الجزء الثاني من الفصل الخامس لولا الغرام بقلمي روز أمين

«بسم الله لا قوة إلا بالله»

«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»

 

“تنويه هاااام، هذه الرواية أحداثها حقيقية وكل ما ورد بها من أحداث قد حدثت بالفعل”

الجزء الثاني من

🔹الفصل الخامس 🔹

«لَوْلاَ الغَرَامُ»

#_لَوْلاَ_الغَرَامُ،بقلمي روز أمين

هذه الرواية مسجلة حصريًا بإسمي “روز أمين”

وممنوع نقلها لأية مدونة أو موقع أو صفحات أخري ومن يفعل هذا قد يعرض حالهُ للمسائلة القانونية.

__________________________

 

ولج صادق إلى منزل شقيقته، ليجد المنزل فارغًا، فتحدث إلى أشرف الذي لحق به هو والصغيرة:

-فين أبوك وامك يا ابني؟!

 

-بابا بيصلي الضحى في اوضته هيخلص ويطلع أكيد، وفيفي بتأكل الطيور فوق السطوح، هطلع أستعجلها.

سأله من جديد وهو يمشط المكان بعينيه:

-و”علي” فين؟

-“علي”في شغله، هيرجع على الساعة تلاتة العصر.

 

صعد الدرج سريعًا يستدعي والدته، فهتفت الفتاة بصوتٍ يملؤه الحماس:

-بابا أنا كمان هطلع عند طنط فيفي، عاوزة أشوف ديك الرومي وهو بيزغرط.

انفجر ضاحكاً بعدما عجز عن كبح قهقهته، ثم التفت إليها موضحاً:

-مش هينفع تشوفي عمتك وأنا مش معاكِ، علشان لسه ما نعرفش رد فعلها على موضوع أشرف، واخاف تضايقك بكلمة وانا مش جنبك

 

زمت شفتيها كالأطفال وتمتمت بأسى بدا واضحًا في عينيها:

-بس أنا عاوزة اشوف الديك الرومي.

-آخر اليوم هنطلع نأكله أنا وانتِ.

قفزتْ لأعلى كالأطفال وهي تُردد بكلماتٍ تقفز من بين حروفها السعادةُ الممتزجةُ بالحماس:

-بجد يا بابا؟.

ربت على كفها وقال وهو يحثها على مجاورته:

-إن شاءالله يا حبيبتي.

جلستْ بجواره ليستمعا معًا إلى صوت السيد عزام وهو يردد الأذكار بصوتٍ خفيض، فقد اقترب صوته منهما فور خروجه من غرفته عقب انتهائه من الصلاة.

تفاجأ بوجودهما وعلى غرةٍ اتسعت ابتسامته الجميلة وهو يقول مندهشًا:

-صادق، إنتَ هنا من امتى؟!

أقبل عليه ليحتضنه الرجل بحفاوة لما لهُ من مكانة كبيرة داخل قلب السيد، فتمتم صادق يخبره:

-لسه واصلين من عشر دقايق، أشرف قابلنا وطلع ينادي لـ أبلة فيفي من فوق، وبلغني إنك بتصلي.

-إزيك يا جميلة.

تبسمت وصححت له:

-أنا إسمي دليلة يا عمو،مش جميلة….قالتها للتوضيح وتابعت بابتسامة مرحة:

– حضرتك كل مرة تتلغبط في إسمي وأصحح لك، وبردوا تتلغبط تاني.

ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة،ثم مازحها بأسلوبٍ دافئ:

-ما أنا عارف إن إسمك دليلة، بس أنا هنا بوصف روحك، مش بذكر إسمك.

وتابع مبتسمًا يطالعها بأعين لامعة:

-تعرفي إنك الوحيدة اللي وارثة جمال عمتك فاطمة بالملي،نفس شكلها وهي في سنك، وطولها وبياضها، ونفس لون عيونها العسلي

حملتها كلماته الراقية وأسلوبه المهذب فوق أجنحةً من السعادة، فقد كان وقعها في نفسها كنسيم فجرٍ دافئ، انتفض على إثرها قلبها ليرفرف فرحاً، كفراشةٍ وجدت أخيراً زهرتها المفضلة.

جلس جميعهم ليهم صادق بسؤاله:

-إيه اللي حصل في موضوع علي ده يا حاج، وازاي متكلمنيش وتحكي لي؟

اومأ برأسه ثم سأله بهدوء:

-انتَ عرفت منين يا صادق؟!

-أشرف كلمني من يومين وقال لي.

تنهد الرجل بأسى وهو يقول:

-شوفت علي واللي عمله فينا يا صادق؟

أطرق رأسه ونطق بهمسٍ يُمزق نياط القلب:

-كسرني وكسر فرحة أمه.

