة تختبئ في حجرتها ولكن…
​

الفــصــل الــعــاشــر

​لمعت عيناها ببريق من الخوف وهي ترى صورته تتجسد أمامها كلما اقترب هو منها .. فأرتجف جسدها وهي تُتمتم بخفوت بعدما شعرت بيديه تطوقان جسدها
قائلة بخوف: لأ، لأ
ليبتعد عنها شريف بفزع بعدما كان غارقاً بنظراته على جسدها، فطالعها بقلق قائلاً: أنا آسف يا زهرة
ومسح على وجهها بندم وهو يلوم ضعفه.. فوجدها تركض من أمامه ودموعها قد غطت أعينها
ليسمع صوت باب حجرتها يُغلق، فوقف للحظات يُطالع طيفها وهو لا يصدق بأنها اليوم استطاعت أن تُحرك أشياء كثيرة بداخلها ومنها أنه حقاً يُريدها
………………………………………………………….
أغمضت عيناها بألم وهي تستند بظهرها على باب غرفتها، وأخذت تتشبث بيديها بتلك المنشفة التي كانت تُحيط جسدها.. وهي تتذكر وجه هشام الذي رأته في شريف عندما اقترب منها، فخرج صوتها بضعف وهي تتنهد بمرارة: هتعملي إيه يا زهرة
وتذكرت نظرات شريف الراغبة، ولولا هروبها لكان المحظور قد حدث وأصبحت زوجته حقاً اليوم
فجلست على أرضية حجرتها بعدما خارت قواها.. وهي تشرد بذاكرتها
هشام: آه لو تعرفي أد إيه أنا بحبك يا زهرة
لتلمع عين زهرة وهي ترى كلمة حبه إليها
ليبعث لها برسالة أخرى قائلاً: ونفسي يجي اليوم اللي تبقي فيه مراتي وأم ولادي
فتضع يدها على قلبها وهي لا تُصدق بأن كل هذه المشاعر إليها، لتبتسم دون وعي ولكن عندما رأت رسالته الأخرى شهقت بفزع وأغلقت حسابها الشخصي وهي تُتمتم (وقح)
فقد كان يخبرها في رسالته بأنه يتخيل اللحظة التي ستصبح فيها زوجته ويُقبلها …وووو….
وقبل أن يسبح عقلها في ذكريات الماضي التي جناها حاضرها
لعنت غباء قلبها عندما سمحت له بأن يُجرب كل تلك المشاعر في الحرام… وها هي النتيجة فزوجها وحبيبها السابق أخوه
فشهقت بفزع عندما تخيلت ذلك اليوم الذي ستظهر فيه الحقيقة
………………………………………………………..
وقفت تستمع لكلماته بصدمة وهي لا تُصدق بأنه قد تزوجها بسبب إصرار والدها عليه عندما وجدها تحبه.. وأن كل هذا الحب المزيف الذي يغمرها به هشام ليس إلا أمر من والدها
لتضع يدها المرتعشة على بطنها وهي تستمع لكلماته الجارحة
فهمست بضعف قائلة: اتجوزتني عشان يبقالك منصب كويس وتمسك شغل بابا، وكتمت دموعها بصعوبة صارخة به: يعني أنا كنت مجرد عرض
ليجلس هشام بعدما أصبح يكره هذه الحياة التي وضع نفسه فيها قائلاً: لأني تعبت يا نهى، تعبت من حياتي معاكي أنا وأنتي مينفعش نكون لبعض…
فنطقت هي بألم: وأشمعنا دلوقتي جاي تقول الكلام ده يا هشام
فطالعها بضعف وهو يُحرك رأسه قائلاً: مش عارف يا نهى، مش عارف
لتقترب هي منه وانحنت بجسدها الذي أصبح ثقيلاً بسبب الحمل قائلة بحب: بس أنا بحبك يا هشام، هتتخلى عني
زي ماما وبابا ما اتخلوا عني، وهبطت دموعها وهي تُطالع أعينه قائلة بأسى: هما السبب في إدماني وإني أكون إنسانة مستهترة.. هي ماتت وسبتني لوحدي وهو كان كل يوم مع ست شكل.. وخرج صوت نحيبها وهي تُكمل باقي عباراتها: أنا عارفة إن ماما ملهاش ذنب.. بس هي ماتت ليه وسبتني
ليتجمد هشام من أثر كلماتها التي لأول مرة تُخرجها إليه واحتقر نفسه وهو يسمعها.. فنهضت من أمامه وهي تمسح دموعها قائلة: وأنت كمان بتتخلى عني
وكادت أن تنصرف من أمامه إلا أنها وجدته يضمها لصدره قائلاً بمرارة: أنا آسف يا نهى..
………………………………………………………….
نظرت إليه بسعادة بعدما انتهت من محادثة صديقتها التي افتقدتها قائلة: شكراً يا شريف، متعرفش أنا أد إيه كنت محتاجة أكلم ريم وأسمع صوتها
ليبتسم شريف بهدوء وهو يُعطيها علبة ثمينة، فتنظر إليها باندهاش فالصورة التي تحملها العلبة تدل بأن داخلها هاتف
لتفتحه زهرة قائلة بسعادة: ده آيفون
فيضحك شريف قائلاً: تخيلي طلع آيفون، وكمان ليكي يا ستي
فرفعت بوجهها نحوه قائلة: بجد
وما كان من شريف سوى أن ضحك لتلقائيتها.. فابتسم بود قائلاً: أنتي تستحقي أغلى من كده يا زهرة بجد
وأكمل حديثه بندم: رغم جرحي ليكي، إلا إنك شيلاني
ليتذكر كل شيء تفعله منذ أن جاءت معه إلى هنا ورغم بعدهم.. فهي تهتم بطعامه وملابسه حتى تذكر مرضه منذ يومين عندما ارتفعت حرارته كان كلما استيقظ يجدها مُنكبّة أمامه تتحسس جبينه..
فأخفضت رأسها قائلة: أوعي تكون عملت كده عشان
وقبل أن تنطق بباقي عباراتها وجدته يضع يده على فمها قائلاً: لأ يا زهرة مش برد ليكي اللي عملتيه لما تعبت.. أنتي مراتي يا زهرة ومن حقي عليكي إني أشوف اللي ناقصك وأجيبهولك.. غير كفاية إني بعدتك عن أهلك ومن ساعة ما جينا هنا وأنتي محبوسة بين أربع حيطان
ثم تابع حديثه بداعبة قائلاً: بس أنتي اللي ضيعتي خروجة ليكي قبل كده يا زهرة
لتُطالعه زهرة بصمت وهي تتساءل بداخلها: ليه اتغيرت دلوقتي يا شريف..
………………………………………………………….
جلست مريم على مكتبها في تلك الشركة التي قد حصلت على وظيفة فيها بمعاونة أخيها فارس، لتجد أحد زملائها يقفون فجأة.. فطالعت ذلك الرجل الذي دخل عليهم ويتفحصهم بصمت وبجانبه ذلك الرجل الذي قد تعارفت عليه أثناء المقابلة عندما جاءت تُقدم أوراقها في تلك الوظيفة.. ليُطالعها زملاؤها بصدمة على جلوسها هذا
فمسكت مريم بأحد الأوراق وظلت تطالعها إلى أن وجدت صوت أحدهم يتحدث: ديه موظفة جديدة هنا يا حاتم باشا ومتعرفش حضرتك..
فالتفتت مريم نحو ذلك الرجل الذي يبدو عليها العجرفة، حتى قال كمال وهو ذلك الرجل الذي كانت تظنه صاحب الشركة
لتجد حاتم يخرج من المكتب بعدما فحصها بنظرات لم ترتح لها
لتجد كمال يقترب منها قائلاً: موقفتيش ليه زي بقية زمايلك يا مريم، ربنا يستر
ويغادر كمال ثانية لتسمع صوت همسات زملائها وتتأكد بأن ذلك الرجل ليس إلا مالك الشركة
………………………………………………………….
ابتلعت زهرة ريقها بصعوبة وهي تستمع إلى سؤال والدتها الذي أخذت تُكرره عليها بلهفة بعدما أخبرتها أنها تشعر ببعض التعب..
ليأتيها صوت جميلة الضاحك قائلة: أراهن إن وشك دلوقتي شبه الطماطماية بعد سؤال ماما ليكي عن الحمل
فتشعر زهرة بالحرج من ذلك الحديث حتى نطقت أخيراً: أنا مبقاليش شهر متجوزة هبقى حامل إزاي يا فالحـة
لتزداد ضحكات جميلة وهي تستمع لحديث أختها قائلة: عادي يا زهرة بتحصل يا حبيبتي… ها ردي بقي هكون خالتو ولا لسا متأكدتيش..
فتبتسم زهرة وهي تعلم أن لا تأكد في هذا.. فهي تعيش معه كالإخوة
وبعد حديث طويل مع أختها ووالدتها التي أخذت تعطيها النصائح وكأنها أيقنت بأن ابنتها حامل
أغلقت زهرة الهاتف وهي تتخيل ذلك اليوم الذي تصبح فيه حاملاً بطفل من شريف…
لتأتي صورة شريف لعقلها وهي تتخيل اليوم الذي سيعرف فيه حقيقة معرفتها بأخيه…
فهبطت دمعة حزينة وهي تُحرك رأسها برفض: أنا وشريف مننفعش نكون لبعض.. وتذكرت حنيته معها التي أصبحت لا تُصدقها وتلعن غباءها القديم الذي بسببه قد حُرمت من تلك الحياة التي يعيشها الأزواج في بداية حياتهم!
………………………………………………………….
نظر كمال إليه بصدمة وهو يستمع إلى أوامر سيده قائلاً: مريم اللي في قسم الترجمة يا حاتم باشا
ليُحرك حاتم رأسه قائلاً: بالضبط يا كمال، عايزها تكون السكرتيرة بتاعتي
فأخذ يُطالعه كمال بحيرة.. إلى أن تنهد قائلاً: حاضر يا حاتم باشا
………………………………………………………….
وقفت أمامه بحيرة وهي تراه مُنكبّاً على حاسوبه الشخصي.. يُنجز بعض الأعمال حتى قالت بتردد: شريف
ليتطلع إليها شريف فيراها تحمل بعض الأوراق.. فتخفض برأسها أرضاً قائلة: شكلك نسيت، على العموم مش مهم
ليتذكر شريف ما قاله لها منذ يومين عندما علم بحبها لتصميم الأزياء قائلاً: معلشي يا زهرة نسيت، ومد يده قائلاً: تعالي وريني يا ستي
فلمعت عين زهرة بسعادة واقتربت منه قائلة: أهي
فظل لدقائق يتفحص الأوراق دون رد فعل.. جعلها تُدرك بأنه لم يعجبه تصميماتها
إلى أن وجدته يبتسم فجأة قائلاً بهدوء: هايل يا زهرة، التصميمات تحفة بجد
فأخذت تُطالعه زهرة بسعادة، وهي لا تُصدق بأن تصميماتها البسيطة قد أعجبته
ليتأملها للحظات وهو يرى بريق عينيها وردود أفعالها النقية
فكل يوم يعيشه معها أصبح يكتشف شيئاً بها يجعله يبدأ في تلك المرحلة التي يخشاها (الحب)
………………………………………………………….
لمعت عين نهى بسعادة وهي ترى نظرات حماتها الحنونة إليها قائلة: متعرفش أنا أد إيه بحبك أوي يا طنط وفرحت لما هشام قالي هاجي أقعد معاكي أنتي ونسرين
فضمتها منى بحنان، ورغم أنها ليست راضية على تلك الزيجة إلا أنها ترى العشق في أعين تلك الفتاة لابنها
فداعبتها نسرين بسعادة قائلة: البنت الوحشة عروسة ابني المنتظر هتيجي إمتى
ليدخل عليهم هشام في تلك اللحظة بعدما أنهى اتصاله قائلاً: مين ده اللي هيتجوز بنتي يا نسرين هانم، لأ يا حبيبتي أنسي
لتبتسم كل من والدته ونهى، ويقترب منها هشام ليحتضنها قائلاً: ولا أنتي رأيك إيه يا حبيبتي
فَنظرت إليه نهى بحب وهي تعيش تلك الأجواء الأسرية التي كانت دوماً تتمناها… وتحسست بطنها بأمل أن تُكمل عمرها بجانب حبيبها وطفلتها وتصبح نهى جديدة
لتفيق من شرودها على صوت هشام وهو يخبرهم بأسف: للأسف أنا مضطر أسافر باريس في شغل مهم، وبالمرة أطمئن على شريف
فابتسمت منى بسعادة قائلة: آه يا حبيبي اطمن على أخوك ومراته..
ورغم محاولته الكثيرة في نسيانه بزواج أخيه.. إلا أن والدته قد ذكرته به
………………………………………………………….
امتقع وجه حازم بغضب، وهو ينهض من مقعده قائلاً: لما تبقي تبطلي تقارني بيني وبين شريف.. ابقي أجي يا هانم
وانصرف حازم وهو لا يُصدق بأن حب عمره أصبحت بتلك الشخصية تحقد على أختها بأنها حصلت على زوج كشريف وتقارن حياتهم التي سيبدؤونها سوياً بحياة غيرهم
لتنظر جميلة للفراغ الذي تركه بصدمة.. فحازم لأول مرة يعلو صوته عليها، وضغطت على كفيها بقوة قائلة: ماشي يا حازم
…………………………………………………………
نظرت زهرة إلى وجبة الطعام التي أعدتها برضاء بعدما أخبرها شريف بأن هناك ضيف سيأتي معه دون أن يُخبرها بهويته
وكادت أن تذهب إلى المطبخ ثانية لتُحضر باقي الأطباق
فسمعت صوته ينده عليها، فعدلت من وضع حجابها وهي تبتسم.. إلى أن تلاشت ابتسامتها عندما وجدته يردف خلف زوجها ويُطالعها بنظرات لم تفهمها…
فابتلعت زهرة ريقها بصعوبة.. لينطق هشام قائلاً: إزيك يا زهرة!
​
رواية زوجة أخي.
بقلم سهام صادق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *