مصطفى الجزء الأول بقلم ملك إبراهيم
الجزء الأول
الكاتبة ملك إبراهيم
مصطفى عز العرب عنده 35 سنة، من المنيا، من عيلة العزايزة اللي ماسكين نص محلات الدهب اللي في الصاغة القديمة.
أبوه الحاج عز العرب الله يرحمه سابله هو وأخوه الكبير محلين، واحد لمصطفى وواحد لأخوه محمود. مصطفى واقف في محله من وهو عنده 16 سنة، بيعرف يوزن الدهب بغمضة عين، والزباين بتحلف بأمانته. راجل هادي، كلامه قليل، ووشه سمح.
اتجوز من سنتين، جوازة كانت أمه هي اللي مرتباها. بنت من عيلة كويسة في مغاغة. أول سنة عدت عادي، مستنيين الفرج. تاني سنة بدأ الزن. “مفيش حاجة؟ روحتوا لدكتور؟”
لفوا فعلا. القاهرة، أسيوط، حتى سافر مرة اسكندرية لدكتور كبير. وفي الآخر التقرير اتحط قدامه على المكتب، أبيض وأسود.
الدكتور قالهاله من غير تزويق: “يا أستاذ مصطفى، الحالة اللي عندك اسمها انعدام شبه كامل في الحيوانات المنوية. فرص الإنجاب الطبيعي تكاد تكون صفر. الطب بيقول صعب جدا، وربك قادر على كل شيء، بس لازم تبقى عارف وفاهم.”
مصطفى خد الورق، طبقه، وحطه في جيب جلابيته. وروّح. ما قالش لحد غير مراته.
ومن اليوم ده والبيت اتقلب نار. كل خناقة، كل كلمة، بقت ترشق في الحتة دي. لحد ما في ليلة، وكانوا متخانقين على حاجة هايفة، قالتله وهي بتصرخ في وشه: “ما انت لو راجل بصحيح كان بقى عندنا عيل!”
الكلمة نزلت عليه زي مية نار. الدم طلع في راسه. بصّلها وقال: “انتي طالق. طالق بالتلاتة.”
رمى اليمين قدام أختها اللي كانت عندهم، ولمّ عبايته ونزل.
بعد الطلاق بكم يوم، الكلام كان مالي المنيا كلها. طليقته ما سكتش، لفت على الستات في السوق وفي العزا وفي الفرح، تحكي وتعيد: “ده فيه عيب، ده مش راجل، ده أنا اللي سيبته.”
في الصعيد الكلمة بتلف البلد في ساعة، وبترجع بعشر أضعافها.
مصطفى بقى يدخل محله، يلاقي الرجالة ساكتة أول ما يشوفوه، وبعدين يوطوا صوتهم. نظرة الشفقة دي كانت بتموته أكتر من أي شتيمة.
أمه، الحاجة نفيسة، ست شديدة وماسكة العيلة بإيد من حديد بعد ما الحاج مات، ندهت عليه وعلى أخوه الكبير محمود في أوضة المكتب اللي فوق محل الدهب. قفلت الباب وقالت: “البت دي هتخلي سيرة ولدي على كل لسان؟ والله ما يحصل. هتتجوز تاني يا مصطفى، الشهر الجاي، وقدام البلد كلها، عشان نخرس لسانها ولسان أهلها.”
مصطفى قال: “يا أمي، انتي عارفة اللي فيها، هظلم بنات الناس ليه؟”
أمه خبطت على المكتب بخاتمها الدهب: “ربنا هو الرزاق. وانت راجل غصب عن عين التخين فيهم. وأنا اللي هنقي لك العروسة بإيدي.”
وفعلا، أسبوعين بالظبط، رجع من المحل المغرب لقى البيت مقلوب. صواني شربات، وستات بتزغرط. أمه بتقول: “مبروك يا عريس، قرينا فاتحة عايدة بنت مرزوق.”
مصطفى اتجنن: “مين عايدة دي؟ وازاي تقروا فاتحة من ورا ضهري؟ انتوا بتبيعوا وتشتروا فيا؟”
أخوه محمود مسكه من كتفه: “اهدى يا مصطفى، البت غلبانة وبنت ناس، وأبوها راجل على قد حاله وهيوافق يستر بنته، مش هتتعبك.”
مصطفى بات ليلته على نار. الصبح راح بنفسه لبيت مرزوق، الراجل الغلبان اللي شغال أجري في أرض الناس. طلب يقعد مع البنت قبل كتب الكتاب بيومين. أبوها اتحرج، بس أمه الحاجة نفيسة كانت موصياه، فقال: “اقعد يا ولدي، حقك.”
قعدوا في المندرة، والباب موارب. دخلت عايدة مرزوق، 22 سنة، لابسة عباية كحلي قديمة ومطرزة على صدرها بإيديها. أمها ميتة وهي عندها 9 سنين، وعايشة مع مرات أبوها اللي كانت معيشاها المرار، تخدم إخواتها من أبوها وتسكت. بنت جميلة جمال هادي، عينيها واسعة وفيها حزن قديم، وإيديها خشنة من شغل البيت والغيط.
مصطفى ما عرفش يبص في عينيها أول دقيقة. وبعدين قال كل حاجة مرة واحدة، من غير ما يجملها.
“اسمعي يا بنت الناس، عشان لا أظلمك ولا تظلميني. أنا راجل متجوز ومطلق، وعندي مشكلة في الخلفة، والدكاترة قالوا صعب أخلف خالص. وطليقتي مالية البلد كلام عليا. وأهلي هما اللي خطبوكي من ورايا عشان يسكتوا الناس. أنا بقولك أهو قدام ربنا، فكري على مهلك، ولو قلتي لأ، أنا اللي هشيل الليلة كلها قدام أبوكى وأهلي، وهقول أنا اللي مش عايز. محدش هيقدر يفتح بقه معاكي بكلمة.”
كان مستني أي رد، أي صدمة.
عايدة كانت بتبص في الأرض، وصوابعها بتلعب في طرف طرحتها. وبعدين رفعت وشها وقالت بصوت واطي بس ثابت: “موافقة يا أستاذ مصطفى.”
هو اتلخبط: “يا بنتي انتي سمعتي أنا قلت ايه؟ بقولك مش هتخلفي.”
قالت: “سمعت. وأنا موافقة.”
اللي مصطفى ما يعرفوش، إن عايدة كانت بتحبه من وهي لسه في الإعدادية. كانت بتعدي من قدام محل الدهب بتاعه وهي راجعة من المدرسة، تشوفه واقف بهيبته وجلابيته النضيفة، بيضحك مع الزباين بأدب. لما اتجوز الأولى، هي قفلت على نفسها أوضتها يومين، ومرات أبوها ضربتها عشان “بتتدلع على إيه”. لما الحاجة نفيسة بعتت الستات تطلب إيديها، أبوها كان هيطير من الفرحة عشان هيخلص من بُقها، ومرات أبوها زغرطت عشان أخيرا هتخلص منها. وعايدة؟ عايدة ما فكرتش ثانية واحدة. موضوع الخلفة ده آخر حاجة جت في بالها. بالنسبة لواحدة عاشت عمرها كله بتتمنى باب يخرجها من البيت ده، مصطفى كان هو الباب والبيت والدنيا كلها. كان كفاية، وزيادة.
قالتله وهي بتحاول تداري رعشة صوتها: “العيال رزق من ربنا يا أستاذ مصطفى، بيجي وقت ما ربنا يريد. وأنا راضية برزقي.”
مصطفى قام وقف، وقال قبل ما يمشي: “كتب الكتاب الخميس الجاي، بعد صلاة العشا في جامع العزايزة. لو غيرتي رأيك لحد قبلها بدقيقة، ابعتيلي أي عيل صغير على المحل.”
عايدة هزت راسها، وهي ماسكة دموعها بالعافية.
يوم الخميس، جامع العزايزة كان مليان على آخره. تجار الدهب كلهم، وكبرات البلد، جايين يتفرجوا. الحاجة نفيسة كانت لابسة دهب يوزن كيلو، وقاعدة في الصف الأول للستات، بتبص لطليقة ابنها اللي قاعدة في آخر الجامع كأنها بتقولها “شوفتي؟”
المأذون قال: “على سنة الله ورسوله.”
مصطفى قال: “قبلت.”
وعايدة، بصوت مسموع المرة دي، قالت: “قبلت.”
وبكده، عايدة مرزوق بقت مرات مصطفى عز العرب، قدام البلد كلها.
—
الشقة كانت فوق محل الدهب على طول. شقة عرسان متوضبة على سنجة عشرة، الحاجة نفيسة فرشاها كلها جديد، من النجف الكريستال للستاير القطيفة التقيلة. ريحة البخور كانت مالية الصالة، وطبلة الزفة لسه صوتها بيرن في ودانهم تحت في الشارع.
مصطفى فتح باب الشقة بمفتاحه، ودخل الأول، وبعده عايدة بفستانها الأبيض البسيط اللي الحاجة نفيسة هي اللي اختارتهولها. قفل الباب وراه بالمفتاح، ووقف في نص الصالة، مش عارف يعمل ايه.
عايدة كانت واقفة جنب الباب، ماسكة طرف فستانها، وبتبص في الأرض. وشها أحمر من الكسوف، ومن تعب اليوم كله.
مصطفى فضل واقف مكانه دقيقة كاملة ساكت، وبعدين اتكلم بصوت واطي ومبحوح: “مبروك يا عايدة.”
قالت وهي لسه باصة في الأرض: “الله يبارك فيك.”
سكت تاني. كان باين عليه التردد، كأنه شايل جبل فوق كتافه. قرب خطوة، وبعدين رجع تاني.
قالها: “ادخلي غيري هدومك، خدي راحتك. الحمام أول أوضة على اليمين.”
عايدة هزت راسها ودخلت أوضة النوم تشوف هتغير فين. أول ما الباب اتقفل وراها، مصطفى راح قعد على الكنبة في الصالة، وفتح التليفزيون على أي قناة وخلاص، وطى صوته على الآخر. قلع الجاكتة بتاعة البدلة ورماها جنبه، وقعد ماسك راسه بإيديه.
بعد تقريبا نص ساعة، باب الأوضة اتفتح. عايدة خرجت لابسة عباية بيتي زرقا بسيطة، وشعرها ملموم، ووشها مغسول من المكياج. كانت أجمل بكتير من وهي بالفستان والمكياج. جمالها كان هادي، مريح.
قعدت على طرف الكنبة اللي قصاده، وسكتت مستنياه يتكلم.
مصطفى بصّلها، وبعدين بص قدامه على التليفزيون تاني. خد نفس طويل وقال، والمرة دي بنبرة حادة، بيحاول يبقى ناشف عشان ما يضعفش: “بصي يا بنت الناس، الكلام اللي قلتهولك في بيت أبوكي، هعيده تاني هنا، عشان نبقى على نور من أول ليلة.”
عايدة بصتله بهدوء: “سامعاك.”
“أنا مش هقرب منك. انتي لسه صغيرة، وجميلة، ومن حقك تبقي أم وتشيلي عيل على إيدك. أنا مش هظلمك معايا وأربطك بواحد عارف إنه مش هيجيب عيال. اللي بيني وبينك قدام أهلي وأهلك، احنا متجوزين ومبسوطين. إنما هنا، بيني وبينك في الشقة دي، كل واحد فينا هينام في أوضة. الأوضة الكبيرة ليكي، أنا هنام في الأوضة الصغيرة اللي جنب المكتب.”
عايدة ما اتخضتش، ولا عيطت. فضلت باصة له بنفس الهدوء.
كمّل كلامه وهو بيحاول يخلي صوته جامد: “هنقعد كام شهر كده، قدام الناس متجوزين، وبعدها هطلقك بالمعروف، وتاخدي كل حقوقك وزيادة. وتشوفي نصيبك مع حد تاني، حد يقدر يديكي اللي أنا مش هقدر أديهولك. أنا مش عايز أشيل ذنبك قدام ربنا.”
خلص كلامه وسكت، مستني منها تنفجر فيه، أو تعيط، أو تقوله انت بتقول ايه.
عايدة هزت راسها بالموافقة، وابتسمت ابتسامة صغيرة هادية. ابتسامة فيها فهم، مش كسر.
قالت: “حاضر يا مصطفى. اللي تشوفه. أنا هعمل كل اللي انت عايزه.”
استغرب من هدوئها. مراته الأولى كانت لو قالها كلمة زي دي كانت قلبت الدنيا.
عايدة قامت وقفت، وقالت بنفس الرقة: “بس ممكن أطلب منك طلب صغير؟”
قال: “قولي.”
قالت: “خليني أجهزلك لقمة ناكلها سوا. دي أول ليلة لينا في بيتنا، حتى لو… حتى لو زي ما انت بتقول. ناكل لقمة مع بعض، وبعدها كل واحد يدخل أوضته. ينفع؟”
مصطفى بصّلها ومش لاقي رد. البساطة بتاعتها لخبطته.
قامت دخلت المطبخ، فتحت التلاجة اللي الحاجة نفيسة مالياها أكل يكفي شهر. في عشر دقايق كانت مسخنة حلة محشي كانت حماتها باعتاها، وقطعت طبق جبنة وطماطم، وعملت شاي.
حطت الصينية قدامه على الطبلية الصغيرة، وقالت: “اتفضل، كل، انت من الصبح ما أكلتش حاجة في الفرح من التوتر.”
قعدوا ياكلوا سوا في صمت، صوت معالقهم بس اللي مسموع مع صوت التليفزيون الواطي.
وهو بياكل، لأول مرة ياخد باله منها بجد. من رموشها الطويلة وهي باصة في طبقها، من إيديها الرفيعة وهي بتصبله الشاي، من هدوئها اللي مالي الشقة كلها سكي..نة.
افتكر مراته الأولى، منار. منار كانت صوتها عالي على طول، وطلباتها ما بتخلصش، وكل كلمة بينهم كانت خناقة. كانت بتغيظه وتستفزه لحد ما يفقد أعصابه.
ودي؟ دي نسمة. أرق وأهدى وأجمل مليون مرة.
حس بغصة في زوره، مش عارف دي ندم ولا وجع ولا ايه.
بعد ما خلصوا، لمّت الصينية في ثواني وغسلت المواعين. خرجت لقيته لسه قاعد مكانه.
قالتله وهي مبتسمة: “تصبح على خير يا مصطفى.”
قال: “وانتي من أهله.”
دخلت أوضة النوم الكبيرة وقفلت الباب وراها بهدوء. وهو دخل الأوضة الصغيرة، وقفل على نفسه، وفضل صاحي للصبح بيبص في السقف.
—
في نفس الليلة، في بيت تاني خالص في آخر البلد.
منار، طليقة مصطفى، كانت قاعدة على السرير في أوضة نومها في بيت أبوها، ماسكة تليفونها وبتقلب في صور فرح مصطفى وعايدة اللي الستات نزلوها على فيسبوك.
كانت هتموت من الغيظ، وشها أحمر وعينيها بتطلع نار.
أمها دخلت عليها قالت: “بطلي تقليب في النيلة دي، هيجيلك نقطة.”
منار رمت التليفون على السرير وصرخت: “شفتي البت اللي اتجوزها؟ دي عيلة صغيرة قد بنته! جابها عشان يغيظني!”
أمها قالت: “ما يغور، هو الخسران.”
منار قامت وقفت وبصت في المراية، وقالت بصوت كله غل وخوف: “أنا خايفة يا أمه… خايفة البت دي تحمل.”
أمها سكتت.
منار كمّلت وهي إيديها بتترعش: “لو البت دي حملت من مصطفى، كدبتي هتتكشف قدام البلد كلها. كله هيعرف إن أنا اللي ما بخلفش، مش هو.”
فتحت درج الكومودينو وطلعت منه ورقتين تحاليل قدام. واحدة باسم مصطفى عز العرب، والتانية باسمها هي منار.
بصت لورقة مصطفى، النتيجة فيها سليمة زي الفل. وبصت لورقتها هي، مكتوب فيها انعدام تام في التبويض وحالة صعبة جدا.
منار هي اللي كانت ما بتخلفش من الأول. وهي اللي راحت معمل صاحبة جوز أختها، وبدلت الأسامي في النتايج، عشان تقنع مصطفى إن العيب منه هو، عشان ما يطلقهاش ويرميها. ولما زهق من الزن والنكد وطلقها في لحظة غضب، طلعت تجري في البلد تقول العيب منه عشان تداري على فضيحتها، وعشان محدش يرضى يتجوزها بعد كده ويعرف إنها عاقر.
رمت الورق في الدرج تاني وقفلت عليه، وقالت وهي بتجز على سنانها: “والله ما هسيبها تتهنى بيه. لو البت دي فكرت تحمل، أنا اللي هخليها تندم إنها دخلت البلد دي برجليها.”
أول أسبوعين عدوا في شقة مصطفى عز العرب، فوق محل الدهب في المنيا، كأنهم عمر تاني خالص.
مصطفى لسه بينام في الأوضة الصغيرة، على الكنبة اللي قلبها سرير، وعايدة بتنام في الأوضة الكبيرة لوحدها. الاتفاق زي ما هو، على الورق. إنما اللي بينهم جوه الشقة، ما كانش ليه أي علاقة بالاتفاق ده.
عايدة قلبت الشقة دي بيت بجد. في أول يومين كانت مسحت كل ركن، ورصت المطبخ على مزاجها، وعلقت برواز آية قرآنية كانت جايباه معاها من بيت أبوها. ريحة الأكل بقت طالعة من شقتهم طول النهار. محشي، ملوخية، بطاطس بالفراخ في الفرن، كيكة بالبرتقان تطلع ريحتها تقلب العمارة.
مصطفى بقى ينزل المحل الصبح وهو مستعجل يخلص اليوم. زمان كان بيقفل المحل الساعة عشرة بالليل ويقعد مع الرجالة على القهوة. دلوقتي الساعة سبعة تلاقيه قافل، طالع السلم جري، وفي إيده كيس فيه مانجا عشان عايدة بتحبها، أو شريط فيديو جديد جايبه من محل الشرايط اللي جنب الجامع.
أول ما يفتح الباب، يلاقيها مستنياه، لابسة عباية بيتي نضيفة، وشعرها ملموم، ووشها منور. تقوله: “حمدالله على السلامة يا سي مصطفى.”
الكلمة البسيطة دي كانت بتريح قلبه كله.
كانوا يقعدوا يتعشوا سوا على الطبلية قدام التليفزيون. وبعد العشا، عايدة بقت عاملة طقس ثابت. كل ليلة فيلم جديد.
“انهارده جايبالك فيلم عربي قديم، فاتن حمامة.”
“بكرة هنشوف فيلم أجنبي مترجم، بتاع الراجل اللي تايه في الجزيرة ده.”
كانوا يقعدوا جنب بعض على الكنبة، بينهم مسافة صغيرة في الأول، وبعد كام يوم المسافة دي راحت لوحدها. يتفرجوا ويتكلموا. تحكيله عن أمها الله يرحمها، وعن أيامها السودة مع مرات أبوها، وكانت بتحكي من غير شكوى، بتحكي كأنها بتحكي حدوتة عن واحدة تانية. وهو يحكيلها عن المحل، وعن أبوه الحاج عز، وعن وجعه بعد الطلاق وكلام الناس اللي كان بيقطع فيه كل يوم.
كانت بتسمعه. بجد بتسمعه. مش بتقاطعه ولا بتلومه. ولما يسكت، تحطله كوباية شاي بالنعناع وتقوله: “كله هيبقى خير، ربك كبير.”
عايدة كانت عايشة أسعد أيام حياتها. أخيرا بقت في بيت فيه أمان، مع راجل بيحترمها ويبصلها كأنها حاجة غالية. كانت كل يوم تستناه يرجع، وتجهز السهرة كأنها عيد.
ومصطفى؟ مصطفى كان وقع، ووقع جامد. بقى يعشق البيت، يعشق ريحة الأكل، يعشق صوت ضحكتها وهي بتتفرج على فيلم كوميدي. بقى يبصّلها وهي سرحانة ويسرح في جمالها الهادي. كان بيهرب من أوضته بالليل عشان ما يفكرش كتير، بس التفكير كان بيجي لوحده.. لحد ما حصلت حاجة غريبة غيرت كل حياتهم…. يتبع في الجزء الأخير