احتوى كفه بحنوٍ،ثم تمتم في محاولةً لتبديد حزنه:

-صلي على النبي يا حاج عزام،لا عاش ولا كان اللي يكسرك،كلنا متأكدين من حب واحترام “علي”ليك ولـ أبلة فيفي، إحنا نقعد ونتفاهم وكل حاجة عتتحل إن شاء الله

-الله المستعان

أطلّت شقيقته من أعلى الدرج، فطالعها باستغراب، فقد تغيرت بين ليلة وضحاها، بدا الحزن جلياً على محياها، وتعجب من فقدانها الملحوظ للوزن، برغم أنه لم يمر سوى أيامٍ معدودة على تلك المشكلة.

اتسعت ابتسامته وهو يخطو لاستقبالها بحفاوة، لتنهض ابنته على الفور تتبع خطاه،برغم مرارة انكسارها، إلا أن وجهها أنار برؤية شقيقها الحنون، ارتمت بين أحضانه وكأنها تُلقي عن كاهلها ثقل همومها فوق أكتافه،إبتعد قليلاً ليسألها بنبرة دافئة:

-عاملة إيه يا أبلة.

-بخير يا حبيبي الحمدلله… خرجت كلماتها واهية حزينة، فارتد صدى وجعها في أعماق قلبه.

أقبلت الفتاة عليها، ليخرج صوتها حذرًا مترقبًا لرد فعلها:

-ازاي حضرتك يا طنط.

وكأنها كانت غافلة عن وجود الفتاة، فما إن أدركتها حتى انقلبت ملامحها فوراً من الإنكسارِ إلى العبوس،إذ قفزت إلى ذهنها صورة ابنها المطرود بحسب روايتها، شاحت بوجهها بعيداً، وأطلقت تمتمة باردة صحبتها نظراتٍ حادة كالنصال:

-الله يسلمك.

بالرغم من تجاهل عمتها لها، إلا أنها بادرت بالاقتراب والتحدث معها بأسلوبٍ راقٍ أظهر حسن تربيتها:

-أنا آسفة يا طنط، مكنتش أقصد ازعل حضرتك ، أرجوكِ ما تزعليش مني.

تعمقت عيني أشرف على وجنتي الفتاة وحمرة الخجل التي زادتهم حُسنًا، اما فاطمة فتحدثت بملامح لا تزال جامدة:

-خلاص يا دليلة مش زعلانة منك، بس اوعديني، إن دي تكون أخر مرة تتعاملي فيها مع حد بقلة ذوق كده

وتابعت لائمة تحت حزن وخجل الفتاة:

-يا بت ده انتِ من عيلة البدراوية، اللي معروفين في البلد كلهم بالكرم وحُسن استقبال الضيف

 

إلى هنا ولم يستطع صادق الإلتزام بالصمت، انتفض مدافعاً عن تصرف ابنته، لم يكن دفاعه مجرد عاطفة أبوية عابرة، بل كان تبنيًا مطلقًا لعقيدتها، تلك العقيدة الدينية التي قضى عمره يغرس بذورها في أعماقها، حتى آتت أكلها وثمارًا يُرضي بها الله سبحانه وتعالى، ويتباهى بها اليوم أمام نفسه:

-مع كامل احترامي لحضرتك ولـ أشرف يا أبلة، بس مش علشان بحبك وبحترمك، أقوم أشوش ثوابت بنتي الأساسية في الدين!

وتابع متهكمًا على تفكيرها بوجهٍ صارم:

-وازرع جواها إن المباديء عادي ممكن تتجزأ، على حسب المواقف ومكانة الاشخاص في قلوبنا؟!

اتسعت أعينها ذهولاً من تبرير شقيقها بل ومساندته لقلة أدب صغيرته وافتقادها للذوق، لتهتف بعتابٍ حاد:

-إيه الكلام اللي بتقوله ده يا صادق؟!

صدح صوت السيد عزام حازمًا وهو يقول بصرامةٍ وثبات:

-صادق بيتكلم صح وبينفذ اللي امرنا بيه ديننا الحنيف يا فاطمة، أخوكِ بيتكلم في الشرع والدين والأصول، وده ما يزعلش حد، وإنتِ كان المفروض تشجعي البنت وتثني على تصرفها، مش تلومي عليها وتشتتي تفكيرها وثوابتها ، وياريته في الحق، ده لوم في الباطل يا فاطمة

ربط على كتفها بحنوٍ وراح يختتم حديثه بجملة لينة تذكرها بخالقها:

-إتقي الله يا أم “علي” ،(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)

زفرت بقوة وكأنها تطرد وساوس الشيطان،وما يؤرق روحها ويؤلمها،إستغفرت ربها ثم نظرت على الفتاة،وخرجت ابتسامة طفيفة نظرًا لحالتها النفسية،لتفتح ذراعيها تستقبل تلك التي هرعت ترتمي بأحضان عمتها تحت سعادتها وارتياح الجميع.

******

داخل الحديقة الهادئة التابعة لشركة الأدوية حيث يعملان، خرج من مكتبه باحثاً عنها بقلبٍ مثقلاً بالهموم لأجل ما أصابهما، لم يستغرق الأمر طويلاً حتى وجدها، كانت  تجلس على حافة السور الأسمنتي، شاردة بملامح يغلب عليها الهم، وعيناها معلقتان بحوضٍ من الورد الأبيض كأنها تبحث بين أوراق زهراته عن إجابة لأسئلتها الحائرة.

 

اقترب منها بخطواتٍ هادئة وجاورها الجلوس، لم تلتفت إليه، وظلت نظراتها مثبتة للأمام، لكنها همست بصوت خافت يحمل بين طياته هلعًا من القادم:

-أنا خايفة يا علي، مرعوبة من فكرة إن جوازنا ميكملش بسبب عناد مامتي ومامتك.

التفت إليها، وبنبرة قوية تنضح بالثبات واليقين، أجابها:

-مينفعش تخافي وأنا جنبك يا” داليا “، أنا وعدتك وقولتلك إننا لبعض مهما حصل ومهما كانت الظروف.

 

ثم تابع بصرامة حاسمة يداري بها قلقه الذي ينهشُ داخله:

-أنا ثابت على موقفي، وأمي أكيد هتراجع نفسها لما تلاقيني قوي ورافض التنازل، أمي حنية الدنيا كلها في قلبها، وأهم حاجة عندها سعادتي أنا وأشرف، وهي عارفة ومتأكدة من جواها إني مقدرش أعيش من غيرك، هي بس بتعاند قصادي علشان تضغط عليا على أمل إني أتراجع.

 

تسللت ظلال هواجسها إليها من جديد،فتهدجت نبراتها، وتحدثت بصوتٍ خافت يثقله الهلع والإنهاك:

-أنا تعبت وخايفة أنهار يا علي، ماما طول الوقت بتضغط عليا بكلامها

توقفت كأنها تأخذ استراحة محارب قبل أن تكمل مسترسلة:

-وبابا كمان كل شوية يقولي، مش ده علي اللي قولتيلي إنه راجل وكلمته واحدة وشخصيته قوية قدام أهله؟ فين وعده في وسط اللي عملته مامته والبهدلة والإهانة اللي وجهتها لمامتك؟

 

هبطت كلماتها الأخيرة على قلبه كالخنجر المسنون، انغرست في عمق روحه لتنزف عجزاً وألماً، شعر بثقل الحمل الذي يجثو به عاتقه، فهو عالق في برزخ خانق، بين خطيبته وعائلتها الذين باتوا يرونه عاجزاً ومشوه الرجولة أمامهم، وبين أهله الذين يشعرون بالخديعة ويظنون أنه انحاز لغرباءٍ على حسابهم.

 

رغم المرارة التي تجرعها، أصر على أن يكون ملاذها الآمن، نظر في عمق عينيها بقوةٍ وثبات هزما ارتعاش قلبه، وقال بصرامة:

“متخافيش يا حبيبتي، كل حاجة هتعدي بإذن الله. إحنا حربنا مع الوقت، صدقيني المسألة مسألة وقت مش أكتر، أنا واثق إن أمي هتتراجع لأن راحتي هي كل اللي يهمها.

ثم تلاشت الصرامة من نبرته، وحل مكانها هيامٌ جارف تلاقى مع نظرات عينيها الهائمةُ بعشق ذلك الحنون، وأردف بهمس صادق:

-وأنا راحتي مش عند حد غيرك يا داليا.

تبددت غيوم خوفها قليلاً، ولاحت بعينيها ابتسامة راحة باهتة، لكنها كانت كافية لتضيء عتمة قلبه ولو قليلاً.

******

داخل ردهة المنزل، كان النقاش محتدمًا، فقد عاد “علي” من عمله ليتوسط تلك الجلسة العائلية العاصفة، جلس برفقة خاله صادق، ووالديه، وشقيقه أشرف، في محاولة مستميتة لإقناع “فاطمة” بالقبول بإتمام الزيجة، دون وضع عراقيل قد تُفشل إتمامها.

في تلك الأثناء، تسللت “دليلة” نحو الحديقة، هربًا من ضجيج المفاوضات بالداخل، استقرت عيناها فجأة على دراجة هوائية مركونة بعناية جوار الحائط، فتملكتها موجة من الإنبهار الحنيني، اقتربت منها بخطواتٍ بطيئة،كانت الدراجة قطعةً فنية تأسر الأنظار برغم طرازها القديم، تزينها أشرطةٌ قرمزية نسجت حولها هالة من البهجة، مدت أناملها تلمس هيكلها برقة، ثم مررت يدها على المقود بحالمية،في حركة تشبه أنامل موسيقار يداعب أوتار عُودهُ قبل بدء المعزوفة.

لم تنتبه لخطوات أشرف الذي خرج من المنزل، وتحرك بهدوء حتى وقف خلفها مباشرة.

قطع الصمت قائلًا بنبرة دافئة:

-عاجباكي؟

انتفضت جراء المفاجأة، والتفتت إليه بذعرٍ طفيف سرعان ما تبدد، وحلت محله ابتسامة رقيقة كالنسيم، لتعيد النظر إلى الدراجة مرةً آخرى:

-شكلها حلو قوي.

ابتسم قائلًا وعيناه تلتمعان بذكريات قديمة:

-تعرفي إن العجلة دي بتاعة باباكي؟

اتسعت عيناها بذهول، ونظرت إليه قائلة بعدم تصديق:

-معقولة؟! دي عجلة بابا بجد؟!

أومأ برأسه وابتسامةً رائعة إتسعت على شفتيه:

-أه والله، كانت جدتك “رُقية” شرياها له أيام ما كان في إعدادي، كان بيروح بيها المدرسة.

وتابع مسترسلاً:

-ولما راح ثانوي كان شبه ساكن هنا، علشان بابا كان بيذاكر له العربي، فضلت هنا عندنا لما راح الكلية، ولما أنا كبرت ورحت الثانوي إداهالي.

إبتسامة حالمة ظهرت على محياه وهو يراجع ذكرياته قائلاً:

-ما تتخيليش فرحت بيها قد إيه، ولسه لحد دلوقتي بركبها ساعات، وبهتم بيها جدًا .

عادت دليلة تتلمس المقود مرة أخرى، غارقة في عالم من الخيال والحنين لأيام لم تعشها، قبل أن تسأله:

-إنتَ اللي مزينها بالشريط الأحمر؟!

أومأ بصمتٍ، ثم عرض عليها بنبرة تحمل بين طياتها حماسًا عاليًا:

-مش عاوزة تجربيها؟.

تنهدت بعمق وقالت بلهفة طفولية:

-يا ريت.

ثم هزت كتفيها بقلة حيلة، وتابعت بنبرة يشوبها الخوف:

-بس أنا ما بعرفش أسوق عجل، وأخاف أقع من عليها.

ثبت نظراته عليها، وامتلأت عيناهُ باهتمامٍ جارف وصادق، ثم قال بصوت حنون،بدا كأنه يحمل وعيدًا أبديًا بالأمان:

-ما تخافيش، أنا عمري ما هسيبك تقعي.

لاحت على ثغرها ابتسامة عفوية ممتزجةً ببراءة،أوحت باطمئنانٍ مفاجئ،لتعيد عينيها نحو الدراجةِ من جديد ، تتأمل هيأتها التي أدخلتها في حالة من الإنبهار والتمني،بينما كان قلبها الصغير ينسج حلمًا دافئًا، بنيل شرف اعتلائها وقيادتها يومًا ما.

******

عودة مرةً أخرى للجلسة المعقودة بالداخل، سألها صادق بهدوءٍ كي يستدعي حديث العقل داخلها:

-طب انتِ الوقت إيه اللي يرضيكِ يا أبلة؟!

بدون تفكير خرجت كلماتها كالسيف:

-اللي يرضيني إن اتفاق الرجالة يمشي يا صادق.

 

-وأنا يا ماما، وراحتي؟!… قالها بأعين متوسلةً يرجو لينِها، ثم تابع بصوتٍ يرتجفُ وجعًا تحت وطأة الضغوط التي تثقل روحه:

-وشكلي قدام أبو داليا؟! يرضيكِ أطلع عيل قدامه؟!

إندفع صوت “صادق”صادقًا ومؤيدًا للحق،وايضًا  ليطفئ ثورة شقيقته بعد أن رأى بوادر إندلاع شرارة الغضب وتطايرها:

-إسكت خالص يا علي، علشان انتَ الغلط راكبك من ساسك لراسك من الأول، لو صارحت أبوك وامك من أول الموضوع، كنا اتفاهمنا وقتها ووصلنا لحل.

 

عقد كفيهِ بجمودٍ، ثم أسند ذراعيه على ركبتيه بمرارةٍ،أحنى رأسه نحو الأرض بثقل الخيبة، عاجزًا عن مواجهة تلك الأعين اللائمة التي تخترقة كسهامٍ،وتمتم بصوتٍ تجلت من بين حروفه الكسرة:

-طب والحل إيه الوقت؟.

 

تطلع صادق إلى السيد عزام الذي أبرأ الذمة وهو يقول:

-أنا مليش رأي في الموضوع ده يا صادق، طالما ابني اتخطاني من الأول ومعمليش حساب، يبقى أنا براه.

 

نزلت كلماته على قلب علي كخناحرٍ مسمومة، ليتابع السيد وهو ينظر لزوجته:

-واللي تشوفه الحاجة فاطمة، أنا موافق عليه.

جاءت كلماته كبلسمٍ على قلبها هدأت من نيرانه قليلاٍ، وجه صادق حديثه إلى شقيقته وهو يطالعها برجاء:

-قولتي إيه يا أبلة.

هبّت واقفة في ثبات، ووجهت نظراتها الثاقبة نحوهم قائلة بكلماتٍ قاطعة كالسيف لا تقبل المراجعة:

-أنا اللي عندي قلته يا صادق، والكلام واضح ومفهوم للكل ، الجوازة دي لو ما تمتش هنا في الببت، يبقى كل حي يروح لحاله، وكل واحد الله يسهل له بعيد عن التاني.

 

قذفت جمر كلماتها، ثم اندفعت نحو الباب كالإعصار المدمر، لتترك الجميع في حالةٍ من الذهول والحيرةِ والضياع.

_________

في الخارج، كانت تجلس على الأريكة الخشبية، ويجاورها ذاك الذي لم يحِد بنظره عنها، مستغلاً غفلة تلك التي تمسك بعصا ترسم بها على التراب بطفولية، التفتت إليه بغتةً، ثم سألته متعجبة:

-هو انتَ مش قاعد معاهم جوه ليه؟!مش المفروض تقف جنب أبيه “علي”!

-هو انا مجنون علشان احط نفسي في وش المدفع؟.

 

ضيقت ما بين عينيها بعدم استيعابٍ لكلماته المبهمة، ليسترسل حديثه مفسرًا لتلك الرقيقة:

-ما انا لو دخلت هقف في صف أخويا،ولو وقفت في صفه هبقى بعادي السلطانة فاطمة

واسترسل بتهويلٍ:

-ودي أجارك الله على اللي يعاديها.

وتابع متأثرًا:

-ده غير إني مينفعش أشوف أخويا الكبير وهو قاعد مكسور، والكل بيقلل منه ويلومه.

 

تحدثت متأثرة بحزنها:

-تعرف اني مكنتش فاكرة إن طنط فيفي عصبية وصعبة كده،كنت فاكراها هادية وحنينة

نطق يؤكد لها:

-ما هي فعلاً حنينة،ومفيش في حنيتها كمان،بس طول ما انتِ مأذتيهاش

-وأنا كنت أذيتها في إيه علشان تعاملني كده قدامكم؟!…أحنت رأسها بأسى قبل أن تتابع مسترسلة بقلبٍ متأثر:

-دي أحرجتني اوي يا أشرف، وكنت هعيط لولا إن بابا كان واقف جنبي

حزن لأجل شعورها السيء، وتحدث مربتًا على قلبها:

-أنا بتأسف لك بالنيابة عنها، وصدقيني يا دليلة، عمتك بتحبك أوي، وليكِ مكانة كبيرة في قلبها

وتابع بابتسامةٍ سعيدة:

-بس من سوء حظك إنك جيتي على إبنها حبيب القلب

سألته بعدما تشوشت أفكارها:

-هو انتَ كمان زعلان زيها، علشان ما فتحتلكش الباب يا أشرف؟!

اندفع ينفي:

-خالص، بالعكس، أنا انبسطت جداً بتصرفك، وقولت لماما الكلام ده بس هي ليها دماغ لوحدها، صعب تقنعيها بحاجة هي مش مقتنعة بيها.

 

حركت رأسها برضا مع ابتسامة هادئة، اندفع يسألها بحماس:

-تيجي نشتري دولسي من الدُكان؟!

اشتدت سعادتها وهي تحرك رأسها بموائمة، ليسألها:

-تحبي تروحي بالعجلة؟!

اجابته برفضٍ:

-لا، مش بعرف اسوق قولت لك

-ما انا هسندك…قالها ليحمسها،لتطأطأ رأسها وهي تقول:

-بابا هيزعق لي،هو علم أحمد أخويا لما كنا في السعودية،وساعتها طلبت منه يعلمني ورفض

تطلعلت عليه وتابعت بانكسارٍ ألمهُ:

-قال لي البنات مش بتركب عجل،وقالي كمان إنه ببخاف عليا.

هتف ليخرجها من وطاة حزنها:

– طب يلا نجيب الدولسي.

انسحبت تتحرك بجواره، كان يشعر بسعادة هائلة وهي تجاوره الطريق، وصلا معًا إلى المتجر الصغير القابع في زاوية الشارع،اتجه مباشرة نحو براد المثلجات، وبذراعٍ قوية رفع بابه المعدني الثقيل، ثم أشار إليها بصوته يدعوها للاقتراب وإلقاء نظرة في الداخل:

-تعالي اختاري اللي عوزاه يا دليلة.

هرولت مسرعة وأحنت رأسها لتتلقف لفحات الهواء البارد، علّها تنعش وجهها وتطفئ لهيب هذا الجو القاسي، ثم راحت تتفخص انواع المثلجات المختلفة وهي تقول:

-هو مفيش ريبل؟!

تطلع يتفقد الأصناف ليتمتم بإخبارها:

-لا، فيه أُستِيك عصاية،فانيليا وشيكولاتة، وفيه قرطاس، ولوليتا، وكمان جيلاتي بسكوتة وعلبة

إنطلقت قهقهاتها على مصطلحاته الغريبة وهي تقول بنبرة ساخرة:

-إيه الاسماء اللي انتَ بتقولها دي يا أشرف، حد يقول على الدولسيكا قرطاس؟!، ودولسي ستيك بقى عصاية؟!.

تمتم بملاطفة:

-بقولك إيه، إحنا هنا في البلد، مش في المدن الجديدة بتاعتكم،يعني تسمعي وتاكلي  وانتِ ساكتة.

أطبقت شفتيها وأشارت إليهما بابتسامة مخادعة، فتعالت ضحكته، انتقت بنظراتها السريعة نكهة المثلجات المفضلة لديها من البراد، ثم وقفت تراقبه وهو يدفع الحساب، تحركت من جديد بجواره، تلتهم الأيس كريم باستمتاعٍ شديد تحت سعادته التي تخطت عناء السماء.

******

رافق “صادق” ابن شقيقته “أشرف” إلى بيت أهل “داليا”، خطيا عتبة المنزل والتوتر يسبقهما، ليجدا في استقبالهما والدي الفتاة، جلس الأب بملامح جامدة، بينما اتخذت الأم مجلساً يعكس العناد والتحدي، واضعةً قدماً فوق الأخرى، تراقبهما بنظرات فاحصة.

انطلق “صادق” في الحديث محاولاً كسر جبل الجليد:

-إحنا جايين النهاردة يا جماعة علشان نتكلم بالعقل، إحنا اتفقنا من الأول خالص إن الأولاد هيعيشوا في شقتهم اللي معمولة علشانهم، وما شاء الله الحاج عزام عامل لهم أحلى شغل فيها.

ثم التفت بنظراته نحو الأم وتابع بنبرة ودودة يملؤها الرجاء:

-يا ريت حضرتك يا مدام “نعمة “تجيبي داليا وتيجوا تنورونا وتتفرجوا على الشقة، أنا متأكد إنها هتعجب حضرتك جداً.

تنهدت الأم بهدوء بارد، وأجابت دون أن تحرك ساكناً:

-من غير ما أتفرج يا أستاذ صادق، أنا متأكدة إنها هتعجبنا، وبعدين هي هتروح فين يعني؟ ما هي موجودة وبتاعتهم.

تطلع “أشرف” إلى خاله بقلق ينهش صدره، فما كان من “صادق” إلا أن حسم أمره وقرر الدخول في جوهر الخلاف بجدية قاطعة:

-طب يا جماعة أنا هدخل في الموضوع على طول علشان منضيعش وقت بعض، الحاج عزام والحاجة أم علي رافضين تماماً موضوع شقة المنصورة، وعاوزين يفرحوا بابنهم في شقته التمليك

وتابع مؤكدًا على أحقية شقيقته وزوجها:

-وأظن ده حقهم، الناس عاوزة تفرح بابنهم بالبكري وسط حبايبهم،والعرسان ينوروا بيتهم.

 

تبدلت ملامح الأب وحلّت عليها الصرامة وهو يقول:

-بس الاتفاق مكنش كده يا أستاذ صادق.

لم يتراجع “صادق”، بل اشتدت نبرته صرامة وهو يواجهه بالحقيقة:

-الاتفاق مكنش صح من الأول يا أستاذ عبد الله، متزعلش مني، إنتم كمان اتعديتوا الأصول لما تممتوا اتفاقكم بعيد عن الحاج عزام.

هتف الأب بقوة نابعة من اقتناع تام بموقفه:

-اللي يتلام في الموضوع ده هو ابنهم يا أستاذ صادق، مش إحنا خالص.

ساد صمت ثقيل، قبل أن يسأله “صادق” بنبرة يبحث فيها عن بريق أمل:

-يعني مفيش أي أمل تراجعوا نفسكم وتلغوا اتفاقكم مع علي يا أستاذ عبد الله؟.

جاء رد الأب حاسماً كحد السيف:

-ده كان شرط لإتمام الجوازة يا أستاذ صادق، يعني من غيره، الاتفاق كله يعتبر لاغي.

هنا تدخلت الأم ، لتنطق بحديثٍ يتسمُ بالعقلانية والمنطق، من وجهة نظرها:

-أنا بنتي موظفة في شركة مهمة وليها مستقبل يا أستاذ صادق، الشركة أمريكية، والناس دي معندهاش تهاون في أي تأخير أياً كان السبب، وكلنا عارفين إن المواصلات في القرى ممكن تتأخر ومبتكونش متوفرة طول الوقت، تأخير ورا تأخير وبعدها بنتي تتفصل من الشركة.

ثم تابعت بنبرة عملية حاسمة:

-أنا ست موظفة وعارفة قيمة الوظيفة والمرتب بالنسبة للست، ولا يمكن أتهاون في الموضوع ده أبداً.

شعر “أشرف” بأن حلم شقيقه ينهار أمام عينيه، فتدخل بنبرة متوسلة، محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه:

-طب راجعي نفسك وخدي وقتك في التفكير يا مدام، أو اسألي داليا وشوفي رأيها إيه؟”

نظرت إليه الأم بنظرة أنهت كل أمل متبقٍّ، وقالت ببرود حاد:

-الموضوع بالنسبة لنا منتهي ومش محل نقاش يا أشرف، ده مستقبل بنتي، والله لو إنتم شاريينها توافقوا على طلبنا، ولو مصممين على رأيكم، يبقى كل شيء قسمة ونصيب.

حسمت بكلماتها المقتضبة كل شيء، وأغلقت جميع أبواب النقاش، غادر “صادق” وابن شقيقته المنزل، يلملمان بقايا خيبتهما الثقيلة، ويمشيان بخطى مثقلة بالهزيمة بعد أن أغلقت بوجههما كل الأبواب.

******

بمجرد أن انتهت الامتحانات، حزم رشيد وأصدقائه الثلاثة حقائبهم وانطلقوا في رحلة سريعة إلى مدينة الغردقة، بحثاً عن عملٍ في قطاع السياحة يساعدهم على تدبير مصاريفهم الشخصية، فور وصولهم بالحافلة، توجه رشيد وسامر ورفقائهم إلى الفندق، حيث استقبلهم موظف الاستقبال بترحاب وبشاشة قائلاً:

-حمد الله على السلامة يا شباب

وأشار لعاملين يقفان جانيًا،وتابع بعملية:

– الشباب هيعرفوكم أوضتكم اللي هتسكنوا فيها، ارتاحوا النهاردة ومن بكرة هتبدأوا شغل

تحدث إليه رشيد باحترام:

-متشكرين يا فندم، وان شاءالله هنشرفك

تمتم بوجهٍ بشوش:

-بالتوفيق.

وصلوا إلى غرفتهم وما أن أبدلوا ثيابهم، حتى غطوا في نوم عميق،ومع حلول العصر، ذهبوا إلى شاطئ البحر ليرفهوا عن أنفسهم.لم تدم لحظات استمتاعهم طويلاً، إذ تفاجأوا بـــ”يحيى عبد الحق” يقف أمامهم لينطق متهكماً وهو ينظر إلى رشيد:

-أي نعم انتوا طلعتوا أندال وسافرتوا من غير ما تقولوا لي، بس أنا طلعت أجدع منكم، وما هانش عليا أسيبكم لوحدكم من غير حماية

ثم عدل ياقة قميصه بتعجرفٍ وتابع وهو يرمقهم باشمئزازٍ مفتعل:

-و وجود شخصية مهمة زيي، تعمل لأشكالكم قيمة.

إشتعل داخل رشيد فور رؤيته لوجهه القبيح،بينما هتف سامر بذهول:

– انت عرفت إزاي إن احنا هنا؟

قهقه يحيى قبل أن يقول بزهوٍ وكبرياء:

-أنا ليا مصادري الخاصة يا حبيبي، ولو عاوز أعرف أي حاجة بعرفها

ثم التفت نحو رشيد، وتحدث بنبرة تقطر غلاً وحقداً،وقد ارتسمت معالم العداوة جليّة على ملامحه:

-انت بتتعامل مع “يحيى عبد الحق”يا شاطر، مش “رشيد المسيري”

رمقه رشيدٌ بنظرةٍ حادّةٍ مليئةٍ بالاشمئزاز، ثم أردف بنبرةٍ صارمةٍ لا تقبلُ الجدال:

-طب أنا متجنبك بقى لي فترة ومبجيش جنبك، بتجيب سيرتي ليه يا سخيف؟

ضحك بسخرية وهو يقول ببرودٍ:

-بهزر معاك يا ابو الرُشد، مالك دمك بقى تقيل وما بتقبلش الهزار كده ليه؟

سأم رشيد النقاش مع ذلك المستفز، فمضى يكمل طريقه على الشاطئ، بينما وقف سامر ليضع حداً لهذا السمج قائلا:

-كفاية لحد كده يا يحيى، احنا جايين نشتغل، مش جايين نتعدى على بعض ونعمل مشاكل.

ولحق بصاحبه مسرعاً، تبعهم يحيى بخطوات واسعة، ووقف أمامهما من جديد، ثم وجه حديثه الخبيث إلى رشيد:

-إلا قولي يا رشيد، انت مش خايف وانتَ جاي تشتغل هنا، وسايب نهلة لوحدها في وسط النوادي وحفلات أولاد الذوات، والبشوات وكلاء النيابة أصحاب أخواتها؟

خرجت ابتسامة ساخرة من فم رشيد، وانبعثت من عينيه ثقة هزت ثبات يحيى، وهو يقول:

-اللي بيني وبين نهلة اللي زيك مش ممكن يفهمه، والناس اللي بتقول عليها دي طول عمرهم وهما قدامها وبتشوفهم كل يوم، لكن يوم ما جت تحب اختارتني أنا من وسط كل دول

وتابع بثقة نابعة من ثقته بمالكة القلب:

-تفتكر اللي اختارتني بإرادتها ممكن تبص لحد غيري لمجرد إنه أغنى ولا أحلى يا يحيى؟

نفس الموضوع بالنسبة لي، أنا حبيت نهلة بجد ومهما شفت من بنات جميلة عمري عيني ما هتشوف غيرها، وده لأني بحبها بجد

 

إقترب منه ثم تعمق في عينيه وهتف مهدداً بنبرة صارمة:

-فيا ريت يا يحيى تسيبني أنا ونهلة في حالنا وتشوف لك حد غيرنا تبخ سمك فيه.

وتابع بتهديدٍ مباشر:

-عشان لو نهلة اتأذت بسببك، أنا مش هرحمك.

اشتعل يحيى غضباً وصاح بحدة غاضبة:

-وأنا كنت عملت إيه آذيتك بيه قبل كده يا رشيد؟، عشان تتهمني بالطريقة المهينة دي؟!

انفجر بركان الغضب المكبوت في عيني رشيد ولم يعد يطيق التكتم أكثر من ذلك، لذا صاح بصرامةٍ وقوة:

-أنا فاهم وانت فاهم انت عملت إيه كويس أوي يا يحيى، فبلاش نصيع على بعض، وأخر نصيحة هقولها لك.

ثم رفع سبابته في وجهه بوعيدٍ، واقترب منه أكثر وهو يهمس بكلماتٍ حادة تقطرُ تهديداً:

-إبعد عني وعن نهلة

انطلقا رشيد وسامر كالسهمين في طريقهما بخطواتٍ قوية تهز الأرض وقلوبًا مشتعلة، بينما بقي يحيى مكانه ينظر إلى أثرهما بغلٍ شديد، وهمس لنفسه بوعيدٍ قاطع:

-آه يا بنت الــ…..، برضه رحتي قلتي له برغم إني مأكد عليكِ؟! تمام كده، تمام قوي.

وتابع بشرٍ إنطلق من عينيه المشتعلتين:

– استني بقى اللي هيحصل لك على إيدي،وحيــــــــــاة أمك، لأعرفك مين هو يحيى عبدالحق، ولاندمك انتِ والأمور بتاعك، على اليوم اللي وقفتوا فيه في وشي.

إنتهى الفصل

ترى ما الذي ينوي فعله ذلك الحقود”يحيى عبدالحق”، ليعاقب كلاهما.

«لَوْلاَ الغَرَامُ»

بقلمي روز أمين

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *