متاهة مشاعر الجزء الثالث

 

الفصل الثالث عشر

دخلت سهام إلى فيلا شقيقتها بعدما اصطحبها يزيد إليها واشترطت هي عليه الانتظار في السيارة حتى تقوم باستدعائه..

استقبلتها ريناد بوجه شاحب واجم.. ودموع متجمدة في مقلتيها.. فتحت سهام ذراعيها فارتمت بينهما ريناد على الفور لتنفجر عاصفة الدموع المحتبسة خلف أجفانها..

احتضنتها سهام لفترة حتى شعرت بها تهدأ بين ذراعيها.. فأبعدتها قليلاً.. ومسحت بعضاً من عبراتها.. واصطحبتها بحنان لتجلسها على إحدى الأرائك وتجلس بجوارها.. تربت على كتفها برقة:

ـ في إيه بس يا حبيبة خالتو؟.. هو أنا مش كلمتك وفهمتك.. ليه بقى الدموع دي؟..

أجابتها ريناد من وسط دموعها:

ـ بتسأليني برضوه يا خالتو!.. ده التليفون ما بطلش رن من الصبح وكل صحباتي بيسألوني.. والباقي إما شماتنين أو صعبانة عليهم..

ـ هو أنا مش فهمتك كل حاجة.. والحكاية مجرد لعبة عشان يردوا للبنت دي أرضها..

برمت ريناد شفتيها بنزق:

ـ يعني أنا المفروض أقعد أفسر لكل واحد أصل الموضوع ولا إيه؟

اقتربت منها سهام وهي تخبرها ببطء ضاغطة على كل حرف:

ـ لا طبعاً.. سيبيهم يقولوا اللي يقولوه..

انتفضت ريناد من مكانها بعنف:

ـ ازاي بس يا خالتو.. يعني أسمع بوداني التريقة والشماتة.. وإن حتة عيلة صغيرة خطفت مني خطيبي قبل جوازنا بأسبوعين واسكت!

وتحركت لتمسك مجموعة من العلب المخملية.. لتضعها أمام سهام وهي تشير اليها بحزن:

ـ خلاص يا خالتو.. دي الهدايا بتاعته وشبكته.. وربنا يهنيه معـ.. معها..

جذبتها سهام من ذراعها بعنف لتجلسها بجوارها على الأريكة مرة أخرى:

ـ اقعدي كده.. واعقلي.. بلاش الاندفاع ده.. حكمي عقلك يا ريناد.. عايزة تهدي كل حاجة عشان جوازه فشنك.. وتأكدي الكلام اللي بيتقال.. وإنها قدرت تاخده منك فعلاً.. وأنك بعد فترة الخطوبة دي كلها معرفتيش تحافظي على خطيبك؟؟!!.. ولا نتمم الفرح في ميعاده.. وساعتها الناس هتتكلم عليها هي.. والعيب هيكون فيها هي.. وخاصة لما المصلحة تخلص ويطلقها.. وتبقي أنتِ وقتها اللي عرفتِ تحافظي على بيتك وجوزك.. والناس زي ما اتكلمت هتسكت وهتنسى..

تأملت ريناد خالتها في دهشة.. فهي لم تفكر في الموضوع بتلك الطريقة أبداً..

فلو تم الأمر مثلما تقول خالتها.. فمن ستكون مضغة في الأفواه علياء, وليست هي.. و..

لكن.. لا.. لا.. حتى هذا لا يجعلها توافق على أن تكون زوجة ثانية على الأقل في عيون الناس.. حدثت نفسها بعنف:

“لا.. لا.. مش ممكن.. مستحيل أوافق!”

لم تدرك أنها تكلمت بصوتٍ عالٍ إلا بعد أن سمعت خالتها تجاوبها بقوة:

ـ إيه يا ريناد؟.. ناوية تسيبي يزيد لها ولا إيه؟.. والنهارده جواز على ورق بكره يبقى حقيقي.. ويبقى يزيد ضاع مني.. أقصد مننا.. ده غير الإشاعات اللي هتطلع عليكِ.. والكل هيدور على الغلط اللي فيكي اللي خلا خطيبك يسيبك قبل جوازكوا بأسبوعين!

شهقت ريناد بقوة وهي تنهض مرة أخرى وتهتف بخالتها بعنف:

ـ أنتِ اللي بتقوليلي الكلام ده يا خالتو, أومال باقي الناس هتقول ايه!.. وكمان عايزاني أقبل أكون زوجة تانية.. إزاي ترضيهالي بس!.. إزااااي!!..

تحركت سهام لتضمتها إلى صدرها وهي تهمس لها باقناع:

ـ فين التانية دي!.. ما قلنا جواز صوري.. على ورق.. يعني أنتِ هتكوني الأولى في كل حاجة.. أنتِ أول حب.. وأول خطيبة.. وأول فرحته.. أنتِ ناسية هو كان هيتجنن قد إيه عشان يقدم ميعاد الفرح.. ده كان قرب يتهبل وأنتِ بتسويه على نار هادية..

رددت ريناد بتردد:

ـ أيوه يا خالتو.. بس اهوه اتجوزها.. و..

قاطعتها سهام تحاول اقناعها بما تظن أنه الحقيقة:

ـ عصام هو اللي أجبره.. لو تشوفيه وهو واقف قدام باباه مش قادر يعارضه وهو بيقوله أنه أعلن خبر الجواز, كان صعب عليكِ.. يزيد اتعذب بيني وبين أبوه كتير.. كل ما يقرب مني ويراضيني يحس أنه بيظلم أبوه, وكل ما يطاوع أبوه.. آجي أنا وأعمل أزمة.. يزيد محتاجك يا ريناد.. لازم تقفي جنبه.. حتى عشان يقدر يتخلص من مصيبة عليا اللي عصام أجبره عليها دي..

حاولت ريناد أن تتكلم ولكن عادت سهام لمقاطعتها:

ـ شوفي.. هو مستني بره الفيلا.. قاعد على نار منتظر أنك تسامحيه.. أنا هكلمه وأقوله ياخدك يعزمك على العشا في مطعم فايف استارز.. لسه فاتح امبارح.. وهكلم كام صحفي من اللي بيغطوا لي أخبار الجمعيات الخيرية عشان ياخدوا كام لقطة حلوة وأنتوا سهرانين مع بعض.. وبكده هيكون كأنه تكذيب لخبر جوازه المشئوم ده.. ولو حد سألك عن الخبر اضحكي.. واسكتي.. وبكده.. أي حد شمتان ولا حاقد ولا.. ولا.. هيكون مش قادر يصدق خبر ارتباطه بعليا.. وهيكون كأنه إشاعة هتعدي وتمر.. خاصة لو أكدتِ على ميعاد جوازكوا.. فاهماني يا ريناد؟.. ما تخليش الناس تشمت فيكي ولا تضحك عليكِ..

سألتها ريناد بخفوت وقد بدا أنها اقتنعت بكلامها:

ـ طيب وأتعامل معاه إزاي؟.. هقوله إيه؟..

ـ ولا تجيبي سيرة البنت دي نهائي.. ولا تفكريه بيها.. ما هو أنتِ كل ما هتسألي.. كل ما الموضوع ممكن يكبر في دماغه.. اتعاملي عادي.. اضحكي وابتسمي.. وأنا هقوله أنك سامحتيه وقدرتِ ظروفه… وده من شدة حبك له.. كمان هخليه ياخد أجازة من الشغل الكام يوم اللي جايين دول ويكون معاكِ في كل حاجة عشان تجهزوا الفيلا بتاعتكم.. ماشي يا رورو؟..

أومأت ريناد موافقة وقد اتسعت عيناها قليلاً وهي تتخيل اللحظة التي تنتهي تلك الأزمة وتعود هي الوحيدة في حياة يزيد..

وبالفعل نفذت ما اتفقت عليه مع سهام بالحرف فضغطت على أعصابها حتى لا تصرخ بوجهه أو تفاتحه بشيء.. كان عقلها يحترق بكثير من الأسئلة تخشى أن تعرف اجابتها.. أو لعلها تعرفها ولكنها تكذب احساسها..

حاولت قدر استطاعتها التعامل معه بطريقة عادية, بل أنها زادت في دلالها وغنجها معه ولكن تلك المرة كان بناء على نصيحة من أمها والتي أوصتها أن تشغل عقله بكل الطرق حتى لا يفكر لحظة في استغلال الزواج الصوري بينه وبين علياء..

كانت قد قررت أن تقوم بذلك بالفعل, ولكن ما يقلقها أنه لم يعد يتلقى دلالها وحبها الذي بدأت تظهره له بوضوح بنفس اللهفة والشغف القديم.. بل تشعر أنه يفتعل الانسجام والتفاعل معها.. ولكنه في أحيانٍ أخرى يكون غاية في الرقة والحنان.. لعلها تظلمه فهي لا تنكر أنها أصبحت تنفعل عليه وبشدة.. وتصرخ به بعصبية زائدة.. لأتفه الأسباب.. والآن والزفاف قد أصبح على بعد عدة أيام عادت الهواجس تنتابها من جديد.. ولم تجد لها أذناً لتسمع إلا خالتها سهام.. التي كانت بدورها تفكر بكل الطرق كيف تبعد يزيد عن علياء.. ومعاً.. توصلتا لفكرة ماكرة.. وبقي فقط التنفيذ..

**************

تجمدت ملامح عامر وهو يقرأ الكارت الذي قدمته له مديرة مكتبه.. وهي تخبره بأن سيدة في الخارج ترغب في رؤيته..

تأمل حروف اسمها بحنين قاتل.. ولولا وجود مديرة مكتبه لقبل الكارت..

فريدة هنا!.. في مكتبه وتريد رؤيته!.. هل عادت أخيراً؟.. من ملكت قلبه وهربت به.. تاركة له جزء منها.. ابنتها صبا..

أشار إلى مديرة مكتبه:

ـ قولي للمدام تتفضل..

خطت فريدة داخل مكتبه بثقة.. لمحة سريعة جعلته يدرك التغيير الذي حل بها.. بداية من كعبيها الشاهقيين إلى تنورتها القصيرة.. وصولاً إلى البلوزة الحريرية ذات الأكمام الطويلة وقد جمعت شعرها الأشقر في ربطة متحفظة خلف عنقها.. لقد تغيرت الفتاة الصيبيانية ذات السروال الجينز والتيشيرتات القطنية.. وتحولت إلى امرأة ناضجة, رائعة قادرة على ايقاف قلبه ولعاً بها.. لكن ذلك التغيير لم يؤثر على الجاذبية التي تجمعهما معاً, والتي شعر بها فور دخولها إلى المكتب..

نهض من خلف مكتبه ليرحب بها:

ـ أهلاً يا فريدة.. حمد لله على السلامة.. اتفضلي..

وضعت فريدة يدها بيده الممدودة وهي تتوقع الرعشة التي سرت في جسدها للملامسته لها..

له ذلك التأثير عليها.. هي تدرك ذلك, ولكن ما يعزيها قليلاً أنها تملك نفس التأثير عليه.. ولم يخب ظنها وهي تشعر بإرتجافه خفيفة من جسده..

جلست على المقعد المواجه لمكتبه بينما عاد هو إلى مقعده يسألها بصوت حاول أن يجعله ثابتاً:

ـ أخبارك إيه؟.. صبا بتقولي أنك مرتاحة في باريس..

أومأت موافقة:

ـ الحمد لله.. فعلاً أنا مرتاحة في باريس قوي.. ده غير كمان أن شغلي هناك كويس جداً..

ـ والله!!.. طب كويس.. بس إيه حكاية اللي اسمه غسان ده؟!.. ده لازق لك في كل حتة؟..

هزت كتفيها بلامبالاة:

ـ عادي.. هو يبقى مدير أعمالي.. مش صبا قالت لك؟..

ـ أيوه قالت لي.. بس ده مش مبرر أنه يظهر في كل صورة ويكون موجود معاكِ في كل مكان!

رفعت فريدة حاجباً واحداً وهي تسأله باستمتاع:

ـ ياااه.. أنت متابعني للدرجة دي؟..

ـ أنتِ ناسية أنك أم بنتي؟!

ـ لا مش ناسية طبعاً.. وعشان كده أنا جيت النهارده..

ـ أنتِ رجعتِ مصر خلاص ولا دي زيارة؟

ـ لا كده ولا كده..

ـ أومال إيه؟..

ـ يعني.. تقدر تقول شغل.. موضوع معرضي الجاي.. عن المرأة الشرقية.. وهقوم بجولة كده على كام محافظة.. في حاجة معينة في دماغي وعارفة إني هالاقيها على ملامح ستات مصر..

سأل بتعجب:

ـ وإيه بقى الحاجة دي..

ابتسمت بسخرية:

ـ القهر!.

ردد خلفها مذهولاً:

ـ القهر!!

أومأت:

ـ أيوه.. الست هنا.. دايماً مقهورة.. البيت, الأهل, الزوج, المجتمع, عادات وتقاليد.. ولو قدرت تتغلب على كل ده.. بتيجي مشاعرها هي اللي تقهرها..

ـ قصدك أنها ضحية في كل الأحوال؟..

ـ أكيد مش في كل الأحوال, بس في معظمها.. وعامة أنا بعمل معرض فني.. مش تحقيق صحفي..

ـ تمام.. بس برضوه ما فهمتش.. إيه علاقة صبا بده كله؟..

ـ عايز آخد صبا معايا..

ـجاء رفضه قاطعاً:

ـ لأ طبعاً.. أنتِ ما بتقدريش تراعيها وهي معاكِ في نفس البيت.. هتاخديها وتلفي بيها بلاد الله..

هبت بغضب:

ـ أنت بس اللي معتقد أني مش هقدر أراعيها.. ومانعها أنها تيجي تقعد معايا في باريس.. بتنتقم مني بيها..

أجابها بغضب مماثل:

ـ والله أنتِ اللي سبتيها من البداية وما بصتيش وراكِ وسبتيني وبعدتِ.. وبعدين ده كلامها هي.. مش مجرد اعتقاد مني..

تهالكت على مقعدها بألم:

ـ إيه!.. صبا بتقول أني مش بعرف أراعيها.. هي اللي بترفض تيجي لي؟..

تحرك ليربت على كتفها وقد قت,له حزنها ولام نفسه لتسرعه الشديد ولكنه حمد ربه على عدم انتباهها لزلة لسانه:

ـ أكيد هي مش قصدها كده بالظبط.. بس هي بتحس أن وقتك مشغول ووجودها بيسبب لك حمل زيادة..

رفعت فريدة إليه عينين دامعتين وهي تتوسله:

ـ أرجوك يا عامر.. أرجوك وافق أنها تيجي معايا في الجولة دي.. أنا فعلاً حاسة أنها بعيد عني.. محتاجة أني أقرب منها..

ـ يا فريدة.. أنتِ هتكوني مشغولة قوي.. هتقدروا تقربوا إزاي؟

ـ مش هكون مشغولة للدرجة.. أنا مش هرسم اللوحات هنا.. أنا بس بدور على موضوعات.. لو رسمت هتكون اسكتشات مبدئية.. أرجوك يا عامر..

تنهد عامر مستسلماً:

ـ طيب.. إيه رأيك تيجي تتغدي معانا النهارده ونعرض عليها الموضوع ونشوف رأيها؟..

أومأت موافقة بامتنان:

ـ إن شاء الله هتوافق.. أنا هقنعها..

**********

كاد يزيد أن يفقد أعصابه وصوت ريناد الصارخ يكاد يصم أذنيه وهي توجهه ليعدل من وضع إحدى اللوحات التي يقوم بتعليقها بينما هو معلق على سلم متحرك.. يحاول التحكم في اللوحة الضخمة التي أصرت هي على شرائها وتعليقها على ذلك الحائط بالذات..

حاول أن يعدل من وضعها.. فعاد صوتها يدوي:

ـ لأ.. لأ يا يزيد.. اللوحة معوجة..

التفت لها وهو يهتف بحنق:

ـ ريناد.. دي تالت مرة أطلع أعدلها.. خلاص أنا زهقت..

وترك اللوحة كما هي ونزل ليواجهها:

ـ أنا تعبت.. كفاية لوحات وأنتيكات بقى.. أنا حاسس أني في متحف مش بيت!

هتفت ريناد به في غضب:

ـ وأنت زعلان ليه؟.. في حد يكره الشياكة والفخامة.. ولا أنت عايز تعيش في الـــ…

قطعت كلامها فجأة والتفتت لتبتعد عنه إلا أن يده تمسكت بذراعها بقوة قبل أن تتحرك وهو يسألها:

ـ سكتي ليه؟.. كملي كلامك..

ترددت قليلاً:

ـ أنـــا.. أنـ..ا.. ما اقصدش حاجة..

قاطعها قائلاً:

ـ لا.. تقصدي يا ريناد.. وبلاش نقعد نلف حوالين المشكلة بدون ما نواجهها.. ماما طلبت مني أني ما اتكلمش ولا أفاتحك في أي حاجة.. وأكيد طلبت منك كده.. والنتيجة خناقات وخلافات يومية بدون سبب.. لأننا سايبين جوهر المشكلة من غير ما نتكلم فيه.. أنا مش بحب نظام تخبية الراس في الرمل.. ده أساس المشاكل بين بابا وماما.. يا ريت يا ريناد نتكلم بصراحة..

التفتت له ريناد ببطء:

ـ أنا ما عنديش كلام..

ضيق عينيه متعجباً:

ـ ريناد.. بلاش تدي ودانك لماما وخالتي.. أنتِ مش كده.. دي مش شخصيتك.. مش ريناد اللي عرفتها طول حياتي.. اتكلمي معايا.. واسمعيني.. و..

قاطعته بقوة:

ـ ياااه يا يا يزيد.. ريناد بتاعة زمان!!.. أنت متوقع تلاقيني نفس ريناد القديمة.. طب إزاي؟.. أنا لسه بحاول استوعب اللي حصل.. بحاول أكون ريناد اللي بتحكم عقلها وتفكر كويس وتقرر بدون تهور ولا اندفاع.. بحاول أكون فعلاً ريناد اللي أنت أعجبت بشخصيتها دي.. مش فاهمة أنت كنت عايز إيه؟.. عياط وهيستريا وموقف عنيف.. ما انكرش أن ده رد فعل طبيعي.. وفعلاً فكرت أني آخد الموقف ده.. لكن على رأي خالتو.. معقولة أخسر خطيبي وحياتي عشان جوازه فشنك!.. عارف أكتر حاجة ضايقتني إيه؟؟ إنك لغيتني خالص من تفكيرك.. حتى لو أونكل عصام أجبرك على الموضوع فكان لازم تيجي تكلمني ونتفاهم ونتفق.. مش تاخد قرارك من نفسك..

أشاح يزيد بوجهه بعيداً.. فكما يبدو أن والدته أقنعتها أنه مجبر على الوضع, لذلك هي راضية صامتة.. ولكن شيء ما بأعماقه شعر بنفور شديد من منطقها وعقلانيتها.. نفور جعله يفكر للحظة أن يخبرها أنه ليس مجبراً وأن الزواج تم بإرادته, وأنه زواج دائم وليس لفترة كما يبدو أنها تعتقد, ولكنه وجدها قسوة شديدة منه.. وبكل الأحوال هو غير راغب في التعامل مع هيستريا أنثوية في تلك اللحظة..

زفر بحنق وهو يمسح وجهه بكفه فسمعها تسأله:

ـ يزيد.. لو عايز تفسخ الخطوبة قول على طول وما فيش داعي للف والدوران؟..

هز رأسه نافياً:

ـ لا.. أنا مش عايز أفسخ الخطوبة.. بس كنت أتمنى أننا نتكلم ونواجه بعض بصراحة.. تسمعيني واسمعك..

ـ أنا مش عايزة أفتح أي كلام في الموضوع ده.. أنا بحاول أتجاهله على قد ما أقدر.. أرجوك ما تجرحنيش أكتر من كده.. واحترم قراري ده..

ـ ما عندكيش أي فضول؟.. أي سؤال؟..

هزت رأسها بألم:

ـ السؤال اللي عندي مش عايزة أسمع اجابته..

ـ وأنا تحت أمرك لما تحبي تسألي وتسمعي الأجوبة.. وتأكدي إني مش هقولك إلا الحقيقة..

************

تأفف مازن بحنق وهو يحاول تسوية قميصه بعدما فصل بين يزيد وشاب ما.. كان يزيد يكيل له اللكمات بعنف.. واضطر مازن أن يغير طريقه بعدما كان متوجهاً إلى مطعم النادي ليلاقي نيرة هناك.. فتحرك مسرعاً ليبعد يزيد عن هذا الشاب الذي لا يدري بماذا أغضبه حتى يلكمه بمثل هذا العنف..

وما يثير غيظه أن يزيد التفت نحوه بغضب وهو يهدر به:

ـ أنت السبب.. أنت ورقصتك الملعونة..

ثم ابتعد عنه مسرعاً بدون أي كلمة أخرى.. بينما ضر,ب مازن كفيه ببعضهما وهو يتحسر على عقل صديقه الذي طار بالفعل منذ الرقصة الملعونة كما يسميها…

دلف إلى مطعم النادي المكيف وهو يبحث بعينيه عن شعلته الحمراء.. فلمحها على الفور.. جالسة مع فتاة ما على إحدى الموائد الجانبية.. ظن في البداية أنها علياء حيث كانت توليه ظهرها ولكن ما أن تقدم منهما.. حتى أدرك أنها لم تكن علياء, بل كانت دنيا.. دنيا خاصته..

**************

وصل يزيد إلى المزرعة وشياطين الإنس والجن تتلاعب أمام وجهه.. يتذكر ذلك الشاب الأحمق.. رمق قبضته للحظة وهو يتذكر لحظة أن أقحمها في وجه الشاب بغضب شديد.. ولكنه يستحق.. ذلك الأحمق يستحق.. فذاك أبسط عقاب لمن يجرؤ على خطبة امرأة من زوجها!..

نعم.. فالأحمق تقدم منه ليخبره أنه لا يهتم بما ذكر من شائعات عن علياء.. وأنه معجب بها جداً ويريد التقدم لخطبتها.. فهي شغلت عقله وقلبه منذ أن رآها ترقص مع مازن!..

الأحمق يريد خطبة زوجته!!.. إن اللكمة التي تلقاها أقل مما يستحق..

ولكن عن أي شائعات يتحدث!!.. هل تحول خبر زواجه من علياء الذي أشرف والده على توزيعه على المجلات إلى شائعة؟.. كيف؟..

زفر بحنق.. لو وافقت الحمقاء على إقامة حفل زفاف.. لعلم الجميع أنها له.. ملكه.. وتراجعوا على الفور.. ولكن.. ماذا عن أمه؟.. وريناد..

كيف يحل تلك المعضلة؟.. كيف يعلم الجميع أنها له؟.. لقد أدرك الآن حكمة والده من إعلان الخبر.. وعليه الآن أن يوصل الحقيقة إلى أمه بالتدريج.. قبل أن يحاول أحمق آخر خطبتها..

بدأ يبحث عنها في المزرعة وقد انتابه القلق.. فهي غير موجودة بأي مكان… ساورته الشكوك وهاجمته المخاوف.. أين ذهبت الحمقاء الصغيرة.. لقد مر على اصطبل الخيل ولم يجدها هناك.. يعلم أنها غاضبة منه.. ولها كل الحق.. فإذا كان يشعر بالغضب والحنق من نفسه ومما يفعله بها.. فهو الآن لا يستطيع تخيل مشاعرها نحوه..

تذكر كلمات والده بأنها رفضت أن يقام لها زفاف.. لقد ذُهل وقتها من رفضها.. فهو كان يحاول اقناع نفسه بكل الطرق أنها نصبت له الفخ وسحبته ليقع به بكامل إرادته, ولكن جاء رفضها القاطع للحفل الزفاف كصفعة مؤلمة له.. تنبهه أن يكف عن إلحاق الظلم بفتاته الصغيرة..

حاول بعدها الاتصال بها مرات عديدة, ولكن هاتفها كان مغلقاً.. ويبدو أنها ترفض استقبال أي مكالمة منه.. لا يلومها.. فمَن تلك التي سترغب في سماع صوته أو رؤيته بعد الطريقة التي غادرها بها آخر مرة..

وصل أخيراً إلى غرفة بخلفية الفيلا.. كانت قد استأذنت والده أن تستخدمها كغرفة للرسم.. وبالفعل حولتها إلى غرفة تحمل بصمتها في كل شيء.. وزعت بها شتلات القرنفل الذي تعشقه.. وتناثرت به بعض وسائد بعدة أحجام ونقوش مميزة.. مقاعد صغيرة مريحة وعدة بُسط بألوان ناعمة.. ذلك بخلاف اللوحات المتناثرة والتي تدل على موهبة علياء التي قررت تجاهلها منذ فترة.. خضوعاً لأوامر والدته..

كما ظن وجدها جالسة في حجرتها الصغيرة حيث كومت نفسها على أريكة متوسطة الحجم بدون ظهر وقد ألصقتها بالنافذة التي كانت تحدق إليها في شرود وصوت نجاة الذي تعشقه علياء يصدح في الخلفية..

“القريب منك بعيد والبعيد عنك قريب..

أخذ يتأملها وهي شاردة تردد كلمات الأغنية بقلبها قبل شفتيها..

بينما تتذكر آخر مرة رأته بها بعدما أوقفت نزيف أنفه, حيث لم يستطع مقاومة رغبته بها واكتسحها بعاطفة مجنونة لم تستطع مقاومتها أو حتى تذكر سبب واحد لرفضها لها.

وعندما أفاقت من غفوة بسيطة لم تجده بجوارها بل كان يرتدي ملابسه في صمت.. أخذت تراقب جسده الضخم الذي كان يحتويها منذ دقائق.. بينما يهمس في أذنيها بكلمات لم تحلم للحظة أن تسمعها منه.. وهو يعاملها بعاطفة مشحونة بالجنون والرقة معاً.. لكنه الآن يرحل في صمت!..

كل ده وقلبي اللي حبك لسه بيسميك حبيب..”

شهقة خفيفة ندت عنها جمدت جسده بالكامل قبل أن يلتفت لها وهو يخفض رأسه أرضاً ويهرب بعينيه بعيداً عن نظراتها المتسائلة والحائرة..

وأخيراً همس:

ـ آسف.. يا علياء..

رددت بذهول:

ـ آسف!!..

عدل كلماته:

ـ أقصد إني آسف عشان أزعجتك.. أنا مضطر أمشي الوقتِ..

عادت تردد كلماته كالببغاء الأبله:

ـ أزعجتك!.. أمشي!

أومأ برأسه موافقاً.. وتحرك ببطء حتى وصل إلى باب الغرفة تحت نظراتها المتجمدة.. ثم التفت فجأة وعاد إليها بسرعة ليطبع قبلة طويلة ودافئة على شفتيها ويهمس لها:

ـ خدي بالك من نفسك..

“حبيب عينيّ حبيب أحلامي حبيب دموعي وهنا أيامي..
أهون عليه أسهر بألامي وأتوه نجوم الليل بظلامي…”

أغمضت علياء عينيها وسمحت لبعض دمعاتها بالتسابق على وجنتها تتذكر خروجه السريع في ذلك اليوم.. لم تره من بعده لعدة أيام, ولكن على ما يبدو أنه كان يشغل وقته كله مع خطيبته الرسمية.. حيث أرسلت لها سهام عدة مجلات تحتوي على عدة لقطات مختلفة ومقالات صفراء تتساءل عن صحة خبر زواجه بها.. وهل كانت مجرد نزوة عابرة عاد بعدها وريث الغمراوي إلى خطيبته الحسناء؟.. أم أن الفتاة التي يكفلها عصام الغمراوي قد حاولت نسج شباكها حول ابنه لتنهج مسلك أمها في اختطاف رجل من زوجته أو تلك المرة خطيبته؟..

كانت تلك كلمات سهام.. هي متأكدة.. كلمات حقيرة.. تهين أمها وتتنال من شرفها.. تنتقم من أمها بها.. وهي من منحتها الوسيلة..

تلعن نفسها مرة على حبها له وألف مرة لاشتياقها المجنون لرؤيته.. تحلم به في الليلة ألف مرة.. وفي النهار تتخيل مئات الصور لهما معاً.. تتأمل صوره مع ريناد وتشعر بآلام غير مفهومة.. لم بدأت تغار من ريناد؟.. الوضع لم يتغير.. تجاهلت أحاسيس لم تدرك كنهها وهي تخبرها أن الوضع تغير وأنها بدأت تشعر نحوه بالتملك.. لذا ظهرت الغيرة.. لكن لا.. لا يحق لها أن تغار.. أنها هي من جارت على حق ريناد وليس العكس.. فعشقها لمن ليس لها لعنتها وحدها ويجب أن تدفع ثمنها بمفردها.. لذا فكرت بأن تبتعد ولكن إلى أين؟.. فأغلقت هاتفها هرباً منه وهرباً من الجميع..

كيف تكون بتلك العقلانية وذلك الجنون في نفس الوقت فهي تنتظر زيارته التالية.. لا.. لا تنتظرها.. بل تتوقعها.. فقد بدأت مقاومتها بالتلاشي.. وصمودها الواهي اختفي.. وهي على وشك تشغيل هاتفها والاتصال به..

“يا رايح للي فايت لي عيوني سهرانة ولا داري
أمانة اوصف له دمع عيوني طول ليلي ونهاري”

وهو.. هو لاه عنها أو على أقصى تقدير يتناساها.. معتقداً أنه قام بما عليه نحوها.. فهي أغوته وهو تزوجها.. هذا ما يعتقده.. متناسياً ما حدث في الليلة المشئومة.. تراجعها المذعور.. وهمسه المسعور بأن آوان التراجع فات..

“آه منك آه منك”

ورغم ذلك تدرك أنها لو اتصلت به الآن طالبة حضوره.. سيأتي.. ليغرقها بلحظات مجنونة يعقبها عقاب لها ولذاته.. ولكنها لا تملك سوى أن تحبه.. تعشقه.. تنتظره..

” “كل ده وقلبي اللي حبك لسه بيسميك حبيب

هزت رأسها ببؤس فتناثرت المزيد من الدمعات مع تناثر خصلاتها.. ولمح شفتيها تردد الجملة الأخيرة.. فانطلق منه السؤال لا إرادياً:

ـ ويا ترى أنا لسه حبيبك يا علياء؟..

انتفضت في مكانها وهي تلف وجهها نحوه فعاد شعرها يتناثر مرة أخرى مسبباً تشتيت انتباهه ومشاعره.. تأملته لفترة وهي تشعر بقلبها ينتفض وكأنه عجز عن مجاراة حبها المجنون وفرحتها برؤيته.. فسألته بخفوت:

ـ أنت جيت امتى؟..

رد عليها بآخر ما تتوقعه:

ـ ليه رفضتِ يتعملك فرح؟..

أشاحت بوجهها بعيداً لتواجه النافذة مرة أخرى:

ـ أنا ليا أسبابي!

كتف ذراعيه وهو حريص على أن يظل بعيداً:

ـ أقدر أعرفها؟..

التفتت له ولاحظ ارتجافة شفتها السفلى فأدرك أنها تقاوم نوبة من البكاء.. فنادى بتحذير:

ـ علياء..

هزت رأسها وهي تخبره بخفوت:

ـ مش هتفهمني.. عمو عصام اعتبرني واحدة مجنونة.. ويمكن عنده حق..

ـ طيب جربي تقنعيني؟..

ـ أنت جاي عشان كده بس؟..

وضعت يدها على فمها بسرعة بعدما أدركت المعنى الغبي لسؤالها الأحمق وهي تلمح نظرة عينيه اللامعة وتسمع إجابته:

ـ جاي اطمن عليكِ.. أنتِ قافلة الموبايل ومش بتردي على التليفون الأرضي..

همست:

ـ فيك الخير..

هتف:

ـ ليه؟

ـ ليه قافلة التليفون؟

ـ ليه بتهربي من الواقع؟.. خلاص جوازنا واقع.. و..

قاطعته بغيرة تظهرها للمرة الأولى:

ـ وجوازك من ريناد واقع..

وتحركت لتمسك مجموعة من المجلات المكومة في أحد الأركان لتضعها بين يديه.. وهي تكمل:

ـ تانت سهام وصلتِ لي المعلومة كويس قوي.. أنا عارفة أني غلطانة.. بس ما كانش له لازمة تيجي سيرة ماما في الموضوع..

ألقى المجلات بعنف وقد فهم أخيراً كيف تحولت الحقيقة إلى شائعة:

ـ دي شوية ناس تافهة.. وده كله حصل عشان أنتِ رفضتِ الفرح اللي كان هيقطع ألسنة الناس..

سألته بذهول:

ـ أنت موافق على فكرة الفرح؟.. أنا..

قاطعها بذهول أشد:

ـ أنتِ رفضتِ عشان خفتِ أني أنا اللي أرفض؟..

هزت رأسها نفياً:

ـ لا.. مش عشان كده.. أنا رفضت عشان ماما..

هز رأسه بعدم فهم:

ـ مامتك!!.. إزاي؟..

ـ مش هتفهمني.. و..

قاطعها وقد بدأ يشعر بالغضب:

ـ اتكلمي يا علياء..

كورت يدها في قبضة لتضعها بين أسنانها كعادتها كلما توترت وأخذت تتحرك بلا هدف في الغرفة وكأنها تحاول ترتيب أفكارها.. وأخيراً تكلمت لينتابه الذهول وينتفض قلبه مع كل كلمة تقولها:

ـ أنا.. أنا أما كنت صغيرة وماما الله يرحمها كانت عايشة.. زي أي طفلة ماما كانت تكلمني إزاي نفسها تشوفني عروسة.. وأنها هتفصلي فستاني بإيدها.. ماما كانت خياطة شاطرة.. حتى أنها اشترت القماش قالت أنها هتعينه لأنه كان حلو قوي.. وصممت كمان موديله.. وأنها يوم فرحي.. هتلبسني بايدها.. هتعدلي الطرحة.. هتسلمني لعريسي وهي بتوصيه عليّ.. وتوصيني كمان عليه.. وبعد أما.. ماما ماتت..

سكتت لحظة لتبتلع عبراتها واكملت:

ـ بعد موتها.. بقيت أقول أنها ما سابتنيش ومش هتنساني يوم فرحي.. وإنه أكيد روحها هتكون معايا.. بتبتسم لي.. وفرحانة بي.. وأني هبقى حاسة بيها حواليا.. يمكن كمان أشم ريحتها أو أحس ببوستها على جبيني.. لكن.. بعد اللي حصل مني..

سكتت وهي تاخذ نفس عميق:

ـ بعد اللي حصل استحالة أقدر ألبس فستان فرح.. هقول لأمي إيه؟.. هنتظر روحها يومها إزاي وأنا.. أنا.. فرطت في أمانتها..

وانخرطت في بكاء حاد قطع نياط قلبه فضمها لصدره بقوة.. وبداخله رغبة عارمة في محو بكائها وتحويله لفرحة ولكن كيف؟.. كيف وهو من سرق منها أمانتها؟.. سلبها باسم الحب ثم ألقى بالذنب فوق كاهلها لتتحمله وحدها.. ولكنه يحترق هو الآخر بذنبه نحوها.. وذنبه نحو أمه..

همس في أذنها:

ـ خلاص يا علياء.. أنتِ سلمتِ الأمانة لصاحبها.. وأنا الوقتِ المسئول عنك.. انسي الليلة دي.. انسيها وأنا هنساها.. ونبدأ من جديد..

ازداد بكائها ونحيبها.. كيف يبدآن من جديد؟.. كيف وهو سيتزوج من ريناد؟..

عاد يهمس:

ـ علياء.. كفاية.. أنتِ عارفة أن دموعك نقطة ضعفي..

رفعت رأسها عن صدره وهي تحركه غير مصدقة ما سمعته للتو وتحركت بعيداً عنه.. بينما تجمد هو الآخر وكأن كلماته خرجت بدون إرادته..

ـ أنت عايز تجنيني يا يزيد.. صح.. قبل كده قلت لك بطل الشيزوفيرنيا دي.. وزعلت مني؟.. بس أنت فعلا هتجنني.. نبدأ إزاي؟.. وفرحك اللي بعد كام يوم؟.. أنا كنت فاهمة أن جوازنا مؤقت.. وأنك هتنتظر لحد ما عمو عصام يهدى وتطلقني..

رفض بعنف:

ـ لا.. ما فيش طلاق..

ـ وتانت سهام.. وريناد.. و..

مسح وجهه بكفه وهو يزفر بحيرة:

ـ كل شيء هيتحل في وقته.. لكن طلاق.. ما فيش.. فاهمة.. واستعدي بعد ما تخلص قصة الفرح دي.. أنك هتتنقلي القاهرة.. أنا وصيت مازن يدور على شقة كويسة..

فتحت عينيها بذهول غير مصدقة ما يقوله:

ـ أنت بتتكلم جد!

ـ أكيد مش بهزر في حاجة زي كده..

ـ بس..

ـ ما فيش بس.. ده اللي هيحصل.. وعلى ما نكون جهزنا الشقة هتكون الصورة وضحت عند الناس كلها..

صمتت ولم تعرف بم ترد.. فما يقوله يعني أنها ستصبح زوجة ثانية.. أو أولى.. لا تعرف ماذا تطلق على نفسها؟.. ولكنها تعلم أن سهام ستقت,لها وستقيم حفل شواء على جسدها وستساعدها ريناد بلا شك!..

كانت غارقة في أفكارها فلم تشعر أنه اقترب إلا بعد أن لف خصرها بذراعه وهو يهمس لها:

ـ وباقي إجابة سؤالك.. أنا جيت لأنك وحشتني.. وحشتيني قوي..

وعاد صوت نجاة يصدح..

“ياللي آمر من بعدك لقاك ياللي أمر من هجرك رضاك
يا غربتي وأنت بعيد عني يا غربتي وأنت قريب مني”

ضمت نفسها لجسده أكثر وهي تجيبه بمثل همسه:
ـ واجابة سؤالك أنت هتفضل حبيبي لآخر لحظة في عمري..

“يا حب.. أقول له ايه؟.. يا حب.. أسامحه ليه؟.
دا العذاب هو اللي يسامحه والسهر هو اللي يسامحه
والدموع هي اللي تسامحه”

الفصل الرابع عشر

وقف مازن وقد فرج ساقيه وكتف ذراعيه على صدره تشع من حوله طاقة من الغضب تعكسها عيناه بوضوح وهو يتأمل دنيا التي جلست على أحد المقاعد وقد شبكت أناملها, تهز ساقها بلامبالاة وقد وضعتها فوق الأخرى فانكمش طول التنورة القصيرة من الأساس فكانت تصل بالكاد إلى منتصف فخذها…

قطعت دنيا حلقة الصمت وسألته بهدوء بارد:

ـ هتفضل ساكت كده كتير؟

خرج صوته يضج بغضب مكتوم:

ـ بحاول أفهم إيه اللي حصل النهارده ده؟..

نهضت بغتة من جلستها وواجهته بغضب مماثل:

ـ أوعى عقلك يوديك لحتة غلط.. أنت عارفني كويس.. وعارف أنه مش أنا اللي أعمل كده..

فك ذراعيه ولم يرد بأي شيء بينما أظهرت عيناه غضب مشتعل.. فرفعت دنيا سبابتها ووكزته بها في صدره عدة مرات وهي تهتف به:

ـ علاقتك بها ما تهمنيش في حاجة.. وبكررها تاني أنا ما اعملش كده.. لو كنت من النوع ده صدقني كانت حاجات كتير اتغيرت وأنت عارف كده..

فك ذراعيه وقلل من تحفزه قليلاً وقد شعر بالندم لأنه جدد جراحها من جديد:

ـ أنا آسف يا دنيا.. بس لازم أفهم.. إزاي أنتِ ونيرة اتقابلتوا وليه؟

ـ نيرة هي اللي اتصلت بيا وحددت الميعاد.. عايزاني أصمم لها فستان الفرح

ـ هه..

قالها بسخرية مستفزة جعلت درجات غضبها ترتفع للسماء فهتفت به:

ـ أظن أني ما كدبتش عليك ولا مرة طول السنتين اللي فاتوا.. ومش هاجي أعملها النهارده.. وأكيد برضوه هي قالت لك هي كانت معايا ليه.. ولا إيه؟

هدأ غضبه قليلاً وهو يتذكر ثرثرة نيرة في السيارة عن المُصممة التي على وشك دخول أبواب العالمية وعن اتفاقها معها لتصمم ثوب زفافها.. كانت كلماتها تتبخر فوق مراجل غضبه من دنيا فلم يركز في حديثهما إلا قليلاً..

عاد صوت دنيا يهتف به:

ـ أنت روحت فين؟.. مازن.. أنت لسه مش مصدقني؟..

غمغم بتعجب:

ـ وإيه اللي يخلي نيرة اللي بتطلب هدومها مخصوص من باريس, تطلب منك تصميم فستانها!

كتفت ذراعيها وهي تجيبه ساخرة:

ـ ميرسي على المجاملة!

مسح وجهه بكفيه وهو يعتذر ثانية:

ـ أنا آسف.. ما اقصدش..

قاطعته بإشارة من يدها:

ـ بص يا مازن.. أنا هوضح الموضوع عشان مش عايزة أي سوء تفاهم بينا.. نيرة اتصلت بيا الصبح وطلبت تقابلني.. حددت لها ميعاد بعد أسبوع أكون رجعت من سفرية لبنان.. لكن هي أصرت على مقابلة فورية.. وأظنك عارف قد إيه خطيبتك ممكن تكون مقنعة..

لوى شفتيه ببسمة ساخرة بينما أكملت هي:

ـ حددنا الميعاد في النادي لأني مش هقدر أروح الأتيليه النهارده.. وآه.. هي سمعت عن العرض الأخير بتاعي في لبنان وأنت فاكر طبعاً سمَع إزاي.. وكمان في كذا ممثلة مشهورة لبست تصميماتي في المهرجان الأخير.. اسم دنيا الموجي مش أقل من أي مصمم معروف, ومش هسمحلك أنك تقلل من شغلي تاني..

سألها مستفهماً:

ـ طيب ليه وافقتِ تقابليها؟.. طالما عرفتِ هي مين, إيه لازمة المشاكل؟..

أشارت له بسبابتها موضحة:

ـ هي اتصلت بي عشان شغل.. شغلي خط أحمر.. ما فيش أي علاقات هتأثر على شغلي.. أظن أن ده كان ضمن اتفاقنا..

ـ يعني هتصممي لها الفستان؟..

ـ أكيد..

هز رأسه بصمت فهو يعرف كم هي عنيدة ولا تتراجع عن قراراتها وخاصة أن كانت تتعلق بعملها.. أجلى صوته وهو يسألها بتردد:

ـ وطلبت فستان شكله إيه؟

ابتسمت وهي تخبره:

ـ عايزه فستان تبهر بيه عريسها.. وما تحاولش تعرف تفاصيل أكتر..

ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة:

ـ كل اللي هطلبه أن موقف زي بتاع النهارده ما يتكررش تاني.. ممكن؟

هزت رأسها موافقة:

ـ أكيد يا مازن.. صدقني لو كنت أعرف أنك هتقابلها في النادي كنت غيرت مكان المقابلة..

ـ بس ما كنتيش هتبلغيني, صح؟..

أومأت موافقة وهي تلقي بحذائها العالي الكعبين بعيداً.. وتخلع سترة بذلتها لتظهر بلوزة ضيقة بلا كمين حددت معالم فتنتها بدقة وامتدت يدها لتحرر خصلات شعرها الطويل فانسدل كشلال أسود وصل لما بعد خصرها.. وتحركت نحوه بحركات مدروسة حتى اقتربت منه فأمسكت ذقنه بأناملها وهي تهمس:

ـ تؤ.. زي ما قلت شغلي منفصل عننا.. تمام يا حبي..

ورفعت نفسها حتى وصلت لشفتيه فقبلته بشغف.. وهمست له بصوت أجش:

ـ بس طالما إحنا هنا دلوقتِ.. ممكن أسمح لك تقنعني أني أقولك هقابلها تاني امتى؟..

لف خصرها بذراعه وهو يطبع قبلة خفيفة على وجنتها:

ـ مش فاضي دلوقتِ يا دنيا.. أنا متأخر على اجتماع مجلس الإدارة..

لم تسمح له بالابتعاد ولفت ذراعيها حول عنقه:

ـ مازن.. أنا مسافرة الليلة.. و..

قطع كلماتها جرس هاتفه.. فأبعدها قليلاً:

ـ شوفتي.. ده أكيد حاتم بيه.. عايز يخرب بيتي و..

توسعت عيناه وهو يرمق شاشة الهاتف:

ـ نيرة!..

لم يجب على الهاتف حتى سكت الرنين.. فسألته دينا بفضول:

ـ ما ردتش عليها ليه؟..

منحها نظرة لتصمت ولكنها لم تهتم.. وأكملت:

ـ ممكن تدخل تكلمها من جوه.. ولا أقولك أنا اللي هدخل عشان تكون براحتك.

تعالى صوت هاتفه مرة أخرى.. وقبل أن يغلقه.. أسرعت دنيا وأوقفته بغمزة من عينها:

ـ التقل صنعة يا بشمهندس.. بس بلاش تزودها.. رد على التليفون براحتك..

فتح مازن الخط ليجد صوت نيرة في أقصى حالات اضطرابه.. فهتف بها بقلق:

ـ في إيه يا نيرة؟.. اهدي بس وفهميني..

سكت قليلاً ليستمع إلى نبرتها المضطربة ثم طمئنها بهدوء:

ـ طيب.. خلاص.. ربع ساعة وهكون عندك..

رفع عينيه إلى دنيا فوجدها تبتسم بغموض ثم توجهت نحوه وطبعت قبلة خفيفة على وجنته:

ـ هسلم عليك بقى دلوقتِ لأن طيارتي كمان أربع ساعات.. أشوف وشك بخير..

أحاط خصرها بذراعه وهو يقبلها مودعاً:

ـ أشوف وشك بخير يا دنيا.. أول ما توصلي طمنيني..

أومأت برأسها موافقة وخرج هو ليلحق بموعده مع نيرة.. بينما ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيّ دنيا وهي تغمغم:

ـ يا بختها بيك يا مازن.. يا ريت بس ما تكسرش قلبك..

فقد كان يتردد في رأسها باقي جملة نيرة والتي لم تخبره بها..

“عايزة فستان أبهر بي خطيبي.. وأقهر بي خطيبي الأولاني ويندم ألف مرة على أنه فرط فيا”..

************

كان حسن يعمل على إنهاء بعض الرتوش النهائية بإحدى التصميمات التي كلفه بها صاحب المكتب الهندسي عندما جاءته منى بكوب من الشاي وبعض قطع الكيك, ووقفت بجواره وهي تداعب خصلات شعره وتهمس:

ـ حسن.. أنت لسه زعلان؟..

أخفض رأسه فوق لوحته وهو يكتم ابتسامته.. فهي تحاول مراضاته منذ ساعات وهو مستمر في التظاهر بالغضب.. فقط حتى يستمتع بدلالها له..

لفت ذراعها حول كتفه وهي تقترب منه أكثر وتهمس:

ـ أنا مش فاهمة بس مين اللي يزعل من التاني!!.. يعني بعد ما أجهز لك الغدا.. تغضب وتسيب الأكل وكمان مش عايز تكلمني ولا ترد عليّ..

ظل صامتاً ولم تسمع منه أي رد.. فسحبت ذراعها بهدوء وأولته ظهرها وهي تغمغم بحنق:

ـ براحتك.. أنا في الصالة لو..

وقبل أن تكمل كلامها وجدت نفسها تسحب للخلف بسرعة فشهقت بخوف وحسن يرفعها ليحشرها بين جسده ولوحة التصميم.. وهو يخبرها بضحكة مكتومة:

ـ بقى بذمتك الشيء اللي كان في الأطباق ده اسمه غدا؟!..

أخفضت رأسها وأحاطت عنقه بذراعيها وهي تخبره بصبر:

ـ يا حبيبي.. دي اسمها بصارة.. وبعدين دي طعمها حلو جداً.. ومفيدة كمان.. أنت قمت وسبت الأكل حتى من غير ما تدوقها!..

جلس حسن من جديد على مقعده وأوقفها بين ساقيه وهو يسألها بتردد:

ـ يعني الشيء الأخضر اللزج ده طعم كويس معقولة؟!.. طيب بتتعمل من إيه البتاعة دي..

ـ من الفول.. و..

قاطعها قبل أن تكمل:

ـ فول!!.. فول تاني!.. هيبقى فول في الفطار والغدا كمان.. ما هو البصارة من الفول والفول من البصارة يا مسعودي..

وكزته في كتفه وهتفت بحنق:

ـ بقى كده يا حسن بتتريق عليّ.. طيب أنا بجد بقى زعلانة.. و..

ضاعت باقي كلماتها بين شفتيه وهو يهمس:

ـ زعلانة يبقى لازم أصالحك.. دي المصالحة هي أحلى حاجة في الزعل..

وضعت رأسها على كتفه وهي تبتسم:

ـ أنت مش هتتكلم جد أبداً..

ـ لا يا ستي هنتكلم جد.. أنتِ تدخلي تغيري هدومك وأنا هعزمك على أحلى عشا.. بدل الغدا النص كم بتاعك..

ابتلعت منى سخريته من الطعام البسيط بدون أن تعلق عليها.. فهي تحاول معه تدريجياً حتى يكف عن بعثرة الأموال خاصة وأن راتبه مع العمل الإضافي الذي يقوم به بالكاد يكفي تكاليف الطعام.. ولولا أن جدته دفعت ايجار الشقة لهذا الشهر لأصبحا في أزمة بالفعل, وهو مُصر بعناد شديد على ألا يسمح لها بالعمل.. ولكنها لم تكف عن التفكير في حل لمشكلتهما.. وأخيراً وجدت حلاً معقولاً ولكنها لا تعرف كيف ستكون ردة فعل حسن عليه.. فكرت قليلاً ثم همست بأذنه:

ـ طيب أنا عندي اقتراح تاني.. هعملك عشا أحلى ألف مرة من بتاع بره وهنسهر سوا هنا لأني عايزاك في موضوع مهم..

غمزها بشقاوة:

ـ تصدقي وأنا عايزك برضوه في نفس الموضوع ده..

انفجرت بالضحك وهي تتملص من بين يديه:

ـ أشك أنه نفس الموضوع.. على العموم خلص شغلك هيكون العشا جاهز..

وبالفعل أعدت له عشاء شهي مضحية بما كانت تنوي طهوه لغذاء اليوم التالي.. لكنها كانت ترغب في إرضائه حتى يستمع إليها بهدوء ودون غضب..

وبالفعل كان في مزاجاً رائقاً بعد أن تناولا العشاء.. رقصا معاً وهما يستعيدا ذكريات شهر العسل.. وحينما قاربت الموسيقى على الانتهاء, شعرت منى أن حسن على وشك حملها إلى غرفتهما ليلقنها أحد دروسه اللذيذة.. ابتعدت عنه قليلاً وهي تسحبه إلى الأريكة ليجلسا معاً واضعة رأسها على صدره وهي تداعبه بلطف:

ـ حسن.. عايزة أقولك على حاجة..

أجابها بهمس رائق:

ـ قولي يا حبيبة حسن..

شجعها مزاجه على الكلام فتحدثت بسرعة:

ـ حسن.. أنا فكرت في مكان نعيش فيه.. ما فيش داعي للشقة دي.. وخاصة أنه إيجارها عالي قوي.. وأنت قلت إنك مش هتقبل فلوس تاني من جدتك..

اعتدل حسن في جلسته وهو يسألها بجدية:

ـ مكان إيه اللي فكرتِ فيه يا منى؟.. إوعي تكوني فكرتِ أننا نروح نعيش عند باباكِ.. ده مستحيل..

ابتلعت منى ريقها فهي تعلم صعوبة ما ستقترحه على نفسه:

ـ حسن.. أوعدني أنك هتسمعني للآخر.. وهتفكر كويس في اقتراحي..

هز رأسه بحيرة ولكنه أجابها:

ـ أوعدك يا منى..

ـ شوف يا سيدي.. في فوق السطح في البيت عند بابا أوضتين مقفولين.. ما فيش حد بيستعملهم.. أنا أما كنت عندهم آخر مرة طلعت وبصيت عليهم.. لقيتهم محتاجين شغل بسيط.. ووهيكونوا مناسبين..

قاطعها حسن:

ـ مناسبين لإيه يا منى؟..

ـ حسن.. اسمعني للآخر.. إحنا لازم ندبر نفسنا وإلا هيجي الشهر الجديد واحنا مش معانا إيجار الشقة دي.. مش عيب ولا حرام لو قعدنا في أوضة فوق السطوح.. أنت دايماً كنت بتقول المهم نكون سوا.. وعشان ده يتحقق لازم نضحي.. أنا عارفة أنك ضحيت كتير وخسرت كتير.. بس معلش يا حسن هنضغط على نفسنا فترة لحد ما الأمور تهدى وتقدر ترجع لشغلك أو على الأقل تمسك شغل مناسب.. أرجوك فكر يا حسن.. أنا مش فارق معايا أني أعيش في فيلا.. أو شقة فخمة أو فوق سطوح..

بدا الإمتعاض الشديد على وجه حسن وهو يتصور حياته في غرفة فوق سطح منزل بحي شعبي.. وقرأت منى بوضوح امتعاضه هذا ولكنها لم تيأس..

فاقتربت منه وهي تضع بصوتها كل ما تملكه من دلال وغنج:

ـ عشان خاطري يا حسن.. عشان خاطري.. تيجي معايا نشوفها بس.. وبعدين تقول رأيك..

لم يجد حسن بداً من الموافقة على رجائها الحار وهو يعتصر عقله بقوة بحثاً عن حل.. عن مكان مناسب ليقيم به هو وزوجته.. بدون أن يرضخ لتهديد والده المستمر.. أو لاغرائاته المستترة.. والتي بدأت اليوم بالذات بعرض مبتذل حمله صاحب المكتب الذي يعمل به.. بموافقة والده على حل وسط.. وهو عودته إلى عمله القديم.. على أن يجعل زواجه من منى زواجاً سرياً..

سمع صوتها المتوسل:

ـ حسن..

ضمها إلى صدره وهو يدفن وجهه بخصلات شعرها:

ـ ماشي يا منى.. هاجي معاكِ بكره نشوف السطوح.. أنا عندي كام منى..

********

خيم الصمت التام على سيارة مازن الذي وضع كل تركيزه في القيادة بينما أخذت نيرة تتلاعب بقماش ثوبها ذو الأوان المتعددة والذي أجبرها مازن على ارتدائه في بداية السهرة.. رمقته بغيظ وهي تتذكر سعادتها وهي تتهادى بثوب سهرة من قماش الشيفون الأبيض له فتحة صدر مربعة.. وقد التصق قماشه عليها ثم تهدلت طبقاته حتى نهاية ساقيها.. مع كمين طويلين يكاد يصل طولهما لطول الفستان الأساسي.. كانت تبدو كحورية ملائكية.. ابتسمت بخبث.. بل كانت تبدو كعروس..

خطت عدة خطوات حتى وصلت إلى مازن الذي كان يجلس على الأرجوحة بالشرفة ويوليها ظهره كعادته.. كانت تغضب من حركته تلك في البداية.. إلا أن غضبها قد تحول سريعاً إلى لهفة لترى تلك النظرة بعينيه في كل مرة يلتفت بها نحوها وعيناه تكاد تحتوي ملامحها بنظرة شوق ولهفة.. إلا أنه تلك المرة.. لم يلتفت نحوها.. بل أخبرها بهدوء:

ـ اطلعي غيري الفستان يا نيرة..

هتفت بدهشة:

ـ أغيره!.. ليه؟.. أنت حتى ما شوفتوش.. والله مقفول ومش قصير..

شعرت به يبتسم رغم أنها لم ترى وجهه ولكنها سمعته يسألها بهدوء:

ـ بس أبيض صح؟

ضر,بت قدمها بالأرض غضباً وهي تهتف بحنق:

ـ عرفت إزاي؟

هز رأسه وقد ظهرت ضحكته تلك المرة:

ـ اطلعي غيريه يا نيرة.. وبلاش تلبسي واحد فضي.. الليلة فرح ريناد.. وهي العروسة..

هتفت بعناد:

ـ مش هغيره..

هز كتفيه وهو مازال يوليها ظهره:

ـ يبقى مش هنروح الفرح..

عادت تضر,ب قدمها بالأرض غضباً وهي تلتفت لتصعد إلى غرفتها وتغير ثوبها الأبيض بذلك الذي ترتديه الآن والذي يضم عدة درجات من اللونين الأزرق والأحمر, ولكنها اختارته تلك المرة عاري الصدر والذراعين والظهر أيضاً.. وكأنها تريد أن تثبت أنها صاحبة الكلمة الأخيرة..

التفتت له وهي تتأمل ملامحه عاجزة عن تفسير مشاعرها نحوه.. لا تنكر وسامته الواضحة.. فهي كانت تراه وسيماً دائماً.. لكن ما يجذبها نحوه ليست تلك الوسامة.. تشعر أنه مثل اللهب.. وهي ترى نفسها لأول مرة كالفراشة التي تنجذب بدون تفكير نحو شعلة قد تكون سبباً في هلاكها.. ولكن كيف؟.. كيف وهو يمتلك تلك القدرة الغير معقولة على فهمها.. واحتوائها أيضاً.. فلم تنسى يوم اتصلت به وهي في أقصى حالات الاضطراب لظنها بأن دعوة أبيها لفريدة لتناول الغذاء ما هي إلا مقدمة لعودتها الدائمة إلى حياتهم جميعاً.. ولم تهدأ إلا بعد أن أقنعها مازن بالجلوس مع ضيفتها على مائدة الغذاء والقيام بواجبات الضيافة كما يفترض بها كسيدة صغيرة لبيت والدها.. ورضخت نيرة لطلبه بنزق بعدما وعدها بأن يتواجد معها في تلك الجلسة.. والتي أدركت بعدها.. أن فريدة لن تعود لتصبح جزء من أسرتها ثانية.. رغم استشعارها بغريزتها الأنثوية.. أن فريدة مازالت غارقة في حب والدها.. إلا أنها كما بدا واضحاً.. قد قررت أن تتجاوز تلك المشاعر أو على أفضل تقدير.. تتجاهلها.

أخرجها من ذكرياتها توقف السيارة.. فسألت مازن بقلق:

ـ هي العربية عطلت ولا إيه؟.. إحنا لسه ما وصلناش المزرعة؟..

التفت لها وهو يجيبها بهدوء:

ـ المزرعة قريبة قوي.. والعربية سليمة.. بس أنا حبيت أقولك ما فيش داعي تحكي لعليا على أي حاجة شوفتيها في الفرح.. يعني الكلام بتاع البنات ده..

ضغطت على أسنانها بغضب:

ـ هو أنت شايفني معدومة الإحساس للدرجة دي!

ـ ما اقصدش يا نيرة.. بس ممكن الكلام ياخدكوا وتحكي من غير ما تقصدي.. وممكن هي كمان تسأل..

ـ اطمن.. أنا فاهمة كويس.. وعليا مش هتسأل هي أكيد مموتة نفسها عياط دلوقتِ..

أومأ موافقاً وهو يهمس:

ـ مسكينة..

سألته بغضب:

ـ إيه صعبانة عليك قوي؟..

تأملها لثوانِ ولم يتمالك نفسه من سؤالها:

ـ معقولة.. دي غيرة؟..

تجمدت بالكامل عندما سمعت سؤاله.. غيرة!.. معقول نيرة تغار؟.. تغار عليه؟.. رمشت عينيها بسرعة وهي تحاول.. فهم ما يدور بأعماقها.. ولكنها

لم تجد سوى فوضى مشاعر لم تفهمها.. وقررت ألا تحاول فهمها الآن على الأقل.. فقررت تغيير الموضوع..

فسألته:

ـ أنت اتضايقت من الكلام اللي قلته ليزيد وريناد؟..

أدرك أنها تتهرب من سؤاله.. ولكنه مررها تلك المرة وهو يبتسم ساخراً.. متذكراً ملامح يزيد ونيرة تلقي بقنبلتها فوق رأسه قائلة..

“ألف مبروك يا ريناد.. الفستان تحفة.. بسيط ومش مبهرج.. لايق عليكِ جداً.. أنا آسفة كان نفسي اقعد لآخر الحفلة.. بس عليا لوحدها الليلة.. وأكيد حالتها النفسية صعبة.. لازم أروح لها اهون عليها شوية”…

والتفتت إلى يزيد بنظرة صاعقة..

“مبروك للمرة التانية يا عريس”

عاد مازن إلى جميلته الجالسة بجواره وهو غير قادر على كتم ضحكاته التي تعالت وهو يتخيل الليلة العظيمة التي ينتظرها يزيد..

تأملته ضحكاته فابتسمت بدورها قائلة:

ـ يعني مش متضايق.. أنا عملت كده عشان خاطر عليا..

رمقها بنصف عين:

ـ خاطر عليا؟!

أشاحت بوجهها بعيداً:

ـ أيوه.. اطلع بقى بالعربية.. عشان اتأخرت عليها..

تأملها للحظات ثم أدار محرك السيارة ليقلها نحو المزرعة.. لتقضي ليلتها مع علياء الغارقة في أحزانها…

***********

وصل يزيد وريناد إلى الجناح الخاص بالعروسين والذي قام بحجزه ليقضيا فيه ليلة زفافهما قبل أن ينطلقا في الصباح إلى مدريد لقضاء شهر العسل كما اتفقا من قبل..

حاول يزيد أن يحملها ليدخلا إلى الجناح كما هو متبع ولكنها تخطته ودخلته بمفردها..

خطت عدة خطوات حتى توقفت في منتصف الصالة الخارجية للجناح.. عدة مقاعد تلتف حول أريكة وثيرة.. تتوسط الغرفة عربة طعام رصت فوقها عدة أطباق مغطاة يبدو أنها تحتوي على العشاء.. زجاجة من الشامبانيا توسدت دلو ملئ بقطع الثلج.. الأضواء هادئة وحسية ووريقات من الجوري الأحمر والأبيض تناثرت لتكون عدة قلوب صغيرة متناثرة على أرض الغرفة وتبدو أنها تمتد حتى غرفة النوم.. أجواء مثالية لليلة زفاف حالمة.. كما تمنت يوماً.. ولكن.. لكن ليس الليلة…

جالت عيناها في كل ركن بالجناح ماعدا المكان الذي وقف به يزيد الذي وقف يتأملها بفستان زفافها.. كانت جميلة.. مبهرة برقي خاص بها فقط.. شعرها جمعته خلف رأسها في تسريحة راقية.. وتناثرت زهيرات بيضاء صغيرة بين خصلاته.. زينة وجهها كانت بسيطة بخلاف المعروف عن زينة العروس.. فملامحها التي تميل للجمال الغربي لم تكن تحتمل الزينة الكثيفة.. لم تستخدم طرحة زفاف.. فلم تكن تتماشى مع الثوب الذي اختارته بعناية ليحدد معالم جسدها المغرية.. حيث احتضن جزئه العلوي صدرها وغطى ذراعيها بقماش التول الخفيف المطعم ببعض وردات من الدانتيل الأبيض أحاطت عنقها ونهديها بحميمية لتترك ظهر الفستان عارياً بالكامل بينما التف جزئه السفلي حول جسدها بإحكام وأحاطت خصرها بزنار ذهبي رفيع..

تصادمت نظراته -التي تظهر تأثره بالجمال الخارق الذي تجسده- مع نظراتها الباردة والتي تحمل حيرة شديدة ممزوجة بالعديد من الأسئلة والتي سببتها بالطبع جملة نيرة المقصود منها إثارة المتاعب..

قرر تجاهل هالة البرود المحيطة بها واقترب منها بهدوء طابعاً قبلة رقيقة على جبهتها تقبلتها بسكون مما شجعه أن يحيط خصرها بذراعه ليوزع قبلات صغيرة على وجهها حتى وصل لشفتيها فأخذهما في قبلة عميقة وهو يهمس في أذنها:

ـ مبروك.. يا ريناد.. يا أحلى وأرق عروسة..

تجاوبت ريناد مع قبلاته في البداية تحاول أن تجاري شغفه الواضح.. ولكن جملة نيرة عادت تدق في أذنيها كنواقيس عالية التردد.. فدفعته عنها فجأة وارتدت للخلف تحتضن نفسها بذراعيها وهي تهز رأسها برفض أصابه بالحيرة فقد كانت تتجاوب معه منذ قليل ولكنها فجأة سحبت نفسها منه وقد ظهر الرفض على كل ملمح من وجهها..

حاول أن يخطو خطوة نحوها ولكنها أوقفته بإشارة من يدها واستمرت حركة رأسها الرافضة.. فحاول طمأنتها:

ـ ما تقلقيش يا ريناد.. ما فيش داعي للخوف..

انطلق سؤالها فجأة بدون إرادة منها:

ـ جوازكوا صوري فعلاً؟

قطب يزيد حاجبيه وهو يسألها بهدوء:

ـ تفتكري ده وقت السؤال؟

تمالكت ريناد نفسها قليلاً ورفعت ذقنها بكبرياء:

ـ إيه.. عايز تعيش دور العريس؟.. يعني ما عشتوش قبل كده!

ـ ريناد.. أنا طلبت قبل كده أنك تستفسري على أي حاجة وأنتِ رفضتِ.. والليلة جاية تسألي!

ـ أنت قلت لي أنك هتجاوبني في أي وقت..

اقترب منها متجاهلاً إشارتها له بالابتعاد وأمسك كتفيها بيديه:

ـ ريناد.. الليلة فرحنا.. ليلة بينتظرها كل عريس وعروسة.. أوعدك أرد على كل أسئلتك بعدين..

نفضت يديه عنها.. وعادت تبتعد عنه من جديد وهي تتهمه بوضوح:

ـ وأنت زي كل عريس كنت منتظر ليلة فرحك؟.. بس المهم فرحك على مين فينا؟..

ـ ريناد..

عادت تهتف:

ـ صوري ولا حقيقي؟..

زفر بحنق وهو يفك ربطة عنقه ويخلع سترته ليلقي بها بعشوائية.. واتجه نحو نافذة الغرفة ليفتحها يعب من الهواء النقي.. برغم وجود التكييف البارد إلا أنه شعر بإختناق شديد..

استند بكفيه على زجاج النافذة المفتوحة وهو يسأل بدون أن يلتفت نحوها:

ـ كل ده تأثير كلمة نيرة؟

عادت تكرر وبدت كما أنها لم تسمعه:

ـ صوري ولا حقيقي؟..

أجابها بتردد:

ـ ريناد..

والتفت ليواجهها ليفاجئ بزجاجة الشامبانيا تطير بالقرب من أذنه وترتطم بالإطار المعدني للنافذة لتسقط مهشمة إلى قطع صغيرة ويسيل السائل الذهبي على قدميه..

رفع عينيه اليها بذهول.. فتلك الواقفة أمامه بخصلاتها الذهبية القصيرة.. والتي تناثرت حول وجهها ولمعت عينيها الذهبية بلمعة شيطانية لم تكن تشبه ريناد التي يعرفها بشيء.. كانت صورة لامرأة مثيرة للغاية.. ولكنها مرعبة للغاية أيضاً..

ـ ريناد..

قالها متردداً.. ولكنها ابتسمت ساخرة بمرارة:

ـ خلاص يا يزيد.. أنت جاوبت.. ويا ترى بقى الجواز مؤقت برضوه زي ما فهمتني؟

أخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول:

ـ أنا ما قلتش أبداً أنه مؤقت.

ـ بس ما قولتش أنه مستمر.

زفر بحنق:

ـ أنتِ سمعتِ اللي كنتِ عايزة تسمعيه.. وصدقتِ اللي كنتِ عايزة تصدقيه..

وصفق يديه ببعضهما وهو يكمل:

ـ واخترتِ اسوأ وقت عشان تواجهي الحقيقة..

هزت رأسها بغضب:

ـ لأنها ليلة الفرح اللي كنت منتظرها, صح؟..

رد بدون أن يعي ما يقوله:

ـ لأن وقت التراجع فات!

برقت عيناها بألم عاصف ووجدت شفتيها تصرخان:

ـ طلقني..

مسح وجهه بكفه وهو يشيح برأسه بعيداً:

ـ ادخلي نامي يا ريناد.. عندنا طيارة الصبح..

التفتت لتمسك إحدى المزهريات المنتشرة في الجناح لتلقي بها نحو واحدة من المرآة المعلقة على الحائط خلفه وتتناثر قطع الزجاج في كل مكان مرافقة لصرختها:

ـ طلقني بقولك.. سامعني ولا لأ!..

لم يرد عليها وحاول أن يتحرك نحوها.. ولكنها أسرعت لتلتقط مزهرية أخرى لتلقي بها نحوه تلك المرة فاضطر للانحاء حتى يتفادها.. وقبل أن يعتدل وجد وسادة طائرة ترتطم بوجهه بعنف.. وريناد ما زالت تصرخ:

ـ طلقني يا يزيد..

هتف بها بغضب:

ـ اعقلي يا ريناد.. بلاش جنان.. أنتِ عارفة إيه معنى واحدة تطلق ليلة فرحها..

اعتصرت عينيها بقوة حتى لا تتساقط دموعها أمامه وقد تغلغلت جملته بين خلايا عقلها.. فكتفت ذراعيها بقوة وهي تقول بعنف:

ـ طلقها هي..

تنهد يزيد بقوة وهو يخبرها بهدوء قاطع:

ـ لأ..

برقت عيناها بغضب شديد وهي تلتفت حولها بجنون.. لتتناول كل ما تطاله يديها وتلقي به نحوه.. أو في المكان التي كانت تظن أنه واقف به فهو تحرك بعيداً عن مرمى أهدافها الطائرة ولكن الدموع التي كانت قد بدأت تتساقط من عينيها متمردة على إرادتها أعمت عينيها وأسالت زينتها على وجهها فلم تعد ترى أي شيء حولها سوى الغضب الحارق.. استمرت بتحطيم كل ما طالته يداها حتى تجمدت فجأة عندما لمحت نفسها في المرآة..

اقتربت قليلاً لتتأمل وجهها في المرآة المحطمة.. فشهقت بعنف وهي ترى مسخ لامرأة كانت فاتنة منذ دقائق قليلة.. فعيونها حمراء.. جفونها محتقنة بشدة.. والكحل الأسود حفر خطوط سوداء على وجنتيها.. طلاء شفتيها اختفى ولم تعد تذكر السبب.. وخصلاتها مشعثة وثائرة كعش طائر صغير..

سحبت نفساً عميقاً وتوجهت برأس مرفوعة نحو غرفة النوم وأغلقت الباب خلفها بشدة بدون أن تلقي نحوه نظرة أخرى… غابت قليلاً.. وعندما خرجت من جديد سمعت شهقة يزيد المكتومة وتنفسه السريع.. فابتسمت بسخرية وهي تدرك أنها حققت ما تريد.. فقد اختارت أقصر ثوب للنوم وأكثرهم إثارة وارتدته وحده بدون الروب الخاص به.. مشطت شعرها بسرعة.. لمسة أخيرة من طلاء شفاه أحمر قاني كالغضب الذي يتقافز أمام عينيها.. وانهت مظهرها برشة عطر تعلم أنه يفضله.. كادت أن تصيبه بأزمة قلبية.. وهي سعيدة بذلك فهو يستحق فقد مرغ كرامتها وكبريائها في الوحل.. بين أحضان تلك الحقيرة التي فضلها عليها.. لمحت عينيه تلتهم كل جزء من جسدها.. وتجري عليه بسرعة.. وشعرت بذبذبات الرغبة تشع من حوله بقوة.. فاتسعت ابتسامتها

وهي تجذب عربة الطعام وتكشف الأطباق واحداً تلو الآخر وتتناول طعامها بهدوء وتلذذ وسط حطام الجناح وتحت نظرات يزيد المذهولة.. أنهت طعامها سريعاً.. وتوجهت نحو غرفة النوم لتتوقف في منتصف المسافة وهو يسألها:

ـ على فين؟!

هزت كتفيها بلامبالاة:

ـ هدخل أنام عندنا بكره الصبح طيارة..

اختفت من أمام عينيه وتجمد هو حائراً.. هل يلحق بها أم يقضي ليلة زفافه على الأريكة.. صوت المفتاح الذي دار ليوصد بابها منحه الإجابة سريعاً فيما وصلت لأذنيه صوت طرقات على الباب.. فاتجه ليفتحه ووجد أحد عمال الفندق ينظر له بحرج وهو يخفض عينيه أرضاً:

ـ أنا آسف يا فندم.. أنا عارف أن الليلة فرح سعادتك.. ألف مبروك.. وربنا يسعدك ويقويك.. بس النزلاء اللي في باقي الدور بيشتكوا من الدوشة..

ألقى الرجل كلماته بحرج شديد ليفاجئ بأغرب رد فعل من يزيد الذي انفجر ضاحكاً بهيستريا…

 

الفصل الخامس عشر

تمدد يزيد على فراشه بأحد أشهر فنادق مدريد.. فندق ذو مبني أثري يعود للقرن الثامن عشر.. قام بالحجز به خصيصاً بعد اكتشافه هوس ريناد الحديث بالأنتيكات والتحف, ولكن الغريب أنه لم يلاقِ استحسانها على الإطلاق.. ولولا وجود التسهيلات والكماليات الحديثة.. من ساونا.. وقاعات للمساج والتجميل وبعض محلات الملابس ذات الماركات المعروفة لأصرت على ترك الفندق..

انتبه لها تخرج من الحمام وقد ارتدت بنطال جينز ضيق وفوقه قميص كريمي من الشيفون المبطن.. وجمعت شعرها للخلف مع زينة خفيفة جداً.. جاهد ليلملم بعض اللهفة نحوها ويظهرها على وجهه وهي تقترب منه وتطبع قبلة خفيفة على شفتيه لتخبره ببساطة:

ـ حبيبي.. أنا نازلة عندي جلسة مساج..

ـ تاني يا ريناد.. امبارح ساونا والنهارده مساج..

هزت كتفيها بلامبالاة:

ـ وإيه يعني.. هو مش شهر العسل ده عشان الاستجمام!

زفر بضيق:

ـ أيوه نستجم سوا.. نخرج سوا.. مش كل واحد لوحده..

رمقته بنظرة قاتلة.. ثم أخبرته بهدوء:

ـ بعد المساج, أنا هروح أعمل شوبينج.. تحب نتقابل على العشا؟.. أقولك ابقى كلمني ونتفق.. باي..

وخرجت من الغرفة تتهادى بحذائها العالي الكعبين بينما ترافقها نظراته الحانقة.. فبعد ليلة زفافه المدمرة ظهرت في صباح اليوم التالي بأبهى صورة لها.. وتعاملت معه وكأن الليلة السابقة لم تمر بهما أبداً.. لم يكن بحاجة لكثير من الذكاء ليدرك أن تحولها ذاك لمحادثة تليفونية طويلة أجرتها مع والدته ووالدتها.. لم يعرف بتفاصيل المكالمة بالطبع.. ولكن وصله نتيجتها.. وهي استعدادها الكامل للاستمرار في زواجهما بكل ما تعني الكلمة من معنى..

لم يعرف لم أصابه ذلك بالقلق على علياء وخاصة من والدته التي بالتأكيد وصلتها حقيقة الزواج.. الآن هو في مدريد غير قادر على حمايتها كما يجب.. وحتى والده لن يستطيع محادثته فهو بالكاد يحادثه منذ ذلك الصباح في غرفة المكتب بالمزرعة.. ولن يستطيع مطالبته بالحفاظ على علياء وحمايتها من والدته.. فذلك كفيل بخلق مشاكل لا حصر لها بين والديه..

لذا فقد قام بالشيء الوحيد الممكن وهو مطالبة نيرة_عن طريق مازن بالطبع_ أن تقنع علياء بالإقامة معها.. لحين عودته.. وهو ما رحبت به نيرة بشدة, فهي بحاجة إلى علياء لمساعدتها في تجهيزات زفافها.. وها هو الآن يحاول الاتصال بها.. للمرة المائة أو أكثر فقد تعب من كثرة العد.. ولكن كما توقع هاتفها مغلق.. متى وكيف تعلمت الصغيرة تلك القسوة؟.. إنه فقط يريد الإطمئنان عليها.. لم تحرمه حتى من صوتها؟.. مشتاق لها بشدة.. يحتاج فقط لسماع صوتها وهي تهمس باسمه.. لا يدري تفسيراً لمشاعره.. حاول كثيراً أن يجد مسمى لما يشعر به نحوها.. أو حتى نحو ريناد.. الذي ازداد ارتباطه بها بعد اكتمال زواجهما.. ولكنه لم يجد تفسيراً لمشاعره المرتبكة..

لا ينكر أن علياء تشعل مشاعره وجسده وتصل به إلى حالة مسكرة من النشوى لم يعرفها إلا معها.. ولكن قد تكون صدمة ريناد بما أخبرها به في ليلة زفافهما هي ما تجعلها تعامله بذلك الجمود البارد.. جمود يفقد وصالهما لذته.. ويقضي على لهفته الطبيعية نحوها كامرأة جميلة.. جميلة جداً في الواقع.. ولكن.. ولكنها تريده, بل تطالبه-حتى في أقصى أوقاتهما حميمية- أن يعاملها كتحفة نادرة وثمينة.. غير قابلة للمس.. فما بالك العبث بها.. وكأنها تتعطف عليه بوجودها في حياته..

مرت بذهنه ذكرى أول قبلة لهما.. فهمس..”كماء البحر…”

زفر بحنق وقد تاق لتواصل حقيقي فحاول مرة أخرى الاتصال بعلياء.. ليقابله نفس الرد.. الهاتف مغلق.. لذا قرر الاتصال بمازن.. الذي أجاب على هاتفه بعد فترة.. وهو يضجع على مقعده براحة ويمد قدميه أمامه على مكتبه:

ـ مبرووك يا عريس.. حلوة مدريد صح؟

رد يزيد بحنق:

ـ أنت بتستهبل يا مازن!.. مش بترد على تليفونك ليه؟

ضحك مازن باستمتاع:

ـ آسف.. كنت بسلم على نيرة وعليا قبل ما يمشوا!..

قفز يزيد من فراشه وهو يهتف:

ـ إيه!.. علياء عندك؟.. خليها تكلمني!

ـ عندي فين يا عريس!!.. بقولك روحوا خلاص.. هيعدوا على دنيا في الأتيليه..

وقبل أن يكمل مازن جملته سمع صراخ يزيد:

ـ دنيا!!.. دنيا دنيا!..

ـ أنت اتجننت يا يزيد؟.. هو إيه اللي دنيا دنيا؟!

هتف يزيد بغضب:

ـ مازن.. ابعد علياء عن دنيا.. أنا مش فاهم أنت موافق ازاي أن نيرة تتقرب منها!

أجابه مازن بغضب مكتوم:

ـ ما تتدخلش يا يزيد..

صرخ يزيد بغضب حارق:

ـ ما اتدخلش ازاي؟!.. بص أنت حر.. أنا ما يهمنيش غير علياء.. ابعدها عن دنيا.. وأنت حر مع خطيبتك..

أجابه مازن بغضب مماثل حاول التحكم فيه:

ـ ويا ترى العروسة سمعاك وأنت بتصرخ وبتقول أنه ما يهمكش غير عليا..

أجابه يزيد بنفس رده السابق:

ـ ما تدخلش يا مازن..

ـ ماشي يا يزيد.. كنت محتاج حاجة تانية؟..

سأله يزيد:

ـ طيب هي شافت الشقة اللي أنت قلت لي عليها؟..

ـ لأ..

زفر يزيد بغضب:

ـ ليه؟.. أنا مش فاهم إيه نوبة التمرد اللي جات لها دي؟.. أكيد كله من نيرة.. ما هي أصلها عايشة في دور حماتي!..

ـ أنت غبي يا يزيد.. ليه بتسميه تمرد؟.. ببساطة هي عايزة تشوف الشقة معاك.. أظن ده حقها..

صمت يزيد للحظات ثم سأله بصوت هامس:

ـ وهي أخبارها إيه.. وحالتها؟.. نفسيتها عاملة إيه؟.. بتعيط ولا..

قاطعه مازن بسرعة:

ـ حيلك.. حيلك.. وأنا هعرف ده كله ازاي.. أنا بس عرفت موضوع الشقة من نيرة..

ـ ماشي يا مازن.. بس أرجوك تاني أبعدها عن دنيا.. أنا مش ناقص تلعب في دماغها..

ـ حاضر يا يزيد.. هحاول..

أغلق الخط مع يزيد وهو يفكر في قلقه من علاقة علياء بدنيا.. يدرك قلق يزيد من تلك العلاقة.. فدنيا بطبيعتها الودودة والمنفتحة قد تقص على علياء قصتها.. وذلك لن يكون في مصلحة يزيد على الاطلاق…

************

تكومت منى على أحد المقاعد الوثيرة وهي ترمق شاشة التلفاز بشرود.. شرود حزين وغاضب, فالتوتر بينها وبين حسن على أشده.. خاصة بعد اتهامها له بالصيبيانية أمام رفضه المتعنت لاقتراحها بالانتقال إلى غرفة السطح فوق منزل والدها.. وصراخه عليها وقتها..

ـ أنتِ يا منى مش حاسة أنا بتعذب وبتبهدل قد إيه.. وجاية تقترحي عليّ حل تعجيزي..

رددت بذهول:

ـ أنا يا حسن مش حاسة بيك!!.. ده اللي أنت شايفه.. اللي أنت حاسه؟

زفر بحنق:

ـ يا منى.. افهميني.. أنا ضهري بيتحني على لوحة الرسم 18 ساعة في اليوم.. وفي الآخر حتى مش اسمي اللي بيظهر على التصميم.. ده غير التصليحات اللي بعملها لباقي المهندسين في المكتب.. ونزولي المواقع.. وبعد ده كله صاحب المكتب بيرمي لي الفلوس كأنه بيعطيني حسنة..

أغمضت عينيها تحاول حبس آلامها مع دموعها:

ـ وأنا مقدرة ده كله..

قاطعها قائلاً بغضب:

ـ عارف أن الفلوس قليلة وأنه ناقصك كتير.. وعارف أني مقصر.. كفاية أني مش قادر أعملك بيت ليكي لوحدك.. يكون بتاعك.. بس أنا حاسس أني باحرت في بحر.. شغل ليل ونهار من غير فايدة.. بس اعمل ايه؟.. قولي الحل؟..

حاولت مقاطعته لكنه أكمل بغضب حاد:

ـ والحل مش السكن في أوضة فوق سطوح.. ده حل ما ينفعنيش.. وما تقوليش أني مرفه أو بدور على الحاجة السهلة.. لأني لو كنت كده, كنت قبلت..

قطع كلماته فجأة وعاد ينفث أنفاسًا غاضبة.. مما جعل منى تسأله بوجل:

ـ كنت قبلت إيه يا حسن؟.. أنت مخبي عني حاجة؟..

أشاح بوجهه عنها:

ـ ما فيش يا منى.. أنا اتأخرت ولازم أنزل الشغل..

هتفت به:

ـ حسن ما تهربش مني..

ـ أنا ما بهربش.. بس اتأخرت.. الساعتين اللي ضيعتهم على حاجة مالهاش لازمة.. هعوضهم أربع ساعات في المكتب..

صرخت بغضب وصوتها يرتفع للمرة الأولى:

ـ لا مش هتنزل.. مش هتنزل إلا لما أعرف.. أنت مخبي عني إيه..

رد بحزم غاضب:

ـ صوتك عالي يا منى..

ـ أيوه يا حسن.. لازم يعلى علشان تسمعني..

ارتفعت نبرة صوته قليلاً:

ـ سامع.. وعارف وفاهم.. وبطحن في الصخر عشان أوفرلك..

قاطعته غاضبة:

ـ ما تقولش أوفرلك.. زي ما أكون باتعمد اطلب منك طلبات فوق طاقتك.. أنت اللي..

سكتت وأمسكت لسانها.. فقد أوشكت على اتهامه بانعدام المسئولية.. والدلال.. لكنه فهم ما كانت تنوي قوله.. فرمقها غاضباً:

ـ أنا اللي..!!.. بعد ده كله أنا اللي… وهو عشان أثبت لك رجولتي.. وتحملي للمسئولية لازم أوافق أعيش في..

كان دوره ليسكت.. هو الآخر.. فهو كان على وشك إهانتها وإهانة المكان الذي يقيم به والدها.. ومن الألم البادي في عينيها.. أدرك أنها فهمت ما لم يقله.. فهمس معتذراً وهو يمد يده لها بتوسل:

ـ منى..

لكنها نفضت يده بعيداً وهي تخبره بجمود:

ـ أنت اتأخرت على شغلك يا حسن..

عاد يهمس:

ـ خلينا نتفاهم..

أجابت وهي على نفس جمودها:

ـ مع السلامة يا حسن..

تركها وخرج بسرعة ولأول مرة يتجاهل معانقتها قبل خروجه.. ابتسمت بحزن وهي تعود لواقعها.. فحسن مازال على عناده وغضبه ورفضه للخضوع للواقع نهائياً.. وهي.. رغم ذلك الهاجس الذي بدأ يراودها بأنه بدأ يمل.. ييأس.. يتسرب من بين يديها.. إلا أنها قررت ألا تبادر بمراضته تلك المرة.. ليس قبل أن يختار على أرض الواقع ماذا يريد بالفعل..

****************

وصل يزيد ومعه ريناد إلى فيلا والدته التي استقبلته بشوق كبير.. وعتاب أكبر وهي تهمس له:

ـ ضحكت عليّ يا يزيد.. استغفلت أمك..

قاطعها يزيد بتوسل:

ـ ماما.. أرجوكِ.. مش وقته الكلام ده..

ربتت على كتفه:

ـ ماشي يا حبيبي.. هنأجل الكلام..

ثم عانقت ريناد وهي تسألها بمودة عن رأيها في مدريد.. وماذا رأت هناك.. وانخرطتا معاً في حديثٍ هامس سبب قلق متصاعد ليزيد وقبل أن يستفهم عما تتحدثا بشأنه.. دخل والده إلى الغرفة ورحب بريناد بجفاف.. والتفت إلى يزيد:

ـ عايزك في المكتب يا يزيد..

ثم خرج بسرعة مثلما دخل فلم يجد يزيد بداً من الذهاب خلفه.. بينما همست سهام لريناد:

ـ ما تقلقيش.. أنا أقنعت عصام.. وهو هيكلم يزيد.. وأول ما تبعدوا.. أنا هنفذ اللي اتفقنا عليه.. المهم هو كويس معاكِ؟

اومأت ريناد موافقة:

ـ أيوه.. هو كويس..

وأكملت بداخلها.. “بس هو مش معاي”..

دخل يزيد خلف والده إلى مكتبه.. ليفاجئه بسؤال سريع وصريح:

ـ أنت بتروح عند عليا المزرعة؟..

رد يزيد بصراحة:

ـ أيوه..

ـ ليه؟..

رفع يزيد أحد حاجبيه ولم يجب بشيء.. خبط والده على المكتب بقوة وهتف به:

ـ ومش مكسوف من نفسك يا أخي.. يعني أنت اتجوزتها عشان كده.. عشان..

قاطعه يزيد بسرعة:

ـ علياء مراتي.. وما فيش حاجة تخليني اتكسف.. وجوازي بيها معلن.. وشقتها موجودة.. لسه بس تيجي تشوفها..

سأله والده:

ـ ومراتك؟..

ـ ما أنا لسه بقول أنها مراتي.. هو أنا أنكرت..

رمقه أبوه بنظرة غامضة.. فاستدرك يزيد:

ـ آه حضرتك تقصد.. ريناد؟.. أنا فهمتها أن جوازي من علياء حقيقي ومستمر.. وتقريبا الوضع استقر..

ـ لا طبعاً.. الوضع مش مستقر ولا هيستقر.. بص يا بني.. عليا مراتك آه.. ومش هينفع يكون في تراجع.. بس البنت لسه صغيرة.. ومشاعرها بتغلبها.. ومش بتحكم عقلها.. ظهورك المستمر قدامها ووجودك جنبها.. والأكتر من كده معاملتك لها كزوجة.. مش في مصلحتها.. ولا مصلحتك.. ده غير أنك عقدت الوضع بإصرارك على جوازك من بنت خالتك.. وما فيش حد هيقدر يبني بيتين مع بعض وفي نفس الوقت..

ـ يعني إيه يا بابا.. مش فاهم؟..

ـ ابعد عن عليا.. سيب لها وقت تكبر فيه ومشاعرها تنضج.. وأنت ركز مع ريناد طالما تممت الجوازة..

هتف يزيد بغضب:

ـ أنا مش هطلق علياء.

ـ وأنا ما قولتش تطلقها.. أنا بقول تبعد.. وتعطوا نفسكوا فرصة.. أنتوا التلاتة.. لأن الوضع كده استحالة يستقيم.. شوف.. أنا هفتح فرع جديد للشركة في دبي.. وبعد تفكير.. قررت أنك تسافر تباشر تأسيس الفرع من البداية..

ـ أيوه يا بابا.. بس..

ـ ما فيش بس.. ده حل كويس.. مؤقت على الأقل.. البنت وراها كلية لازم تشوف مستقبلها.. وأنت عندك زوجة ظلمتها في طريقك.. وده أفضل حل قدرت أتوصل له…

حاول يزيد مناقشة والده:

ـ أنا مش همنعها من كليتها.. وهعطيها كل الوقت اللي محتاجاه.. و..

قاطعه والده:

ـ أنت روحت لها المزرعة كام مرة بعد كتب كتابكوا؟..

احتقن وجه يزيد وأخفض عينيه حرجاً.. فأكمل والده:

ـ ده قصدي.. أنت مش سايب لها فرصة أنها تتحكم في مشاعرها وتفكر في حياتها.. وأنت كمان محتاج أنك تهتم بريناد أكتر.. مش لازم تكرر مآساة قديمة..

رفع يزيد عينيه لوالده.. فتبادلا نظرات متفهمة لثوانٍ.. أجاب يزيد بعدها:

ـ هفكر يا بابا.. أوعدك هفكر كويس.. عن إذنك…

*************

أراحت علياء رأسها على للخلف وأغمضت عينيها لتسترخي على فراشها قليلاً.. فالليلة سيعود يزيد من سفره.. صححت لنفسها وهي تبتسم بمرارة

“هيرجع من شهر العسل”..

سقطت دمعة على وجنتها تلتها أخرى وأخرى.. فهي أخيراً سمحت لنفسها بالتفكير به.. وبزواجه.. وسفره.. واتصالاته التي لا تنقطع ولكنها ترفض الاجابة عليه.. أو بمعنى أدق.. نيرة أجبرتها على رفض مكالماته بعدما سرقت منها هاتفها خفية.. ولم تمانع علياء كثيراً.. فهي مدركة لضعفها الشديد نحوه.. ولن تحتمل أن تكون معه على الهاتف بينما ريناد بجواره فعلياً.. مدركة هي لمشاعر الغيرة التي تعصف بكيانها.. والتي تصور لها مشاهد ولقطات حية ليزيد مع ريناد.. تلك المشاعر التي تدفعها للبكاء كل ليلة حتى تسقط في نوم مرهق مليء بصور له معها هي.. صور تعذبها وتطحن مشاعرها بقسوة.. فتستيقظ باكية ضعفها وحبها وقلبها الأحمق الذي ينتفض لكلمة منه.. ولولا انشغالها مع نيرة الفترة الماضية لجنت شوقاً له وغيرة عليه..

اليوم فقط أعادت نيرة لها الهاتف لتفاجئ بكم المكالمات والرسائل التي أرسلها لها..

ابتسمت بهيام وهي تقرأ رسائله التي تشي بمدى افتقاده واشتياقه لها.. ثم ما لبثت أن قطبت حاجبيها بغضب.. هل معنى هذا أنه سيفتقد ريناد عندما يتواجد معها هي؟..

داعبت أناملها الدمعة الماسية المعلقة بعنقها.. وتذكرت جنون يزيد بها لتهمس لها برقة..

“يا ترى وحشك زي ما وحشني.. وحشتني ابتسامته.. وضحكته وحشني حبه.. وقلبه وجنانه.. حتى الشيزوفيرنيا بتاعته وحشتني!”..

ضحكت في صمت وهي تسترجع كلمات نيرة لها قبل أن تقلها إلى المزرعة..

“البسي يا علياء وظبطي نفسك.. احنا اشترينا هدوم كتير حلوة اليومين اللي فاتوا.. احرقي مشاعره وولعيها.. وما تخليهوش يطول منك حاجة.. لوعيه شوية خليه يحس بقيمتك”..

هزت رأسها في يأس, وهي تعلم صعوبة اتباع نصيحة صديقتها.. فكيف تستطيع إلهاب مشاعره بينما مشاعرها هي تغلي في انتظار رؤيته من جديد..

نهضت من فراشها ببطء وأخذت تتأمل ثيابها الجديدة.. وبعد طول تفكير سحبت إحدى الغلالات الناعمة لترتديها, ووقفت تتأمل صورتها المنعكسة في المرآة بذهول.. فأمامها كانت امرأة مغرية ترتدي غلالة شفافة بلون السماء, ذات فتحة صدر واسعة وظهر عاري تماماً.. غطته خصلاتها السوداء الطويلة.. بينما اتسعت عيناها بخوف وهي تحدث نفسها بحنق..

“معقولة!.. ألبس حاجة زي دي؟!.. ده حتى قلته أحسن!”..

وعلى الفور بدلت ثوب النوم المغري بمنامة قطنية قصيرة بيضاء اللون ذات حمالات رفيعة على الكتفيين ومطبوع عليها صورة كبيرة لتويتي.. استعرضت نفسها مرة أخرى في المرآة.. وهي تحدث نفسها..

“ايوه كده.. دي علياء اللي أنا عارفاها”..

عادت تستلقي على فراشها وهي تتساءل إذا كانت ستراه الليلة.. فما أن علمت بموعد عودته حتى أصرت على ترك فيلا نيرة والعودة إلى المزرعة..

هاجس خبيث تملكها لتعلم مدى لهفته لرؤيتها.. هل سيأتي للمزرعة على الفور أم سيرابط جوار زوجته الأخرى.. وإذا أتى كيف تستقبله؟.. هل تعبر عن شوق أم غضب؟.. احتضنت دمية محشوة على شكل تويتي وتاهت في وسط أفكارها لتسقط في نومٍ عميق فلم تشعر بسيارة يزيد عند وصوله وصعوده الدرج الداخلي بسرعة.. ليصل إلى غرفتها فيفتح الباب بهدوء.. يريد مفاجأتها.. ليفاجئ هو بها مستغرقة في نوم عميق.. تساءل للحظات إذا كان والده محق.. ويجب عليه الابتعاد عنها ليترك مشاعرها لتنضج قليلاً..

ولكن متى استمع يزيد لصوت العقل!!..

تحرك ببطء ليندس بجوارها في الفراش متذمراً من صغر حجمه.. ألصق ظهرها بصدره الضخم ليضم جسدها بين ذراعيه متغلباً على حجم الفراش الطفولي.. همس بأذنها لتستيقظ ولكنها تململت بإنزعاج ولم تفتح عينيها.. إزاح خصلاتها برقة ليكشف جانب عنقها لاثماً إياه ببطء ممتع وهو يهمس مرة أخرى:

ـ عمري ما شفت فراشة نومها تقيل كده!..

عادت تتململ مرة أخرى وهو لم يرحم نعاسها.. وظل يطبع قبلاته على طول عنقها باحثاً بشفتيه عن ماسته الدامعة.. وأخيراً وصلت شفتيه لمبتغاها فعانق الماسة الصغيرة بشفتيه وهو يهمس مرة أخرى:

ـ علياء..

شعر بها تتحرك بين ذراعيه.. فرفع رأسه لتواجهه عينيها.. وقد تحولت زرقة السماء بهما إلى لون منتصف الليل.. رمشت عدة مرات كأنها تتأكد من حقيقة وجوده بجوارها.. وابتلعت ريقها بارتباك وهي تهمس بضعف:

ـ حمد لله على السلا..

لم يدعها تكمل كلماتها فضاعت بين شفتيه وهو يتناولهما بشوق هامساً:

ـ دوختيني.. روحتلك عند نيرة ما لقتكيش..

همست بدورها:

ـ أنا.. قلت استناك هنا أحسن..

طبع قبلة خفيفة على شفتيها:

ـ ذكية..

عاد يقبلها من جديد ويديه تتحسسان جسدها بحميمية بدأت تعتادها منه ولكن يده اصطدمت بدمية تويتي.. فرفعها بيده في ذهول:

ـ إيه ده؟..

أجابته ببراءة:

ـ ده تويتي.. بتاعي..

رفع أحد حاجبيه بتعجب وأمسك بالدمية ليلقي بها بعيداً.. وهو يهمس بتملك:

ـ ما حدش ينام في سريرك غيري..

رمقته بذهول وقبل أن ترد عليه كان قد لمح الرسمة على منامتها.. وفي ثوانٍ كان صوت تمزيق الحمالات الرفيعة يدوي بالغرفة.. لتلحق المنامة بالدمية الصغيرة.. فلا شيء يشارك يزيد فراش زوجته.. لاشيء على الاطلاق..

*****

لمسات خفيفة شعرت بها تتنقل على عينيها ووجنتيها وشفتيها لتعود إلى عينيها مرة أخرى.. ففتحتهما لتجد يزيد يبتسم لها مشاكساً:

ـ بقى لي ربع ساعة باصحي فيكِ..

تململت علياء بين ذراعيه ولكنه لم يسمح لها بالابتعاد عنه فابتسمت بخجل وهي ترمش بعيونها عدة مرات وتضغط بكفيها على كتفي يزيد هامسة:

ـ أنت حقيقي!..

داعب أنفها بأنفه وهو يهمس له بعتاب مصطنع:

ـ أكيد الليلة اللي فاتت ما كانتش حلم..

ابتسمت بخجل ولم تجبه.. فهي لا تستطيع إخباره عدد المرات التي استيقظت بها وهي تحلم أنها بين ذراعيه.. لتدرك أنه حلم.. سراب.. كذبة تعيشها في خيالها بينما هو.. هو كان يقضي شهر عسله مع أخرى..

انقبضت ملامح وجهها عندما مر ذلك الخاطر بذهنها.. وظهرت في عينيها دموع حبيسة.. حاولت كبحها ولكنها هزمتها لتتساقط من بين أجفانها التي كان يقبلها منذ قليل.. وهمست لنفسها:

ـ غبية..

قطب حاجبيه وهو يكرر:

ـ غبية!!.. ليه يا علياء؟..

حركت وجهها لتبعده عن مرمى نظراته وحاولت التملص من بين ذراعيه.. إلا أنه منعها بقوة وهو يكرر:

ـ ليه يا علياء؟.. غبية ليه؟..

رفعت عينيها لتصدم بوجه قريب جداً منها وعينيه بها نظرات قلق عاصفة.. وقد قطب حاجبيه بشدة.. وكرر:

ـ ليه؟!

وجدت نفسها تتكلم بعفوية وكأنها تتحدث مع نيرة:

ـ أنا أول ما شوفتك نسيت ألمي وزعلي ودموعي والجرح اللي جوايا منك.. كل الكلام والعتاب والغضب اللي جوايا دابوا في لحظة.. أول ما شوفتك ما فكرتش غير أني اترمي في حضنك واتأكد أنك حقيقي جنبي.. أنا حاسة أني بضيع من نفسي.. ماعدتش فاهمة حاجة ولا عارفة الصح فين.. أنا غبية.. غبية.. رخصت نفسي..

أحنى رأسه قليلاً ليحرك شفتيه أمام شفتيها بدون أن يمسهما:

ـ هشششش.. اوعي تقولي الكلمة دي.. أنتِ غالية قوي.. قوي يا علياء..

أبعدت وجهها عنه ودموعها مازالت تتساقط وهمست:

ـ غلاوة عشيقة!..

شتم بصمت.. لقد كان على حق عندما طلب من مازن أن يبعدها عن دنيا.. فلابد أنها ثرثرت أمامها بأفكارها المجنونة.. لتطبقها الحمقاء على حياتهما معاً..

لف وجهها نحوه هامساً:

ـ أنجح زوجة اللي ما تخجلش أنها تكون عشيقة لجوزها..

سألته بتوجس:

ـ وبيحترمها؟..

ـ أكيد.. لو ما احترمهاش يبقى مش هيحترم نفسه..

رمقته للحظات طويلة بنظرات متسائلة حائرة.. ثم أبعدت وجهها عنه وهي تتملص من بين ذراعيه:

ـ سيبيني أقوم يا يزيد..

أطلقها من أسر ذراعيه فنهضت ببطء لتذهب إلى الحمام.. وقبل أن تغلق الباب خلفها سألته بألم:

ـ لما هي غالية وهو بيحترمها أومال ليه بيحتاج غيرها؟..

ترك رأسه لتسقط على الوسادة وهو يفكر في كلماتها.. حوارهما معاً.. برائتها.. عفويتها معه.. تحادثه كأنه صديق.. همس بداخله يكمل جملته لها..

“أنجح زوجة هي اللي ما تخجلش تكون عشيقة لزوجها.. وبعفويتها وبرائتها تكون له كمان صديقة”..

جالت عينيه في غرفتها.. غرفتها الوردية.. فكل ما يحيط به وردي.. عرائس ودمى محشوة وردية.. وذلك التويتي.. لم يرَ تويتي وردي من قبل.. حتى غطاء الفراش الذي يتدثر به.. كان وردي اللون.. غرفة غاية في الطفولية والبراءة..

براءة سلبت منها في لحظة لتدخل عالم الكبار.. عالم لا تعرف قواعده.. ولا قوانينه.. يشعر بها حائرة ومشتتة.. تحواره كناضجة.. ولكن بداخلها طفلة تائهة.. يبدو أن والده كان على حق.. يجب عليه أن يمنحها بعض الوقت لتنضج وتستقر.. سيبتعد قليلاً.. قليلاً فقط.. ويعود ثانية.. فقط يجب أن يخبرها بسفره إلى دبي..

*************

فوجئت منى بدخول حسن إلى المنزل في وقت مبكر جداً عن موعده وهو يحمل عدة أكياس بين يديه.. أخذت تتابع تحركاته وهو يتجه إلى المطبخ.. لتسمع بعدها عدة أصوات وضوضاء عالية.. أطباق تتصادم ببعضها.. وأكواب تتهشم.. ثم صوت مياه جارية مختلط بسباب محتشم.. أخيراً ظهر حسن وعلى وجهه معالم انتصار.. وفي يده كوب به سائل أحمر اللون..

وضعه أمامها بفخر قائلاً:

ـ عصير الفراولة اللي بتحبيه..

رمقته في تساؤل عن حقيقة الأمر.. فهو ذهب إلى عمله صباحاً وهو ما زال غاضباً منها.. فما الذي حدث في ساعتين ليغير رأيه.. سمعته يجيب على الأسئلة التي لم تطرحها:

ـ هدنة؟..

أومأت موافقة فهي تريد أن تعلم ماذا به.. ولماذا أتى من عمله مبكراً.. رفع الكوب ومده نحوها.. فأخذته منه على الفور.. وسألته بتوجس:

ـ جيت بدري ليه يا حسن؟..

أغمض عينيه بألم.. ومرت في ذهنه مواجهته الأخيرة مع أبيه منذ دقائق.. حين اقتحم مكتب أبيه ليخبره صراحة رأيه فيما يقوم به نحوه من تصرفات متعسفة.. كان آخرها فقده لعمله.. حيث استغنى صاحب المكتب عن خدماته.. وأخبره صراحة.. أنه لن يجد بعد الآن من يقبل بتوظيفه حتى يسوي أموره مع والده… وإذا أراد أن يعمل بعيداً عن نفوذ والده, فليختر عملاً بعيداً عن تخصصه كمهندس ناجح.. ويبحث عما يسد به رمقه.. وإلا فليخضع لما يريده والده أياً كان ذلك..

اقتربت منى منه بتردد وهي تستشعر بألمه الداخلي.. وما يكتمه داخل صدره..

ربتت على كتفه بحنان:

ـ في إيه يا حسن؟.. هتخبي عليّ؟..

أحنى رأسه أرضاً.. وأجابها متردداً:

ـ منى.. أنا..

سكت ولم يتكلم فحثته ليكمل:

ـ أنت إيه؟..

ابتلع ريقه بصعوبة:

ـ أنا عايز أقولك على حاجة.. قرار أخدته.. وبتمنى تساعدني فيه.. ويا ريت اللي هعمله ده ما ينزلنيش من نظرك…

الفصل السادس عشر

فتح يزيد باب الشقة وسمح لعلياء بأن تتقدمه.. قبل أن يغلقه خلفها.. ثم مد يده يقبض على أناملها الرقيقة بقوة ويسحبها خلفه.. وهو يصف ويعدد لها مزايا الشقة التي اختارها بناء على نصيحة مازن لتكون شقة الزوجية الخاصة بهما.. كان يرص الكلمات بسرعة وغضب وهو يمر بها من غرفة لأخرى.. حتى وصل بها إلى المطبخ الذي كان واسعاً جداً.. كست جدرانه عدة دواليب خشبية.. قدرت علياء أنها صنعت من خشب الأرو.. وتوسطته خزانة كبيرة مستطيلة ومتوسطة الطول.. غطتها قطعة رخامية عريضة..

ارتكزت علياء بكفيها على القطعة الرخامية وقد قررت التوقف عن التجوال بالشقة.. وسمعته يسألها:

ـ ايه رأيك في الشقة؟..

وقبل أن تجيبه ارتفع رنين هاتفه.. بنغمة معينة جعلت علياء تدرك على الفور أن ريناد هي المتصلة.. فلم تملك إلا التأفف في صمت وهي تراه يسحب الهاتف ليتحرك بعيداً ويجيب عليه.. تذكرت لحظة خروجها من الحمام في الصباح وقد لفت جسدها بمنشفة ضخمة وأخذت تبحث في خزانتها عما ترتديه حتى تعثرت ببنطال جينز وقميص قطني.. عندها سمعته وهو يتحدث معها على الهاتف.. لينتابها إحساس مؤلم بالمهانة وحارق بالغيرة.. شعرت بالفعل وكأن جسدها يئن ألماً من عنف الغضب الذي عصف بها.. لتجد يدها تمتد غريزياً إلى أحد الأثواب الصيفية الذي ابتاعته برفقة نيرة.. فسحبته بقوة ودخلت الحمام مرة أخرى لترتديه.. كان ثوباً خفيفاً.. ذو فتحة صدر مربعة.. جزئه العلوي ضيق ويلتف تحت صدرها مباشرة زنار عريض ذو لون وردي مشرق.. وهو نفس لون الورد المنتشر بالفستان ذو الأرضية الكريمية اللون وطوله يصل إلى ما بعد ركبتيها مباشرة..

لمحت نفسها في مرآة الحمام.. لترى أن مظهرها تغيير بفعل ذلك الثوب المغري.. شكرت صديقتها في صمت قبل أن تخرج إلى الغرفة لتجده انتهى من مكالمته الهاتفية وجلس بانتظارها.. فهتفت بعجلة:

ـ أنا جاهزة عشان نروح نشوف الشقة..

لم يسمعها وعيناه تلتهمان تفاصيلها في ذلك الثوب المهلك.. وقد رحل ذلك الجزء من عقله الذي أقنعه منذ قليل أن يبتعد قليلاً ليمنحها فرصة النضوج.. تساءل في جنون.. أي نضوج أكثر من هذا؟!.. يكاد يقسم أنها لو نضجت أكثر لأنفجر هو فوراً..

سألها بصوت أجش وهو يقترب منها ويتحسس الثوب وما يخفيه الثوب بجرأة بالغة:

ـ نروح فين؟.. وجاهزة ايه!!.. روحي البسي..

دفعت يديه بعيداً ووضعت يدها بخصرها فارتفع الثوب لأعلى وهتفت هي بغيظ:

ـ أنا لابسة فعلاً.. وفستاني جديد..

قالت جملتها الأخيرة بحرقة طفلة غاضبة فابتسم قليلاً:

ـ جديد!.. وجه امتى؟..

ـ جبته مع نيرة عشان الكلية..

قفز.. بل طار فعلياً في مكانه فذكرها بحبة ذرة تتقافز فوق صفيح ساخن وهو يصيح:

ـ كلية!!.. أنتِ عايزة تروحي الكلية بده.. أومال تروحي السرير بايه؟!!!

غمغمت بحنق:

ـ قلة أدب!

صرخ بها:

ـ ايه!.. مش سامع قولي تاني كده..

هتفت في وجهه بتمرد يلمحه للمرة الأولى:

ـ بقولك ما تقوليش كده.. دي قلة أدب!..

حاول كتم ابتسامته.. وحادثها بهدوء:

ـ علياء.. ايه اللي مضايقك؟.. ليه مش بتسمعي الكلام؟..

رمقته بنظرة نارية وكتفت ذراعيها وجلست فوق الفراش هاتفة:

ـ خلاص.. مش عايزة أشوف الشقة.. روّح يلا.. شكلك مستعجل!..

لم تدري ماذا أصابها!.. أو ما يدفعها للتصرف بذلك الإنفعال والغضب.. إنها تشعر فقط بحرقة قاتلة في صدرها وغضبها وصراخها عليه.. يريحها للغاية..

تأملها قليلاً يحاول معرفة ما بها.. فهي لم تمر بهذا المزاج العاصف من قبل.. بل أنها قبل قليل كانت تذوب بين أحضانه ثم تركته باكية.. لتذهب إلى الحمام.. ثم.. آه.. الهاتف.. لقد سمعت مكالمته مع ريناد.. وهي تشعر بالغيرة..

ابتسم بإشراق وقد أسعده غيرتها عليه.. فرمقته بغيظ:

ـ أنت بتضحك ليه؟..

اقترب منها بهدوء ثم رفعها من فوق الفراش.. ليضعها أمام خزانتها:

ـ غيري هدومك بسرعة..

سحبت ثوباً آخر لترتديه ولكنه لمح في آخر لحظة الحمالات الرقيقة.. فجذبه منها بعنف:

ـ وده برضوه للكلية؟..

ـ لأ.. للبيت..

حرك رأسه في ألم وهو يتخيله على جسدها.. إنه لم يكتفِ منها بعد.. وبدأت رغبته بها تتحول لألم جسدي يحتاج ما يسكنه بسرعة.. هل يرمي كل قرارات العقل ويسحبها إلى فراشها الوردي.. أم يلتزم العقل ويخرج بها من غرفة النوم فوراً..

أخيراً سمعها تسأل بحنق:

ـ أنت بتدور على ايه؟.. كده لخبطت كل الهدوم على بعضها!..

أخذ يبحث داخل خزانتها حتى وجد ثوب غاية في الاتساع.. والحشمة.. فقذفه إليها:

ـ البسي ده..

حاولت الإعتراض لكنها هتف بحسم:

ـ يلا.. لسه هنشوف العفش..

غابت ثواني وعادت بالثوب الذي اختاره بنفسه.. وقد أخفى تفاصيلها تماماً.. ليجد خياله ينشط بشدة ليجسد له تلك التفاصيل بصور حية أكثر مما ينبغي..

من قال أن الخيال أخف وقعاً من الواقع, فهو أحمق بالتأكيد.. فهو يحترق الآن كرد فعل على الخيال..

التفت لخزانتها ليعبث بها مرة أخرى.. وأخرج قميصاً وتنورة واسعة وطويلة.. وهما ما ترتديه الآن.. قميص أحمر يحتوي تفاصيلها بدقة حاول الإعتراض عليه ولكنها تمسكت به وكأنه ماء المُحاياه.. ما يحيرها بالفعل هو اختفاء معظم ثيابها الجديدة منذ تلك اللحظة ولا تعرف ماذا فعل بهم وأين أخفاهم..

ضغطت بكفيها بقوة على الرخام البارد حتى تستمد بعضاً من برودته.. لتتماسك.. فهي تعلم ما يرغب في مصارحتها به فقد وصلها حواره مع ريناد.. عندما كانت في الحمام صباحاً.. فهو كان بقمة انفعاله ولم ينتبه لارتفاع صوته.. ولكنه حتى الآن لا يعلم بمعرفتها تلك.. والأدهى أنها تشعر به يقاوم بقوة ليبتعد عنها.. ولكنها تدرك أيضاً هشاشة مقاومته تلك..

سمعته وهو ينهي مكالمته.. وهدأت قليلاً لأنه بدا نزقاً في أسلوبه مع الأخرى وكأنه رافض لمكالماتها المستمرة له في الوقت الذي خصصه لعلياء..

كان يراقب انفعالاتها كما يراقب حركاتها المتململة والتي انتهت بفرد كفيها وضغطهما على قطعة الرخام فالتصق القميص أكثر بحناياها ليجسد خيالاته المرهقة له أمامه مباشرة فأغلق الهاتف بسرعة وتحرك نحوها وقد قرر الابتعاد عن التعقل مؤقتاً..

شعرت به يحاوطها من الخلف ويضمها بقوة دافناً شفتيه في عنقها.. فأدركت أن مقاومته تحطمت.. حاولت التملص من قبضته إلا انه زاد من ضغط ذراعه.. هامساً:

ـ استرخي يا علياء.. أنا مش عارف أنتِ فجأة بقيتِ عصبية.. و..

قاطعته:
ـ مش عارف!!

همس بابتسامة لم يستطع كبحها:

ـ غيرانة؟..

لفت جسدها لتواجهه وحاولت أن تدفعه عنها إلا أنه رفض التزحزح بينما هو يعاود تقبيلها بشغف هامساً:

ـ العقل هيجنني.. أنا مش قادر أكون عاقل أكتر من كده..

ليعيش أقصى خيالاته جنوناً..

وبعد فترة ليست بالقصيرة..

حاولت الابتعاد عنه ودفعه عنها.. إلا أنه أحكم ذراعيه حولها هامساً في عبث:

ـ يا مجنونة هنقع!..

استكانت قليلاً.. ثم عادت تهمس:

ـ ابعد..

هز رأسه رافضاً ليهمس بجنون:

ـ أنا أساساً ما صبحتش على الألماسة بتاعتي النهارده!

استسلمت له مرة ثانية.. ويأخذها هو بشغف لا حد له.. باحتياج لا ينتهي.. بجموح مجنون.. واحساس بالاكتمال هي فقط من تمنحه له.. هدأت أخيراً وألقت رأسها على صدره.. لتسمع همسه المحذر:

ـ اوعي تنامي!..

رمقته بذهول فضحك بقوة:

ـ أنا والله خايف لتقعي.. مش أكتر من كده..

عادت تهمس له بتوسل تقريباً:

ـ ابعد..

كانت تريده بالفعل أن يبتعد.. فهي تخشى حالة الهوس التي أصابته منذ أن لمحها بفستانها الخفيف صباح اليوم.. حينها قرأت بعينيه أي جنون سيجتاحها به.. جنون هي غير مستعدة له خاصة الآن وقرار الفراق على بعد لحظات.. أنها فقط تريد سماع قراره بالابتعاد.. تحتاج أن تكون متيقظة لكلماته لا أن تكون مأخوذة به ومنه على الدوام.. أخذ يتأمل انفعالاتها المتوالية.. غضبها وحزنها.. لقد أبدت السعادة لرؤيته الليلة الماضية فقط لاشتياقها له.. ذلك ما لا يستطيع إنكاره.. ولكن منذ أن فتحت عينيها صباح اليوم وهي يلفها حزن غريب..

أخذ يداعب خصلات شعرها المنتشرة على كتفيها بجرأة.. ليستشعر تأثرها به ولكنها تعانده بإصرار شديد.. محاولاتها الدؤوبة للابتعاد عنه مستمرة..

عاود مشاكستها وهو يلف إحدى خصلاتها الناعمة على إصبعه:

ـ زعلانة على فساتينك الجديدة؟

سألته بسرعة:

ـ ودتهم فين؟.. قطعتهم؟..

ابتسم بعبث:

ـ في حد عاقل يقطع حاجات حلوة زي دي برضوه.. أنا بس قفلت عليهم في مكان أمين.. وبعد كده أنا هشوف ايه اللي يعجبني واطلعهولك تلبسيه.. بس ليا أنا بس..

رمقته غاضبة بينما ارتسم على وجهها كل ما تفكر به حوله.. حتى أنه خشي للحظة أن تصارحه بكل ما يدور بعقلها خاصة في نوبة الاندفاع التي أصابتها..

أخيراً سألها بوضوح:

ـ في ايه؟.. فهميني؟.. ايه اللي جرى لك؟..

نجحت أخيراً في الابتعاد عنه فقط لتلتف على جانبها ويلصق ظهرها بصدره.. ويهمس في أذنها بتصميم:

ـ اتكلمي..

أخذت تتملص منه حتى تمكنت من الابتعاد لتجلس فوق العارضة الرخامية وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها واحتضنتهما بذراعيها بشدة..

أغمضت عينيها وهي تحاول أن تخرج أفكارها إلى كلمات.. ولكنها كالعادة كانت أجبن من أن تغضبه أو تغضب منه.. فهمست أخيراً لتغير الموضوع:

ـ حلوة الشقة.. عجبتني..

قفز أرضاً ليتناول قميصه ثم ساعدها لترتديه.. وجلس بجوارها ليضمها نحوه وهو يداعب خصلاتها:

ـ عارفة كمان أظرف حاجة فيها ايه.. أنها قدام مبنى المجموعة على طول.. يعني هجيب منظار وأقعد أراقبك ليل ونهار..

هنا لم تستطع الاستمرار في التظاهر.. فغمغمت بمرارة:

ـ هو في منظار ينفع تشوفني بيه من دبي!..

أخيراً فهم السبب وراء جنون تصرفاتها..

سأل بهدوء لا يشعر به:

ـ تعرفي ايه عن موضوع دبي؟..

ـ هتسافر وتاخدها.. وتسيبني

ـ يا علياء دي فترة بسيطة.. وأنتِ عندك دراسة.. يعني مش هينفع تسافري..

قفزت إلى الأرض ولفت قميصه حولها وأخذت تجول في أنحاء المطبخ.. تريد البكاء والصراخ وإخباره أنه يعرضها لظلم شديد.. فهو سيتركها للجميع لمن يجرح, ويهاجم بل, ويتطاول..

تحرك خلفها ليضمها بقوة قبل أن تبتعد.. وهمس لها:

ـ بصي.. البداية بابا عرض عليّ العرض ده.. وكان تبريره أني أسيب لك الوقت والمساحة أنك تقرري وكنت بفكر فعلاً أوافق على العرض.. بس النهارده اتأكدت أنه صعب..

همست وقد استكانت على صدره:

ـ صعب!.. بس صعب؟..

ـ وظلم.. ظلم ليكي وليّ..

سألته بتوتر:

ـ وبعدين؟ ايه الحل؟..

ـ الحل هو الطيارة.. أومال الطيارة اخترعوها ليه.. باقي أني أحاول توزيع وقتي..

لفت لتواجهه وسألته باتهام:

ـ أنت اخترعت الكلام ده كله دلوقتِ صح؟

أومأ موافقاً:

ـ ايوه.. بس ده مش كلام.. ده قرار..

كتفت ذراعيها:

ـ وليه القرار ده؟

ضمها إليه وهو يبتسم بخبث:

ـ عجبتني النومة على الرخامة قوي!..

اتسعت عيناها ذهولاً وهو يرفعها مرة أخرى ليثبت لها كلماته!!.. وأيقنت أن لحظات جنونه لم تنتهي لذلك اليوم…

*********

تمدد مازن على الأريكة الوثيرة ملقياً برأسه في حضن دنيا التي كانت تضع بين شفتيه إحدى حبات العنب بعد أن خلصتها من قشرتها الرقيقة كما يفضل تناوله.. كانت تتبع كل حبة بقبلة خفيفة على شفتيه.. مع ابتسامة ناعمة على شفتيها.. وأناملها تتسلل باغواء لتداعب ما ظهر من بشرة صدره..

همست في أذنه:

ـ أنت مش معايا خالص..

داعبت أنفه بأنفها الصغير لتعاود الهمس:

ـ ايه اللي شاغل بالك؟..

عدل من وضع رأسه على ركبتيها.. ومد يده ليتمسك بيدها التي تداعبه بلا توقف, بل أنه ساعدها لتفتح بعض أزرار قميصه.. وتركها للتجول بأناملها كما تشاء.. وهو يرد عليها:

ـ حاتم بيه بيضغط على حسن قوي.. الموضوع تخطى خوف أب على ابنه..

أكملت هي:

ـ وصلوا لمرحلة العند لمجرد العند, صح؟.

ـ اممم..

أطعمته حبة عنب أخرى.. وعادت تسأله:

ـ وأنت ناوي تعمل ايه؟..

مد يده ليجذب رأسها مطالباً بقبلته.. فمنحتها له بسخاء.. وسمعته يجيبها:

ـ حسن مكتفني ومانعني اتدخل نهائي.. ومن جهة تانية مراقبة بابا لحسابي في البنك وأي مصاريف مقيداني تماماً..

كانت أناملها تتداعب صدره بلا هوادة.. وهو عدل من وضع جسده ليرفع رأسه قليلاً ويحيط خصرها بإحدى ذراعيه, فعلمت أنه على وشك حملها إلى غرفتهما.. فسارعت بالقول:

ـ مازن.. أنا تحت أمرك.. و..

قاطعها قبل أن تكمل:
ـ دنيا.. ما تفتحيش موضوع أنتِ عارفة ردي عليه كويس.. مش هيحصل أبداً أني أمد إيدي على فلوسك..

هبطت برأسها لتمنحه قبلة رقيقة تمتص غضبه بسرعة وفاعلية تامة.. وتهمس:

ـ متفقين يا حبي.. بس عندي فكرة.. ممكن تسمعها؟..

كان قد رفع رأسه ليضعه على حاجز الأريكة ومد يده الحرة ليفتح أزرار الفستان الخفيف الذي ترتديه دنيا.. وبينما بدأ جولة عابثة بأنامله.. سألها وقد بدأ تركيزه في الاضمحلال:

ـ امممم… فكرة ايه؟..

عنبة مقشرة أخرى.. تليها القبلة التي لا يتنازل عنها… ثم أخبرته:

ـ هي فكرة ملتوية شوية.. أنا هزود على فاتورة فستان نيرة.. مبلغ معين.. المبلغ اللي أنت تحدده.. وتعطيه لحسن أخوك.. ويبقى كده حلينا المشكلة.. ولو مؤقتاً.. ايه رأيك؟..

لف جسده بالكامل نحوها.. ليتمكن من ضمها كما يريد وقد تحركت أنامله العابثة من فتحة صدرها لتتسلل إلى عنقها ثم إلى خصلاتها السوداء.. فيبعثرها بعبث ليجذب رأسها في قبلة طويلة وهو يهمس أمام شفتيها:

ـ رأيي أنها فعلاً فكرة ملتوية.. بس حاتم بيه مش هينفع معاه غير كده.. نفذي يا ملاكي..

أطلقت ضحكة ناعمة وهي تراوغ شفتيه وتمنحه إحدى حبات العنب بدلاً من القبلة التي يبحث عنها.. فالكلام مازال له بقية.. رفع نظره مبتسماً بمكر:

ـ بعدين هتعود على الدلع ده!..

ضحكت برقة وقد عادت تمرر أناملها برشاقة بين طيتي قميصه المفتوحتين:

ـ هو أنت لسه ما اتعودتش.. أنا شكلي بوظتك.. ونيرة الغلبانة مش هتقدر عليك.. في حد بياكل العنب مقشر!..

ابتسم بسخرية عندما سمعها تلقب نيرة بـ “الغلبانة”.. وقبل أن يرد عليها سمعها تقول بضحكة مكتومة:

ـ بمناسبة نيرة.. أنا قلت لك قبل كده أني مش هتكلم على تفاصيل فستانها.. بس.. بس.. في معلومة صغيرة.. بيتهيألي لازم تعرفها..

رفع رأسه وهو ينظر لها بتوجس:

ـ أكيد الفستان مفتوح من كل حتة..

ابتسمت بغموض:

ـ المعلومة مش على الموديل.. عن اللون!

ردد بغباء:

ـ اللون.. ما هو أكيد أبيض.. فستان فرح هيكون لونه…

قطع كلماته ونظرة شقية تتألق في عينيها.. بينما قفز هو هاتفاً:

ـ أحمر.. هتفصل فستان أحمر صح؟..

أطلقت دنيا ضحكة أنثوية عالية لو كان سمعها مازن في وقت آخر لكان سحبها على غرفة النوم مباشرة ولكنه تلك المرة قفز يبحث عن هاتفه ليتصل بنيرة ويختفي في إحدى الغرف.. بينما تلاحقه ضحكات دنيا العذبة التي خفتت قليلاً لتتحول إلى ابتسامة شاردة وهي تتخيل كلامه مع نيرة الآن..

قد يكون من الطبيعي أن تشعر بالغيرة من نيرة.. المرأة التي ستشاركها رجلها قريباً.. ولكنها لا تفعل.. كيف تغضب من حبه لها؟!.. وذلك ما جذبها له من البداية.. ومن غيرها هي.. دنيا.. يدرك عذاب عشق بلا أمل.. أو مستقبل.. عشق يطحن صاحبه.. ويستهلكه.. يقتات على نبضات القلب حتى يكاد يوقفه.. رحمةً بالعاشق من عذابه.. عشق عاشت مثيله, بل أقوى مع سامر..

سامر.. حركت شفتيها باسمه.. لتشعر بمرارة ذكرياتها تجري بها مجرى الدم..

سامر.. جارها.. رفيق طفولتها.. توأم روحها.. كانت قصتهما أبسط من البساطة.. قصة تقليدية يتعثر بها الجميع يومياً.. فلا تلفت انتباه أحد..

الجار الوسيم.. وجارته الصبية الرقيقة ذات الجدائل.. وخطبة غير رسمية.. فالفتاة لم تكمل عامها الخامس عشر.. ولكن فتاها متعجل.. يريد الاطمئنان أن رقيقته.. ستكون له..

ولكن ما حدث لم يتوقعه الشاب.. فقد دار الزمن دورته.. والصبية الرقيقة.. تحولت لأنثى متفجرة.. خطفت أبصار الرجال قبل الشباب في حيهم البسيط.. بل وخارج الحي أيضاً.. وهي كانت سعيدة.. وكيف لا؟!.. وهي تشعر بتفتح أنوثتها.. بالقوة التي منحتها اياها تلك الأنوثة.. سطوة الجمال لا يُعلى عليها.. وإن اقترن بذكائها فهو خلطة مبهرة.. مدمرة.. مخيفة.. وسكن الخوف قلب سامر.. ليزيح الحب شيئاً فشيء.. زاد تحكمه.. كثرت أوامره.. تعالى صوته.. وهي بذكاء الأنثى الفطري استشعرت خوفه.. فارتعبت خوفاً من فقده.. حبيب العمر.. كيف يفكر أنها تنظر لرجل آخر؟.. أنها فقط تستعذب تغزل الآخرين بجمالها.. بفتنتها الوليدة.. لكنه هو.. رجلها الأوحد.. لا ترى آخر ولا تريد غيره هو.. وهو لا يهدأ.. يصرخ.. فتصمت.. يأمر فتطيع.. يتحكم.. فتخضع.. ولكن قلبه لا يرتاح.. عقله تق,تله الهواجس.. وهي تزداد فتنة.. أنوثتها قاتلة.. وخضوعها له جرأه.. ليمد يده.. ليس مغازلاً.. كلا.. بل متعدي.. ضر.بها.. صفعها..

وهي ثارت ثائرتها.. برز جموحها وفقد سيطرته عليها..

خرجت من شرنقة أحكامه وأوامره.. ليعاقبها بارتباطه بفتاة باهتة.. ولكنها مطيعة عن حق.. خانعة بالطبيعة وليس التطبع..

ق,تلها بكلمته ليلة زفافه..

“أنتِ ما تنفعيش للجواز.. هتتتسببي في جنون أي راجل تكوني ملكه”..

تزوج هو.. تزوج من تريح باله ولا يقلق على ثبات عقله معها.. وانطلقت دنيا.. حاولت التحرر من حبه.. لم تفلح.. فتحررت من روابطها.. وقيودها.. اقتحمت سوق العمل.. ولم يكن أي عمل.. عملت بالإعلان.. فتاة اعلانات.. عارضة.. أو كما يدعونهن.. موديل..

نجحت.. تلألأت.. ظهر وجهها على صفحات المجلات.. نالت بعض الشهرة.. سعت بكل جهدها لتقهر حبها له.. لتتناسى ضعفها نحوه.. تضحياتها التي كادت أن تشمل كل شيء.. ولم يرض.. ولم تنسَ..

ليظهر هو.. سامر..

عاد مطالباً بها.. يذكرها.. بالعشق القديم.. بعهود الهوى.. وكأنها نسيت!.. وكأنها لم تنتظر عودته نادماً.. في كل لحظة.. في كل نجاح تحققه.. كل خطوة تخطوها نحو الشهرة.. كانت تفعلها من أجله.. لتريه أنها لم ولن تتحطم.. وهو جاء أخيراً.. ليعلن استسلامه.. كلا.. ليطالبها هي مرة أخرى بالخضوع.. لتطاوع هواه.. بلا قيود.. بلا روابط أو مسميات.. طالب بها كعشيقة.. وصرخت هي..

“مش ممكن أكون عشيقة باسم الحب”..

طردته.. وتزوجت.. لم تهتم بمن يكون.. فقط.. سيصل بها لأحلامها..

فقد اعتزلت الغرام…

يصدح نجمها في عالم تصميم الأزياء.. وأموال زوجها تمنحها الحماية.. تفتح الأبواب الموصدة.. وتزداد الشهرة.. ويموت الزوج… لتزداد الثروة.. ومعها الطموح..

دار أزياء راقية.. فرع هنا.. وفرع هناك.. ويتألق اسمها.. وتتسع أعمالها.. حتى التقت به.. لم تتوقع أن تقابل من يقهر صدفة تقوقعها.. من يصل إلى الأنثى المتعطشة بداخلها.. من يقتحم أسوار امرأة الأعمال البارزة.. وسيدة التصميم الأولى كما تطلق عليها الصحف..

مازن.. ذلك الشاب المتقد ذكاء ورجولة.. هو المهندس المسئول عن مجمع الأزياء الذي تنوي انشائه.. وشعرت بالضعف.. ضعف لم يصادفها منذ سامر.. ليس حباً.. فحبها لسامر.. فقط.. حتى لو لوثه.. لكنها تمنح قلبها مرة واحدة.. وهي منحته لسامر ولم تسترده أبداً.. لكن مازن يدغدغ أنوثتها.. يجعلها تتفتح بنظرة شقية من عينيه.. ابتسامة هادئة كسولة تسبب لها عقدة في معدتها.. لا حل لها.. احتياج.. لم تعرفه من قبل..

ولكن كيف؟.. أنه يصغرها بتسع أعوام.. كلا.. لم يعجبها وقع العبارة.. هي تكبره.. كلا.. جملة سيئة أخرى.. بينهما تسعة أعوام.. فارق من العمر وليس في صالحها.. وهو عاشق ولكن ليس لها.. اعترف بها.. فقد تعمقت علاقتهما.. ولم تستطع الابتعاد.. وسمته صديق.. وصديقها عاشق.. وهب قلبه لمن ليست له..

باحت له بسرها.. أخبرته عن معشوقها الذي شوه العشق ولوثه خوفاً من جموح معشوقته..

جموح لم يخشه مازن بل اقتحمه.. وفاجئها بعرض زواج..

تجمدت.. صعقت ورددت:

ـ ليه؟..

ببساطة وقحة أجاب:

ـ أنا عايز أكون معاكِ.. ومتأكد أن دي رغبتك برضوه.. واحنا الاتنين أرقى من أي علاقة بره الجواز..

رفضت.. ليس لأن الزواج سري.. فيكفيها أنه لم يطلبها لفراشه.. باسم الحب.. كما فعل سامر.. فرق السنوات كان سبب الرفض السري بداخلها.. ولم يخضع مازن لرفضها.. ليفاجئها باصطحابها ذات ليلة.. إلى أحد المحاميين.. وهناك كان يزيد صديقه الأقرب.. وأحد شهود زواجها..

عامين مرا على معرفتها به.. وعام ونصف على زواجهما.. وكلاهما يحافظ على الاتفاق.. يلتقيان عندما يريدا.. يحتاجا التواجد معاً.. وليس بالضرورة احتياج جسدي مع أنه أساس الاتفاق.. فقط.. يمنحان الراحة لبعضهما..

“صديق ذو فائدة”..

” هكذا يطلقون على علاقتهما.. Friends with benefits”

وهكذا سيبقيان.. لا مجال للمشاعر.. لا ذكر للعشق.. فقط حاجة.. رغبة.. أو شهوة.. ولكنها.. لم تستسلم لها باسم الحب..

عاد صوت صراخ مازن على نيرة ليجذبها من شريط ذكرياتها.. فتسمعه يهتف بغضب:

ـ يا ستي أنا راجل تقليدي.. وعايز أشوف عروستي بفستان أبيض وطرحة.. صمت قليلاً وهو يذرع الأرض أمامها جيئة وذهاب.. مستمعاً إلى نيرة.. فيقطب حاجبيه بشدة.. ثم يرد صارخاً بجنون:

ـ والله يا نيرة لو عملتِ فستان فرحك أحمر لآجي لك لابس بدلة فوشيا!..

وأغلق الهاتف بغضب ليرميه بعيداً.. بينما تعالت ضحكات دنيا المغوية.. ليجذبها إلى غرفة النوم.. ولم تنسَ اصطحاب.. حبات العنب معها.. فهو يحبها.. مقشرة.. ناعمة.. ومليئة بالاغراء..

*************

رمقت منى حسن وقد تعلق على سلم خشبي متحرك وهو ينهي طلاء آخر بقعة بسقف الغرفة.. التي قررا الانتقال لها.. تلك الغرفة التي رفضها حسن سابقاً, ولكنه لم يجد بُداً من القبول بها الآن.. خاصة مع تغير أحوالهما..

عادت منى بذاكرتها إلى عشرة أيام أو أكثر مضت.. عندما ألقى حسن على مسامعها تلك الجملة التي زلزلت كيانها.. وكادت أن توقف قلبها هلعاً..

“أنا عايز أقولك على حاجة.. قرار أخدته.. وبتمنى تساعدني فيه.. ويا ريت اللي هعمله ده ما ينزلنيش من نظرك”..

الجملة تتردد في عقلها.. ومعها عشرات التفسيرات.. وكلها تنتهي بالتنازل.. بالفراق..

ابتلعت ريقها في توتر وهي تسأله بتردد:

ـ قرار ايه يا حسن؟.. خليك صريح.. أنت مش محتاج للمقدمات دي معايا..

أغمض عينيه بألم شديد:

ـ آسف يا منى.. استحمليني شوية.. اللي هكلمك فيه مش سهل عليّ..

سكت قليلاً ليلمح وجهها وقد شحب تماماً.. فشهق بعنف وقد استوعب ما فهمته من كلماته:

ـ منى.. أنتِ متخيلة أني هتخلى عنك.. أو هطلب الفراق مثلاً.. معقولة تكوني مش عارفاني للدرجة دي!..

أخذت منى نفساً عميقاً وأغرورقت عيناها بالدموع وهمست:

ـ حسن.. من غير مقدمات الله يخليك..

تحرك حسن ورفعها من على مقعدها ليضمها إلى صدره بقوة:

ـ والله ما أقدر أبعد عنك.. معقولة تكوني مش حاسة باللي جوايا ناحيتك.. إذا كنت ما قدرتش أعملها واحنا لسه على البر.. يبقى هعملها بعد ما قربت منك وعرفتك أكتر وأكتر.. معقولة أقدر أفتح عينيه وما لاقيش أحلى عيون كحيلة بتضحك في وشي..

ابتسمت وسط دموعها:
ـ أنت كده بتقلقني أكتر يا حسن.. لأن معنى كلامك أنك ناوي تضحي بزيادة.. وتتنازل أكتر..

أبعد رأسها عن صدره ليرفع ذقنها بسبابته وإبهامه ويتأمل عينيها:

ـ أنتِ فاهماني كده ازاي؟..

رفعت راحتيها لتحيط بهما وجهه:

ـ لأنه أنت أنا..

اتكأ بجبهته فوق جبهتها وهو يحرك رأسه قليلاً:

ـ حبيبتي… أنا ممكن أبيع عمري مش بس شهادة الهندسة عشان تكوني ملكي للأبد وقدام الناس كلها.. مراتي.. وحبيبتي.. وأم ولادي كمان..

أسكرتها حلاوة كلماته فسكنت بين أحضانه للحظات.. حتى تغلغلت معاني كلماته بين خلايا عقلها.. فأبعدت نفسها قليلاً لتسأله:

ـ يعني ايه يا حسن؟.. يعني ايه تبيع شهادة الهندسة؟.. ايه معنى الكلام ده؟..

جذبها من يدها ليعاود الجلوس على الأريكة وهي بجانبه ويخبرها ببطء ووضوح:

ـ هو ده القرار اللي عايزك تسانديني فيه.. أنا خلاص قررت أني أنسى مؤقتاً.. لقب مهندس..

حاولت منى مقاطعته إلا أنه أوقفها ليكمل:

ـ سيبيني أتكلم يا منى.. بصي.. من صغرنا وبابــ.. أقصد حاتم بيه.. بيُصر أننا نبدأ من الصفر.. يعني مع البنايين والعمال عشان نفهم ونستوعب الشغل.. وما حدش يقدر يخدعنا أو يستغفلنا.. اشتغلنا كل حاجة.. نجارة.. سباكة.. كهربا.. محارة.. نقاشة.. كل ما يتعلق بالبنا والمقاولات.. موجود كله جوه خلايا مخي..

رمقته منى في صمت ولم تعلق.. فأكمل بمزاح ساخر:

ـ محسوبك أحسن أسطى نقاش عرفته مجموعة العدوي..

توسعت عينا منى وقد فهمت ما يرمي إليه حسن:

ـ حسن.. أنت تقصد.. قصدك.. أنك..

أومأ حسن موافقاً:

ـ أيوه يا منى.. يا ترى نظرتك لحسن هتتغير لو طلق شهادة الهندسة دي.. واتحول ولو مؤقتاً.. للأسطى حسن؟..

وضعت وجهها بين كفيها وهي تحركه يميناً ويساراً:

ـ لا يا حسن.. أنا ما اقبلش.. مش ممكن أوافق أنك تقدم التضحية الكبيرة دي.. ولو حتى عشاني..

رفع وجهها ثانية ليهمس لها:

ـ فين التضحية دي.. أنا بآخد خطوة لمستقبلنا.. يمكن مش لقدام.. أو مش هنتقدم بيها كتير.. يعني هنبدأ من الصفر..

ابتسم بهدوء حتى يطمئن القلق المرتسم في عينيها:

ـ أو يعني قبل الصفر بشوية.. بس هنخرج من حصار حاتم بيه..

عادت منى تهز رأسها برفض تام للفكرة:

ـ لا يا حسن.. كده كتير.. كتير قوي.. أنت رفضت أوضة السطوح.. دلوقتِ عايز.. عايز تشتغل نقاش!

ابتسم حسن بمرارة لم يستطع اخفائها:

ـ يمكن قبل كده فكرت أن فكرة سكننا فوق السطوح تضحية كبيرة مني.. مش هكدب عليكِ يا منى.. وأنتِ بنفسك وصلك الإحساس ده.. لكن لحظة.. ما كان الاختيار بينك وبين مستوى ومظهر اجتماعي مالوش عندي ريحة اللازمة.. ما اترددتش لحظة..

سألت باستفهام:

ـ يعني في اختيار اهوه.. أرجوك يــ…

وضع أنامله على شفتيها يمنعها عن الكلام:

ـ صدقيني.. أي اختيار ما يكونش ليكي الأولوية فيه.. مش حل بالنسبة لي..

ابتعدت منى عنه وأولته ظهرها لتحاول تكوين جملة تعرف أنها ستق,تلهما معاً:

ـ حسن.. رجعني بيت أبويا.. وكل..

لفها نحوه بقوة يقطع كلماتها القاتلة بقبلة عاشق وهمس أمام شفتيها:

ـ لو تقدري تقوليها.. أنا ما اقدرش أسمعها.. أنا محتاجك يا منى.. حسن هيتولد على أيديكِ من جديد.. وأنا محتاج قوي اتولد من تاني.. مش هقدر اقتحم الحياة الجديدة دي إلا معاكِ..

في لحظة تذكر تجبر والده عليه.. وهو يطلب منه طلاق منى.. فمثلها تتخذ عشيقة وليست زوجة.. على حد قول حاتم بيه.. تلك النار التي مرت في شرايينه.. أحرقت كل احترام كان يكنه لوالده.. وأشعلت بلهيبها التحدي بحبه لمنى.. ورغبته أن تكون.. له.. حلاله.. في النور.. وأمام الجميع..

عاد ليضغط بجبهته فوق جبهتها:

ـ المشوار صعب.. ومحتاج لك يا منى.. لأنه في طلب تاني.. طلب يخصك..

عادت لتبتعد قليلاً إلا أنه لم يسمح لها فظلت بين دائرة ذراعيه.. لتسمعه يهمس:

ـ ممكن تقدمي طلب اعتذار عن السنة دي.. أو حتى التيرم الأول.. أنا.. الظروف في الأول مش هكون ضامن قوي أني..

قاطعته قبل أن يكمل.. وحتى ترفع عنه الحرج:

ـ ده أنا كنت ناوية أعمله من غير ما تطلب.. كنت عايزة اتفرغ لحياتي كزوجة شوية.. يعني لحد ما اتعود..

عاد ليريح جبهته فوق جبهتها ليتأمل ملامحها ويسألها بخوف ممزوج بأمل:

ـ وموضوعنا الأساسي.. رأيك ايه؟..

رفعت ذراعيها لتتعلق بعنقه وقد جرت دموعها على وجنتيها بلا توقف.. كم تريد الاستجابة لنداء استغاثته.. وكم تخشى موافقته على تلك الخطوة.. تخشى عودة حسن المدلل مرة أخرى.. فعودته ستلقي على كاهلها وهي فقط ذنب تحول حسن.. البشمهندس حسن العدوي ليصبح.. مجرد عامل نقاشة.. ووقتها سيكون حبه لها تبخر بفعل نار الواقع وهو لن يغفر.. ولن يرحم..

يا الله.. ما هو الصواب وما الخطأ؟.. أأبتعد واتركه لحياته المرفهة أو أمد يدي إليه فيولد بين يدي.. حسن جديد كما يقول هو.. ليس عاشقاً فقط.. بل قادراً على حماية معشوقته..

شعرت بيديه تضمها إليه اكثر وهو يطالبها باجابة على سؤاله المنطوق ومؤازرة لقراره المغامر.. للحظة واحدة غاب عقلها.. واختفى منطقها.. لينتصر القلب الذي استجاب لنداء معشوقه.. فضمت نفسها نحوه.. وهي تفتعل ابتسامة باهتة:

ـ لازم اختبر مهاراتك.. في فن النقاشة بنفسي.. الأوضة هتحتاج توضيب ودهان.. وأنا هكون بليه بتاعك.. ايه رأيك بقى؟..

بادلها الابتسام فأردفت هي:

ـ يعني عايز تتعلم حاجة وأنا ما اكونش عارفاها.. ما فيش أسرار بينا يا بيه.. وهساعدك يعني هساعدك..

اتسعت ابتسامته لتصبح واحدة حقيقية بالفعل والتفت ليتناول كوب عصير الفراولة ويضعه في يدها:

ـ أنا موافق بس بشرط.. تقولي لي بقى رأيك في كوباية العصير المحترمة دي..

تناولت منى رشفة واحدة من العصير لتتسع عيناها قليلاً.. وهي تحاول ابتلاعه على مضض.. بينما حسن يصر عليها أن تتناوله عن آخره..

ابتلعت ما في فمها وهي تكمل باقي الكوب وترمق حسن من خلف حافته راجية الله أن تكون مهارته في النقاشة أفضل من صنع العصير.. فهو أغرق العصير بالملح بدلاً من السكر.. ولكنها تناولته كله وهي تبدي استمتاعها بمذاقه الرائع.. فإذا كان هو سيتخلى عن حياة كاملة من أجلها ألا تضحي هي بابتلاع فراولة بالملح!…

عادت إلى واقعها الآن لترمق زوجها وهو ينهي آخر بقعة من سقف الحجرة في مهارة لم تكن تعتقد أنه يمتلكها ولكنه أثبت لها الأسبوع الماضي أنها كانت على خطأ في اعتقادها.. فقد استطاع تحويل غرفة السطح ببضع لمسات فنية من فرشاة الطلاء خاصته إلى منعزل هادئ خاص بهما فقط.. عش رقيق ليحافظ على حبهما.. منحه حسن لمسة رقي خاصة به لتكمل منى بوضع لمساتها الدافئة والحميمة.. فأصبح لديهما شقة تتكون من غرفة نوم واحدة ومطبخ وحمام.. وغرفة تصلح للمعيشة أو تناول الطعام وحتى لاستقبال الضيوف.. وامتلأ البيت الصغير بعدة قطع متنافرة من الأثاث.. جمعتها منى من حيث لا يدري ولكنها بلمسات بسيطة منها.. مفرش هنا.. ووسادة صغيرة هناك.. بساط ذو ألوان غير معلومة.. لوحة عجيبة لفنان أعجب.. لكنها منحت الغرفة لقب مسكن.. بل أن لمساتها امتدت لتحول السطح خارج الغرفة إلى حديقة صغيرة.. تشبه تلك التي أعجبتها بشاليه يزيد بالمعمورة.. وأخيراً ضمهما عش كما تمنيا طويلاً..

بالفعل هو عش.. ضيق للغاية ولكنه أيضاً يموج بالعشق الصافي والتضحية المتبادلة..

وقفا ينظرا إلى صنع أيديهما بفخر شديد ومد حسن ذراعه لها فدست منى نفسها تحته على الفور لتلتصق به وترفع له وجه يعبر عن حب صافٍ:

ـ مبروك علينا شقتنا يا حسن..

همس في أذنها:

ـ أسطى حسن!..

*************

رمق مازن عروسه وهي تتهادى فوق الرواق الطويل الخاص بالفندق الذي سيقام بها زفافهما.. وبالطبع كان نفس الفندق الذي شهد خزيها على يد حسن.. ورغم غضب مازن من طلبها ذاك في البداية إلا أنه أدرك أهميته لتسترد كرامتها وكبريائها أمام أصدقائها ومعارفها.. لذا نفذ طلبها بدون نقاش لرغبته أيضاً في وأد أي شائعات أو أقاويل في مهدها.. وقبل أن تؤثر على حياتهما معاً..

أخذ يتأملها تقترب رويداً.. رويدا.. عيناه تعلقت بعينيها وكأنها يطالبها بالتقدم وعدم الالتفات لأي همس يجري من حولها.. اقتربت قليلاً عندها بدأ يلحظ تفاصيل الثوب..

مبهرة.. أقل ما يمكن أن يقال عنها اليوم.. أبدعت دنيا بالفعل في تصميم ثوبها.. وكأنها هديتها له.. فقد تحولت به نيرة إلى حورية خيالية طالما داعبت أحلامه.. همس في نفسه..

“فهماني يا دنيا.. فهماني قوي”..

كان الثوب عاري الصدر والظهر والكتفين.. يتمسك قسمه الأعلى بصدرها وقد تراصت حبات عديدة من الألماس حتى بدا وكأن ضوء النهار سيسطع منه وامتدت تلك الحبات المتراصة بشكل مثلث لتلتقي بقسمه السفلي الذي يتكون من طبقات لا نهائية من التول الخفيف وقد تناثرت قطع الألماس بعشوائية مبهجة ثم عادت لتنتظم بشكل وريدات عديدة تمركزت فوق قطع من الدانتيل وتركزت على ذيل الفستان حيث امتدت فروعها للتشابك معاً مكونة شبكة مذهلة من الدانتيل والتول والألماس.. وأكملت الطرحة مظهرها الخرافي.. حيث تعلقت في شعرها الذي جمعت بعض خصلاته وتركت المعظم حراً.. وامتد طول الطرحة ليصل إلى طول الفستان الذي امتد خلفها عدة أمتار..

أجبر نفسه على الخروج من حالة السحر وحرك قدميه حتى يلاقيها.. ويتسلم تلك الأميرة الخرافية من والدها.. وسمعه من بعيد يوصيه عليها.. لم يكن يرى غيرها.. أو يسمع سوى صوت أنفاسها.. ولم يشعر بنفسه إلا وقد اقترب منها للغاية.. ليقبلها.. ولكن ليس فوق جبهتها كما هو معتاد, بل على شفتيها.. ولم يبتعد إلا بعد أن تحولت الهمهمات المذهولة إلى صيحات تعجب واستنكار.. حينها رفع شفتيه ليغمز بعينه هامساً بشقاوة:

ـ عشان اللي فاتته البوسة الأولانية.. يلحق يتفرج على التانية!

احمرت وجنتاها بفتنة وكادت أن تنهره بعبارة مستفزة.. ولكنها توقفت عندما لمحت نظرات الحضور البراقة وكأنها تحسدها على عريسها المتيم… وسمعت بضعة آهات من مجموعة من الفتيات إعجاباً بحركة مازن الجريئة… فابتسمت ابتسامة خبيثة تحولت في لحظة إلى ابتسامة خجولة وهي تخفض عينيها أرضاً في حياء تاركة مازن يتأبط ذراعها.. ليعبرا معاً باقي الممر.. ويدخلا إلى القاعة تناجي آذانهم موسيقى كلاسيكية هادئة.. وناعمة تماماً..

بعد أن استقرا في مقعديهما همس مازن في أذنها:

ـ بصراحة.. ما ينفعش أطلب تشغيل أي أغاني.. أنتِ مبهرة بصورة خيالية.. هتخلي حتى أعظم سيمفونية جنبك.. شيء باهت.. أشك أن أي حد في القاعة نزل عينه من عليكِ..

سكت لحظة وهو يتأمل إشراقة وجهها لمغازلته الخفيفة ثم بنبرة مختلفة:

ـ صحيح.. هو الفستان ده مالوش حاجة تغطيه؟..

هتفت بنزق:

ـ مازن!..

ضحك بشقاوة فهو كان يشاكسها فحسب وأمسك اناملها ورفعها إلى شفتيه ليقبلها برقة.. ثم ساعدها لتنهض.. هامساً مرة أخرى:

ـ الأغنية دي بس استثناء..

وعلى الفور تصاعدت موسيقى..

“Everytime we touch”

I still hear your voice, when you sleep next to me.
I still feel your touch in my dream.
Forgive me my weakness, but I don’t know why
Without you it’s hard to survive.
تعلقت نيرة برقبته بينما ضمها هو لصدره بقوة.. ولفها بذراعيه.. يتحركان على أنغام الأغنية ربما.. أو أنغام أخرى خيالية يسمعها هو فقط فتدفع به إلى عنان السماء.. غاب في عينيها الزبرجدية.. فأخفضتهما أرضاً.. بخجل ربما غير مصطنع.. فهمس لها:

ـ ارفعي وشك.. عايز اشوف عيونك..

نفذت أمره بخجل وهي تغرق بدورها في عيونه البنية.. بلون حبات البن اللامعة.. وملامحه الرجولية الوسيمة.. خاصة ذقنه المنحوتة والعريضة.. وسمعته يهمس عابثاً:

ـ لو فضلتِ تبصي لي كده.. أكيد الناس مش هتتفرج على بوسه بس..

وبالفعل وبدون تصنع شهقت نيرة حرجاً وخجلاً من وقاحة كلماته.. وتورد وجهها بأكمله خجلاً من نظرة عينيه المتلألئة.. فأخفته بحرج في كتفه لتبتعد عن نظراته التي تربكها بشدة وتحاول استجماع نفسها لما هو قادم…

وفي ركن آخر بالقاعة كانت علياء تستمع إلى كلمات الاغنية.. ودموعها تسيل بلا إرادة منها.. تشتاق إليه.. وتحتاجه.. تحلم به كل ليلة.. مئات الأحلام.. تتبادل معه آلاف الحوارات.. كم ترغب في رؤيته.. في اخباره..

بقلم الكاتبة / نهى طلبة.

رواية متاهة مشاعر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *