فراشة اعلى الفرقاطة الفصل الثالث والرابع
فراشة أعلى الفرقاطة
الحلقة الحادية عشر :
استمر الطاقم البحري في عمله ، في حين تسمرت فرح بجوار أحد الأركان على السطح ، ولم تفعل أي شيء سوى محاولة تهدئة روعها بنفسها .. ولكن يبدو أن دوار البحر قد بدأ يُصيبها ..
-فرح بنبرة خائفة لنفسها : آآآه .. دماغي ابتدت تلف ، استر يا رب
لمح يزيد فرح من قمرة القيادة وهي قابعة في مكانها منذ فترة .. وتملكه الاستغراب .. وظل يتابعها بأعين كالصقر إلى أن ناداه أحد الضباط لكي يستفسر منه عن شيء ما ، فترك يزيد مكانه ، وذهب معه ..
علقت فرح الكاميرا الخاصة بها حول عنقها ، ثم استدارت بظهرها لتواجه مياه البحر ، ثم استندت بكفي يدها على الحافة المعدنية لأحد جوانب الفرقاطة ..
أمــالت فرح رأسها قليلاً للأمـــام ، وأغمضت عينيها ، وظل تتنفس بأنفاس متسارعة ومنتظمة ..
بدأ الغثيان يصيبها في معدتها ، وحاولت جاهدة أن تفكر في أي شيء أخـــر كي لا تضطر لإفراغ ما في جوفها ..
اقترب أحد المجندين من فرح ، ثم وقف إلى جوارها ، وأمــال برأسه قليلاً ناحيتها و…
-مجند ما بنبرة خافتة و متسائلة : انتي كويسة يا أستاذة ؟
أومـــأت فرح برأسها إيجابياً و…
-فرح بصوت ضعيف : أهــا
-مجند ما بنبرة حائرة : بس شكلك مش باين عليه كده ، انتي عندك دوخة أو آآ….
-فرح مقاطعة وهي تشير بيدها ، وبنبرة مضطربة : آآ.. انا .. كويسة ، مافياش حاجة ، شكراً على اهتمامك
هـــز المجند رأسه ، ثم ترك فرح بمفردها وانصــرف ليتابع عمله …
……………
انشغل الجميع بأداء المهام الخاصة بهم ، في حين ظلت فرح في مكانها ، ورغم ازدياد حدة دوار البحر والغثيان لديها ، إلا أنها رفضت أن تستعين بأي أحد لكي يساعدها ..
استمر الهواء البارد في لطم وجنتي فرح ، وفي إصابتها برعشة في أنحــاء جسدها ..
ظنت فرح أن استمرار وقوفها في مواجهة مياه البحر ربما يكون السبب في زيادة حدة دوار البحر والغثيان لديها ، لذا قررت أن تترك تلك البقعة ، وتعاود أدراجها إلى قمـــرة نومها وتستريح ..
التفتت فرح بجسدها ، ونظرت أمامها لتحسب المسافة من مكانها إلى حيث توجد قمرتها ، فهي تريد أن تبدو متماسكة على قدر الامكان حتى تصل إلى هناك دون أن يشعر أي أحد بما تعانيه ، فهي تخشى أن تبدو أمامهم ضعيفة جبانة ، وبالتالي يعتبر كمأخذ عليها ، وهي تسعى لأن تثبت أنها جديرة بتلك المهمة التي كُلفت بها …
……………
انتهى يزيد من مراجعة خطوط المسار الخاصة بالفرقاطة ، ومن وضع الاستراتجيات الخاصة بالمناورة ومراجعتها مع الضباط المرافقين له ، ومن هم تحت إمرته ، بالإضافة إلى التنسيق مع السفن الحربية الأخــرى المشاركة في تلك المناورة البحرية ، والتأكد من إلتزام الجميع بخطة العمل المتفق عليها مسبقاً ..
أثنى يزيد على الكفاءة العالية ، واليقظة الذهنية المميزة لضباطه ، و…
-يزيد بنبرة جــادة ، ونظرات إعجاب : على بركة الله يا رجالة ، احنا عاوزين المرادي نعمل شيء مختلف ، ونثبت إننا قادرين على تشغيل الفرقاطة والتعامل مع كل امكانياتها بمهارة تامة
-ضابط ما بنبرة حماسية : اطمن يا سيادة المقدم ، كل حاجة ماشية زي ماحضرتك أمرت
-يزيد بنبرة تشجيعية : أنا متأكد من رجالتي
-ضابط أخـــر بنبرة رسمية : احنا جاهزين يا باشا لأي حاجة ..
ابتسم يزيد ابتسامة رضا ، ثم تركهم يكملون عملهم وانصــرف إلى خــــارج قمرة القيادة ..
…………
كانت فرح تترنح في خطواتها ، فكلما سارت خطوة للأمـــام شعرت أن الدنيا تميل من حولها ، وأنها غير قادرة على الاتزان .. فتعاود أدراجها للخلف ، وتغمض عينيها ، وتظل متشبثة بالحافة المعدنية إلى أن تستعيد ثباتها للحظة ، فتبدأ بالحركة من جديد بعد أن تستدير بجسدها ، ولأن الدوار كان مستحوذاَ عليها ، فلم تنظر جيداً إلى حيث تسير ، فسارت في الاتجاه المعاكس ..
دلف يزيد خـــارج قمرة القيادة ، وبحث بعينيه عن فرح ، ولكنه لم يجدها حيث كان تنتظر قبل فترة ، فشعر بالتوجس ، وتملكه القلق نوعاً ما عليها ، وصارت ملامحه أكثر حدة ..
سأل يزيد أحد المجندين عن فرح ، فأخبره أنه لم يرها ، ظن يزيد أنها ربما تكون قد عــادت إلى قمرة نومها ، فأسرع في خطاه ناحيتها ، وبالفعل وقف أمام باب القمرة ، ثم طرقه عدة مرات و…
-يزيد بنبرة جــادة : فــرح ، انتي موجودة ؟
انتظر يزيد أن يأتيه الرد منها ، ولكن لا شيء ، فتردد في فتح باب القمرة لعلها تكون نائمة أو على راحتها ، وبالتالي يتسبب في إحراجها ، ولن يستطيع وقتها أن يبرر موقفه هذا ..
طرق يزيد باب القمرة المعندي مجدداً ، ولكن بطرقات عالية ، و..
-يزيد بنبرة صارمة : فرح ، أنا هافتح الباب لو مردتيش عليا
انتظر يزيد مجدداً لبرهة حتى يأتيه الرد من فرح ، ولكن كان الوضع كسابقه ، لذا حسم أمــره بفتح الباب والدخول ..
أدار يزيد المقبض بهدوء وهو يعطي تنبيهات لأكثر من مرة انه على وشك فتح الباب
…………………………
ســـارت فرح في اتجاه أبعد نقطة تتجه ناحية مؤخرة الفرقاطة وكانت معظم الوقت تترنح في مشيتها ، وممسكة بمعدتها وتقاوم بشدة رغبتها في التقيؤ ..
كانت مؤخرة الفرقاطة شبه خالية من الأفراد أو المجندين ، فالغالبية كانت إما في المقدمة ، أو بالأسفل ، أو بداخل عنابر تشغيل الماكينات ، وغرفة المحركات ، أو بقمرات التسليح ، أو بقمرة القيادة ، واندهشت حينما وجدت أنها قد أضلت الطريق دون قصد منها ..
رفعت فرح رأسها للأعلى ، وزفرت في توتر شديد ، ثم استندت بكف يدها على أحد جوانب الفرقاطة و…
-فرح بنبرة مرتعدة : ازاي مخدتش بالي إني مشيت غلط ، أنا مش هاقدر أرجع كل المسافة دي ، أنا أحسن حاجة أعملها إني أقعد على الأرض ..
تنفست فرح بصعوبة ، وحاولت أن تضبط نبضات قلبها المتسارعة ..
جلست فرح القرفصاء على الأرضية المعدنية الصلبة ، وأرجعت رأسها للخلف ، وأسندتها على الجانب .. وأغمضت عينيها ، وظلت تحاول تنظيم سرعة تنفسها لتهديء من نفسها ..
اضطربت فرح حينما وجدت الفرقاطة تعلو وتهبط مع حدة الأمـــواج ، فانكمشت على نفسها أكثر ، وضمت ساقيها إلى صدرها ، ثم استندت برأسها على ركبتيها …
…………………….
فتح يزيد باب القمرة ليجدها خاوية من فرح ، فعقد حاجبيه في حيرة ، وقطب جبينه ، وانزعجت ملامحه بشدة ..
-يزيد متسائلاً بنبرة ممتعضة ، ونظرات ضائقة : راحت فين دي ؟
أغلق يزيد باب القمرة بعد أن دلف للخـــارج ، ثم ســــار في اتجاه مقدمة الفرقاطة ، وظل يجوب ببصره المكان بحثاً عنها ..
لم يجد يزيد فرح بأي مكان ، فدلف مجدداً إلى داخل قمرة القيادة ثم تنقل بين أجزاء الفرقاطة المختلفة بحثاً عنها ، ولم يجدها في أي مكان من المفترض أن تتواجد به ، فانزعج أكثر ، واكفهرت ملامح وجهه بشدة ..
رأى يزيد آدم وهو يتحدث مع بعض الضباط ، فســـار في اتجاههم ، ثم وضع يده على كتف آدم ليلفت انتباهه و…
-يزيد بنبرة صارمة : آدم باشا ، عاوزك شوية
تملكت الدهشة من آدم ، ورفع أحد حاجبيه في تعجب و…
-آدم باستغراب : حاضر ..
انصــرف يزيد أولاً ، ووقف على الجانب يتطلع إلى أمواج البحر المتلاطمة بنظرات منزعجة ، ثم لحق به آدم ، ووقف قبالته و…
-آدم متسائلاً بتوجس : خير يا يزيد باشا ؟ في ايه ؟
-يزيد بنبرة ضائقة : ماشوفتش فرح ؟
-آدم وهو يمط شفتيه في عدم معرفة : لأ
زفـــــر يزيد في انزعاج جلي ، فاستغرب آدم أكثر من تصرفاته المنفعلة و…
-آدم متابعاً بنبرة هادئة : تلاقيها هنا ولا هنا ، ماهي مش معقول هاتفضل أعدة في حتة واحدة يعني ، دي صحفية وآآ..
أشــــاح يزيد بيده في وجه آدم ، و…
-يزيد مقاطعاً بنبرة متعصبة ، ونظرات حانقة : مش مبرر إنها تختفي كده ، وتعمل اللي على مزاجها من غير ما ترجعلي
-آدم بنبرة مندهشة ، ونظرات مذهولة : وهي هترجعلك ليه ؟ ماهي بتشوف شغلها اللي المفروض هي جاية عشانه
-يزيد بنبرة غاضبة وهو يشير بيده : برضوه هاتقولي شغلها ..!!!!
-آدم بنبرة متريثة ، ونظرات فاحصة : ايوه ، هي معملتش حاجة غلط
-يزيد بنبرة متشنجة ، ومتوعدة : بس أنا محذرها إنها متعملش حاجة إلا لما ترجعلي ، وهي برضوه مصممة تركب دماغها ، إن ما عرفتها قيمتها
-آدم بهدوء حـــذر : مافيش داعي إنك تتسرع في الحكم عليها ، استنى أما نشوف ظروفها ايه
-يزيد بنبرة استنكار وتهكم : هي كانت مهاجرة ولا حاجة ، ده هي في حتة مكان أد كده
-آدم بنبرة هادئة : معلش ، الوقتي تبان ، وبرضوه بأرجع أفكرك إنها صحفية ودي طبيعة شغلها
-يزيد بغضب هـــادر : الله يحرق ده شغل ، كل ما هاقولك حاجة تقولي شغلها شغلها ، خلاص عينتك المحامي بتاعها عشان تدافع عنها !!!
اتسعت مقلتي آدم في استغراب شديد نتيجة غضب يزيد الغير مبرر ، وحاول ألا ينفعل هو الأخـــر ، ويتحكم في أعصابه أكثر ، فأخذ نفساً عميقاً ، وزفره على تمهل و…
-آدم بنبرة دبلوماسية ، ونظرات ثابتة : لأ مش المحامي بتاعها ، بس هي بنت مختلفة عن أي حد ، وبتحاول على أد ما تقدر تعمل اللي انت بتطلبه منها
-يزيد بنبرة ساخطة : واضح أوي انها بتسمع الكلام
-آدم وهو يبتلع ريقه في توتر : اهدى بس انت ، وأما تظهر هـ .. آآآ…
-يزيد مقاطعاً بنبرة صارمة : خلاص يا آدم ، انتهى الموضوع
ثم كور يزيد قبضة يده ، وطرق بها بقوة على الحافة المعدنية ، و…
-يزيد بنبرة متوعدة ، ونظرات قاسية : طيب يا فرح ، بس تظهري أودامي ، وأنا هوريكي
انصرف يزيد من أمـــام آدم ، وهو يتمتم بكلمات مبهمة ، في حين ظل آدم مسلطاً بصره عليه في اندهــاش عجيب من تصرفاته الغير مفهومة بالمرة ، ثم تذكر أنه ربما يكون للأمــــر علاقة بزوجة يزيد السابقة هايدي ، وشغفها بالعمل ، فربط بين انفعاله الزائد على فرح ، وعقدته من قضية عمل المرأة بصفة عامة ..
-آدم بتوجس : ربنا يستر ، ويعدي الموضوع ده على خير
عـــــاد يزيد إلى قمرة القيادة مجدداً ، وظل ينظر أمامه من النافذة الزجاجية الأمامية ، ثم فكـــر مع نفسه في أن لم يبحث عن فرح بعد في مؤخــرة الفرقاطة ، فربما تكون موجودة هناك ، لذا تحرك يزيد من مكانه ، وأســـرع في خطواته ناحية المؤخرة ..
……………………….
أمـــالت فرح برأسها قليلاً على ركبتيها ، وهي مازالت مغمضة العينين ، ونوعاً ما بدأت تتنفس ببطء ..
وصل يزيد إلى مؤخرة الفرقاطة ، وبالفعل وجد فرح وهي متكورة على نفسها بجوار أحد الجوانب ، فســــار في اتجاهها ، وعلى وجهه علامات انفعال جلية ..
وقف يزيد قبالة فرح الجالسة على الأرضية ، ثم رمقها بنظراته الحادة والغاضبة و…
-يزيد بنبرة محتقنة وهادرة : كام مرة لازم أفهمك إنك مسئولة مني ؟ خلاص اللي بيطلع في دماغك بتعمليه ، عاوزة تجننيني بعمايلك دي
رفعت فرح رأسها للأعلى ، وأرخت ذراعيها للأسفل ، ثم مدت أحد ساقيها للأمام ، وظلت مثنية للأخــرى ، ونظرت إليه بنظرات زائغة و..
-فرح بخفوت : معلش ، المرة الجاية هابقى أقولك
-يزيد بصراخ عنيف : لا مرة جاية ولا عاشرة ، إنتي أخرك معايا المناورة دي وبعد كده ترجعي مطرح ماجيتي
أخفضت فرح رأسها ، وأجفلت بصرها للأسفل ، ونظرت إلى أسفل قدميها و..
-فرح بصوت أكثر خفوتاً وبإقتضاب : طيب ، ربنا يسهل
احتقن وجــــه يزيد أكثر من ردود فرح الجافة عليه ، وشعر لوهلة أنها ربما تحاول استفزازه ، فصدح بها مجدداً بـ …
-يزيد بنبرة آمرة وعالية ، وبنظرات شرسة : وبعدين لما أكلمك تقفي انتباه قدامي ، ماتنسيش نفسك
أومـــأت فرح برأسها ، ولم تتحرك ، فصاح بها يزيد مرة أخـــرى ، ثم مد كف يده ناحية ذراعها ، وقبض عليه بقسوة ، ثم جذبها بقوة من على الأرضية لتقف رغماً عنها على قدميها وهي تتآلم من أصابعه المغروزة في عضدها ..
-فرح متآلمة : آآآه ، بالراحة طيب
أرخى يزيد قبضة يده عن ذراعها ، فاستندت هي بكف يدها على الحافة ، فنظر هو إليها بنظرات محتقنة و…
-يزيد وهو يجز على أسنانه في غضب وتوعد : انتي لسه شوفتي حاجة ! يالا على جوا ..!
ثم دفع يزيد فرح من كتفها بعنف لتتحرك من مكانها ، فاندفعت هي للأمــــام على إثر دفعته القوية ، وترنحت للحظة في خطوتها ، وتغلب عليها الشعور بالغثيان وتقلب المعدة ، فإنحنت بجسدها قليلاً للأسفل ، واستندت بكفي يدها على ركبتيها ، وبدأت تتقيأ ما في جوفها
نظر يزيد إلى فرح بنظرات مذهولة ومصدومة في آن واحد ، ثم تحرك خطوتين ليقف خلفها و…
-يزيد بنبرة متفاجئة وقلقة : مالك يا فرح ؟ انتي … انتي كويسة ؟؟
لم تتحدث فرح ، بل ظلت منحنية للأسفل وهي في قمة خجلها من يزيد ، فهي لم ترد أن يراها في تلك الحالة ، في حين تردد يزيد في الاقتراب منها ، ثم حسم أمره سريعاً بوضع كلتا يديه على كتفها ، ثم سحبها منه وسار بها في اتجاه الحافة الجانبية ، وهي لم تقاومه ، أمـــالت فرح رأسها للأمام في اتجاه مياه البحر ، ثم بدأت تتقيأ من جديد ..
رفع يزيد أحد يديه عالياً ، ثم وضعها على رأس فرح ، وظل يمســـد على شعرها في حنية ، بينما ظل ممسكاً بكتفها باليد الأخرى و…
-يزيد متسائلاً بصوت قلق : فرح انتي عندك دوار بحر ؟
شعرت فرح بالاحراج الشديد من هيئتها المزرية تلك ، وكلما حاولت أن تتحدث ، غلبتها رغبتها في التقيؤ ، واستمرت على تلك الوضعية لعدة دقائق تالية ..
بدأت العبرات في التجمع في مقلتي فرح ، وبدأت عينيها في اللمعان من شدة الخجل .. وظلت مطرقة الرأس لا تجرؤ على النظر في اتجاه يزيد ..
-يزيد بصوت خافت ومضطرب ، ونظرات قلقة : لما انتي تعبانة يا فرح مقولتيش ليه ؟
لم تنبس فرح بكلمة ، ولكنها بدأت تنتحب في خزي مما رأه يزيد ، ولكنه كان على العكس تماماً .. حيث كان في حالة قلق تام عليها و…
-يزيد بنبرة متوجسة : طب انتي بتعيطي ليه الوقتي ؟
تعالت شهقات فرح بالبكاء ، وظلت مطرقة لرأسها ، وخشيت أن تستدير حتى في اتجاهه ..
حاول يزيد أن يهون على فرح قليلاً ، فقد خمن أنها ربما تكون محرجة منه لأنه رأها في حالتها المرضية ، فبادر بـ …
-يزيد مازحاً بخفوت : بس الواضح انك أكلة حاجة خفيفة ، وإلا كان زمانك مبهدلة الدنيا على الأخـــر
-فرح بصوت مختنق ومتلعثم : انا أسفة ، أنا .. أنا مقصدش
-يزيد بهدوء : ششش .. محصلش حاجة ، اهدي بس ، ويا ستي رجعي براحتك للصبح أنا مش ورايا حاجة ، هستناكي لما تخلصي
وبعد دقيقة أخرى ، اعتدلت فرح في وقفتها ، فأبعد يزيد يده عن كتفها ، فتراجعت هي خطوة للخلف ، وظلت مخفضة لعينيها ، وإستندت بيدها على الحافة ..
تأمل يزيد ملامح وجهها وهو يبتسم لها ، في حين اكتست وجنتيها بحمرة الاحراج ، وتمنت لو كان بإمكانها أن تتلاشى من أمامه قبل أن يراها على تلك الحالة المقززة و..
-فرح بنبرة محرجة ومرتبكة : أنا .. مـ.. معرفش آآ… أقصد إني آآ..
-يزيد مقاطعاً بحسم : انتي مش محتاجة تبرري ، كلنا بنتعرض لدوارالبحر ، وده عادي على فكرة ، وحاجة متكسفش
ظلت فرح مطرقة لرأسها ، وقبضت بشدة على الحافة بأصابع يدها في توتر ..
تمعن يزيد في حالة فرح ، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يراها في قمة خجلها وارتباكها ، رغم أنها لم تفعل ما يشينها ..
إزدادت ابتسامته اتساعاً حينما رأها رأها تتصرف كالطفلة الصغيرة التي تخشى العقاب من شيء لا يد لها به و…
-يزيد بنبرة رخيمة ، وبنظرات متمعنة : هاتفضلي بصة في الأرض كده كتير ، أنا عاوز أشوف عينيكي وأنا بكلمك
رفعت فرح رأسها فجأة ، ونظرت مباشرة في عينيه عقب عبارته تلك ، ورمشت عدة مرات في ارتباك زائد ، ثم ابتلعت ريقها في توتر ، وإزداد تورد وجنتيها ، فشعرت كأن نيراناً تنبعث منهما ، وأرخت قبضتها عن الحافة و ..
-يزيد مبتسماً بهدوء : كده أحسن ..
تراجعت فرح خطوة للخلف ، وعضت على شفتيها في خجل ، ثم ضيقت عينيها ، ونظرت إليه بنظرات زائغة و…
-فرح بنبرة حائرة : انت بتدور كده ليه ؟
رمـــق يزيد فرح بنظرات متعجبة ، وعقد أحد حاجبيه في تساؤل و…
-يزيد بعدم فهم : بدور إزاي يعني ؟ أنا مش فاهمك
شعرت فرح أن رأسها يدور بشدة ، وأن الأشياء تتحرك أمام عينيها بسرعة رهيبة ، فأغمضت عينيها ، وضغطت عليهما بشدة ، وبدأت تميل بجسدها ، في حين تجمدت ملامح وجه يزيد ، ونظر إليها بتوجس شديد .. وفجـــأة ترنحت فرح للخلف بدرجة مخيفة ، وكادت أن تسقط ، فأسرع يزيد ناحيتها ، ومد كلا يديه ليمسك بها قبل أن تفقد وعيها تماماً بين ذراعيه و…
-يزيد بنبرة قلقة للغاية : فــرح ………………… !!!
……………………………………………..
فراشة أعلى الفرقاطة
الحلقة الثانية عشر :
غابت فرح عن الوعي ، فانتفض يزيد فزعاً ، وأسرع بالإمســـاك بها بذراعيه كي لا تسقط على الأرضية وتصطدم بها ..
أسند يزيد فرح بأحد ذراعيه ، ورفع ذراعه الأخــر في اتجاه وجهها ، ثم بكل رفق ضرب على وجنتها بكف يده كي تفيق و…
-يزيد بنبرة مرتعدة ، ونظرات قلقة : فـــرح .. ردي عليا ، فرح ..!
ثم حرك يزيد راحة يده وأمسك بفرح من فكها بأصابع كفه ، وظل يهز في وجهها لليمين ولليسار ، ولكن للأسف لم توجد أي استجابة منها ..
لم يكن أمام يزيد أي خيار أخـــــر سوى حمل فرح ، حيث أحكم لف ذراعه المسند لها عليها ، ثم مـــال بجذعه قليلاً للأسفل ، ووضع ذراعه أسفل ركبتيها ، وحملها بكل خفة بين ذراعيه ، وســــار بها بخطوات متعجلة ناحية قمرة نومها …
مر يزيد بطريقه للقمرة بالعديد من المجندين والضباط ، والكل يتسائل في نفسه عما حدث لتلك الصحفية ، وسبب إغمائها ..
كانت ملامح يزيد منزعجة للغاية ، وعينيه مضطربتان بشدة .. تحرك يزيد بعجالة بين الجميع ، ثم هــــدر بـ …
-يزيد بلهجة صارمة وآمـــرة : حد ينادي على الرائد تيمور بسرعة
-أحد المجندين بنبرة رسمية : حاضر يا فندم
أفسح عدد أخر من الضباط الطريق للمقدم يزيد لكي يتجه إلى منطقة القمرات الخاصة بالنوم ..
كان يزيد يلقي بنظراته على فرح بين الحين والأخـــر ، وهو يدعو الله في نفسه أن تكون بخير .
دفع يزيد باب القمرة المعدني بقدمه لكي ينفتح على مصرعيه ، ومن ثم دلف للداخل ، ثم وضعها على الفراش المعدني ، ونزع عن عنقها الكاميرا الخاصة بها ، ثم تراجع للخلف وأسند الكاميرا على أحد الأرفف المعدنية ، ومن بعدها الحقيبة التي ترتديها ، وأسندها إلى جوار الكاميرا ، ثم وقف إلى جوار باب القمرة وهو واضع ليده على ذقنه ويفركه في توتر ..
بعد دقائق معدودة حضـــر الرائد الطبيب تيمور ، وبصحبته آدم ، إلى قمرة نوم فرح .. كان التوتر يعتري كل قسمات وجـــه يزيد ، ولاحظ آدم هذا عليه ، ولكنه أثر الصمت ..
تراجع كلاً من يزيد وآدم خطوتين للخلف ليصيرا خــارج الغرفة ، ويتركا المجال للطبيب لكي يتولى الكشف على فرح بدون تدخل منهما ..
أسند الطبيب حقيبته على طرف الفراش ، وانحنى قليلاً بجسده في اتجاه فرح الممددة على الفراش ، ثم أمسك بمعصم يدها ليقيس معدل نبضات قلبها .. وبعدها بدأ بالفحص الروتيني والرئيسي المعتاد عليها ..
راقب يزيد الطبيب من الخـــارج ، في حين لم يحيد آدم ببصره عن رفيقه ، و…
-آدم متسائلاً بخفوت بخفوت ، ونظرات هادئة : هو إيه اللي حصل
صمت يزيد واكتفى فقط بالتحديق بنظرات جامدة لآدم ..
علم آدم أنه ليس بالأمـــر الهين أن يحصل من يزيد على أي معلومة ، وخاصة إن كان هناك ما يُشغل باله …
استدار يزيد بعينيه مجدداً لينظر إلى داخل القمرة محاولاً معرفة ما الذي يفعله الطبيب ، فلمحه وهو يثبت أحد المحاليل بإبرة طبية في وريد يدها ، ، فتوجست ملامحه ، ثم دلف سريعاً للداخل و..
-يزيد بنبرة متوترة ، ونظرات منزعجة : في ايه مالها ؟
انتبه الطبيب الرائد تيمور في وقفته ، ثم …
-تيمور بهدوء : حالة دوار بحر يا سيادة المقدم
-يزيد متسائلاً باستغراب وهو يشير بيده : طب وانت بتعلقلها محاليل ليه ؟
-تيمور بنبرة رزينة : ده طبيعي يا فندم لأنها محتاجة لسوائل وخصوصاً إنها تعتبر مكالتش حاجة ، وممكن ده يعمل مضاعفات لو متلحقتش
-يزيد بنبرة جـــادة : اعمل اللي انت شايفه مناسب ليها
-تيمور بخفوت وهو يوميء برأسه : حاضر يا سيادة المقدم
باشر الطبيب الرائد تيمور في متابعة ما يقوم به ، وقام بوخــــز فرح في ذراعها لتثبيت المحلول ، ثم أعطاها مضاداً حيوياً ، في حين وقف يزيد في الخلف يتابع عن كثب ما يفعله .. وبعد أن انتهى الطبيب من عمله جمع أشيائه الطبية ، ودلف إلى الخـــارج ، فأوقفه يزيد قبل أن يبتعد و..
-يزيد متسائلاً بإهتمام : هي هاتبقى كويسة ؟
-تيمور بنبرة رسمية : على بكرة الصبح هاتكون حالتها أفضل ، وأنا هاجيبلها من عيادة الطواريء أقراص لحالتها بحيث تقدر تستخدمها لو اتكرر معاها الموضوع
-يزيد بجدية ، ونظرات امتنان : تمام .. شكراً يا سيادة الرائد
-تيمور بنبرة عادية : العفو يا فندم ، ده واجبي ..
ثم انصـــرف الطبيب الرائد تيمور ، في حين دلف آدم هو الأخـــر إلى داخل القمرة و…
-آدم متسائلاً بعدم فهم : في ايه لكل ده ؟
-يزيد بهدوء حذر ، ونظرات ثابتة : مافيش
-آدم باستغراب وهو يعقد أحد حاجبيه : مافيش ازاي ، انت مش شايف شكلك يا يزيد
-يزيد بنبرة صارمة ، ونظرات حادة : آدم ، انا مش بحب نظام الحوار ده
-آدم بهدوء حذر ، ونظرات جدية : ماهو أنا عاوز أفهم ايه اللي حصل ، انت مش شوية كنت قالب الدنيا عليها ، وفجــأة نلاقيك شايلها وهي مش في الدنيا خالص ، وآآآ…
-يزيد مقاطعاً بنبرة متصلبة : الموضوع مش محتاج توضيح يا سيادة المقدم ، هي عندها دوار بحر ، واغمى عليها وعشان كده مكانتش باينة
مطت آدم شفتيه في عدم اقتناع ، ولكنه لم يردْ أن يعقب حتى لا يثير انفعال يزيد أكثر ، خاصة أنه قد لاحظ بوادر العصبية عليه ..
-آدم بإيجاز : أنا هاطلع أشوف ورايا ايه
-يزيد بإقتضاب وهو قاطب جبينه : يكون أحسن برضوه
-آدم متسائلاً بتبرم : مش جايا معايا
-يزيد بجدية : شوية وهاحصلك
حـــدق آدم في فرح المستكينة في فراشها ، ثم التفت إلى يزيد مجدداً ببصره و..
-آدم بنبرة جـــادة : ماشي ..
دلف آدم إلى خــــارج القمرة ، في حين استدار يزيد بجسده ناحية فرح ، وظل ينظر إليها بإمعان ..
لقد كانت فرح هادئة ساكنة ، ملامح وجهها نوعاً ما جامدة ، تتنفس بإنتظام ، ولون بشرتها يميل للشحوب ..
تنهد يزيد في انزعـــاج ، ثم وضع كلتا يديه في جيب بنطاله العسكري الأزرق ، وظل لبرهة يتأمل سكونها ..
دار ما قاله آدم في رأس يزيد ، وشعر أنه ربما يثير الفضول والتساؤلات حول علاقته بها إذا ما استمر في التواجد برفقتها دون مبرر مقنع ، لذا لقطع الطرق على الجميع قرر أن يتعامل بحذر مع فرح ريثما يدرك ماهية علاقته الحالية معها ..
أخـــرج يزيد كلتا يديه من جيب بنطاله ، ثم اقترب من فرح ، ومــد يده ناحية رأس فرح ، ووضعها على جبينها ليتفقد حرارتها ، ثم رمـــقها بنظرات أخيرة قبل أن يستدير بجسده ويتجه ناحية باب القمرة ..
أغلق يزيد الباب بعد أن انصـــرف ، وحاول قدر الإمكان أن يلهي نفسه بالعمل حتى لا يلفت الأنظـــار إليه أو يثير الشكوك حول أمـــر اهتمامه الزائد بها ..
………………………….
في مركز ماميز الطبي ،،،
تلقت إحدى الممرضات – ذات الزي الوردي الفاتح – بمركز ماميز الطبي دعـــوة من نقابة الأطباء بالإسكندرية لحضور ندوة طبية عن التوعية الصحية الخاصة بالمرأة الحامل مع بداية الأسبوع المقبل في نادي اليخت ، كانت تلك الدعوة موجهة للطبيبة هايدي ..
حملت الممرضة الدعوة في يدها ، ثم توجهت بها ناحية مكتب هايدي .. طرقت الممرضة الباب أولاً قبل أن تدلف للداخل ،
سمحت هايدي للممرضة بالدخـــول ، واقتربت الممرضة من مكتبها الزجاجي .. كانت هايدي منشغلة بالاطلاع على أحد الملفات ، وبتدوين بعض الملحوظات الطبية ..
لم ترفع هايدي رأسها عن الورقة التي تطالعها ، و…
-هايدي بنبرة فاترة ، ونظرات مجفلة : في ايه ؟
-الممرضة بخفوت ، وارتباك : دي .. دي دعوة جاية باسم حضرتك
-هايدي بنظرات استخفاف ، ونبرة ساخطة : دعوة ..! هو أنا ناقصة قرف .. ارميها في الباسكيت ، واطلعي برا
زمت الممرضة شفتيها في استغراب ، وســـارت في اتجاه باب الغرفة ، ولكن أوقفها صوت هايدي بـ …
-هايدي بلهجة آمــرة : استني ، هاتيها الأول أشوف فيها ايه
استدارت الممرضة بجسدها ، وعاودت أدراجها في اتجاه المكتب الزجاجي ، ثم أسندت الدعوة على سطح المكتب ، وانصرفت بعدها خــارج المكتب ..
زفـــرت هايدي في امتعاض ، ثم أرجعت ظهرها للخلف على مقعدها بعد أن تركت القلم الحبر ، وظلت ترمق الدعوة بنظرات مشمئزة ..
انتصبت هايدي في جلستها ، ثم مدت يدها لتمسك بالدعوة ، وفتحتها بأطراف أصابعها ، وظلت تقرأ محتواها ..
ابتسمت هايدي ابتسامة متهكمة ، وهي تقرأ اسم النادي الذي وجـــه إليها الدعوة ، ثم ألقت بالدعوة في عدم اكتراث على سطح المكتب ..
طرقت هايدي بأصابع يدها على سطح المكتب الزجـــاجي في توتر ، ثم زفرت في ضيق .. ترددت هايدي في قبول الدعوة ، ثم حسمت رأيها بـ ..
-هايدي بنبرة قاسية : لأ مش رايحة .. !
أرجعت هايدي رأسها مرة أخرى للخلف ، وإستندت على مقعدها و…
-هايدي متابعة ببرود : مش لازم أروح هناك ، أنا مش عاوزة أشوف خلقته حتى لو بالصدفة ……….!!!!
…………………………………
وصلت الفرقاطة إلى المكان المخصص للمناورة البحرية التي تم الاتفاق عليها في المياه الإقليمية المصرية …
اتخذت الفرقاطة وضعها وفقاً للتشكيل المنضمة إليه ، وبدأت عملية الاستعداد للمناورة حيث وقف قادة السفن الحربية في أماكنهم الخاصة ، وبدأ الجميع في التأهب من أجل إعطاء اشارة البدء ..
كانت العملية الأولى هي تكوين عدة تشكيلات إبحار خلال مدة زمنية محددة حيث يتم إبراز سرعة إتخاذ الوحدات والمجموعات التكتيكية لأوضاعها وفقاً لمتغيرات المعركة البحرية ..
برزت المهارات الفائقة وسرعة البديهة للوحدات المشاركة في أول عملية .. وتفوق فيها الجميع على أنفسهم ..
أبدى قــــادة الوحدات إعجابهم بكفاءة الأطقم البحرية العسكرية المشاركة في عمليات التشكيل السريعة ..
كما استطاع يزيد وطاقمه المميز أن يظهروا تفوقهم خلال تجربتهم الأولى باستخدام الفرقاطة الجديدة ..
بعد مرور فترة من الوقت في التدريب على المناورة ، كان الجميع قد انتهى تقريباً من أول مهامهم المكلفين بها ، ومن ثم تم إعطائهم فترة راحة ..
استغل يزيد فترة الراحة – وخاصة انشغال الجميع بتناول الطعام وبالسرد عن مميزات اليوم الأول للمناورة – في الذهـــاب إلى قمرة فرح للإطمئنان عليها ..
تحرك يزيد بخفة بين الجميع ، ولم ينسْ ان يثني على من يقابله من طاقمه الكفؤ طوال طريقه إلى القمرة ..
طرق يزيد باب القمرة المعدني قبل أن يدلف للداخل بطرقات خفيفة و..
-يزيد بنبرة هادئة ورخيمة : فـــرح .. صاحية ؟
أصغى يزيد جيداً لعله يسمع أي صوت يأتيه من الداخل ، ولكن كان الوضع هادئاً للغاية ، فظن أن فرح مازالت نائمة ..
أدار يزيد مقبض الباب المعدني بحذر ، ثم أطل برأسه أولا قبل أن يدلف كلياً بجسده إلى الداخل ..
كانت فرح تغط في نوم عميق ، فاقترب يزيد منها بخطوات متمهلة ..
تململت فرح في فراشها قليلاً ، ثم التفتت بجسدها لتنام على الجانب في اتجاه يزيد الذي تسمر في مكانه ..
بدأت فرح تتمتم بكلمات غير مفهومة ، فظن يزيد أنها ربما استعادت وعيها ، فإقترب أكثر منها إلى أن صــاؤ على بعد خطوة واحدة من رأسها .. ثم انحنى بجذعه قليلاً للأسفل ..
مد يزيد يده ليتحسس وجنتها وهي نائمة ليطمئن على حرارتها إن كانت طبيعية ، فهو يخشى أن تعاني من أعراض البرد نتيجة تغيير المناخ عليها ، وخاصة أنها في حالة مرضية هزيلة ، ولكنه توقف فجـــأة عما يفعل حينما سمعها تهمس بـ …
-فرح هامسة : كريم ..!!
تبدلت ملامح يزيد للانزعاج الجلي على الفور ، وتحولت نظراته الحانية إلى نظرات قاتمة ، ثم كـــور قبضة يده في حنق ، و أعادها للخلف ..
اعتدل يزيد في وقفته ، وتراجع للخلف ، في حين أردفت فرح بـ ..
-فرح متابعة بنبرة هامسة : ليه عملت فيا كده ؟ ليه ؟؟
جـــز يزيد على أسنانه في حنق ،وشعر أنه يختنق من الضيق ، فقد اعتقد أن فرح مازالت تحب زوجها الراحل وتفتقده للغاية ، ولهذا تنادي بإسمه في نومها ..
أخذ يزيد نفساً عميقاً محاولاً به التحكم في أعصابه ، ثم ســـار بخطوات متعجلة إلى خـــارج القمرة ، وأغلق الباب خلفه بعنف ، واتجه ناحية قمــرته الخاصة ..
…………..
أوصــــد يزيد باب قمرته على نفسه ، وفضل أن يمكث بمفرده في الداخل كي لا يلاحظ أي أحد نوبة الغضب التي تملكته فجـــأة ..
حاول يزيد أن يلهي نفسه بأي شيء كي يوقف عقله عن التفكير ، ولكن دون جدوى ، فقد ظل صدى اسم ( كريم ) يتردد في عقله ..
دلف يزيد إلى المرحاض الخاص به ، ثم فتح صنبور المياه ، وانحنى بجسده للأسفل لكي يضع رأسه تحت المياه الباردة والمنهمرة لعله يبرد تلك النيران المتأججة بداخله ..
خــرج يزيد بعد ذلك من المرحاض وهو يلوم نفسه على تساهله مع فرح ، وترك الفرصة لها لكي تعبث بقلبه ، وتسيطر على عقله تدريجياً ، فقرر أن يغير من استراتيجيته في التعامل معها ، فهو لن يقبل أن يصبح أضحوكة أمامها ، أو أن يسمح لشعور قد بدأ ينبض بداخله في الاستمرار في الظهور إلى أن يتمكن منه كلياً ..
لقد عقد يزيد العزم على أن يصبح أكثر خشونة ورسمية معها .. سيكون فقط بالنسبة إليها مجرد المسئول عنها ريثما تنتهي تلك المهمة الصحفية ، ومن ثم يعود كل شيء إلى سابق عهده ..
…………………………..
ظل هاتف فرح يرن طــوال الليل بإتصالات من والدتها ، ومن رفيقتها إيلين ، ولكنه كان على الوضع الصامت ، وبالتالي لم تستمع إليه فرح ، وظلت غافلة بثيابها التي ارتدتها منذ الصباح …
……………………..
طلب يزيد من الطبيب تيمور أن يمر هو بنفسه على فرح لكي يتابع حالتها ، ثم يبلغه لاحقاً بأخبارها .. فنفذ الرائد تيمور طلبه ، وأعطاه تقريراً مكتوباً عن حالتها الصحية والتي أظهرت استجابة سريعة للعلاج ، وتحسن ملحوظ .. بل إنه أبلغه أنها بحلول الصباح ستكون على ما يرام ، كما أنه نزع عنها المحلول ، والإبرة الطبية ..
شكر يزيد الرائد تيمور على تفانيه في عمله ، ثم طلب منه إرفاق التقرير في الملف الخاص بما يخص تقارير الفرقاطة اليومية ..
عـــاد يزيد مجدداً إلى قمرة القيادة ، وظل يدرس المطلوب أدائه خلال اليوم الثاني من المناورة البحرية .. وبعدما انتهى عاد إلى قمرة نومه ليستريح ..
جاهد يزيد نفسه كثيراً لكي لا يفكر في فرح ، وأقنع نفسه بأن الطريقة المثلى للقضاء على تلك الأفكار هي بتذكر مساويء زوجته ، وإرغام نفسه على التصديق بأنها تشبهها مهما اختلفت طبيعة شخصيتها ..
………………….
في صباح اليوم التالي ، استيقظت فرح وهي تشعر بأنها نامت لدهــر من الزمن ، ظلت تتمطع في الفراش ، ثم أدركت أنه كانت نائمة بثيابها ، وحاولت أن تتذكر كيف جاءت إلى هنا ، فأخــر ما تذكره أنها كانت بحالة يرثى لها ، وتعاني من دوار البحر ، وكان يزيد برفقتها و…
-فرح بنظرات مصدومة ، ونبرة متفاجئة : ده كان معايا ، وأنا كنت برجع ، بس آآ.. بس بعد كده أنا مش فاكرة حاجة..
وضعت فرح يدها على رأسها ، وعبثت بخصلات شعرها محاولة فهم ما يدور ، ولكن على كل حـــال فهي اليوم تشعر أنها أفضل حالاً ..
لم ترد فرح أن تضيع وقتها في محاولة تذكر ما حدث ، لذا نفضت هن عقلها تلك المسائل المضيعة للوقت .. ثم نهضت عن الفراش ، و دلفت للمرحاض لكي تغتسل وتبدل ثيابها ..
ارتدت فرح بنطالاً من الجينز ذي لون رمـــادي ، ومن الأعلى ارتدت كنزة زرقاء زاهية ذات رقبة عالية ومثنية للأسفل تغطي عنقها بالكامل ، ومن فوق الكنزة ارتدت سترة خفيفة من اللون الأبيض ، ثم مشطت شعرها ، وعقصته كحكة ، وتركت بعض الخصلات تنسدل على وجنتيها من الجانب ..
لم تنسى فرح أن تضع هويتها الخاصة حول عنقها ، ثم أمسكت بالكاميرا الخاصة بها وكذلك الهاتف المحمول ووضعتهما في حقيبة يدها العملية ، ودلفت إلى خــارج القمرة ..
رأت فرح كم الاتصالات الهاتفية الفائتة التي تلقتها من والدتها ، فقررت أن تهاتفها لاحقاً حتى لا تزعجها في هذا التوقيت المبكر ..
ثم لمحت فرح دواءاً ما مستنداً على الطاولة ، وخاص بدوار البحر ، فابتسمت في عذوبة وهي ممسكة به و..
-فرح بإبتسامة رضا : والله كويس ، ده ينفعني لو أنا حسيت بحاجة ، وربنا يعدي اليوم ده على خير
وضعت فرح الدواء في حقيبة يدها ، ثم تناولت بعض السلطة الخضراء الموضوعة في طبق بلاستيكي في براد صغير بجوار خزانة الثياب ، ثم دلفت لاحقاً إلى خـــارج القمرة …
……….
صعدت فرح على سطح الفرقاطة ، وشعرت أن هناك شيئاً ما غير طبيعياً يدور ، فالكل متأهب للغاية ، وكأنهم مجهزين للدخول في حرب فجائية ، وهي لم تستوعب بعد سبب كل هذا ..
بحثت فرح عن أي أحد لتستفسر منه عن سبب ذلك الاستعداد الرهيب و الذي كــان يوحي بأن معركة حربية على وشك النشوب .. فوجدت أحد الضباط يشير بيده لبعض المجندين ، فاقتربت منه و…
-فرح مقاطعة برقة : لو سمحت !
التفت الضابط إلى فرح ، ونظر إليها بجدية و..
-الضابط بنبرة جادة : ايوه
-فرح متسائلة بنبرة حائرة : سوري ان كنت هاعطل حضرتك ، بس ممكن تفهمني في ايه ؟
-الضابط بنبرة رسمية ، ونظرات ثابتة : احنا هنبدأ بعد شوية الاشتباك بالذخيرة الحية مع التشكيل الخاص بينا
فغرت فرح شفتيها في صدمة ، واتسعت عينيها من الذهول ونظرت إلى الضابط بعدم فهم ، و..
-فرح بنبرة متوترة : يعني احنا هنحارب ؟
-الضابط بجدية : هي حاجة شبه التدريب العملي على القتال وآآ…
توقف الضابط فجـــأة عن الحديث ، ثم قام هو والمجندين المرافقين له بالانتبه فجـــأة بأجسادهم، ومن ثم أداء التحية العسكرية ، فاستدارت فرح للخلف لتجد يزيد يقف أمامها ..
عضت فرح على شفتيها في ارتباك ، ثم أشـــار يزيد للضابط والمجندين بالانصراف ..
-يزيد بنبرة جــادة للغاية ، ونظرات جامدة : تعالي يا مدام وأنا أفهمك .. !
رمشت فرح عدة مرات وهي تستمع إلى لقب ( مدام ) الذي أعاد تكراره مجدداً على مسامعها و…
-فرح بنبرة مصدومة : هــه ..
ســـار يزيد للخلف عدة خطوات ، ولحقت به فرح ، ثم توقف بجوار أحد جوانب الفرقاطة ، وعقد كلا يديه خلف ظهره ، ووقف مشدوداً بجسده وأولى فرح ظهره ، ثم نظر أمامه حيث مياه البحر الزرقاء ، والتشكيلات المرابطة في المياه ، ليتجنب النظر إلى وجهها عن عمد وتحديداً لعينيها و…
-يزيد بنبرة صارمة ورسمية : احنا في مناورة مشتركة ، وأكيد هيحصل تدريب عملي فيها على أعمال الاشتباك الحية زي تدمير أهداف معادية ، تتبع غواصات دخيلة وملاحقتها ، انقاذ سفن ، التصدي للقراصنة ، الاعتراض البحري لسفن مشبوهة ، كمان في جزء خاص بالتزويد بالوقود أثناء عملية القتال ، والإمداد البحري بالهيليكوبتر …
شعرت فرح أن هناك خطباً ما بيزيد ، فإسلوبه قد اختلف تماماً عن الأمس ، هي لا تدري سبب هذا التغيير المفاجيء ، ولكنها لم تردْ الجدال معه ، فهي تريد إثبات جدارتها في تلك المهمة الإضافية التي أُسندت إليها ، ولاحظت أنه لا ينظر إليها مطلقاً ..
-فرح بخفوت : تمام
-يزيد متابعاً بنفس الصلابة : ومطلوب منك يا … يا مدام إنك تكتبي تقرير صحفي عن المناورة ، و تسلميه في نهاية اليوم ليا عشان يتراجع قبل ما يتصرح بالموافقة عليه ، والكلام ده برضوه ينطبق على الصور اللي بتصوريها ..
-فرح وهي توميء برأسها بصوت رقيق : حاضر
ودت فرح أن تعرف أكثر عن طبيعة المناورات البحرية ، ولكنها لم تتمكن من سؤال يزيد ، لأنه تركها وانصرف مبتعداً عنها ..
تسمرت فرح في مكانها ، وشعرت أنها تائهة و..
-فرح باستغراب شديد : ماله ده !
في خلال نصف ساعة كان سطح الفرقاطة مليئاً بالرجــــال المرابطين والمستعدين للاشتباك ..
فضلت فرح أن تأخذ الدواء الخاص بدوار البحر لتتجنب الوقوع في مشكلة الأمس .. وحاولت أن تسيطر على خوفها من البحر ، وتجبر نفسها على البقاء هادئة ريثما تنتهي من عملها ..
التقطت فرح للطاقم البحري بعض الصور المختلفة ، وكذلك للتشكيلات البحرية المرابطة في المياه ..
ظل المقدم يزيد يحاول تجنب النظر إلى فرح رغم رغبته الشديدة في متابعة ما تفعل ، وتعمد أن يُلهي نفسه حتى لا تخونه عينيه وتنظران إليها ..
شعرت فرح بأن هناك اهتزازاً متواصلاً في حقيبة يدها ، فأدركت أنه هاتفها المحمول ، فاستدارت برأسها يميناً ويساراً لكي تبحث عن بقعة خالية من الضباط أو المجندين ، ثم انسحبت بعيداً بعد أن حددت وجهتها ، ووقفت بجوار أحد جوانب الفرقاطة ، ثم وضعت يدها في داخل الحقيبة ، وأخرجت الهاتف ، ونظرت إلى شاشته ..
وجدت فرح ان المتصلة هي والدتها ، فابتسمت عفوياً ، ثم قررت أن تعاود الاتصــال بها لتطمئنها على حالها ، فبالتأكيد بالها مشغول عليها كثيراً لأنها لم تُحدثها منذ يومين …
…………….
لمح يزيد فرح وهي تتلفت حولها فضيق عينيه أكثر ، ثم رأى انسحابها بعيداً ، فأثار الأمـــر ريبته .. وقرر أن يعرف ما الذي يدور ..
تحرك يزيد من مكانه ، وســــار بخطوات سريعة في اتجاهها ..
وضعت فرح الهاتف على أذنها بعد أن اتصلت بوالدتها ، ثم بدأت تحدثها بخفوت ، وفجــــأة وجدت من يخطف الهاتف عنوة من أذنها من الخلف فانتفضت فزعاً ، واستدارت برأسها للخلف لتجد يزيد واقفاً خلفها ، وعلى وجهه علامات الغضب الشديدة ، وينظر إليها بنظرات محتقنة ، إغتاظت فرح كثيراً مما فعله يزيد ، و….
-فرح بنبرة منزعجة : ايه اللي انت عملته ده ؟ لو سمحت هات الموبايل بتاعي
لم يجب يزيد على فرح ، بل رمقها بنظرات قاسية ، ثم رفع يده الممسكة بالهاتف عالياً في الهواء ، وفجـــأة ألقاه ببرود قاتل في المياه ..
اتسعت مقلتي عين فرح في صدمة تامة ، وعقدت حاجبيها في ذهول ، و..
-فرح بنبرة مشدوهة ومتلعثمة ، ونظرات جاحظة : انت .. انت ازاي آآ..
إزدادت تعبيرات وجه يزيد صرامة ، واختفى بريق عينيه ، وأصبحتا أكثر ضيقاً .. ثم تحرك خطوة للأمــــام وهو يرمق فرح بنظرات متوعدة ، فتراجعت هي للخلف خوفاً منه وتوقفت عن الكلام ، في حين ..
-يزيد بنبرة مخيفة ، ونظرات قاتلة : دي مش تكية أبوكي عشان تتكلمي براحتك فيها على الموبايل
ابتلعت فرح ريقها في ذعـــر ، وحاولت أن تتماسك أمام يزيد ، وأن تبدو هادئة و…
-فرح بنبرة مرتعدة ، ونظرات مضطربة : بس ده مش يديك الحق إنك تحدف موبايلي وآآآ…
أشــــار يزيد بيده لفرح لكي تكف عن الكلام ، ثم ..
-يزيد بنبرة جافة ومتهكمة ، ونظرات حــادة : أظن يا مدام لو كنتي تعبتي نفسك وقريتي كتيب التعليمات كنتي هاتعرفي ان الموبايلات ممنوعة
عضت فرح على شفتيها من الحنق ، فهو محق في تلك المسألة ، وهي لم تكلف نفسها عناء قراءة كتيب التعليمات الذي كان موضوعاً في غرفتها بالمبنى السكني ..
نظرت فرح في عيني يزيد مباشرة ، و…
-فرح متسائلة بنبرة مغتاظة : طب وليه تحدفه ؟
رمق يزيد فرح بنظرات متأففة و…
-يزيد بنبرة ساخطة : دي اقل حاجة أعملها مع أمثالك الأغبية اللي بيخالفوا التعليمات ..!
رفعت فرح أحد حاجبيها في ذهــــول ، ثم …
-فرح بصدمة : نعم ؟؟ أمثالي الأغبية !!!
-يزيد ببرود مستفز : ايوه ، ويا ريتك بتفهمي
أخذت فرح نفساً مطولاً ، ثم زفرته بهدوء حتى تتحكم في أعصابها ولا تنفعل ، ثم تابعت بـ …
-فرح بنبرة ممتعضة ، ووجه عابس : بس برضوه ماتكونش الطريقة كده ، حتى لو أنا كانت غلطانة
-يزيد بنبرة حــادة ، ونظرات احتقار : هو ده اللي عندي ، ومن هنا ورايح هايكون في أسلوب جديد مع اللي زيك .. مش على أخــر الزمن واحدة هتعرفني أنا شغلي يبقى عامل ازاي ……………………………………………………… !!!
……………………………………………
الحلقة الثالثة عشر :
اشتعل يزيد غضباً ، وظل يصدح بفرح لأنها خالفت التلعيمات دون قصد منها ، ووقفت هي تنظر إليه بأعين لامعة ، ولكنها تماسكت وتحاملت على نفسها ..
نظر يزيد إلى فرح بنظرات ساخطة ، ثم أشــــار لها بيده و …
-يزيد بلهجة آمــرة : واتفضلي اجهزي عشان هنبدأ بعد شوية عملية الاعتراض البحري
هزت فرح رأسها في عدم استيعاب ، ودققت النظر في يزيد و…
-فرح بعدم فهم : أفندم ؟
-يزيد بنبرة منزعجة ، ونظرات أكثر سخوطاً : انتي ليه بقيتي غبية أوي كده ، بقولك روحي استعدي هنبدأ كمان 5 دقايق عملية الاعتراض البحري
ابتلعت فرح إهانتها للمرة الثانية ، ولم تحـــاول الرد تجنباً للمشاكل ، فعضت على شفتيها من الغيظ ، ونظرت إلى يزيد بنظرات حـــادة و…
-فرح بنبرة مغتاظة : ما هو أنا مش فاهمة المطلوب مني ايه عشان اعمله
-يزيد بنبرة حاسمة وهو يشير بيده : هتروحي هناك ، هتاخدي Lifejacket من عند المجند ده ، وتلبسيه ، وبعد كده تجيبي كاميرتك وتحصلينا هنا عشان تصوري اللي هايحصل من عملية اعتراض لأحد السفن المعادية بالذخيرة الحية
اتسعت عيني فرح في خــــوف شديد ،وفغرت شفتيها من الرعب ، فهي لم تتخيل نفسها يوماً أنها ستشهد معركة بحرية حية ، وهي التي تخشى التواجد بالبحر ..
ثم ترك يزيد فرح في تلك الحالة الصادمة ، وســــار مبتعداً عنها تاركاً إياها تتخبط في أمــرها ..
ابتلعت فرح ريقها في صدمة ، ثم ركضت مسرعة خلف يزيد لتحاول اللحاق به ، ثم فكرت أن تصيح فيه بنبرة عالية لعله يتوقف عن السير وينتبه إليها و…
-فرح بنبرة مذعورة : يا سيادة المقدم ، يا سيادة المقدم
لم يُصغي يزيد إلى نداءات فرح المتكررة له ، بل كان مركزاً كل حواسه على طاقمه البحري ، ومنشغلاً بمتابعة استعداداتهم النهائية ، ولكنه تسمر فجــــأة في مكانه حينما سمع فرح تهدر عالياً بـ …
-فرح بنبرة حـــادة وعالية : يزيــــــــــــــــــد … !!
استدار يزيد بجسده كاملاً ، وقد اكفهرت ملامح وجهه ، وإزداد احتقان عينيه بالدمـــاء ، واستشاطت باقي قسمات وجهه بالغضب ، فعاود أدراجه للخلف وهو ينتوي شراً لفرح …
……………………………
في مركز ماميز الطبي ،،،،
وصلت الطبيبة هايدي إلى مركزها الطبي منذ الصباح الباكر لإجــــراء عملية حقن مجهري لإحدى مرضاها والتي كانت تتابع معها مراحل العلاج منذ فترة ، كانت المريضة تعاني من مشاكل في عملية التبويض ، وزوجها دائم السفر وغير متواجد معها ، ولكن حينما عاد من سفره ، قام بإجراء عملية تجميد لسائله الذكوري حتى تتمكن زوجته من استخدامه والقيام بعملية الحقن أثناء غيابه وبعد إتمام مراحل علاجها ….
دلفت هايدي إلى داخل غرفة العمليات حيث كانت المريضة في حـــالة استعداد تام لإجــراء عملية الحقن بعد أن تم تخصيب البويضة خــارج الرحم ..
ولكن حينما اقتربت هايدي من المريضة الغائبة عن الوعي – بفعل التخدير – سقطت الحقنة الخاصة بالتلقيح من يدها ، وتبعثرت محتوياتها على الأرضية الرخامية الصلبة .. فانتفضت الممرضات فزعاً في أماكنهن ، في حين ظلت هايدي ثابتة في مكانها ، ولم تهتز عضلة واحدة لا من وجهها ولا من جسدها ..
-وداد بإرتباك : يا ساتر
-صفية بنبرة فزعة : الحقي يا دكتورة ، هانتصرف إزاي ، ده الزوج مسافر ، واحنا مكنش عندنا غير العينة المجمدة دي
-هايدي ببرود ، ونظرات قاتمة : العملية اتعملت خلاص
-صفية بعدم فهم : يعني ايه ؟
-هايدي بنبرة جـــافة ، ونظرات غير مكترثة : اللي سمعتوه ، أنا عملت العملية وخلصت ..!
-صفية بإندهاش شديد : طب ازاي ، وهي آآآ…
رمقت هايدي الممرضة بنظرات قاتلة ، وخطت بقدمها فوق العينة المنسكبة ، و…
-هايدي مقاطعة بنبرة مخيفة : تطلعوا برا تقولوا لأهل المريضة انه العملية اتعملت ، وتاخدوا بقية الحساب وانتهينا على كده ..!!!
-سميحة بنبرة ثابتة : حاضر يا دكتورة ، اللي تشوفيه
لم تكف هايدي عن التحديق في الممرضـــات بنظرات محذرة ، فأطرقن جميعهن رؤوسهن في خــوف ، ثم تركتهم هايدي وانصرفت إلى خــــارج غرفة العمليات ..
مالت وداد على زميلتها صفية ، وهمست لها بـ …
-وداد بنبرة خافتة : دي مش أول مرة تعمل كده ، بس عشان انتي جديدة هنا فمش فاهمة النظام
-صفية بنبرة متلعثمة ، ونظرات خائفة : يـ … يعني هي .. بـ.. بتبقى قاصدة ؟
-سميحة بخفوت : أه ، كل شوية تعمل كده ، بحيث تضمن لما المريضة تحمل بعد كده تعملها دعاية حلوة ، وفي نفس الوقت تكون كوشت على مبلغ وقدره
فغرت صفية فمها في صدمة كبيرة ، ورفعت حاجبيها في اندهاش و..
-صفية بنبرة مصدومة : بس ده حرام ، ومايرضيش ربنا
-وداد بحدة : مالناش دعوة ، خلينا نشوف لقمة عيشنا
-سميحة بجدية وهي تشير بكلتا يديها : طب يالا خلونا ننجز بدل ماناخد كلمتين في جنابنا …!!
…………………………….
ظلت فرح ثابتة في مكانها ، ولم تتحرك قيد أنملة ، في حين ســـار يزيد بخطوات غاضبة في اتجاهها ، ثم مد يده وأمسكها من ذراعها وجذبها بعنف منه ، وســـار مبتعداً بها عن الواقفين إلى أن وقف بها في منطقة هادئة نوعاً ما ، ثم أرخىقبضة يده عن ذراعها ، ونظر إليها بنظرات ساخطة و…
-يزيد وهو يجز على أسنانه في غضب : انتي اتجننتي ؟؟ ازاي تجيلك الجرأة انك تنطقي باسمي كده من غير ألقاب
ابتلعت فرح ريقها في رعـــــب شديد ، ولم تنبس بكلمة ، وظلت محدقة في يزيد وهي ترمقه بنظرات مذعورة .. في حين تابع هو توبيخه اللاذع لها ، ثم فجــــأة صدح عالياً في أرجـــاء المكان أصـــوات أبواق السفن الحربية لتعلن عن بدء عملية الاعتراض البحري
-يزيد بنبرة صارمة ، ونظرات متوعدة : حسابك معايا بعدين ..!
ثم تركها يزيد متسمرة في مكانها ، وانصرف مبتعداً عنها بخطوات راكضة لينضم إلى باقي أفراد طاقمه البحري .. لم تعرف فرح ما الذي يجب عليها فعله ، فقد كانت مرتعدة للغاية ، وســـار في جسدها قشعريرة مخيفة ، وظلت تنظر حولها بنظرات مضطربة ومرعوبة ..
وبعد لحظة شعرت فرح بالفرقاطة وهي تميل بدرجة كبيرة لتطارد إحدى السفن ، فترنحت بجسدها ، وكادت أن تختل في توازنها ، ولكن كان لديها سرعة بديهة فأسرعت ناحية أحد الجوانب القريبة منها ، وأمسكت بالحافة المعدنية ، ووقفت تنظر إلى مياه البحر الزرقاء المليئة بتشكيلات مختلفة من السفن الحربية ، وكلها مستعدة للاشتباك .. ثم مرت دقيقة أخـــرى لتستمع فرح إلى صوت انفجارات مدوية في الهواء ، فالتفتت برأسها ناحية مصدر الصوت ، فوجدت أن مدافع السفن المتواجدة على مقربة منها قد بدأت فعلياً في اطلاق ذخيرتها الحية ..
اتسعت عيني فرح في ذهـــول ، فهي لم تتوقع أنها ستخوض جو معركة بحرية ، فإزداد تشبثها بالحافة المعدنية ، ووقفت متسمرة في مكانها ، ثم أغمضت عينيها في رعب ، ودعت الله في نفسها أن يمر الوقت سريعاً ، وتنتهي تلك المناورة ، فقد اتضح أن خوفها من البحر لا يمكن أن يقارن أبداً بفزعها من جو الحرب ، وأصــــوات إطلاق الصواريخ والذخائر الحية ..
وبينما كان هي مندمجة فيما يحدث من حولها ، وجدت قبضة يد يزيد تجذبها من جديد بعيداً عن الحافة ، ففتحت عينيها ، ونظرت إليه بخوف ، في حين كان هو يرمقها بنظرات حـــادة وجامدة و…
-يزيد بلهجة آمــرة : خدي البسي ده
كان يزيد ممسكاً في يده بسترة الحياة البرتقالية ، والتي يتم إرتدائها في حالات الطواريء ، ثم ألقاها في وجــه فرح ، ووقف أمامها وهو عاقد ساعديه أمام صدره ..
انحنت فرح بجسدها للأسفل لكي تمسك بالسترة الملاقاة أسفل قدميها ، ثم بدأت في ارتدائها ، وحاولت أن تغلقها ، ولكنها فشلت في إحكام غلقها ، وارتبكت كثيراً ، فإقترب منها يزيد وهو يزفر في إنزعاج ، ومد يده ناحية السترة وأمسك بأزرارها ، فتوقفت هي عما تفعل ، وظلت تراقبه في صمت ، بينما أصوات الذخيرة تصدح عالياً في الجو ..
أحكم يزيد غلق الأزرار والسحاب ، وكذلك ربط الشرائط الخاصة بها .. في حين اقترب آدم منهما و..
-آدم بنبرة جـــادة وهو يشير بيده : الزوارق جاهزة للتحرك
-يزيد بنبرة حازمة : تمام ، يالا
ثم أمسك بفرح من ذراعها ، وجذبها منه لتسير إلى جواره وهي لا تفهم ما الذي يحدث ..
توجه يزيد بها إلى مؤخرة الفرقاطة حيث يوجد مخرج جانبي خـــاص بزوارق الطواريء ..
لم تعي فرح ما الذي يريده يزيد منها ، ولماذا هي بصحبته ، والسؤال الأهم لماذا هم جميعاً متجهون ناحية تلك الزوارق ..
لمحت فرح بعض الضباط والمجندين وهم يقفزون بمهارة وخفة ناحية الزوارق ، ثم يجلسون في مجموعات على الجانبين وهم مسلحون بالكامل .. وما إن يكتمل العدد حتى يبدأ الزورق في التحرك بسرعة عالية ليخترق مياه البحر وأمواجه ..
وقفت فرح متسمرة في مكانها ، وممسكة بالحافة المعدنية ، في حين نزل آدم أولاً إلى الزورق ، ثم لحق به يزيد ، وتوجه ناحية مقدمة الزورق ومن بعدهما أربعة من المجندين ، واستعد الجميع للانطلاق .. تابعتهم فرح بنظرات متوجسة وهم يتخذون وضعية الاستعداد ، وابتلعت ريقها في خـــوف شديد ..
هزت فرح رأسها في رعب ، ورفضت رفضاً تاماً أن تخطو بقدميها خــارج الفرقاطة لتركب مثل هذا الزورق المخيف ، لقد تجدد خوفها من البحر سريعاً ، وتلاشى تدريجياً خوفها من أصوات الذخيرة التي هدأت أصواتها ..
استدار يزيد بجسده ليجد فرح مازالت واقفة في مكانها أعلى الفرقاطة ، فرمقها بنظرات حــادة ، و…
-يزيد بنبرة صادحة وهو يشير بيده : انتي يا مدام ، هتفضلي واقفة عندك كده كتير ، يالا
-فرح وهي تهز رأسها في خوف ، وبنبرة مذعورة : لأ مش هايحصل مش هاسيب هنا
-يزيد بنبرة صارمة ، ونظرات شرسة : أنا مش بعزم عليكي عزومة مراكبية في النيل يا هانم ، دي مهمة واحنا مش فاضيين للدلع الفارغ بتاعك ده
-فرح بنظرات مضطربة ، ونبرة خائفة : والله ما يحصل أبداً ، ولو عـــاوز ترفدني ، تطردني خالص برا الوحدة ، اعمل ده مش هيهمني ، لكن أنزل البتاعة دي لأ..
ظن يزيد أن فـــرح تعانده وتتحداه برفضها الامتثال لأوامـــره ، وبالتالي سيصبح حديث الجميع إن تركها تنفذ رغبتها ، لذا توجــه عائداً إلى حافة الزورق ، ثم قفز بخفة من عليه ليصعد على متن الفرقاطة ، في حين تراجعت فرح عدة خطوات للخلف .. بينما تابع آدم ما يحدث بعدم فهم و..
-آدم متسائلاً بجدية : رايح فين ؟
نظــــر يزيد بشراسة إلى فرح ، وبدأ في توبيخها بحدة ، ولكنها كانت مصممة على موقفها ، ورفضت أن تطيعه ، وظلت تلوح بيدها في الهواء ، و…
-فرح بنبرة مُصرة : حتى لوعلقتلي المشنقة مش هاسيب هنا
مد يزيد كلتا يديه ناحية فرح ، ثم أمسك بها من معصمي يدها ، وجذبها منهما بقوة ناحية مخرج الفرقاطة الجانبي ، في حين صرخت هي فيه عالياً بأن يتركها ، و…
-فرح بنبرة خائفة للغاية ، ونظرات راجية : لألألأ .. مش عاوزة أمشي من هنا ، حرام عليك ، أنا عندي فوبيا ، سيبني .. !
ولكن يزيد لم يعبأ بها ، ولا بتوسلاتها ، ثم استدار بجسده كلياً ، وضم معصميها معاً وأمسكهما بقبضة يد واحدة ، وانحنى بجذعه قليلاً للأسفل ليضع ذراعه الأخــر أسفل ركبتيها ، ثم حملها بين ذراعيه ، بينما ركلت هي بقدميها في الهواء ، ثم توقف يزيد أمام المخرج ، ومن ثم قفز بها ناحية الزورق ..
صرخت فـــرح عالياً وهي تراه يقفز بها ناحية الزورق ، ثم ألقاها يزيد على أرضية الزورق ، وصــاح في رجاله بـ …
-يزيد بنبرة صادحة وغاضبة : اتحركوا بسرعة
بدأت فرح في البكاء عالياً وهي تصرخ ، وتعالت شهقاتها ، وظلت جاثية على ركبتيها ، ومنحنية بظهرها للأسفل ، في حين رمقها يزيد بنظرات غير مبالية بها ، ثم أدار رأسه لينظر إلى الأمـــام وهو يتابع سرعة الزورق في المياه ..
زم آدم شفتيه في ضيق ، ثم اقترب منها ، ووضع يده على ظهرها محاولاً تهدئتها و..
-آدم بنبرة جــدية ، ونظرات ثابتة : اهدي يا فرح ، مافيش حاجة ، ده تدريب عادي
دفنت فرح وجهها بين راحتي يدها ، وظلت تشهق وهي تتنفس بصعوبة ، فظن يزيد أنها تبالغ في ردود أفعالها ، فســار ناحيتها ، ثم مد يده ليمسك بقبضة يدها التي يختبيء خلفها وججها ، ثم جذب يدها بعنف من على وجهها ، فرفعت عينيها الحمراوتين ناحيته لتنظر إليه ، فهــــدر بها بـ …
-يزيد بصراخ عنيف : بطلي بقى شغل الأفلام بتاع النسوان ده ..!
بدأت فــرح تعاني من صعوبة في التنفس ، وحاولت أن تسيطر على خوفها وتنظم تنفسها ، ولكنها عجزت ، فشعرت بالاختناق ، وبدأت تصيبها الرعشة والارتجــاف ، ثم بدأ العرق يتصبب منها بغزارة ، وشعرت لوهلة أنها على وشك الاحتضـــار ..
لاحظ آدم تبدل ملامح فرح سريعاً ، فظن أنه ربما يكون نتيجة خوفها من طريقة يزيد العنيفة معها ، وأسلوبه الفظ في الحوار ، فوقف آدم قبالة يزيد و…
-آدم بنبرة جـــادة ، ونظرات حــادة : يزيد كفاية اللي بتعمله فيها حرام عليك
-يزيد بنبرة غاضبة ، ونظرات محتقنة وهو يشير بيده : وانت بقي بيخيل عليك الألاعيب دي
كانت فرح تشير – كالمجنونة – بكلتا يديها في الهواء ، وأطرقت رأسها للأسفل في تعب شديد..
فلاحظ أحد المجندين شحوب بشرتها ، فظن أنها تعاني من الاختناق ، فانتفض فزعاً من مكانه ، وأمسك بكف يدها و…
-المجند بنبرة قوية وقلقة : سيادة المقدم ، إلحق
انتبه كلاً من يزيد وآدم لصوت المجند ، ورأى كلاهما فرح وهي تعاني من حــالة رهــاب البحر ، فركضا ناحيتها ، وجثيا على ركبتيهما ، وحــاولا تهدئتها ..
أمسك يزيد بكف يد فرح ، وربت عليه بحنية ، و…
-يزيد بنبرة مرتعدة ، ونظرات خائفة : فــرح ، سمعاني ، حاولي تتنفسي ، إنتي كويسة ، إهدي ، احنا معاكي ، مافيش حاجة ..!
-آدم بنبرة متوترة : فــرح .. انتي طبيعية ، خدي نفس عميق !
أشـــار يزيد بيده إلى آدم ، و..
-يزيد بلهجة أمــرة ، ونظرات مضطربة: خليها تفرد ضهرها ، ورجع رقبتها لورا عشان تدي مساحة للهوا يدخل صدرها وتعرف تتنفس
-آدم بجدية وهو يوميء برأسه : طيب ..
وبالفعل تعاون الاثنين معاً في تمديد فرح على أرضية الزورق ، وساعدهما أحد المجندين في إرجــــاع رأسها للخلف ، ثم تحرك يزيد في اتجاه رأسها ، وجثى على ركبتيه خلف رأسها ، ثم مــال برأسه قليلاً للأمام ناحيتها و…
-يزيد بنبرة خافتة : فرح ، خدي نفسك من بؤك ، صدقيني والله انتي كويسة ، اللي في بالك ده وهم
ظل يزيد يتحدث مع فرح التي كانت تنظر إليه بنظرات مذعورة محاولاً طمأنتها ، وبث الثقة في نفسها لكي تستعيد هدوء نفسها بالإضافة إلى قدرتها على التنفس بصورة طبيعية .. فقد استشعر خطورة الموقف ، وأنه قد جــازف بحياتها دون أي اكتراث بها ..
آمـــر يزيد أحد المجندين بأن يُبطيء سرعة الزورق ، ويبتعد به عن ساحة الاشتباك حتى تتيقن فرح أنه لا يوجد أي مخاطر حولها ، ثم نهض آدم من مكانه لكي يتابع تنفيذ المجند لأوامر يزيد ..
وبالفعل أشــــار آدم للمجند بيده لكي يتوجه ناحية بقعة ما خاوية من تشكيلات السفن ، ثم أبلغ عبر الجهاز اللاسلكي عن وجود حالة اختناق بالزورق استدعت منهم الابتعاد عن ساحة الاشتباك في البحر ..
لم يتوقف يزيد عن الحديث مع فرح بصوت هاديء ورزين وبتمهل ، ووضع يده على شعرها يمسد عليه برفق في حركة ثابتة ، فعامل الإطمئنان النفسي هو الهام في تلك الأزمــة ، لأن مريض الرهــاب يتخيل أنه في خطر محدق ، وحينما يسيطر عليه هذا الخوف بدرجة كبيرة يتأزم الوضع ، ويصبح عاجزاً عن مقاومته ، ويمكن في بعض الحالات الحرجة أن يودي بحياته ..
ظلت فرح تنظر إلى يزيد بنظراتها المذعورة والخائفة وكأنها تناديه لكي ينجدها ، فبادلها هو بنظرات الاستجابة لنداء إغاثتها ، ورمقها بعينين حانيتين بثت إليها الاطمئنان والثقة …
لوهلة عاتب يزيد نفسه على تشبيه فرح بزوجته السابقة هايدي ، فلا مقارنة بين الاثنتين ، بل إن المقارنة مجحفة بحق فرح ، فهي رقيقة كالفراشة ، بينما هايدي جامدة كالحجر ..
وقف آدم يتابع الموقف برمته من على بعد ، فقد شعر في قرارة نفسه أن يزيد يُكن شيئاً ما لفرح رغم قسوته وعجرفته البادية للجميع معها ، كما أنه تأكد أن يزيد لا يتحمل أن يُصيبها أي مكروه ، وحينما تقع في أي مأزق يهرع إليها ناجداً إياها دون تردد ….
بعد برهة ، بدأت فرح تتنفس بإنتظام ، فتنهد يزيد بإرتياح ، ثم مد يده ليعاونها في الاعتدال في جلستها .. ثم أبعد يده عنها ، وإستند على أحد ركبتيه ، وظل يتابعها بإهتمام شديد ..
أطرقت فرح رأسها في ضيق بسبب تذكرها لهجوم يزيد اللاذع عليها ، في حين حدق هو بها و…
-يزيد بنبرة جادة ، ونظرات متفحصة : ليه مقولتليش ان عندك فوبيا من البحر ؟
رفعت فرح رأسها فجـأة ، ثم استدارت بها في اتجاه يزيد ، ونظرت إليه بعينيها اللامعتين و…
-فرح بنبرة ضعيفة وبخفوت : هو انت بتديني فرصة أقول حاجة
شعر يزيد بالخجل من نفسه ، فهي لم تخطيء في قولها هذا، ثم أجفل عينيه قليلاً ، و..
-يزيد بنبرة شبة نادمة وبتلعثم : معلش .. أنا .. أنا أسف ..!
حدقت فـــرح في يزيد في ذهول تام ، وفغرت شفتيها في صدمة كبيرة ، فهي لم تتوقع أنه سيعتذر منها هكذا بكل بساطة .. لقد خــالف كل توقعاتها وظنونها ..
اقترب آدم مجدداً من فرح ، وجثى على أحد ركبتيه ، و…
-آدم متسائلاً بهدوء : انتي كويسة الوقتي ؟
أومـــأت فرح برأسها موافقة ، ولم تنطق بكلمة ، فمازالت عاجزة عن إيجاد الكلمات بعد أن أطـــاح يزيد بكل شيء بإعتذاره المستحيل لها ..
-آدم بنبرة جــادة نوعاً ما : طب احنا لازم نشارك زمايلنا في المناورة ، هتقدري تكملي معانا ؟
نظرت فرح إلى آدم بنظرات متوجسة ، وترددت في الإجابة عليه ، فلاحظ يزيد ارتباكها وخوفها البادي على ملامحها ، فمـــال برأسه على رأسها قليلاً ، ثم همــس لها بـ ..
-يزيد بخفوت شديد : أنا وعدتك قبل كده اني مش هاخلي حاجة تأذيكي ، وأنا عند كلمتي …………………………………… !!
………………………………………………………
الحلقة الرابعة عشر :
وافقت فرح بعد وعـــــد صريح من المقدم يزيد برعايتها والحفاظ عليها طــوال تلك المهمة المُوكل بها بالانضمام إليهم وتغطية أهم الأحداث خلال المناورة الدائرة ..
مد يزيد يده إلى فرح لكي يساعدها على النهوض ، ثم طلب منها بكل هدوء أن تجلس على جانب الزورق وتتشبث به جيداً ، فامتثلت فرح إلى طلبه ، وجلست على الجانب ، وظل تتابعه بعينيها الخائفتين ..
آمـــر يزيد أحد المجندين الموجودين بالزورق بالجلوس إلى جوار فرح وعدم مفارقتها مهما حدث ، فتولى المجند تلك المهمة البسيطة من وجهة نظره ، وشديدة الأهمية من وجهة نظر يزيد ..
ثم قـــاد يزيد الزورق ، وبدأ في إعطاء إشارات التحرك لكي يتم تنبيه الجميع لاشتراك زورقه في مهمة التعامل مع أحد السفن المعادية وإعتراضها كما تم الاتفاق مسبقاً ..
تعامل الجميع مع الأزمة المصطنعة بحرفية ماهرة ، وحاولت فرح قد الإمكان أن تلتقط بكاميرتها لقطات شاملة ومميزة للاشتباك ..
حدقت فرح في تلك الأجواء المشتعلة بأعين منبهرة وممزوجة بالخوف ، فهي لم تتخيل أن أفراد القوات البحرية يتميزون بالاحترافية وتلك الكفاءة العالية ، فقد ظنت أنها مجرد أقاويل تردد دون اعتبار ، ولكن كانت الحقيقة غير .. حيث اثبت الجميع قدراتهم الغير عادية في التعامل مع الأزمــات ..
لاحقاً وصـــل الزورق ومن عليه إلى إحدى السفن الحربية حيث سيتم الانتقال للخطوة التالية في المناورة وهي تدمير أهداف سطحية باستخدام الذخيرة الحية …
صعد أحد المجندين أولاً على سطح السفينة ، ثم قام بتثبيت الزورق ، ومد يده ليعاون الباقيين في الصعود على متن السفينة التي كانت شبه خالية من المجندين أو ضباط البحرية ، حيث كان المتواجد فقط هم قلة تعد على أصابع اليد ..
لم يمسك يزيد بيد المجند فقد استطاع بخفة أن يصعد ولم يحتاج إلى أي مساعدة ، ولكنه وقف على الجانب ومـــد يده في اتجاه فرح التي كانت على وشك الصعود هي الأخــر على السفينة ..
مدت فرح كف يدها المرتعش في اتجاه يزيد الذي قبض عليه ، وجذبها بقوة حتى تمكنت من الصعود على السفينة ، ثم وضع يده بصورة عفوية على كتفها ، وســـار بها في اتجاه الداخل ..
شعرت فرح بالحرج لأن يزيد لم يزيح يده عن كتفها ، وتوردت وجنتيها من الخجل ، ثم أطرقت رأسها في توتر و…
-فرح بنبرة متلعثمة ، ونظرات مرتبكة : آآ.. ممكن .. آآ .. تشيل ايدك ..!
ضيق يزيد عينيه ، ونظر إلى فرح باستغراب ، ثم أبعد يده عن كتفها ، و..
-يزيد وهو يتنحنح : احم .. آآ.. أنا
لم يكمل يزيد كلامه حيث انضم إليهما آدم و..
-آدم بنبرة حماسية ، ونظرات مشرقة : عندي أخبار تحفة يا سيادة المقدم
-يزيد بنبرة جـــادة ، ونظرات حائرة : اخبار ايه ؟
-آدم بنفس النبرة الحماسية : بعد ما ننتهي من تدريبات النهاردة هناخد اجازة يوم وهنقضيها في شرم الشيخ
اتسعت عيني فرح في ذهـــول ، وارتسمت علامات التعجب على وجهها و…
-فرح فاغرة شفتيها ، وبنظرات مصدومة : هـــه … شـ.. شرم
-آدم بنبرة متلهفة : أول مرة الصراحة القادة يدوا اجازة قبل ما المناورة تنتهي تماماً
-يزيد متسائلاً بنبرة جدية : طب ليه ؟
-آدم وهو يمط فمه ، وبنظرات غير مفهومة : مش عــارف والله ، بس على ما أظن ممكن يكون في حد جديد هينضم للمناورة ، فهما منتظرينوه
انتصب يزيد اكثر في وقفته ، ثم رمــق آدم بنظرات ثابتة و..
-يزيد بنبرة رسمية : احتمــال ، مافيش حاجة مستبعدة
-فرح متسائلة بنبرة حائرة : وهو احنا المفروض نعمل ايه بعد كده ؟
التفت يزيد برأسه في اتجاه فرح ، ثم نظر إليها بنظرات دافئة و..
-يزيد بنبرة هادئة : انتي هاتفضلي هنا شوية
ضيقت فرح عينيها ، ونظرت إلى يزيد بنظرات متوجسة و…
-فرح متسائلة بعدم فهم : يعني ايه ؟ هو انتو رايحين في حتة تانية ؟
-يزيد بنبرة شبه جــادة : مش بالظبط ، بس ورانا تكليفات لازم ننتهي منها حالاً
-فرح متسائلة بحيرة : تكليفات ايه ؟
-آدم بنبرة هادئة : بصي هو المفروض اننا آآ…
نــظر يزيد إلى آدم بعد أن وضع يده على كتفه و…
-يزيد مقاطعاً بحدة : آدم …!!!
-آدم بنظرات غير مستوعبة لما يحدث : هــاه
-يزيد بنبرة أقل حــدة : مافيش داعي نضيع وقت ، فــرح هترتاح هنا ، واحنا هنشوف ورانا ايه
ثم استدار يزيد بجسده ، وأشــــار بعينيه لأحد المجندين و…
-يزيد بلهجة آمـــرة ، وبنبرة قوية : خد بالك من الأستاذة فرح ، تفضل ملازمها لحد ما نرجع
-المجند بنبرة رسمية : حاضر
وزعت فرح نظرها ما بين يزيد وآدم ، ثم …
-فرح متسائلة باستغراب : أنا مش فاهمة حاجة
رمـــق يزيد فرح بنظرة فاحصة قبل أن يستدير و…
-يزيد بجدية وهو يشير بيده : بعدين .. يالا يا سيادة المقدم ..
ثم انصــرف الاثنين تاركين فرح بصحبة المجند ، وســـارا عائدين إلى الزورق .. زمت فرح شفتيها في عدم استيعاب ، ثم سارت بصحبة المجند إلى سطح السفينة ..
جابت فرح ببصرهــا المكان ، فلم تجد ما يُثير اهتمامها ، فاستفسرت من المجند عن ماهية تلك السفينة ووظيفتها ، فأخبرها المجند أن تلك السفينة هي السفينة الخاصة بالمؤن والتي تزود السفن الأخــرى بما تحتاج إليها ، وبالتالي كانت الأقل تسليحاً وتجهيزاً ..
أومـــأت فرح برأسها ايجابياً ، ثم توجهت إلى الداخل ومن خلفها المجند ..
………………………
صعد يزيد أولاً على متن الزورق ، ثم لحق به آدم الذي وقف إلى جواره و…
-آدم متسائلاً باستغراب : هو انت مردتش تاخد فرح معانا ليه ؟
-يزيد بجدية ، ونظرات ثابتة : مافيش داعي اننا نرهقها أكتر من كده ، وخصوصاً إن الجزء اللي جاي خاص بالغواصات
-آدم وهو يعيد رأسه للخلف : أهــا
-يزيد بنبرة حاسمة : يالا بس ودينا على سفينة القادة
-آدم بإيجاز : علم وينفذ ..
أدار آدم دفة القيادة ، ثم ســــار بالزورق السريع ليخترق به المياه الزرقاء حتى يصل إلى السفينة المرجوة ، بينما تشبث يزيد بالحافة وظل محدقاً أمامه دون أن يرمش …
…………………………………..
في مقر جريدة الضحى ،،،،،
ظلت إيلين تحاول الاتصـــال بفرح لأكثر من مرة ، ولكن كان الرد كسابقه ( الهاتف غير متاح ) ، مما جعلها تزفر في انزعــاج ، وتلقي بهاتفها بعدم اكتراث على سطح المكتب و…
-إيلين بنبرة منزعجة وهي تسند وجنتها على راحة يدها : اوووف ، هاتجنن عليكي ، يا ترى بتعملي ايه الوقتي يا فرح ؟؟
ثم نهضت فجــــأة إيلين عن مقعدها حينما وجدت الأستاذ عبد السلام يدلف إلى المكتب ، وابتسمت له ابتسامة مصطنعة و…
-إيلين بنبرة متلعثمة ، ونظرات مصدومة : ازي حضرتك .. يا .. يا مستر عبد السلام .. آآ.. المكتب نور
وضع الأستاذ عبد السلام يده على نظارته الطبية الموضوعة على أنفه ، ثم عَدَل من وضعيتها ورمق إيلين بنظرات ثاقبة قبل أن يردف بـ …
-عبد السلام بنبرة جـــادة للغاية : أنا كويس ، المهم قوليلي مافيش جديد عن فرح ؟
مــالت إيلين برأسها قليلاً للجانب ، ورمقت الأستاذ عبد السلام بنظرات متعجبة و…
-إيلين بنبرة استغراب : حضرتك بتسألني ؟ ده أنا كنت متوقعة إن الأخبار كلها موجودة عندك يا مستر
-عبد السلام بنبرة جــادة : لأ للأسف ، أنا مش عـــارف أوصل لفرح خالص ، الاتصالات زي ما تكون مقطوعة ، فأنا توقعت انها تكون على اتصال بيكي ، لكن واضح انك زيي مش عارفة حاجة عنها
وضعت إيلين كلتا يديها على شفتيها ، وجحظت عينيها اكثر و…
-إيلين بنبرة متوجسة : لأحسن يكون جرالها حاجة
-عبد السلام بنبرة هادئة نسبياً : لأ مش للدرجادي !
دارت إيلين حـــول مكتبها ، ووقفت إلى جوار الأستاذ عبد السلام ، ثم نظرت إليه بنظرات راجية و…
-إيلين بنبرة شبه مذعورة : بليز يا مستر عبد السلام ، لو تقدر تعمل اي حاجة عشان نوصل لفرح وتطمنا وآآ…
-عبد السلام مقاطعاً بجدية : اطمني ، أنا هافضل وراها لحد ما أعرف أخبارها ايه بالظبط
-إيلين بنبرة راجية ، ونظرات متوسلة : تسلم يا مستر عبد السلام ، وأنا هحاول برضوه أتواصل مع والدتها ، يمكن تكون تعرف عنها حاجة
-عبد السلام محذراً وهو يشير بيده : بس خدي بالك وانتي بتتكلمي معاها ، مش عاوزينها تقلق
-إيلين وهي تعض على شفتيها : طيب ..
ثم تركها الأستاذ عبد السلام في حيرتها وقلقها ، وانصرف خـــارج المكتب ..
فركت إيلين أصابع يديها في توتر ، وظلت تنظر أمامها لبرهة و..
-إيلين بنبرة شبه مضطربة : يا خوفي يا فرح تكوني وقعتي في مصيبة ومحدش عــارف ، ولا حاسس …!
……………………………………..
على متن أحد السفن الحربية ،،،
وصــل يزيد ومعه آدم إلى أحد السفن الحربية والمؤمنة تأميناً عالياً حيث يجتمع قادة التشكيلات المختلفة ، ســـار كلاهما بخطوات سريعة في اتجاه صالة الاجتماعات الملحقة بكابينة القيادة ، ثم دلفا الاثنين إلى الداخل وقاما بإلقاء التحية العسكرية ، ثم بدأ الاجتماع الهام والعاجل ..
كان الاجتماع الطاريء يناقش اعتراض إحدى السفن التابعة للقوات البحرية أثناء المناورة التدريبية لإشارة بث تنبعث من سفينة مــا على فترات متقاربة وبوسائل بدائية كي لا تثير الشبهات حولها ، وحينما تم ترجمة تلك الاشارة الغامضة اتضح قيام أحد المكلفين بالاشتراك في المناورة ببث معلومات سرية تفيد بتحديد الموقع الخاص بعملية المناورة من أجل تمكين أشخاص بعينهم من سهولة الاستيلاء على قطعة بحرية ..
تفاجيء يزيد بتلك المعلومات الخطيرة ، وحدق بعينيه في القادة ، وظل صامتاً ، ولكنه تحمس كثيراً للقضاء على من يخون الوطن ، ومن يشترك مع أعدائه من أجل تسريب معلومات في غاية الأهمية ..
كانت المفاجأة الأكبر حينما أعلن أحد القادة على أن السفينة التي تبعث إشارات الالتقاء هي نفس السفينة المتواجدة عليها فرح ( سفينة المؤن ) ، وهنا انقبض قلب يزيد بشدة ، وتبدلت ملامحه للخوف والضيق ..
تسمر آدم هو الأخـــر في مكانه ، والتفت برأسه قليلاً في اتجاه يزيد ليلاحظ ملامح التوتر الجلية على كل قسمات وجهه ..
ابتلع يزيد ريقه في صعوبة ، وحـــاول قدر الامكان أن يفكر في حل سريع ، ولكن ما ألجم لسانه عن النطق هو …
-أحد القادة بنبرة جــادة وصارمة : استحالة نسمح للخونة دول بأنهم ياخدوا السفينة دي بسهولة
-قائد أخـــر بنبرة جدية : لازم نعرف الأول هما مين ، وبعدين نتعامل معاهم
-قائد ثالث بنبرة رسمية : أنا بقترح إننا نوهم الضابط الخائن بأننا معرفناش بنواياه الدنيئة ، ونسيبه يكمل خطته لحد ما يتمسك هو والكلاب اللي بيعاونوه
-قائد رابع بنبرة صلبة : لازم يتنسفوا من على وجه الأرض ، الخاين مالوش مكان ، وماينفعش نتساهل معاه
-أحد القادة بنبرة ثابتة : أنا بؤيد الاقتراح الخاص بإننا نسيب الخاين يفتكر إنه قدر يخدعنا ، وبعد كده يتمسك هو واللي معاه ويتحقق معاهم ويتعرف مين اللي وراهم
-قائد ثالث بنبرة رسمية : شكراً يا فندم على ثقتك دي
-قائد رابع متسائلاً بحزم : طب لو حصل اشتباك نتعامل فوراً ونبيد الأعداء دول يا سيادة اللوا ؟
في تلك اللحظة اتسعت عيني يزيد في رعب حقيقي ، ثم …
-يزيد مقاطعاً بنبرة فزعة وصارمة في نفس الوقت : لأ مش هايحصل ..!!
انتبه الجميع إلى صوت يزيد ، واستداروا برؤوسهم ناحيته ، في حين حدق به آدم و…
-أحد القادة بنبرة شبه غاضبة : انت بتقول ايه
-يزيد متابعاً بنفس النبرة الفزعة : بقول مش هاينفع يا فندم اننا نشتبك معاهم
-أحد القادة بنبرة متهكمة : ليه يا سيادة المقدم ، انت مش آآ…
-يزيد مقاطعاً بنبرة جدية للغاية : يا فندم في صحفية تبع الطاقم بتاعي موجودة على السفينة دي ، وأنا استحالة أسيب أي فرد تبعي من غير ما أعمل المستحيل عشان أجيبه !
تعالت بعض الهمهات الغير مفهومة ، وبدأت الأحاديث الجانبية بين الجميع .. في حين ظل يزيد يتابع الجميع بأعين مترقبة محاولاً استنباط قرارهم ..
لا يستطيع أحد أن ينكر علامات الفزع الممزوجة بالقلق والتوتر التي تعتري كل ذرة في كيان يزيد ، فالأمــر ليس بالهين على الإطلاق ، التفت يزيد في اتجاه أحد القادة الرئيسين ، وحبس أنفاسه حينما وجده قد انتهى تقريباً من اتخاذ القرار بعد المشاورات التي امتدت لعدة دقائق ..
تابع آدم هو الأخــر ردود الفعل المختلفة لتلك الأزمة المفاجئة ، وظل عقله منشغلاً بإيجاد طريقة ما لحلها .. فهو يعلم أن مثل هذا النوع من المفاجأت يتم التعامل معه بإستراتيجيات وخطط تكتيكية محكمة ، ورغم أن بعض القادة أعطوا الفرصة للجميع لإبداء مقترحاتهم ، والأخذ بالماشورة إلا أن آدم لم ينبس بكلمة ، بل كان يختلس النظرات إلى يزيد ليعرف ردة فعله ، ثم يعاود التحديق في القادة .. ..
كان الجدال جلياً ، ولكن في النهاية حسم الأمـــر صوت أحد القادة بـ …
-أحد القادة بنبرة قوية وهو ينظر إلى يزيد : قدامك ساعة واحدة تسترجع الفرد الخاص بطاقمك قبل ما ننفذ الخطة بتاعتنا
شعر يزيد بأن روحـــه قد ردت إليه من جديد ، فحمد الله في نفسه أن القائد كان حكيماً ولم يميل إلى الاقتراح الخاص بالاشتباك الفوري ..
-يزيد بنبرة جادة للغاية : وإن شاء الله أقل من كده بكتير يا فندم
أدى يزيد التحية العسكرية ، وكذلك فعل آدم ، ثم انطلق كلاهما بخطوات سريعة إلى خـــارج كابينة القيادة و…
-يزيد بنبرة متلهفة ، ونظرات حـــادة : بسرعة جهزلنا لانش سريع نطلع عليه فوراً
-آدم بنبرة جادة ، ونظرات ثابتة : للأسف مافيش أي لانشات قريبة من هنا
-يزيد بحدة وتهكم : اومــال هنروح نجيب فرح إزاي ، طايرين مثلاً ؟
وهنا ارتسمت ابتسامة شبه عريضة على وجـــه آدم وهو ينظر إلى يزيد بنظرات متفائلة و…
-آدم مبتسماً : انت قولت الحل خلاص يا سيادة المقدم ..!
ضيق يزيد عينيه ، وفهم ما الذي كان يرمي إليه آدم ، فغير مسار طريقه ، ثم انطلق في اتجاه سطح السفينة العلوي حيث تتواجد طائرات الهيليوكوبتر والتي يتم استخدامها في حالات الطواريء والانقاذ البحري ..
………………………
في أحد المدارس التجريبية الخاصة ،،،،
دلف الأستاذ بركات إلى داخل غرفة معلمي مـــادة العلوم ، فتنبه الجميع لوجوده ، ثم نهضوا عن أماكنهم وتوجهوا إليه لتعزيته ..
كانت تلك هي المرة الأولى التي يزور فيها الأستاذ بركات معلمي تلك المدرسة بعد حادث وفاة ابنه الأكبر كريم ، حيث اعتزل الأستاذ بركات الناس لفترة ، ثم بعد محاولات جاهدة من ابنته كاميليا لإقناعه بالعدول عن تلك الفكرة قرر الأستاذ بركات أن يعود لعمله مجدداً ..
اقتربت شيماء من الأستاذ بركات الذي جلس على المقعد الخشبي المجاور لباب الغرفة ، ثم مدت يدها لتعدل من حجابها المنسدل على كتفها ، و…
-شيماء بنبرة حزينة : البقاء لله يا أستاذ بركات ، احنا جينا العزا والله بس حضرتك كنت ملبوخ وكده
-بركات بنبرة منكسرة : تسلمي يا بنتي ، كله مقدر ومكتوب
-منى بنبرة خافتة : الله يرحمه كان طيب زي حضرتك
-شيماء بنفس النبرة الحزينة : هو موجود عند ربنا ، ودي أمانته واستردها ، المهم حضرتك تشد حيلك
-بركات بنبرة آسفة ، ونظرات منخفضة : الشدة على الله
-مريم بنبرة شبه متلهفة : المهم انك نورتنا يا أستاذ بركات ، والله مافي حد زيك أبداَ
-بركات بنبرة هادئة : كتر خيرك يا بنتي
-منى بنبرة هادئة : الصراحة مافيش موجه جالنا بعدك ، كنا مفتقدينك يا أستاذ بركات
ابتسم لها الأستاذ بركات ابتسامة مصطنعة ، في حين جحظت مريم بعينيها و…
-مريم متسائلة بنبرة فضولية : أومـــال اخبار مرات المرحوم ايه ؟ أصل احنا شوفنا الحاجة وهي بتتخانق معاها وآآ…
لكزت شيماء مريم في كتفها لكي تكف عن هذا الحديث الفارغ ، فنظرت مريم إلى شيماء بنظرات حانقة و..
-مريم بخفوت : ايه !
-شيماء بنظرات ساخطة ، ونبرة خافتة : بلاش الكلام ده
-مريم بإمتعاض : الله ، مش عاوزة أطمن على البنت اللي كانت مموتة نفسها عليه
رمـــق الأستاذ بركات مريم بنظرات شبه منزعجة ، ثم …
-بركات بنبرة جـــادة : أظن الكلام ده مالوش علاقة بالشغل ، يا ريت تجيبلي الدفاتر يا ميس مريم خليني أشوفها
شعرت مريم بالحرج ، ورمقت الأستاذ بركات بنظرات خجلة ، و..
-مريم وهي تتنحنح : احم .. آآ.. طيب
مطت شيماء شفتيها في ضيق ، وظلت ترمق مريم بنظرات حانقة ..
…………………………..
توقف يزيد أمام أفراد طاقم الهيليوكوبتر وبدأ يشرح لهم على عجالة الخطة المقترحة من أجل إنتشال الصحفية التابعة له من على سفينة المؤن ، فأوميء الجميع موافقين على الخطة ، ثم قام يزيد بتقسيمهم إلى مجموعتين ، وأمــرهم جميعاً بالتسلح والاستعداد للمواجهة الشرسة ، في حين قرر آدم أن يبذل قصاري وسعه في الحصول على زورق سريع لكي يكون بديلاً في حالة حدوث أي طاريء ..
صعد قائدي الطائرة الهليوكوبتر على مقعدي القيادة ، وبدأ كلاهما في تشغيل المحركات ، في حين ركب يزيد في الخلف ، وأمسك بأحد البنادق الآلية في يده ، بينما جلس إلى جواره ثلاثة أفراد من القوات البحرية ، وكانوا هم الأخرين مسلحين تسليحاً كاملاً ..
انطلق آدم هو الأخـــر مبتعداً عن السطح لكي ينفذ الجزء الأخــر من الخطة ..
بدأت الطائرات في التحليق في السمــاء الزرقاء ، ويزيد ينظر أمامه بنظرات قاتلة وهو قابض على سلاحه بقبضة تكاد تعصره ..
………………………………..
كانت فــرح جالسة في القمرة الخاصة بالقيادة وتتابع ما يجري في الداخل .. في البداية لم تكن على دراية بما يحدث من حولها ، ولكنها تنبهت لوجود أمــر مريب حيث لاحظت قيام أحد الأفراد باستخدام هاتف من النوع ( الثريا ) في الحديث بكلمات مقتضبة وغامضة عن شحنة ما اقترب موعد تسليمها ..
تذكرت فرح أن يزيد قد غضب غضباً عارماً حينما رأها تمسك بالهاتف المحمول في يدها ، وأخبرها أن هذا الأمـــر ممنوع منعاَ باتاً خلال التدريبات ، ثم ألقى بهاتفها المحمول في مياه البحر ، فكيف إذن مسموح لمثل هذا الضابط باستخدام هذا النوع من الهواتف ، والمتصل بالأقمـــار الصناعية ، في عرض البحر وخلال تكليف هـــام مثل تلك المناورة ..
لذا توجهت فرح إلى هذا الضابط الذي كان يوليها ظهره ، ثم وقفت خلفه و…
-فرح بنبرة متحشرجة ، ونظرات مترقبة : لو سمحت
استدار الضابط بجسده ، وارتبك فجــأة حينما رأى فرح محدقة به وبالهاتف ( الثريا ) الذي بيده ، فإكفهرت ملامح وجهه و…
-الضابط بحدة : عاوزة ايه ؟
-فرح بنبرة متسائلة وهي تشير بعينيها : هو حضرتك مش عارف ان استخدام الموبايل ممنوع هنا ؟؟
رمـــق الضابط فرح بنظرات حانقة ، ثم مـــال برأسه ناحيتها و..
-الضابط بنبرة غاضبة ، ونظرات شرسة ومتوعدة : وانتي مالك ؟ روحي اترزعي في اي بلوى بدل ما أحبسك
ابتلعت فرح ريقها في توجس ، ورغم الخوف الذي قد بدأ يتسرب إلى أوصالها إلا أنها حاولت أن تستجمع شجاعتها و…
-فرح بنبرة متحدية : لأ مش هاتقدر لأني باتكلم صح ، وهابلغ عنك إنك خالفت التعليمات ، ماهو مش بعيد تكون ناوي تعمل جريمة ، وأنا مش هاسكت عن ده أبداً
كـــور الضابط قبضة يده في ضيق وهو يجز على أسنانه ، ثم رفع ذراعه عالياً ، وباغت فرح بلكمة قوية سددها في وجهها ، فجعلتها ترتد للخلف وتسقط على ظهرها ، ثم تحرك هو بخطوات سريعة في اتجاهها ، و..
-الضابط بنبرة هادرة : مش هاتلحقي ..
تأوهت فرح كثيراً من الآلم ، ووضعت كلتا يديها على عينيها ، ولكنها رفعتهما فجــأة حينما تفاجئت بالضابط يمسك بها من كلتا قدميها ويجرها جراً على الأرض ..
ظلت فرح تركل بقدميها محاولها تحريرهما ولكنها لم تستطع فقد كان الضابط سريعاً للغاية ، وصرخت عالياً لأكثر من مرة كي ينجدها أي أحد ، ولكن دون جدوى ، وما إن وصــل الضابط إلى قمرة جانبية حتى أرخى يديه عن قدميها ، ثم انحنى بجذعه قليلاً للأسفل ليمسك بها من شعرها ، فوضعت فرح كلتا يديها على رأسها محاولة تخليص فروة رأسها من براثن أصابعه ، ثم سحبها الضابط وهي تصرخ ليلقي بها في الداخل ، ومن ثم أحكم غلق باب القمـــرة عليها بمفتاح خــارجي ، وألقى به بعدم اكتراث خــارج الكابينة …
ورغم الآلم الشديد إلا أن فرح نهضت عن الأرض ، واندفعت ناحية باب القمرة المعدني ، وظلت تطرق بكلتا يديها عليه بقوة وهي تصرخ بـ …
-فرح بنبرة هـادرة ، ونظرات باكية : الحقوووني ، أنا محبوسة هنا ، ساعدوني ، في حد سامعني ، أنا هنـــا ..
ابتسم الضابط في غرور زائد ، ثم أمسك بهاتفه ( الثريا ) و…
-الضابط بنبرة واثقة : كله تمام ، واحنا على ميعادنا
أنهى الضابط المكالمة ، ثم وضع مقدمته على طرف ذقنه ، وظل يضرب بخفة عليها وهو يفكر في أمر ما ، ثم التفت برأسه للخلف ليرمق الباب المعدني بنظرات أخيرة قبل أن ينطلق سريعاً للخــــارج
……
وكــأن المكان قد أصبح خاوياً فجــأة من الجميع ، فلم ينتبه أي أحد إلى استغاثات فرح العالية ، ولا إلى صراخها الهــادر أو بالأحــرى لم يعرها أي أحد الانتباه ، حيث عَمَد الجميع إلى تجهيز السفينة سريعاً للانطلاق مجدداً في عرض البحر بعد برهة بناءاً على أوامر مسبقة من الضابط …
…………………………
حلقت الطائرتين الهليوكوبتر فوق سفينة المؤن ، ثم بدأ يزيد ومن معه في الاستعداد للنزول عبر الحبال على سطحها ..
راقب يزيد السطح جيداً ، ولم يجد أي أحد عليه ، ولمح من على بعد فقط وجود مجند ما مشغول بترتيب بعض الأشياء ، فالتفت يزيد برأسه للخلف مخاطباً من معه بـ …
-يزيد بنبرة آمــرة : هنتحرك فوراً ، هدفنا الصحفية وبس ، ووقت ما بقت معانا الكل ينسحب .. معاكو 15 دقيقة كحد أقصى للتنفيذ والانسحاب
أعطى يزيد إشارة الانطلاق للجميع ، فبدأ الواحد تلو الأخـــر في النزول عبر الحبال إلى المياه ، ثم سبحوا في اتجاه السفينة ، وبدأوا في الصعود على سطحها ..
اشتبك أحد المجندين مع أحد أفراد طاقم الطائرة الهليوكوبتر ، والذي تعامل معه بمهارة ، فأرداه على الأرضية المعدنية فاقداً للوعي .. ثم انطلق في اتجاه كابينة القيادة ..
صعد يزيد على سطح السفينة ، وجاب بنظرات فاحصة المكان بحثاً عن فرح ..
ما أثار ريبة يزيد أن السفينة كانت شبه خالية من المجندين ، فتوجس خيفة أن يكون شيئاً ما قد حل بالجميع وخاصة فرح .. فانطلق مسرعاً ومن خلفه أفراد الطاقم في اتجاه كابينة القيادة ..
……….
دلف يزيد إلى داخل الكابينة ، وأشـــار بإصبعيه لأحد الأفراد بإشهار سلاحه ، ثم التوجه صوب اليمين ، وأشـــار لفرد الأخـــر بالتوجه ناحية اليسار … ثم قـــام هو ومن تبقى بتمشيط المكان من الداخل ..
سمع يزيد صوت صراخ يأتي من مكان ما ، فانتفض قلبه خوفاً ، وظل يجوب ببصره الكابينة محاولاً تحديد مصدر الصوت .. ولكنه تفاجيء بمن يهجم عليه بشراسة من الخلف محاولاً إعاقته ثم جذب سلاحه منه ، وألقاه بعيداً ، فحاول يزيد تخليص نفسه منه ..
وفجــأة ظهر بعض المجندين وبدأوا هم الأخرين في الاشتباك مع أفراد الطاقم المصاحبين ليزيد
..
نجح يزيد في تخليص نفسه من براثن ذلك الضابط ، ثم استدار بجسده في اتجاهه ، وانقض عليه كالوحش الكاسر وبدأ يكيل له باللكمات والركلات ..
لم يكف الضابط هو الأخــر عن محاولة صد تلك الضربات المتلاحقة عليه ، وتسديد لكمات أخــرى قوية ليزيد .. وفي النهاية تمكن يزيد من إيقاع الضابط على الأرضية المعدنية ، وإفقاده للوعــي .. ثم ركض في اتجاه مصدر الصوت بعد أن انحنى بجسده للأسفل ليلتقط سلاحه بيده ..
توقف الصراخ فجــأة ، فتسمر يزيد في مكانه ، وخفق قلبه بشدة ، فوجد نفسه يصرخ عفوياً بـ …
-يزيد بنبرة صادحة : فــــــــــرح ………………………………….!
الحلقة الخامسة عشر :
تنبهت فرح إلى صوت يزيد الصادح بإسمها بعد أن يئست من كثرة الصراخ ، وبح صوتها من كثرة العويل ، فعاودت الكَرَة من جديد ، وظلت تطرق بيديها على الباب المعدني و…
-فرح بصوت متحشرج : انا هنا ، ساعدوووني ..
استدار يزيد برأسه في اتجاه مصدر الصوت ، ثم ركض بخطوات قافزة ناحية باب معدني جانبي كان الطرق ينبعث من خلفه ، ثم وقف قبالته ، وأسند كلتا يديه عليه ، و..
-يزيد بنبرة متلهفة ، ونظرات زائغة : فـــرح .. سمعاني
استندت فرح برأسها على الباب المعدني و…
-فرح بنبرة حماسية : أيوه سمعاك
اعتدل يزيد في وقفته ، ثم جــاب ببصره الباب باحثاً عن مقبضه ، فوجده ، ووجد من خلفه مكاناً لمفتاح ما ، فأيقن أن الباب موصد و..
-يزيد بنبرة قوية : فرح ارجعي لورا عشان أنا هافتح الباب بالسلاح
إنتاب فرح الرعب ، وطوت قبضتي يدها معاً ، وأسندتهما على صدرها في خوف ، ولكنها رغم هذا امتثلت لأوامـر يزيد ، وتراجعت عدة خطوات للخلف ، وظلت محدقة بالباب …
صـــوب يزيد سلاحه في اتجاه القفل الخاص بالباب المعدني ، ثم صاح هادراً بـ ….
-يزيد بنبرة قوية ، ونظرات ثابتة : فـــــرح ، أنا هاضرب نار بعد 3 ، سمعاني ؟
-فرح بنبرة مرتعدة ، ونظرات خائفة : طيب
-يزيد بصوت صادح : واحد ، اتنين … تلاتة !
ثم ضغط يزيد على الزنـــاد ، ونجح في فتح القفل الخــاص بالباب المعدني ، ثم اندفع بثقل جسده على الباب ليفتحه مرة واحدة ..
بالفعل وجد يزيد فرح المذعورة في الداخل ، فركض سريعاً ناحيتها ثم مد كلتا يديه ناحية رأسها ، وأمسك بها بين راحتي يده ، ونظر مباشرة في عينيها و…
-يزيد بنبرة متلهفة ، ونظرات مشتاقة : فرح انتي كويسة ، قوليلي ؟
هزت فرح رأسها ايجابياً ، فلمح يزيد كدمة سوداء تحيط بعينها اليسرى ، فضيق عينيه في غضب و…
-يزيد بنبرة منزعجة ، ونظرات حانقة : مين عمل كده ؟؟؟
-فرح بنظرات خائفة ، ونبرة متلعثمة : و..آآ.. واحد كان .. كان هنا ، بس أنا كويسة
جز يزيد على أسنانه من الغضب ، وحـــاول قدر الإمكان أن يتحكم في أعصابه ، ثم أرخى يديه عن وجه فرح وأمسك بها من كف يدها ، و…
-يزيد بنبرة متوعدة : قسماً بالله مش هاسيبه لو شوفته ..
ثم سحب يزيد فرح من كف يدها ، وســـار بها بخطوات حذرة إلى خارج كابينة القيادة .. ثم توجه معها إلى السطح
كان أفراد الطاقم المصاحب له قد انتهوا هم أيضاً من التعامل مع المجندين ، وقيدوا حركتهم تماماً بالأربطة البلاستيكية ، وقاموا بتمشيط المكان بالكامل ، ثم اتجهوا خلف يزيد والصحفية التي معه ..
تفاجيء يزيد وهو ينظر من سطح السفينة للمياه الزرقاء بوجود زوارق بحرية سريعة تحمل أعلاماً غريبة تتجه صوب السفينة ، فدقق النظر جيداً فيهم وهو يفكر في أمـــر ما ، ثم استدار برأسه لينظر إلى فرح بنظرات جادة ، ومن ثم عـــاود النظر أمامه و…
-يزيد بنبرة شبه جادة : في حاجة مش مظبوطة ..!
كانت فرح ترتجف في أوصالها ، وتنظر حولها بنظرات زائغة
-فرح بعدم فهم ، ونظرات مرتعدة : في ايه ؟
-يزيد بجدية ، وبنظرات ثاقبة : مش عارف ، بس في حاجة غلط
وقف أحد أفراد الطاقم المصاحب له خلف يزيد و…
-الضابط بنبرة رسمية : سيادة المقدم ، احنا مشطنا السفينة ومافيش فيها حد ، الكل تحت السيطرة
التفت يزيد برأسه قليلاً للخلف ، وأشـــار له برأسه و…
-يزيد بنبرة جادة : ماشي ، يبقى فوراً نبدأ خطة الانسحاب
أومىء الضابط برأسه ، ثم انطلق راكضاً للخلف لينفذ الأوامر .. في حين ظل يزيد ممسكاً بكف يد فرح وقابضاً عليه
وبعد ثوانٍ قليلة كان باقي أفراد الطاقم قد تجمعوا على سطح السفينة وتم البدء في خطة الانسحاب على الفور ، حيث تحدث احد الأفراد عبر جهاز لاسلكي هوائي مثبت خلف أذنه ليعطي الإشارة لقائد الطائرة الهليوكوبتر بالقدوم ..
كانت المشكلة الحقيقية أمام يزيد وباقي أفراد طاقمه هي باقتراب تلك الزوارق من سفينة المؤن ..
أشـــار يزيد بيده لأفراد الطاقم بالتوجه لمؤخرة السفينة من أجل تنفيذ مخطط الانسحــاب ..
شعرت فرح بالقشعريرة تسري في بدنها ، فشعر يزيد بخوفها ، فقبض اكثر على كف يدها ، ثم نظر إليها بنظرات مطمئنة و..
-يزيد بنبرة خافتة وجــادة : متخافيش ، أنا جمبك ومش هاسيبك
هزت فرح رأسها في ايجاب ، ورمشت بعينيها في قلق ، ولكنها نوعاً ما شعرت بالارتياح ..
انطلق الجميع بعد هذا إلى مؤخرة السفينة .. ثم أمرهم يزيد بترك السفينة فوراً ، فأمتثل الجميع لأوامره ، وبدأ واحداً تلو الأخــر من أفراد الطاقم في القفز في المياه بخفية شديدة ..
كان الرعب الحقيقي لفرح هو أن تُلقي بنفسها – وبإرادتها – في المياه التي تخشاها .. لم تتخيل فرح نفسها تفعل هذا للمرة الثانية على التوالي في نفس اليوم ..
حدقت فرح في المياه بنظرات مذعورة ، وتسمرت في مكانها .. فالتفت يزيد إليها بجسده كلياً ، ورمقها بنظرات حانية و..
-يزيد بخفوت وجدية : فرح عاوزك تركزي معايا ، متخليش خوفك يسيطر عليكي
هزت فرح رأسها في فزع ، وظلت تنظر أمامها بنظرات خائفة ، في حين تابع يزيد حديثه بـ …
-يزيد بجدية ، ونظرات ثابتة : ده وهــم يا فرح ، مافيش حاجة هتحصلك ، وأنا وعدتك اني هاكون معاكي لأخــر لحظة ، لازم تنطي يا فرح عشان تعيشي … وآآ…
شردت فرح في أمواج البحر ، ولم تصغي إلى كلمة مما يقولها يزيد ، بل شعرت أن نوبة الرهــاب قد بدأت تتسلل إليها ..
لاحظ يزيد بداية ظهور الأعراض على فرح ، فصرخ فيها عالياً بـ …
-يزيد بنبرة هادرة : فــــرح ، بصيلي
مد يزيد يده وأمسك بطرف ذقن فرح ، ثم أدار رأسها في اتجاهه ، وحدق بها بشدة و…
-يزيد بنبرة صارمة : فرح انتي هاتنطي معايا ، وأنا مش هاسيبك ، عاوزك تثقي فيا ، ماشي ؟
أعــــاد يزيد تكرار عبارته لأكثر من مرة على مسامع فرح التي تنبهت أخيراً له ، ثم أومــأت برأسها في خوف و…
-فرح بصوت ضعيف ، ونظرات راجية : أوعى تسيبني
ابتسم يزيد في رضا ، ثم ..
-يزيد بصوت دافيء ، ونظرات حانية : مش هايحصل إني أسيبك لحظة ..
وبالفعل قفز يزيد أولاً في المياه ليغطس بجسده للأسفل ، ثم بعد لحظة برزت رأسه أعلى المياه ، وسبح بجسده للخلف قليلاً ليفسح المجال لفرح لكي تقفز …
ثم رفع يزيد كلا ذراعيه عالياً في الهواء ليشير إلى فرح التي كانت ترتعد كلياً لكي تقفز .. لوهلة ظن أنها لن تثق به ، ولن تقفز أبداً ، ولكنه تفاجيء بها تغمض عينيها ، وتضغط عليهما بشدة ، ثم اندفعت بجسدها للأمــام لتقفز في المياه وتغطس فيها …
اندفع يزيد هو الأخـــر خلفها محاولاً الامســـاك بها من ذراعها ، ثم بالفعل استطاع أن يمسكها من معصمها ، ومن ثم جذبها إلى السطح .. شهقت فرح لعدة مرات محاولة إخراج المياه التي تدفقت إلى رئتيها ، كما ظلت ترفس بكلتا يديها في المياه بطريقة هيسترية ، فحـــاول يزيد تهدئة حركتها ، و…
-يزيد بصوت مختنق من المياه : اهدي يا فرح ، أنا ماسكك ، مافيش حاجة ..
سعلت فرح كثيراً محاولة التخلص من المياه ، ثم بدأ يخرج صوتها متحشرجاً و..
-فرح بنبرة مرتعدة : أنا بغرق ، هـ .. آآ… هاموت ، الحقوني
حاول يزيد قدر الإمكان تثبيت فرح وتهدئتها حتى لا تدخل في نوبة تشنج ، بالإضافة إلى أن حركتها الزائدة قد تتسبب في غرق كلاهما و…
-يزيد بنبرة جــادة : والله العظيم أنا ماسكك ، متخافيش ، بطلي بس انتي تحركي ايدك لأحسن هنغرق احنا الاتنين
هدأت حركة فرح تدريجياً ، وحـــاول يزيد أن يشرح لها بكل بساطة كيفية التمسك به ، وعدم إلقاء ثقل وزنها بالكامل عليه ، وشدد عليها ألا تلف ذراعيها بشدة حول عنقه فتتسبب في خنقه عمداً ، ومن ثم غرق كلاهما أثناء قيامه بسحبها خلفه وهو يسبح ..
سبح يزيد بمهارة مبتعداً عن السفينة و فرح ممسكة به ، وتسبح من خلفه … وبعد لحظات قليلة انتبه يزيد إلى صوت زورق ما يقترب منهما ، فتوقف عن الحركة ، واستدار برأسه للجانب ليرى هذا الزورق عن كثب ..
ظل يزيد يرمش بعينيه عدة مرات محاولاً التخلص من المياه المالحة العالقة برموشه ، في حين تشبثت فرح أكثر به و…
-فرح بنبرة خافتة ومرتعدة : انت وقفت ليه ؟
-يزيد مازحاً : بريح شوية لأحسن دراعي خدل
توقف الزورق على مسافة قريبة منهما ، فحدق يزيد فيمن عليه ، فوجده آدم وبصحبته أحد المجندين والذي كان ممسكاً بدفة القيادة ، فابتسم في ارتياح ، ثم سبح في اتجاهه ومعه فرح ..
حـــرك يزيد فرح بذراعيه في المياه لكي تقف أمامه ، في حين مد آدم يده بعد أن انحنى بجذعه قليلاً للخلف لكي يمسك بها ..
مدت فرح هي الأخــرى ذراعها لكي تمسك بقبضة يد آدم الممدودة لها ، في حين وضع يزيد كلتا يديه على خصر فرح لكي يعاون آدم في رفعها على الزورق ، فسرت قشعريرة أكثر في جسد فرح ، وتوردت وجنتيها بحمرة الخجل ، وارتبكت بشدة ، فحاول يزيد أن يخفف من حدة التوتر و..
-يزيد بنبرة شبه خافتة : غصب عني ، ماهو الهدوم شاربة مياه كتير وآدم مش هيعرف يشد لوحده
ابتسمت فرح في احراج ، ثم استندت بيدها الأخــرى على حافة الزورق ، وتعاون كلاً من يزيد وآدم في رفعها ، وبالفعل تمكنت من الصعود على متن الزورق ، وجلست القرفصاء على الجانب ..
صعد يزيد هو الأخـــر على سطح الزورق ، ثم جلس إلى جوار فرح ، ومــال برأسه عليها وهو يبتسم لها في عذوبة و…
-يزيد بنبرة خافتة : أظنك صدقتي الوقتي إني عند وعدي
أطرقت فرح رأسها في خجل ، وأجفلت عينيها في حياء .. في حين ظل هو محدقاً بها .. ثم أعطى آدم لكلاً من يزيد وفرح بطانية ثقيلة لكي يلف كلاهما بها جسدهما المبتل بالمياه .. ثم أشـــار إلى المجند لكي يدير الدفة وينطلق بالزورق في اتجاه الفرقاطة ..
……………………………….
بعد عدة دقائق ، وصل الزورق إلى الفرقاطة ، فصعد يزيد أولاً عليها بعد أن أزاح البطانية من عليه ، وعاونه مجند ما في تأمين طريق صعوده …
لم تزيح فرح البطانية عن جسدها المرتعش ، بل كانت نوعاً ما تختبيء خلفها حتى لا يلاحظ أي أحد ارتباكها أو حتى توترها ..
، استدار يزيد بجسده ناحية فرح ، ورمقها بنظرات غريبة ، ثم مد يده في اتجاه فرح التي لم تتردد هذه المرة في الإمساك بكف يده ، ومن ثم جذبها بقوة في اتجاهه لترتطم دون قصد منها بصدره ..
لم ينسْ يزيد أن يستغل الفرصة في ..
-يزيد هامساً بنبرة عميقة : حمدلله على سلامتك يا فراشتي .. نورتي الفرقاطة
رفعت فرح عينيها لتنظر إلى عيني يزيد مباشرة ، وحدقت فيهما لثوانٍ دون أن ترمش ، في حين بادلها هو نظرات دافئة ممزوجة بالحنية ..
فهي لم تعتد على تلك النظرات منه ، ولكنها لأول مرة شعرت بالاطمئنان معه ، شعرت بعدم الخوف رغم قربها الشديد منه ..
لم يتوقف يزيد عن التحديق في فرح وعن قراءة ما بين عينيها ، هي حقاً ليست كغيرها ، بها شيء يأسره ، هالة ما تحاوطها ، فتجعله منجذباً دائماً إليها ..
وقف آدم على حافة الزورق يتابع ما يحدث وعلى وجهه ابتسامة عريضة ثم …
-آدم بنبرة مازحاً : وأنا هافضل تحت كده كتير ، مافيش اتفضل يا آدم ، منور يا أبو سلمى ، أي حاجة كده
أطرقت فرح رأسها مجدداً ، وسارت بخطوات مرتبكة للأمــام ، في حين تنحى يزيد جانباً ، ثم مد أحد المجندين يده ليعاون المقدم آدم في الصعود على متن الفرقاطة
شكر يزيد آدم على معاونته إياه في انقاذ فرح ، وكذلك فعل مع بقية أفراد الطاقم الذي لم يتأخر في اتمام تلك المهمة العاجلة .. ولكن تفاجيء يزيد بوجود معظم القادة على سطح الفرقاطة وهم يصفقون ليزيد ومن معه بحرارة ..
لم يستوعب يزيد الأمــر في البداية ، في حين حدقت فرح في الجميع بنظرات استغراب ، بينما وقف آدم شامخاً يرمقهما بنظرات إعجاب
تقدم أحد القادة العسكريين من يزيد الذي انتبه في وقفته أمامه ، وقام بتحيته بالتحية العسكرية ، و…
-القائد بنبرة رسمية : استرح
استرخى يزيد في وقفته ، ورمــق القائد بنظرات حائرة ومتسائلة ، فابتسم له القائد وهو ينظر إليه بإعجاب و…
-القائد متابعاً بنبرة جـــادة : اللي حصل ده كله كان جزء من المناورة التدريبية
ضيق يزيد عينيه ، والتفت إلى جانبه لينظر إلى فرح في عدم فهم ، ثم عــاود التحديق مجدداً في القائد و…
-يزيد بنبرة شبه جــادة ، ونظرات حائرة : أنا مش فاهم حاجة ، ممكن حضرتك توضحلي
انتصب القائد في وقفته ، ثم لف كلا ذراعيه خلف ظهره ، وعقد كفي يديه معاً ، ثم نظر إلى يزيد بنظرات ثابتة و…
-القائد بنبرة رسمية وهو يشير بعينيه : المقدم آدم كان بلغنا بإن الصحفية المنتدبة في وحدتك عندها فوبيا من المياه ، وإنها تسببت في تعطيل مهمتك بسبب مرضها النفسي ده ، وإنك في البداية اتعاملت مع الموضوع بعدم اهتمام …
شعــــر يزيد بالضيق لأنه بالفعل قد أخطيء فيما يخص فرح ، ونظـــر من زاوية عينيه إلى آدم ، في حين أردف القائد بـ …
-القائد مكملاً بنبرته الجادة : وبالتالي اتعرضت للخطر وكان ممكن تتجازى فيها ، فهو وضحلنا إن ده كان غير مقصود منك ومكنش عندك علم بمرضها ده ، واقترح علينا نستغل الموقف بدون ما تعرف ، ونستفيد من اللي حصل في التدريبات الخاصة بتحرير الرهائن ، وانقاذ السفن من القرصنة ، وانت أثبت إنك على قدر المسئولية ، وتستحق فعلاً التقدير
صفق الجميع مـــرة أخــرى ليزيد مبدين إعجابهم به ، في حين وقفت فــرح هي الأخــرى في حالة عدم تصديق ، فهي لم تتخيل أن تكون جزءاً أساسياً من تدريب هـــام كهذا …
انتهى القائد من الثناء على المقدم يزيد ومدحه ، ثم أشـــاد باستراتيجيته الفعالة في التعامل مع الأزمـــات ، فارتسمت علامات الفخــر على وجهه ، ثم اقترب منه القادة الأخــرون وبعض الضباط وصافحوه ، وبدأوا في التحدث معه بأحاديث جانبية ..
تابعت فــرح يزيد بعينيها ، ثم انسجبت في هدوء إلى الداخل حيث توجد قمرتها ..
وقف آدم هو الأخـــر إلى جوار رفيقه ، وظل يشيد به وبمهاراته ، في حين رمقه يزيد بنظرات متوعدة ، فهو بكل حرفية قد استطاع خداعه ، ولكنه لن يحاسبه على فعلته تلك أمام الغرباء ..
……………………………….
في منزل فرح فرغلي ،،،،
تمددت السيدة فوزية على فراشها ، ورفضت أن تكمل تناول الطعام الذي قامت بطهيه باكر ، وأثرت أن تقضي باقي نهارها في متابعة ألبومات الصور الخاصة بإبنتها لعل بالها المنشغل عليها يستريح ..
ترقرقت العبرات في عينيها وهي تتابع كيف كبرت إبنتها ، وكيف أصبحت ما هي عليه الآن ..
مسحت فوزية عبراتها بمنشفتها الورقية ، ثم تنهدت في ضيق جلي ، فقد انقطع الاتصـــال بفرح فجـــأة ، وهي لم تعاود الاتصال بها أو مهاتفتها حتى لاحقاً ، فتوجست خيفة أن يكون قد أصابها مكروه ، فنهضت عن فراشها ، وقررت أن تهاتف رفيقتها إيلين لعلها تعرف خبر ما عنها …
بحثت فوزية عن هاتفها المحمول و…
-فوزية بنبرة منزعجة ، ونظرات متفحصة : يا ربي ، أنا حاطيته فين !! لا حول ولا قوة إلا بالله ..
ظلت السيدة فوزية تبحث عن هاتفها في أرجــاء المنزا إلى أن وجدته مستنداً على طاولة جانبية ، وموصولاً بالشاحن .. فمدت يدها وأمسكت به ، ثم ضغطت على عدة أزرار ، وانتظرت أن تجيبها إيلين …
بعد عدة محاولات من الاتصـــال ، أجابت إيلين و..
-إيلين هاتفياً بنبرة متلهفة : طنط فوزية ، ازي حضرتك
-فوزية هاتفياً بنبرة حانية : أنا كويسة يا بنتي ، المهم انتي عاملة ايه ؟ وازي بنوتك مارسيل ؟
-إيلين بنبرة هادئة : تمام يا طنط ، طمنيني على حضرتك ؟ بتاكلي كويس ؟ كله تمام عندك
صمتت فوزية لثوانٍ ، ثم تنهدت في حرارة ، و..
-فوزية بنبرة شبه حزينة : يا ريتها كانت جت على أد الأكل والشرب ، دي مقدور عليها ، لكن انتي عارفة ، فرح قطعت بيا ، وبالعافية لما بسمع صوتها ..
عضت إيلين على شفتيها ، ثم رفعت يدها ، ووضعتها على مقدمة رأسها لتعبث بخصلة شعرها و…
-إيلين بنبرة هادئة نسيباً : معلش يا طنط ، انتي عارفة النظام العسكري ، كل حاجة عندهم بمواعيد ، ومنظمين أوي ، ومافيش حاجة عندهم زي ما احنا متعودين
-فوزية بتنهيدة حزينة : أيوه أنا عارفة ، بس دي بنتي الوحيدة ، وانا عاوزة أطمن عليها
-إيلين بنبرة متفائلة : هتطمني قريب يا طنط عليها متقلقيش ، أه بالحق نسيت أقولك على حاجة
-فوزية بنبرة حائرة : حاجة ايه ؟
ســـردت إيلين للسيدة فوزية عن زيارة الأستاذ بركات لها في المكتب وسؤاله عن فرح ، فامتعض وجه السيدة فوزية ، وعبست ملامحه و…
-فوزية بضيق ، ونظرات حانقة : مش خلاص خلصنا من الشبكة السودة دي ، عاوزة ايه مننا ؟؟ هو مكفهوش اللي مراته وابنه عملوه في بنتي ، حسبنا الله ونعم الوكيل
-إيلين بنبرة متريثة : اهدي يا طنط ، مافيش داعي للانفعال ، هو أصلا مشي من غير ما يقول حاجة
-فوزية بنبرة منزعجة : أنا بقت سيرة الناس دي بتعصبني
-إيلين بنبرة هادئة : معلش يا طنط .. المهم حضرتك لازم تاخدي بالك من نفسك ومن صحتك
-فوزية بخفوت : ربنا يسهل
-إيلين بنبرة شبه متحمسة : وقريب أوي هتلاقيني جاية ازورك ومعايا المفعوصة مارسيل
-فوزية مبتسمة في هدوء : تشرفي يا حبيبتي في أي وقت ، ده بيتك ..
ثم أنهت لاحقاً فوزية المكالمة مع إيلين ، وتوجهت ناحية الأريكة العريضة الموضوعة في غرفة المعيشة وجلست عليها .. واستندت برأسها على مرفقها ، وظلت تتنهد في ملل …
……………………………………….
في أحد النوادي الصحية الفاخرة ،،،،
تمددت الطبيبة هايدي على إحدى الطاولات المخصصة لعمل ( مساج ) وتدليك للجسد حتى تجعل عضلاتها المتيبسة ترتخي ، ثم أغمضت عينيها وانتظرت مجيء العاملة الخاصة بالتدليك ..
بعد لحظات دلفت إحدى العاملات ذات الملامح الصينية إلى داخل تلك الغرفة ذات الإضاءة الخافتة ، ثم قامت أولاً بفرك عضلات كتف الطبيبة هايدي بقوة جعلتها تتأوه من الآلم ، فنهرتها هايدي بحدة ، فتوقفت العاملة عما تفعل ، ثم ابتعدت عنها قليلاً ، وبحثت عن إحدى الزجاجات الخاصة بزيوت البشرة …
استخدمت العاملة زيت التدليك وقامت بسكبه على بشرة هايدي ، وبدأت في فركها مجدداً ولكن بقوة أقـــل ..
ثم فتح الباب فجـــأة أحد الأشخاص ذوي البشرة السمراء ، والجسد الضخم ، والطول الفاره ، ودلف إلى الداخل ، وســـار بخطوات حذرة ناحية الطاولة الجلدية ، وأشـــار للعاملة بيده لكي تنصــرف .. فتحت هايدي عينيها لتنظر إليه ، ثم أغمضتها مجدداً وهي تبتسم ابتسامة راضية و…
-هايدي بنبرة خافتة : اتأخرت
-شريف بإبتسامة خبيثة : سوري يا بيبي ، انتي عارفة مشاغلي
-هايدي بنبرة أقرب للهمس وهي تمط شفتيها : ممم .. اوكي ، بس انت لازم تعوضني
-شريف بنظرات وضيعة ، ونبرة لئيمة : أكيييد طبعاً
شريف الصباغ هو صاحب أحد المنتجعات الصحية الشهيرة بالقاهرة ، تعرف إلى الطبيبة هايدي حينما قامت زوجته بعملية حقن مجهري في مركزها الطبي قبل عدة أشهر بعد فشلها لأكثر من مــرة ، ومن وقتها صــارت علاقتهما مقربة ، خاصة حينما أدركت هايدي صلاته القوية وعلاقته بأناس ذوي مناصب مرموقة في الدولة ، فقررت أن تستفيد منه ، وتستغله فيما يفيد مصالحها .. في حين عَمَد شريف هو الأخـــر لاستغلالها أسوأ استغلال بعد أن اكتشف مصادفة خداعها له في عملية حقن زوجته المجهري
ثم بحركة ماكرة قام شريف بإدارة يده للخلف ليدير زر موصول بكاميرا خلفية مخبأة بين بعض المناشف القطنية البيضـــاء …
………………………………………..
بدلت فـــرح ملابسها المبتلة ، وارتدت زياً رياضياً من اللون الأزرق السماوي ، وظلت جالسة على فراشها المعدني تتذكر ما مرت به من أحداث متلاحقة منذ الصباح الباكر إلى الآن …
قطع شرودها صوت طرقات خافتة على باب قمرتها ، فنهضت من على فراشها ، وســارت بخطوات بطيئة نحوه ، ثم فتحت الباب لتجد أحد المجندين وهو يحمل صينية ما مغلفة بغلاف بلاستيكي شفاف في يده و..
-فرح بخفوت : أيوه
-المجند بلهجة رسمية : اتفضلي يا فندم
-فرح بنظرات حائرة ، ونبرة متسائلة : ايه ده ؟
-المجند بنبرة جادة : ده الأكل بتاع سيادتك ، سيادة المقدم موصي عليه ، اتفضلي
فتحت فرح الباب المعدني أكثر ، ثم مدت يدها وأمسكت بالصينية ، وشكرت المجند الذي انصرف على عجالة ، ثم أغلقت الباب ، وأسندت الصينية على الطاولة المعدنية ، وحدقت فيها بنظرات شغوفة ..
لقد تناست فرح في خضم ما مرت به أن تتناول طعامها ، وكان شكل الطعام الموضوع بالصينية شهياً ، فأسرعت فرح بإزاحة الغلاف البلاستيكي ، وأمسكت بملعقة بلاستيكة موضوعة بها ، وبدأت تتناول الطعام بشراهة ..
لمحت فرح ورقة مطوية وموضوعة في غلاف بلاستيكي على الجانب ، فتوقفت عن مضغ الطعام ، وأسندت الملعقة على الطاولة ، ثم مدت أصابعها لتمسك بالورقة ..
فتحت فرح الورقة الموطية لتقرأ ما كُتب بداخلها ، فاتسعت عينيها في ذهــول حينما قرأت ( ليكي بكرة عندي هدية في شرم تعوضك عن اللي حصل النهاردة .. يزيد )
-فرح فاغرة شفتيها ، وبنبرة فضولية ، ونظرات استغراب : هدية !! ومن يزيد ، طب هاتكون ايه دي …………………………………………..؟؟؟!!!
بقلم منال محمد سالم.
رواية فراشة أعلى الفرقاطة.
الحلقة السادسة عشر :
جلس يزيد في قمرته ممدداً على فراشه المعدني بالفرقاطة ليستريح من عناء هذا اليوم المرهق بالنسبة له ، ولكن كانت جائزته الحقيقية هي تأكده من أنه يحمل مشاعر صادقة لفرح ..
عقد يزيد ساعديه خلف رأسه ، وظل محدقاً بسقفية القمرة المعدنية متذكراً لحظاته المنوعة مع فــرح ، فسرح في خيالات غناء ، ولكن قطع خيط أحلامه صوت طرقات على باب القمرة ، فاعتدل يزيد في جلسته وهو يزفر في ضيق ، ثم نهض عن الفراش ، وســـار بخطوات ثابتة ناحية باب القمرة ، ثم فتحه ليجد آدم يبتسم له ببلاهة ، فضيق يزيد عينيه ، ورمقه بنظرات حانقة ، ثم صفع الباب في وجهه ، مما جعل آدم يتسمر في مكانه في ذهــول ..
بعد لحظة طرق آدم الباب مجدداً ، ففتح له يزيد وهو ينظر إليه بوجه ممتعض ، ثم تركه وســـار خطوتين للأمام ، وهو موليه ظهره ، و..
-يزيد بنبرة منزعجة : عــاوز ايه
-آدم بنبرة مرحة : الله ! ليه بس الوش الخشب ده ، ده احنا طول عمرنا حبايب
استدار يزيد بجسده ، وأمسك بياقة آدم ، وجذبه منها بعنف و…
-يزيد بنبرة قانطة : يعني تبقى عارف اللي هايتعمل فيا وتسكت عليه
حــــاول آدم أن يزيح قبضة يد يزيد عن ياقته بحذر ، فنجح في هذا ، ثم …
-آدم بهدوء ، ونظرات ثابتة : طب كنت عاوزني أعمل ايه ؟ دول قادة الأركان بنفسهم ، مش ناس أي كلام
-يزيد بضيق وهو يشير بيده : برضوه، كنت تعرفني
-آدم مازحاً : المرة الجاية هابقى أعملك منشن على الفيس بوك
-يزيد بحدة ، ونظرات مغتاظة : انت بتهزر ؟
-آدم مبتسماً في هدوء : يا عم فك بقى ، ده انت كنت نجم الليلة ..
ثم صمت آدم لبرهة ، ووضع يده على كتف يزيد ، و..
-آدم بخفوت ، ونظرات فضولية : المهم قوليلي بقى ايه الحكاية
-يزيد بعدم فهم : حكاية ايه ؟
-آدم غامزاً ، وبنبرة خافتة : حكاية المــزة
لم يجب عليه يزيد للحظة ، وظن أن آدم قد كشف أمــره ، فحاول أن يبدو طبيعياً ، فاستدار برأسه ليخفي ارتباكه و..
-يزيد بنبرة متلعثمة : آآ… مافيش حكاية ولا رواية
تحرك آدم خطوة للأمام ليقف أمام يزيد ، ثم مـــال برأسه ناحيته ليرى وجهه الذي يحاول إخفائه بوضوح و…
-آدم بخفوت : يا راجل .. اومــال وشك جاب ألوان كده ليه ؟
رمـــق يزيد آدم بنظرات محذرة وهو يجز على أسنانه ، فتراجع آدم برأسه للخلف و…
-آدم بتوجس : خلاص ، متقلبش وشك بس ، أنا كنت عاوز أطمن عليك ، يمكن نجي نبارك قريب
-يزيد محذراً بحدة : آدم ، انت عارفني مش بحب أتكلم في المواضيع دي
-آدم مبتسماً ابتسامة عريضة : الله ، يعني في مواضيع أهوو
زفــــر يزيد في ضيق جلي ، و…
-يزيد بنبرة حانقة : يوووه ، انت مش هتحل عني السعادي ولا ايه ؟
-آدم بنبرة هادئة : خلاص يا سيدي ، بس الصراحة كنت قمة النهاردة ، بجد انت عجبتني ، بس ايه رأيك في تكتيكي ، أنفع صح ؟
-يزيد بنبرة مغتاظة : ده أنا كان بودي أحط فيك لغم وأفجرك لما عرفت ان ليك يد في اللي حصل
-آدم متوجساً : يا ساتر يا رب ، أد كده بتحبني
-يزيد بنبرة شبه متعصبة : كنت عاوز تهزأني قصاد الكل
-آدم بنبرة متلهفة ، ونظرات جادة : أبداً والله ، ده أنا بس لما بلغت بإن عندنا حالة فوبيا من المياه ، فاطلب مني بالأمــر إني أجي عند مركز القيادة ، وأشارك في تنفيذ الخطة الطارئة اللي اتحطت
-يزيد بتهكم : وطبعاً انت ما صدقت
-آدم بنبرة واثقة ، ونظرات مغترة : أكيد ، دي فرصة مش بتكرر كتير
-يزيد بتوعد : مسيري أردهالك
-آدم بنبرة شبه قلقة ، ونظرات مرتبكة : يا رب تنسى ، ومتفتكرش ، لأحسن أنا عارف زعلك وحش
-يزيد بنبرة جـــادة : يا ريت تبقى تفكر قبل ما تعمل حاجة تانية زي دي
تنهد آدم في ارتياح ، ثم توجه للفراش المعدني ، وجلس على طرفه ، وثنى أحد ساقيه من أسفله و…
-آدم متسائلاً بنبرة متحمسة : قوليلي هاتعمل ايه بكرة ؟
-يزيد بعدم فهم : أعمل ايه في ايه ؟
-آدم بنبرة لئيمة : مع الجو
-يزيد بجدية : جو ايه ؟ أنا مش فاهم حاجة
رمـــق آدم يزيد بنظرات غريبة ، وظل يتمتم مع نفسه بخفوت و..
-آدم بنبرة أقرب للهمس : ما انا لو قولتله إن الجو هو فرح يمكن يقلب بأعاصير وزوابع .. طب أجيبهاله إزاي دي
نظر يزيد إلى آدم بنظرات حائرة وهو عاقد أحد حاجبيه في استغراب و…
-يزيد متسائلاً بنبرة هادئة : انت بتكلم نفسك ؟
انتبه آدم إلى يزيد ، ونظر إليه بنظرات متوجسة و…
-آدم بنبرة شبه مرتبكة : هــه .. آآ.. أه ، متخدش في بالك
-يزيد وهو يمط شفتيه : طب يالا وريني عرض كتافك خليني أنام
نهض آدم عن الفراش ، وعدل من ملابسه ، ثم ..
-آدم وهو يزم شفتيه : طيب .. وأهوو بكرة هايطلع برزقه
-يزيد بعدم فهم ، ونظرات جادة : رزق ايه ؟ أنا مش فاهم أي حاجة من اللي انت بتقولها
-آدم مازحاً : أصل أنا بحب أهلوس مع نفسي ، فمتركزش معايا
-يزيد مبتسماً من زاوية فمه : طب يالا ، تصبح على خير
-آدم بهدوء : وانت منه أهله ..
انصـــرف آدم من القمــرة ، في حين عــاود يزيد الجلوس على فراشه ، وظل يتنهد في حرارة وعلى وجهه ابتسامة دافئة ..
…………………………………….
أشرقت شمس يوم جديد ، وكالعادة استيقظت فرح من نومها والفضول يكاد يقتلها لمعرفة ما الذي يريده يزيد منها ، وماهية الهدية التي يريد أن يعطيها إياها .. حاولت أن تنفض عن رأسها تلك الأفكار التي تلاحقها منذ الأمس ، ولكنها عجزت عن إيقاف عقلها عن التفكير ..
دلفت فرح إلى المرحاض الملحق بقمرتها ، ثم اغتسلت وبدلت الزي الرياضي بملابس أخــرى كاجوال كتلك التي ترتديها دائماً .. حيث ارتدت فرح بنطالاً من الجيز الأزرق الفاتح ، ومن الأعلى قميصاً حريرياً من اللون الأبيض ، ومن فوقه سترة مطولة من القماش ذات اللون النبيذي .. ثم لفت حول عنقها وشاحاً ملوناً ، ومشطت شعرها وعقصته ذيل حصان ، وأسدلت خصلتين على جانبي وجنتيها ، وأرخت خصلة على جبينها ، ثم وضعت في قدميها حذائاً رياضياً من اللون الأبيض .. ولم تنسْ أن ترتدي حقيبتها العملية ووضعت بداخلها كاميرتها الغالية .. ثم توجهت ناحية باب القمرة ودلفت إلى الخـــارج
………………….
في نفس التوقيت ، استعد يزيد هو الأخــــر وارتدى لأول مرة – منذ صعوده على متن الفرقاطة – ملابساً عادية غير زيه العسكري ، حيث ارتدى بنطالاً من الجينز ، ومن فوقه تي شيرتاً من اللون الأسود والذي أبرز عضلات ذراعيه القوية ، ثم مشط شعره القصير للخلف ، ووضع بعضاً من عطره المميز على جميع ملابسه ..
تأمل يزيد هيئته قبل أن يدلف إلى خـــارج القمرة ، كما وضع هاتفه المحمول بداخل جيب بنطاله الجينز ، ثم أوصد الباب من خلفه ..
…………………
صعدت فرح على سطح الفرقاطة – والتي وجدتها ترسي بجانب الميناء – واستندت بكلا ساعديها على حافة الجانب ، فعبث بشعرها وببشرتها نسمات من هواء الصباح البارد ، فتنفست ذلك الهواء المنعش و الذي منحها طاقة إيجابية لكي تبدأ يومها ..
توجه يزيد هو الأخـــر إلى سطح الفرقاطة وظل يجوب ببصره المكان فلمحها تقف من على بعد ، فاعتلت شفتيه ابتسامة عفوية عريضة ، ثم وضع كلتا قبضتي يده في جيبي بنطاله الجينز ، ثم ســــار بخطوات ثابتة ومنظمة ناحيتها ..
وقف يزيد خلف فــرح ، ثم أخرج يديه من جيبي بنطاله ، وأستند إلى جوار فرح على حافة جانب الفرقاطة ، و..
-يزيد بنبرة هادئة : صباح الخير
ارتبكت فرح حينما وجدت يزيد واقفاً إلى جوارها ، وحاولت أن تخفي توترها ، وتشغل نفسها بشيء ما كي لا تنظر إليه ، فينفضح أمـــر ارتباكها ، لذا مدت يدها لتعبث بإحدى خصلات شعرها المنسدلة على وجنتها ، و..
-فرح بنبرة خافتة ، ونظرات متوترة : آآ.. صباح النور
-يزيد مبتسماً بعفوية : الجو حلو النهاردة ، صح ؟
-فرح وهي توميء برأسها إيجابياً : أهـــا
-يزيد متسائلاً بجدية : جاهزة ؟
-فرح بخفوت : لايه ؟
-يزيد بصوت آجش : للنهاردة
تنحنحت فــرح في حــرج ، ولم تُجبْ عليه ، في حين حدق يزيد فيها ، وظل يتأمل هيئتها بإعجاب ، ثم أردف هو بـ …
-يزيد متسائلاً بنبرة هادئة ، ونظرات متفحصة : هو انتي مش بتبصيلي ليه ؟
توردت وجنتي فرح سريعاً ، واكتست كلتاهما بحمرة الخجل ، ولم تجرؤ على أن تدير رأسها في اتجاهه ، واكتفت فقط بالتحديق في المياه ، في حين استمر هو في إمعان النظـــر إليها ، ثم انضم إليهما آدم وهو متأنق كعادته ، حيث ارتدى شورتاً قصيراً يصل إلى ما بعد الركبة من اللون الزيتوني ، ومن الأعلى تي شيرتاً من اللون الأبيض ، ووضع حول عنقه قلادة تحمل كود عسكرياً .. أما في قدميه فقد ارتدى حذائاً رياضياً من اللون البيج ..
لف آدم ذراعه حول كتف يزيد ، و..
-آدم بنبرة مرحة : صباحكم نادي إن شاء الله
-يزيد بهدوء : أهلاً
-فرح بخفوت ، ونبرة خجلة : صباح الخير
-آدم بحماس : أخيراً هانطلع من الغلب اللي احنا فيه ونشم نفسنا كده
-يزيد بتهكم : ده على أساس انك بتتعب أوي
-آدم مازحاً وهو يشير بيده ، وبنظرات مغترة : يـــاااااه .. ده أنا أهم ركن من أركان القاعدة هنا ، يعني زي ما تقول كده أنا عامل زي أيقونة البحرية ، صاري السفينة ، ونش الترسانة ، طوربيد الغواصة ، مدفع الفرقاطة
حـــاولت فرح أن تخفي ابتسامتها ، وتسيطر على حركة شفتيها ، في حين رمق يزيد آدم بنظرات استهزاء و…
-يزيد وهو يلوي فمه في استخفاف : يا سلام
-آدم بنبرة واثقة وهو يشير إلى نفسه بيده : اه طبعاً ..
-يزيد مبتسماً بتهكم : لأ واضح فعلاً إنك جامد
ثنى آدم كلا ساعديه ليبرز عضلات يده ، ثم اتخذ وضعية الاستعراض الجسدى و…
-آدم بنبرة ساخرة : طبعاً ، ده أنا جامد فحت من فوق لتحت
وهنا ضحكت فرح على دعابة آدم الأخيرة بصوتٍ شبه عالي ، فتملك الحماس آدم و…
-آدم بثقة وهو يشير إلى فرح بيده : أهوو … شايف
التفت يزيد برأسه ناحية فرح لينظر إليها بنظرات حانية ويتأمل ضحكتها البريئة ، ثم ..
-آدم بنبرة حماسية : وربنا أنا ضحيت كتير عشان مصر ، بس مش لاقي اللي يقدر
-يزيد وهو يتنحنح في خشونة : احم .. طب يالا يا عم الفدائي ، زمانت الجماعة سبقونا
-آدم وهو يبتسم بإيجاز : ماشي
ســـار يزيد وآدم أولاً للأمـــام ، وتعمدت فرح أن تتأخر قليلاً في خطواتها حتى لا تسير إلى جوارهما ، ثم ســـارت خلفهما وهي تبتسم عفوياً ..
………………………..
جلس شريف الصباغ على مقعده الجلدي الكبير وهو واضع ساقه فوق الأخـــرى بداخل غرفة مكتبه الواسعة ذات الأثاث الحديث و الحوائط الرمادية والسوداء ..
ابتسم شريف ابتسامة خبيثة وهو ممسك في يده بإسطوانة مدمجة ، وظل يقلبها بين أصابعه و..
-شريف بنبرة مخيفة : قريب أوي يا بنت الأبلسة هخلص منك اللي عملتيه فيا وفي مراتي ..
ثم صمت شريف لبرهة ، وأسند الأسطوانة على سطح مكتبه ، وظل مسلطاً بصره عليها و…
-شريف متابعاً بنبرة متوعدة ، ونظرات شرسة : مش شريف الصباغ اللي يضحك عليه ، ولا يتلعب بيه الأونطة يا .. يا هايدي …!!!
ثم مد شريف يده ناحية الهاتف الموضوع إلى جانبه ، وأمسك بالسماعة ، وضغط على عدة أزرار ، وانتظر أن تأتيه الاجابة من الطرف الأخــر و..
-شريف هاتفياً بنبرة جادة : ايوه ، عاوزك تبعتلي محمد فوراً .. خليه يسيب كل اللي في ايده ، ويجيلي بعد ساعة على مكتبي .. مفهوم
ثم أنهى شريف المكالمة ليعتدل في جلسته بعد أن أنزل ساقه ، وأمسك بقلم حبر ذهبي و…
-شريف وهو يجز على أسنانه : قسماً بالله ما هرحم أمك …!
……………………………………….
تجمع الضباط والمجندين من كافة الرتب التابعة للقوات البحرية أمام الميناء حيث انتظرتهم حافلات تابعة للقوات المسلحة لتقلهم إلى أحد الفنادق الفاخرة ذو النجمات الخمس لكي يقضي الجميع نهارهم بالكامل هناك ، وفي المساء ينطلقوا جميعاً في جولة حرة قبل أن يعودوا مجدداً إلى تشكيلاتهم ..
وقفت فــرح على استحياء في الخلف تنتظر دورها لكي تصعد على متن الحافلة ، في حين ظل يزيد يتبادل الأحاديث الجانبية مع رفاقه ، بينما بدأ البقية في الصعود واتخاذ أماكنهم بداخلها .. استغلت فرح فرصة أنها متوارية عن الأنظار ، وظلت تختلس النظرات ناحية يزيد من بعيد ، ولأكثر من مــرة لمحها يزيد وهي تنظر إليه من طرف عينها ، فيبتسم في سعادة ، وتعلو ضحكاته مع الجميع .. ثم أشـــار له آدم بيده لكي يصعد ، فأومىء يزيد برأسه ، ولوح له بيده ، وســار بصحبة بعض الرفاق ناحية باب الحافلة ..
اقترب أحد الأشخاص من يزيد ثم صافحه بحرارة ، ومد يده وأعطاه حقيبة بلاستيكية تحتوي على علبتين صغيرتين بداخلها ، فشكره يزيد ، وانحنى قليلاً بجذعه عليه ، وهمس له بشيء مــا في أذنه ، فأوميء الشخص إيجابياً برأسه ، فاعتدل يزيد في وقفته ثم صافحه مجدداً قبل أن ينصرف …………..
اكتظ الجميع أمــام الباب ، فأثرت فرح أن تنتظر ريثما يصعد معظم من يقف أمامها حتى لا تزاحمهم .. ثم بدأ توزيع بعض العلب البلاستيكية على من يجلس على المقاعد – والتي كانت تحتوي على وجبة إفطار بالإضافة إلى زجاجة مياه معدنية ، وعلبة عصير كرتونية – فتعالت صيحات معظم الموجودين تهليلاً بتلك الوجبة المفاجئة والمشبعة ..
توقف سائق حافلة أخــرى تابعة للقوات المسلحة بجوار رصيف الميناء ، و ضغط على البوق لينبه الجميع إلى وجوده ..
ترددت فرح في الصعود بمفردها على تلك الحافلة ، خاصة وأنها قد لاحظت امتلاء الحافلة التي بها يزيد وآدم بمعظم الضباط .. فخشيت ألا تجد لها مكاناً خاوياً فيها ، لذا انسحبت في هدوء من مكانها ، وتوجهت ناحية الحافلة الأخــرى ، وصعدت على متنها ..
راقب يزيد فرح وهي تبتعد من النافذة المجاورة لمقعده ، فامتعض وجهه ، وعبست ملامحه ، ثم …
-يزيد بنبرة شبه منزعجة : أنا رايح أشوف حاجة
-آدم متسائلاً باستغراب : حاجة ايه دي
-يزيد بإقتضاب : ثواني وراجع
-آدم بنبرة عادية وهو يشير بعينيه : ماشي ، بس متتأخرش ، انت شايف الجرمأ ( الحشد ) الكبير اللي هنا ، دول ياكلوا الزلط .. وأنا عاوز أجيبلنا بتاع كرتونتين
-يزيد وهو يلوي فمه في سخرية : ده على أساس اننا طالعين رحلة تبع مدرستك
-آدم مبتسماً ابتسامة عريضة : يا عم الشجاع ده الأكل هنا ببلاش ، يعني نغرف على أد ما نقدر …
رمـــق يزيد آدم بنظرات ساخطة ، ثم تحرك بخطوات عاجلة ناحية باب الحافلة ..
……..
جلست فرح في خلفية الحافلة بجوار النافذة كي تحظى بقدر من الانفراد والخصوصية ، خاصة وأن معظم من معها لا تعرفهم ، ثم وضعت يدها على ذراع حقيبتها العملية وتمسكت به ، ثم أطرقت رأسها للأسفل قليلاً لكي تنظر إلى داخل محتوياتها …
كانت فرح تشعر بالغربة والوحدة على متن تلك الحافلة ، وظلت تزفر في ضيق ، واستدارت برأسها لتنظر إلى ما حولها من النافذة الزجاجية ..
ثم وجدت فجــأة من يمد يده ناحيتها وهو يحمل علبة بلاستيكية ، فانتفضت فزعاً في مكانها ، وثم التفتت برأسها ناحية هذا الشخص ، واتسعت عينيها في عدم تصديق حينما وجدت يزيد واقفاً أمامها ، فنظرت إليه بنظرات متوجسة ، و..
-يزيد متسائلاً بنبرة هادئة ، ونظرات واثقة : اتخضيتي ؟
ارتبكت فرح مجدداً ، وأجفلت عينيها و..
-فرح بخفوت : يعني
ابتسم يزيد من زاوية فمه ، ثم جلس إلى جوار فرح ، واستدار برأسه ناحيتها و..
-يزيد بنبرة عميقة ، ونظرات دافئة : تسمحيلي أقعد جمبك ؟
-فرح بحرج : آآ.. ما انت أعدت من غير ما تاخد رأيي
نظـــر يزيد أمامه وقد اعتلى ثغره ابتسامة عريضة و..
-يزيد بنبرة هادئة : عديها يا … يا فراشة
ثم التفت مجدداً بعينيه ناحيتها ليحدق فيها أكثر عن كثب ، فخجلت هي أكثر منه و…
-يزيد متابعاً بصوت آجش : انتي مسألتنيش عن الهدية اللي جايبهالك
ظلت فرح مطرقة لرأسها ، وناظرة لأصابعها التي تعبث بحقيبتها و..
-فرح بنبرة متلعثمة : ميرسي ، .. آآ.. أنا .. انا مش عاوزة حاجة
-يزيد بجدية ، ونظرات قوية : بس أنا عاوز
مد يزيد يده الأخـــرى – والتي كانت تحمل حقيبة بلاستيكية – في اتجاه فرح التي حدقت فيه بعدم فهم و…
-فرح بنظرات استغراب ، ونبرة متسائلة : ايه دي ؟
-يزيد بنبرة شبه آمــرة : افتحيها وانتي تعرفي
عضت فرح على شفتيها في توتر ، وترددت في الامســـاك بالحقيبة البلاستيكية ، مما جعل يزيد يمل من كثرة الانتظـــار ، فأسندها على حجرها ، ثم نظــر أمامه و…
-يزيد بجدية : أنا مش بحب أستنى كتير
تنهدت فرح في ارتباك ، ثم أمسكت بالحقيبة بأطراف أصابعها ، وفتحتها بحذر ، فنظر إليها يزيد بنظرات متعجبة و…
-يزيد مازحاً : على فكرة دي مش قنبلة
أدارت فرح رأسها فجــأة في اتجاه يزيد ، وحدقت في عينيه مباشرة ، فوجدته يوميء لها بعينيه و…
-يزيد متابعاً بنفس نبرته المرحة : خليكي واثقة فيا
أخرجت فرح أول علبة مغلفة من داخل الحقيبة البلاستيكية ، ثم أزاحت عنها الغلاف ليظهر أمامها علبة هاتف محمول من ماركة شهيرة وموديل حديث ..
فغرت فرح شفتيها في صدمة ، واتسعت عينيها في ذهــول و…
-فرح بنبرة مشدوهة : ده .. ده موبايل !!
-يزيد بهدوء مهيب : أيوه .. مكان اللي رميتهولك ..
ثم صمت يزيد للحظة قبل أن يتابع بـ …
-يزيد بنفس الهدوء : يا رب بس يعجبك ذوقي
ابتلعت فرح ريقها في حــرج ، فقد كان الهاتف مميزاً بحق ، وباهظ الثمن بالطبع ، أما لونه الذهبي فقد كان جاذباً للأنظار ..
أشــــار يزيد بيده لفرح ، و..
-يزيد بنبرة شبه آمــرة : افتحي الهدية التانية يالا
أخرجت فرح العلبة الأخــرى بعد أن أسندت علبة الهاتف المحمول إلى جوارها ، كانت تلك العلبة أكبر في الحجم ، ولكنها لم تكن مغلفة كالسابقة ، بل كانت مغلقة بشريط من اللون الفيروزي على هيئة فيونكة ، فمدت فرح أصابع يدها ، وحلت الشريط ، ثم فتحت غطاء العلبة السميك لتتفاجيء بكمية منوعة ومختلفة من الشيكولاته الفاخرة ، فاعتلى ثغرها ابتسامة عفوية ، ونظرت إليهم بنظرات انبهار ، فابتسم يزيد لابتسامتها و..
-يزيد بنبرة مغترة : كنت واثق انها هتعجبك ، كل البنات بتحب الشيكولاته
تنحنحت فرح في حرج ، وأغلقت غطاء العلبة ، ومدت يدها لتمسك بالعلبة الأخرى المسنودة إلى جوارها ، ثم وضعتها فوقها ، وأمسكت بكلتاهما بقبضتي يدها ، ورفعتهما في اتجاهه ، ثم نظرت إليه بنظرات متوترة ، بعد أن أخذت نفساً مطولاً لتستعيد به اتزانها الانفعالي و..
-فرح بنبرة شبه رسمية : سوري ، مش هاقدر أقبل منك دول ………………………………………………… !!
…………………………………..
فراشة أعلى الفرقاطة
الحلقة السابعة عشر :
عقد يزيد حاجبيه في اندهــاش شديد ، وقطب جبينه في استغراب أكثر ، ثم رمــق فرح بنظرات حائرة و…
-يزيد بنبرة متعجبة : افندم ؟
ظل وجـــه فرح جامد الملامح ، ثابت التعبيرات رغم نوبة الخوف التي تجتاحها بسبب هيبة يزيد المجاور لها و…
-فرح بنبرة جــادة : سوري ، أنا مش باخد هدية من حد
إزداد امتعاض وجـــهه ، ورمقها بنظرات شبه حانقة و..
-يزيد بنبرة ضائقة : وهو أنا أي حد
لوت هي شفتيها في إصرار ، وأجفلت عينيها للأسفل ، و..
-فرح بنبرة جدية ، ونظرات ثابتة : معلش ، أنا أسفة ، اتفضل …
أشــاح يزيد بوجهه بعيداً عنها ، ورفع يده عالياً ليسنده على حافة المقعد الأمامي ، و…
-يزيد بنبرة شبه منزعجة ، ونظرات ثاقبة : اعتبريه تعويض عن الموبايل اللي رميتهولك
هــزت فرح رأسها بالرفض ، و..
-فرح بخفوت حذر : برضوه مش هاينفع ، لأني مش بقبل العوض ، وكمان أنا غلطت ، وخالفت التعليمات ، فالمفروض أتحمل نتيجة غلطي ، مش أقبل العوض لمجرد إنك عاوز كده ..!
زفــــر هو في انزعــاج واضح ، وضرب بكف يده على المقعد المقابل له ، ثم أدار رأسه في اتجاهها ليرمقها بنظراته القوية و…
-يزيد متسائلاً بنبرة ممتعضة : انتي ليه غاوية تتعبيني معاكي ؟
-فرح بنبرة هادئة : لأ أنا مش بتعبك ، بس أنا عندي مبدأ
لـــوى يزيد فمه في تهكم ، ورمقها بنظرات استخفاف و…
-يزيد بنبرة ساخطة تحمل الإهانة : والمبدأ ده مش بيطلع إلا معايا أنا بس !!
استدارت فرح برأسها لتنظر إليه بعد أن رفعت عينيها للأعلى ورمقته بنظرات قانطة و…
-فرح بنبرة متشنجة : لأ ده ثابت ، سواء كان معاك أو مع غيرك ، وعلى العموم شكراً على ذوقك
حدق يزيد في عيني فرح بنظرات مغتاظة ، ولمح زرقة خفيفة أسفل عينها ، ثم كور قبضة يده في ضيق و…
-يزيد وهو يغمغم بخفوت : والله لو كان بإيدي كنت اديتك بونية في عينك التانية من اللي بتعمليه فيا
لم تفهم فـــرح ما الذي يقوله يزيد ، ولكنها كانت قد عقدت العزم على ألا تقبل منه أي شيء … فهي لا تريد أن تفتح المجال للقيل والقال بدون داعي لذا مدت يديها ، و أسندت فرح العلبتين على حجر يزيد ، و أشاحت بوجهها العابس بعيداً عنه لتنظر إلى النافذة الملاصقة لها ، وهي تزفر في غضب واضح وتحاول مقاومة عبرات تسربت إلى مقلتيها ، و تتحايل بشدة لتنهمر من عينيها … في حين أمعن هو النظر إليها وأمسك بالعلبتين بيده .. ورغم الضيق البادي عليه إلا أنه لا يستطيع أن ينكر أنها إزدادت مكانة في عينيه ، وارتفع شأنها أكثر لديه ، ولكنه لم يرد لها أن تكشف إعجابه الزائد بتصرفاتها العفوية ، فقرر أن ينهض من جوارها ، ويجلس على مقعد مقارب لها ..
ظلت فرح تنظر من النافذة طوال الطريق ، ولم تلتفت أبداً إلى جوارها حتى لا تنظر إلى يزيد الذي نجح في إغضابها .. في حين لم يكف هو عن توزيع بصره بينها وبين باقي الركــاب .. ولم يتوقف عقله عن التفكير فيها للحظة
………………..
بعد مـــرور فترة من الوقت ، وصلت الحافلات إلى مدخل فندق شهير مطل على البحر ، وبدأ الجميع بالترجل منها ..
لملمت فــرح حقيبتها العملية ، وعدلت من وضعية ملابسها ، وانتظرت أن تصبح الحافلة شبه خاوية من الركاب كي تترجل هي منها ، وأيضاً حتى لا ترى يزيد ..
ولكن كانت المفاجأة بالنسبة لها أنها وجدته واقفاً إلى جوار الباب مستنداً عليه بظهره وهو عاقد ساعديه أمام صدره ينتظرها ، فشهقت في صدمة ، ووضعت يدها على فمها كرد فعل تلقائي ، فابتسم لها في سخرية و…
-يزيد مازحاً : شوفتي بعبع قدامك
-فرح بنبرة متلعثمة ، ونظرات مصدومة : انت .. انت لسه واقف ؟
-يزيد مبتسماً في غرور : أيوه
ثم اعتدل هو في وقفته بعد أن أرخى ساعديه ، و…
-يزيد متابعاً بنبرة جادة : ماهو أنا مش هاسيب سيادتك تنزلي لوحدك
-فرح بضيق : ليه يعني ؟ أنا انسانة مستقلة وأقدر أعتمد على نفسي
-يزيد وهو يلوي فمه في استهزاء : مستقلة !
-فرح بنبرة أكثر جدية : أيوه
-يزيد وهو يشير بيده ، وبنبرة آمــرة : طب يالا يا … يا مستبدة
تسمرت هي في مكانها بعد أن فغرت شفتيها في عدم استيعاب و…
-فرح بنظرات مشدوهة ، ونبرة مذهولة : نعم ؟ مستبدة !!!
أومــيء يزيد برأسه ايجابياً ، ثم ســــار ناحيتها إلى أن أصبح على بعد خطوتين منها ، فتوقف في مكانه ، ونظر مباشرة في عينيها و…
-يزيد بنبرة عميقة ، ونظرات فاحصة : ماهو اللي بتعمليه ده محدش عمله فيا قبل كده ، فأنتي فعلاً مستبدة …!!!
لم تستوعب فرح إن كان ما يقوله يزيد هو مدح فيها أم استهزاء بها .. فأثرت هي الصمت ، وأجفلت عينيها للأسفل ، وقبضت على ذراع حقيبتها أكثر .. فابتسم هو في سعادة ، فمهما كان يضغط عليها أو يحاصرها بكلماته ، لم تحاول هي أن تهينه أو تعامله بتعالي أو ترفع كما كانت زوجته السابقة تفعل ، فأدرك كامل الفرق بين كلتاهما ..
طـــرقع يزيد أصابع يده في الهواء لكي تنتبه فرح إليه ثم أشـــار لها بيده لكي تدلف خلفه من الحافلة التي باتت خاوية تماماً من الجميع ..
………………………….
ترجلت فرح من الحافلة ، ثم جابت ببصرها ما حولها ، وتبدلت ملامح وجهها سريعاً للانبهار ، وحدقت أمامها في اعجاب شديد ، حيث كان مدخل الفندق مصمماً على الطراز الروماني القديم ، فعلى اليسار تجد الأعمدة الجرانتية العملاقة والمنقوشة ، وبجوارها أشهر التماثيل الإغريقية المنحوتة ببراعة ، كما أضفت المساحات الخضراء الممتدة على طول النظر سحراً إضافياً على المكان ، أما في جهة اليمين فتجد نافورة كبيرة على هيئة حورية البحر تنثر المياه المنعشة في الأجواء .. بالإضافة إلى هذا توجد البوابات الالكترونية المصنوعة من الزجـــاج الأسمــر اللامع ، والحوائط الزجاجية العاكسة …
دلفت فرح خلف يزيد وباقي الضباط إلى داخل ردهـــة الفندق الرخامية اللامعة .. ثم توقفت في مكانها محاولة أن تفهم ما الذي يدور في الداخل ..
بعد لحظات قليلة ، توقف ضابط ما في وسط الردهة ليصيح عالياً في الجميع بـ …
-الضابط المسئول بنبرة صادحة : بعد اذنكم يا رجالة ..
انتبه الجميع إلى صــوت هذا الضابط ، وبدأوا يحتشدون حوله ، وكذلك فعلت فرح ، حيث حــاولت على قدر الإمكان أن تكون على مقربة منه لتستمع إلى ما يقول …
-الضابط المسئول متابعاً بنبرة قوية : احنا إن شاء الله هنقضي النهار كله هنا في الفندق ، وبعد الغدا في جولة حرة حولين الفندق عشان اللي عاوز يعمل تزلج أو يركب براشوت أو يأجر لانش ، جو الألعاب المائية ما انتو عارفين …
تعالت همهمات الجميع والتي امتزجت بضحكاتهم وتساؤلات متنوعة ، فرفع الضابط يديه عالياً في الهواء ، و…
-الضابط المسئول مكملاً بنفس النبرة الصادحة : أما على أخر النهار فإحنا هانروح ميدان سوهو ، والسوق القديم عشان اللي عاوز يشتري حاجة من هناك ..
رفع أحد الضباط يديه ليقاطع هذا الضابط بـ …
-ضابط ما متسائلاً بجدية : واحنا المفروض هنتجمع على الساعة كام ؟
-الضابط المسئول بنبرة عالية : على 10 بالليل هانكون كلنا واقفين هنا عند مدخل الفندق …
أجاب هذا الضابط على جميع الأسئلة المتعلقة بمواعيد التجمع والانصـــراف ، والمسموح به في ظل الإجراءات الخاصة بقضاء مثل هذه النوعية من العطلات …
بعد هذا توجه الجميع إلى جوار المسبح حيث توجد موائد الطعام المزودة بأشهى المأكولات المشوية والبحرية ، بالإضافة إلى أطباق السلاطة والمشروبات الباردة والمنعشة أو ما يُطلق عليه ( البوفيه المفتوح )
كانت كل طاولة موضوعة حــول المسبح الكبير مزودة بأرائك جلدية مريحة من اللون الأبيض ، وموضوع عليها مزهرية زجاجية مليئة بالأزهـــار الملونة ، وعلبة مناشف ورقية ،بالإضافة إلى زجاجة مياه معدنية ، وعدداً من الأكواب الزجاجية ..
وقفت فرح في مكانها حائرة تفكر في انتقاء طاولة مناسبة لها لتجلس عليها بمفردها ، وفي نفس الوقت تكون بعيدة عن الجميع حتى تحظى بقدر من الخصوصية .. فلمحت طاولة شبه منعزلة وقريبة نوعاً ما من مسبح الأطفــال ، فابتسمت في رضـــا لأنها وجدت ضالتها المنشودة .. ثم ســـارت بخطوات ثابتة ناحية تلك الطاولة .. وجلست عليها ، وحاولت قدر الإمكان ألا تنظر في اتجاه يزيد وتكتفي بالتحديق في الطبيعة من حولها …
تمركز الجميع حــول الطاولات ، وفضل يزيد أن يجلس إلى جوار آدم ومعهما بعد الرفاق ، ولكنه لم يكف عن اختلاس النظرات إلى فرح ، في حين وزع آدم عينيه بين كلاً من يزيد وفرح ، واعتلت شفتيه ابتسامة خبيثة ..
وبعدها ببرهة بدأ الهتاف يعلو للمطالبة بالطعام المشوي الذي بدأت رائحته تداعب الأنوف وتثير البطون ، فأشـــار لهم الضابط المسئول بيده و…
-الضابط المسئول بنبرة قوية : كله يخدم نفسه ، ده أوبن بوفيه ..
تعالت الصيحات الممزوجة بالصافرات والتصفيق حينما أعلن الضابط المسئول عن انتهاء الطاهي من شوي معظم الطعام ، والذي بات جاهزاً لتناوله ، فنهض الغالبية وتوجهوا ناحية موائد الطعام ..
-آدم بنبرة متلهفة : بص بقى أنا منمر على الكتف الضاني ، أوعى يفلت منك
-يزيد باستغراب ، ونبرة متعجبة : يا سيدي نوصل بس الأول ، وبعد كده نشوف هناخد ايه
-آدم بنبرة حماسية ، ونظرات طامعة : احنا عاوزين نقتحم الحشود اللي سادة عين الشمس دي ..
-يزيد بعدم اكتراث : يا عم كله أكل ، وفي الأخر مش هناخد إلا حتة أد كده ، ده إن اتبقى حاجة .. وآآ..
-آدم مقاطعاً بنبرة متحدية : ابداً والله ما يحصل ، وعلى رأي شيماء إن أكلت لحمة اشرب المرق ، وإن كلت فجل ماتسيبش الورق ، وأنا مش هاسيب نصيبي
-يزيد ساخراً : أخرتها هترسى على ورق الفجل
……………………
ترددت فرح في النهوض من على طاولتها والانضمام إلى البقية ، ولكنها خشيت من الإحراج ، خاصة لأنها المرأة الوحيدة المتواجدة وسط مجتمع الذكور هذا ، ففضلت أن تبدأ بإحضار السلاطة ريثما ينتهي الغالبية من مليء صحونهم بالطعام المشوي …
مدت فرح يدها لتمسك بأحد الصحون الفارغة ، وتوجهت نحو المائدة المخصصة لأطباق السلاطة المختلفة ، وبدأت تضع بضع لقيمات منوعة في صحنها بعد أن تتذوق بملعقتها ماهية السلاطة ..
لمح يزيد فرح وهي تقف بجوار مائدة السلاطة ، فاعتلى ثغره ابتسامة عذبة ، وظل يراقبها مراقبة حثيثة ، وأيقن أنها على طبيعتها ، ولا تتصنع البراءة كبعض النساء ، ولاحظ أنها دائماً تتجنب الاختلاط بغيرها – وخاصة من الرجــال – وعلى الرغم من أن الوضع مغري لأي امرأة غيرها لكي تقتنص الفرصة لتصطاد عريساً ذو منصب مرموق إلا أنها تحبذ الابتعاد عنهم ، أو حتى أن تضع نفسها في موضع شبهات .. بلى ، في كل مرة تثبت له فرح أنها ليست كغيرها من النساء ، لقد سلبت عقله قبل قلبه ..
ثم شــــرد يزيد في ذكريات عابرة لزوجته السابقة هايدي التي كانت لا تضيع أي فرصة في التقرب من الرجـــال – خاصة في الحفلات الراقية التي كانت تحضرها – حتى تحوذ على أكبر قدر من الاستفادة منهم ، ولم تعبأ أبداً بمشاعره ، ولا بتحذيراته أو توبيخاته الحادة لها ، فقد كان شاغلها الأكبر هو عملها والارتقاء به ، حتى لو كان الأمـــر على حساب كرامة زوجها الشخصية ..
………………….
وفجـــأة تسمرت فرح في مكانها ، وكانت على وشك السعال حينما سمعت صوتاً رجالياً يأتي من خلفها ويحدثها بـ …
-منذر متسائلاً بنبرة رجولية رخيمة : حلوة مش كده ؟
استدارت فرح بجسدها للخلف ، وارتعشت يدها بالصحن الذي كانت تمسكه ، واتسعت عينها في ذهـــول شديد ، وفغرت ثغرها في عدم تصديق ، وتحولت ملامح وجهها للدهشة الممزوجة بالاستغراب حينما وجدت أن هذا الشخص هو ذلك الضابط الذي لكمها من قبل على سفينة المؤن ..
قطع شرود يزيد رؤيته لفرح وهي تقف في مواجهة أحد الأشخاص ، فسيطر عليه الشعور بالحنق ، ورمقها بنظرات مغتاظة ، ثم قرر أن يترك مكانه فوراً ، ويتجه إليها …
…………………………
أغلقت فرح فمها ، ورمقت الضابط – الذي لم تعرف هويته بعد – بنظرات حـــــادة ، في حين ابتسم هو لها مجدداً ، ورمقها بنظرات إعجاب ، و…
-منذر بنبرة هادئة : ازيك يا أستاذة فرح ، عاملة ايه ؟
تنحنحت فرح في حرج ، وأجفلت بصرها للأسفل ، وتوردت وجنتيها قليلاً و…
-فرح بخفوت : الحمدلله
-منذر بصوت آجش : أنا كنت عاوز أتأسفلك عن اللي حصل مني قبل كده ، أنا مكونتش اقصد ، بس انتي عارفة النظام عندنا ، وكان لازم أتعامل بحدة
-فرح بنبرة خجلة : مافيش مشكلة
-منذر بنبرة حماسية ، ونظرات ثابتة : أنا مش عاوزك تكوني زعلانة مني
ثم مد منذر يده للأمـــــام لكي يصافح فرح التي خجلت منه ، وترددت في مصافحته ، و…
-منذر بنبرة مغترة : أنا الرائد منذر حسن ، من الـ .. آآآ…
وفجــــأة وجد منذر من يمسك بكف يده ليصافحه بدلاً منها ، فاستدار برأسه ناحية هذا الشخص ، فوجده يزيد ، فاكفهرت ملامح وجهه سريعاً ، ولكنه عَمَد إلى رسم قناع الهدوء عليه و…
-يزيد بنبرة شبه حانقة وهو يضغط على كف يده : أهلا بيك يا سيادة الرائد ، أظنك عارفني
-منذر مبتسماً في هدوء : طبعاً ، المقدم يزيد جودة .. غني عن التعريف
-يزيد بضيق ، ونظرات منزعجة : طب كويس إنك عارف ده
أرخى يزيد قبضة يده عن كف منذر ، ثم عقد ساعديه أمام صدره ، ورمقه بنظرات محذرة ، في حين استمر منذر في رسم تلك الابتسامة المستفزة على وجهه ، و..
-منذر متابعاً ببرود : الواحد فعلاً بيحسد حضرتك على الأستاذة فرح ، مافيش في وطنيتها ولا شجاعتها ، ده طبعاً غير جمالها وآآ…
استدار يزيد برأسه في اتجاه فرح التي كانت مصدومة تماماً مما يحدث ، ونظر إليها بنظرات معاتبة ، بينما أدارت هي وجهها في اتجاهه ورمقته بنظرات مشدوهة وهي تهز رأسها قليلاً بالنفي ..
ظل منذر يتحدث بإنسيابية ، في حين لم يتوقف الاثنين عن التحديق في أعين بعضهما البعض ، ولكن قطع هذا الاتصـــال البصري صوت منذر الذي أردف بـ …
-منذر بنبرة مرحة : أهم حاجة نكون صافي يا لبن ، اوعي تشيلي مني
أشـــاح يزيد بوجهه لينظر إلى منذر بنظرات شرسة وعلى وجهه ملامح الإنزعـــاج جلية .. و..
-يزيد متسائلاً بنبرة شبه متشنجة : وهي هتشيل منك ليه ؟
-منذر بنبرة مستفزة وهو يبتسم : هي عارفة
شعرت فرح في تلك اللحظة أن هناك بركاناً من الغضب على وشك الإنفجـــار ما لم تبرر فوراً ما حدث ، وحتى لا يظن يزيد بها السوء ، لذا بادرت بـ …
-فرح بنبرة متلهفة : أصل الرائد منذر هو اللي كان إداني بالبوكس في عيني
في تلك اللحظة كــور يزيد قبضة يده ، ورمــــق منذر بنظرات قاتلة ، وكان قاب قوسين أو أدنى من الفتك به ، ولكن أوقفه انضمام آدم إليهم وهو يحمل صحوناً مليئة بالأطعمة المشوية و…
-آدم بنبرة حماسية : خلصتلك على البوفيه كله يا باشا
ظل يزيد متسمراً في مكانه ، محدقاً في منذر بنظرات متوعدة ، ولم يرمش للحظة ، فتعجب آدم من ملامحه المخيفة تلك و…
-آدم متسائلاً بنبرة متوجسة : في ايه ؟
ثم التفت برأسه ناحية منذر و…
-آدم متسائلاً بفضول : حضرتك مين ؟
-منذر مبتسماً بهدوء : أنا الرائد منذر حسن
أرجع آدم رأسه للخلف ، وبادله التحية ، في حين سرد منذر مجدداً كيفية تعرفه إلى فرح ومشاركته في المناورة البحرية ، ودوره في الخطة الخادعة ، فابتسم له آدم ابتسامة مصطنعة ، وبرر الآن سبب اكفهرار ملامح وجه يزيد ، وقساوة تعبيراته …
لم يكف منذر عن الحديث ، وظل يتفوه بأحاديث تافهة فقط ليجعل فرح تتجاوب معه ، وتبادله الرد .. بينما ظل يزيد يحدق فيه بنظرات نارية ، لقد استطاعت أن تفسر تلك النظرات ، وشهقت في صمت لأنها أدركت للتو أنها تخشى عليه من أن يتهور ، وأيقنت أنها على شفا الوقوع في أمــر خطير ..
شحب لون بشرة وجها تدريجياً ، لقد كانت تقاوم هذا الشعور الغريب ، واليوم أدركت أن ما ظنت يوماً أنه وهماً قد بات أمــراً حقيقياً لا يُمكن نكرانه ..
إزداد عبوس وجه يزيد ، وضيق عينيه أكثر ، وخاصة أن منذر كان يتعمد التباهي بمآثره ليثير اعجاب فرح أكثر … بينما قرأت هي ما بين عينيه ، وشعرت أن وجودها حالياً قد يسبب أزمة حقيقية ، لذا ..
-فرح بنبرة متلعثمة ، ونظرات متوترة : عن اذن حضراتكم
ولكنها للأسف لم تستطع أن تتحرك حيث قبض يزيد على كف يدها بقوة ، ومنعها من الحراك على الرغم من أنه لم ينظر إليها ، فابتلعت هي ريقها في رعب ، وظلت ترمش لعدة مرات في فزع ..
توجس آدم خيفة من أن يسوء الوضع أكثر من هذا ، و..
-آدم لنفسه ، وبنظرات مضطربة : واضح كده ان في حريقة هتولع ، والانسان اللزج اللي اسمه منذر مش ناوي يجيبها لبر ، لازم أتصرف بسرعة
تعمد آدم أن يتعثر وهو واقف في مكانه كي يوقع صحون الطعام على منذر ، وبالتالي يصرف انتباهه عن فرح ، ويمنع وقوع الكارثة .. وبالفعل نجحت خطته ، واستطاع إلهاء منذر ، فأرخى يزيد قبضته عن فرح ، وحدق في منذر وهو يلوي فمه في تشفي ، في حين استغلت فرح الفرصة لكي تترك المكان وتنصرف …
ســـارت فرح بخطوات مرتبكة وسريعة للأمــام ، ورغم أنها لم تكن تعرف إلى أين تتجه ، وما هي وجهتها ، إلا أنها حاولت قدر الإمكان أن تبتعد عن الجميع ، لقد أدركت للتو أن هناك مشاعراً يكنها يزيد لها – وخاصة مشاعر الغيرة التي لا يمكن أن تنكرها – وأن عينيه فضحت أمره ، بل الأخطر من هذا أنها هي الأخرى تكن له مشاعراً حقيقية على الرغم من أنها لم تعرفه إلا منذ أيام قلائل ، فخشيت أن تنجرف أكثر وراء مشاعرها ، وينكشف أمرها ، لذا ركضت بسرعة في اتجاه البحر الذي كانت تهابه حتى الأمس .. ركضت لكي تهرب من حقيقة واقعة ، ركضت لكي تفر من حب جديد قد بدأ يعتلي قلبها كما اعتلت هي الفرقاطة ……………………………… !!!
………………………………………………
فراشة أعلى الفرقاطة
الحلقة الثامنة عشر :
أدركت فرح أنها تكن مشاعراً حقيقية تجاه يزيد ، وأن قلبها قد بدأ بالخفقان مجدداً على الرغم من أنها قد تعهدت لنفسها بألا تستسلم للحب أو تطاوع رغبات قلبها ، ولكن .. ها هي قد حنثت بيمينها ، وباتت فريسة للحب من جديد ..
توقفت فرح عن الركض ، وانحنت بجسدها للأمام لكي تستند بكفي يدها على ركبتيها ، وظلت تلهث وتلهث .. ثم اعتدلت لاحقاً في وقفتها ، وبدأت دموعها في الانهمـــار حينما مر طائف ذكرياتها مع كريم ، لقد خانها بإسم الحب ، وتزوج من غيرها ، وأوهمها أن حبهما سرمدي ، ولكنه كان منغمساً في الملذات مع زوجته .. ثم رحل فجــأة وتركها حطــام .. لقد حاولت أن تتعايش مع ما تبقى من روحها ، وأقسمت بأغلظ الأيمان ألا تجعل قلبها يعشق من جديد ، وها هي تقف الآن تعترف بأنها أجرمت في حق نفسها ، وأحبت من جديد ..
التفتت فرح حولها ، لتجد نفسها بمفردها ، فتنهدت في ضيق ، وتوجهت إلى مقعد خشبي قريب موضوع قبالة الشاطيء ، وجلست عليه ، ثم ضمت كلا ذراعيها لتلف بهما نفسها ، وكأنها تبحث عن حضن يحتويها ، عن صدر حاني يضمها إليه .. ثم بدأت دموعها في الانسياب مجدداً .. لقد حاولت أن تحمي نفسها من تلك المشاعر الفياضة ، وظنت أنه بإبتعادها المؤقت عنه ستقاوم تلك المشاعر ، ولكنها كانت مخطئة ..
في نفس التوقيت ، حـــاول يزيد البحث عن فرح ، ولمحها وهي تتجه ناحية البحر ، فأسرع في خطاه كي لا يفقد أثرها ، وبالفعل وجدها منفردة بنفسها ، تبكي تارة ، وتعبث بخصلات شعرها المنسدلة على وجنتيها تارة أخرى .. تردد في الاقتراب منها ، فقد خشي أن تهرب منه مجدداً ، لذا فضل أن يراقبها من على بعد حتى تكون في مأمنٍ أمام ناظريه ..
لم يكف يزيد عن التحديق بها ، بل ظل متابعاً بشغف لكل حركة وإيماءة عفوية تصدر منها ، ولكن ما أثار فضوله هو رؤيته لحركة جسدها والتي تشير إلى أنها تبكي بحرقة ، فردة فعلها غير مفهومة بالنسبة له ، هو يعتقد أنها مبالغة نوعاً ما ، فبكائها بتلك الطريقة يشير إلى أنها تلوم نفسها لإقترافها جريمة مـا ..
كم ودّ لو يضمها إلى أحضانه ، ويهون عليها الأمـــر ، ويجعل من صدره متكئاً لرأسها لكي تستند عليه ، ومن ثم يحاوطها أكثر بذراعيه .. لقد حركت فراشته مشاعراً غالية بداخله قد ظن يوماً أنه لن يستعيدها أبداً بعد معاناته السابقة مع زوجته …
جلس يزيد على مقعد بعيد ، وظل مستنداً على كفي يده ، ولم يتوقف عن مراقبة فرح .. وأثر ألا يقتحم خصوصيتها ويتركها على طبيعتها ، ويكتفي فقط بالنظر إليها ..
……………………………
مــر الوقت على الاثنين وهما على تلك الحالة حتى اقتربت الشمس من المغيب ، فزفـــر يزيد في ضجر ، ثم نهض عن ذلك المقعد الخشبي المخصص للشاطيء ، وتوجه ناحيتها ..
تفاجئت فرح بمن يحجب عن عينيها أشعة الشمس المتبقية من هذا النهار ، فرفعت رأسها للأعلى بصورة عفوية لتجد يزيد واقفاً أمامها بطوله الفاره ، ففغرت شفتيها في قلق ، وتوجست خيفة منه ..
ثم أطرقت رأسها مجدداً للأسفل ..
حـــاول يزيد أن يحيد ببصره عنها ، فاستدار برأسه ناحية أمواج البحر و..
-يزيد بنبرة هادئة ، ونظرات مرتبكة : مش يالا بقى
-فرح بنبرة خافتة ، ونظرات قلقة : يالا ايه ؟
أدار وجهه مجدداً ناحيتها ، ثم ..
-يزيد بنبرة مازحة : الشمس خلاص قربت تغيب ، وأنا عملت tan ( سمــرة البشرة ) محترمة لدراعتي و لوشي .. !
ابتسمت فرح برقة ، ولم تجبْ عليه ، فتوسم يزيد خيراً في أنه قد نجح في رسم البسمة على شفاهها ..
نهضت فرح عن مقعدها ، في حين تراجع هو خطوة للخلف ، وظل متسمراً في مكانه بينما استمرت هي في السير ، فتبعها و.. …
-يزيد بنبرة متسائلة : انتي رايحة على فين ؟
-فرح بنبرة جــادة ، ونظرات ثابتة : راجعة الفندق
-يزيد متسائلاً بهدوء : ليه ؟
-فرح بنبرة أكثر جدية : كده
مط يزيد فمه في عدم فهم ، ثم أسرع في خطواته ليسير إلى جوار فرح والتي كانت تسبقه بخطوتين ، و…
-يزيد بنبرة رزينة : بس تقريباً محدش هناك الوقتي
-فرح بعدم اكتراث : مش مهم ، أنا حابة أفضل لوحدي
-يزيد باستغراب : وتفضلي لوحدك ليه ؟ ماتخليكي معايا
تسمرت فرح في مكانها ولم تتحرك ، ثم استدارت برأسها في اتجاه يزيد ، ورمقته بنظرات استنكار و..
-فرح بنبرة شبه حـــادة : أسفة ، أنا مش عاوزة اكون لا معاك ولا مع غيرك
-يزيد بلهجة صارمة : بس ده مش طلب ، ده أمـــر
ضيقت فرح عينيها أكثر ، وعضت على شفتيها في غيظ ، ثم ..
-فرح بنظرات متحدية ، ونبرة أكثر جدية : هو كل حاجة عندك أوامر طالما أنا مش عاوزة أسمع كلامك
-يزيد بنبرة عميقة ورخيمة : ماهو انتي اللي بتضطريني أعمل كده
-فرح بنفاذ صبر : من فضلك ، سيبني في حالي ، أنا عاوزة أخلص مهمتي وأمشي
حــــاولت فرح أن تمر ، ولكن تحرك يزيد بسرعة ليقف قبالتها فسد عليها الطريق ، وكلما حاولت الالتفاف من حوله ، تحرك هو أمامها ، مما أجبرها على التوقف والنظر إليه ..
أخذ يزيد نفساً مطولاً ثم زفــره على تمهل ، و..
-يزيد بنبرة رخيمة : أنا عاوزك تسمعيني
-فرح باقتضاب : سوري ، أنا مش فاضية
-يزيد بتهكم : والله ، وايه اللي شاغلك يا أستاذة ؟؟ أوعــى يكون البتاع اللي اسمه منذر
رمـــقت فرح يزيد بنظرات حانقة ، ثم ..
-فرح بتبرم : شغلي هو اللي شاغلني وبس ، أي حاجة تانية تبقى أوهــام
ظهر شبح ابتسامة على زاوية فم يزيد ، ورغم هذا حـــاول أن يبدو أكثر صلابة أمامها ، لذا …
-يزيد بنبرة شبه صارمة : طيب بمناسبة الشغل بقى ، فأنا بكلفك بمهمة عمل تقرير عن الزيارة دي
جحظت عيني فرح ، ونظرت إليه في عدم تصديق و..
-فرح بنظرات مذهولة وهي فاغرة شفتيها : نعم ؟
-يزيد بنبرة واثقة : كلامي مش مفهوم ولا ايه؟ مش انتي صحفية ، انا بقى عاوز تقرير مفصل عن أهم معالم شرم الشيخ ، وكمان موثق بالصور ، ويكون عندي كمان ساعتين
اتسعت مقلتي عينيها أكثر ، ورمقته بنظرات أكثر غرابة و…
-فرح بنبرة مصدومة : انت .. انت بتكلم جد ؟
-يزيد بنبرة شبه صارمة : وأنا من أمتى بهزر في الشغل ؟؟!!
عضت فرح على شفتها السفلى في حنق ، بينما نظر هو إليها بنظرات مغترة ، و…
-يزيد بلهجة آمــرة : اتفضلي يالا قدامي ، أنا عاوز التقرير دلوقتي ، وهاشرف عليه بنفسي …!!!!
كورت فرح قبضة يدها في غيظ ، وقبضت بشدة بذراع حقيبتها العملية ، وســـارت بخطوات شبه غاضبة للأمـــام ، في حين تبعها يزيد بخطوات مغترة وهو واضع لكلا كفي يده في جيبي بنطاله الجينز ..
…………………..
دلف الاثنين معاً إلى خــــارج ردهة الفندق ، وبالفعل كما أخبرها يزيد ، كان معظم الضباط قد بدأوا جولتهم الحرة في شوارع مدينة شرم الشيخ ، ولم يتبقْ بالفندق سوى هي ويزيد .. وبالتالي كانت مجبرة على السير معه ، والامتثال لأوامــره ..
كانت فرح تسير بغير هــدى ، فاضطر يزيد أن يسبقها بخطوة كي يوقفها خاصة وأنها كانت شاردة في أفكارها ، ولم تستمع إلى ندائه المتكرر بإسمها ، وفجـــأة وجدت فرح ذراع يزيد ممدودة أمامها تسد عليها الطريق وتمنعها من الاستمرار في الحركة ..
رفعت فرح رأسها في اتجاه يزيد و..
-فرح بنظرات متعجبة ، ونبرة جادة : في ايه ؟
-يزيد بنبرة مازحة : انتي مركبة ايه بالظبط في رجلك ؟!!
-فرح بنظرات ضيقة ، ونبرة منزعجة : افندم ؟؟
ابتسم يزيد لها في هدوء ، ثم رمقها بنظرات حاولت إنكارها و..
-يزيد بنبرة متريثة : احنا هنركب تاكسي سوا ، ماهو مش معقول يعني هانمشيها من هنا لحد سوهو سكوير
-فرح فاغرة شفتيها : هـــه
-يزيد متابعاً بنفس الثبات الانفعالي : بس لو انتي حابة تتمشي معايا أنا معنديش مانع ، ده حتى فرصة إننا آآ…
توردت وجنتي فرح سريعاً ، وأشاحت بوجهها بعيداً عنه في خجل واضح ، فتوقف هو عن إكمـــال عبارته ، وابتسم مجدداً في عذوبة ، ثم ســـار في اتجاه الطريق وأشـــار بيده لإحدى سيارات الأجرة لكي تتوقف ..
وبالفعل توقفت إحدى السيارات ، فمد يزيد يده وأمسك بمقبض الباب الخلفي ، وفتحه لفرح التي لم تختفي علامات الدهشة عن وجهها ، ثم أغلقه بهدوء بعد أن ركبت في الخلف ، وركب هو إلى جوار السائق ، ومن ثم طلب منه إيصالهما إلى ميدان سوهو …
………………………..
بعد لحظات توقفت سيارة الأجرة على جانب الطريق ليترجل منها الاثنين .. ثم تنهدت فرح في توتر ، وانحنت برأسها قليلاً للأسفل لكي تنظر بعينيها إلى داخل حقيبة يدها العملية ، ثم أخرجت الكاميرا الخاصة بها ، وبدأت تتفقدها ..
-يزيد بنبرة حماسية : عاوزك بقى تصوري كل حاجة هنا ..
-فرح باقتضاب : إن شاء الله
-يزيد متابعاً بنفس النبرة ، وهو يغمز : ومش هوصيكي بقى ..!
عضت فرح مجدداً على شفتها السفلى ، ونظرت أمامها ، وبدأت تتفقد تلك المنطقة السياحية الشهيرة في شرم الشيخ
أطلق اسم ميدان سوهو أو ( سوهو سكوير ) على تلك المنطقة وذلك لأنه تصميمه يشبه تصميم ميدان سوهو الشهير و الموجود في العاصمة البريطانية لندن .. يحتوي هذا الميدان على العديد من المطاعم العالمية المعروفة ، بالإضافة إلى نافورة راقصة ، ومركز للتزلج على الجليد ..
كان الميدان ممتلئاً بالمئات والمئات من السياح من مختلفي الجنسيات بالإضافة إلى المواطنين المصريين ..
نظرت فرح إلى تلك النافورة الراقصة بألوانها المبهجة بنظرات إعجاب ، وحاولت قدر الإمكان أن تلتقط لها صوراً من زوايا عديدة .. وظل يزيد مرافقاً لها ..
ثم لمحت بعض السياح وهم يتمايلون بأجسادهم على صوت الموسيقى الصاخب ، فالتقطت لهم صوراً منوعة ، وكذلك لرجل يدور بثبات في مكانه وهو يحمل سجادة دائرية ملونة ومضيئة بألوان كثيرة ، أو فيما يعرف بالتنورة على موسيقى فلكلورية شهيرة ..
لمحهما منذر من على بعد فقرر أن ينضم إليهما ، فقد شغلت تلك الصحفية تفكيره ..
………………………………………..
في منزل فرح عبد الحميد ،،،
بعد أن انتهت السيدة فوزية من ترتيب منزلها وتنظيفه ، قررت أن تقرأ في المصحف قليلاً لعل نفسها القلقة على ابنتها تهدأ .. ولكنها سمعت صوت قرع جرس باب منزلها ، فأسندت المصحف على الطاولة ، ثم نهضت من مكانها ، وتوجهت ناحية الباب ..
فتحت فوزية الباب فتفاجئت بالأستاذ بركات يقف على باب منزلها ، ففغرت شفتيها في صدمة ، ونظرت إليه في ذهــول ، بينما تحدث هو بـ ..
-بركات بصوت عميق : مش هاتقوليلي أتفضل يا حاجة فوزية ؟
-فوزية بنبرة مشدوهة : انت ؟
-بركات بنبرة هادئة : أنا عارف إني جاي من غير ميعاد ، بس أنا لازم أقابل فرح بنتي ضروري
اكفهرت ملامح فوزية سريعاً ، وزمت شفتيها في استهجان و…
-فوزية بنبرة ممتعضة : متقولش بنتك يا أستاذ بركات ، انتو نسيتوا عملتوا فيها ايه ؟
-بركات بنبرة متمهلة : معلش يا حاجة فوزية ، أنا بعتذرلك على اللي مراتي عملته ، احنا برضوه كنا نسايب
-فوزية مقاطعة بحدة : دي جابت من الأرض وحطتت على بنتي ، وتقولي نسايب
-بركات بنبرة حزينة : أنا أسف يا حاجة ، امسحيها فيا ، هي برضوه أم وزعلانة على ابنها
-فوزية بنبرة متهكمة : ابنك اللي ضحك على بنتي واستغفلها ، وراح اتجوز وخلف كمان
أطـــــرق بركات رأسه في آسف ، ثم أجفل عينيه للأسفل و..
-بركات بنبرة منكسرة : دي مشيئة ربنا
-فوزية بنبرة محتقنة : مشيئة ربنا انكم تربطوا بنتي جمبكم سنتين ، وتكسروا قلبها ، وابنكم عايش حياته ومتهني
-بركات بنبرة أكثر حزناً : أنا أسف يا حاجة فوزية ، بس خلاص هو راح عند اللي خلقه ، وأنا جاي النهاردة عشان أرد الأمانة لأصحابها .. ميراث بنتك
-فوزية بنبرة متشجنة : لا أنا ولا بنتي عاوزين منكم حاجة
-بركات بنبرة مُصرة : بس ده حقها الشرعي ، وأنا مقدرش أتغاضى عنه
-فوزية بنبرة حادة للغاية : قولتلك مش عاوزين أي حاجة تيجي من طرفكم ، انسونا بقى ..!!
ثم صفعت الباب بحدة في وجهه دون أن تنتظر اي رد منه ، وظلت تبكي في مرارة وهي تتذكر ما حدث مع ابنتها من خداعها تحت اسم الحب ….
………………………………..
ســـــار منذر بخطوات واثقة في اتجاه فرح التي كانت مندمجة بتصوير بعض الأطفــال وهم يرقصون على أنغام الموسيقى العالية ، ثم وقف إلى جوارها و…
-منذر بنبرة مرحة : استاذة فرح
صدمت فرح حينما رأت منذر يقف بجوارها وعلى وجهه ابتسامة بلهاء ، وتبدلت ملامح وجهها سريعاً للإنزعاج .. في حين استدار يزيد ناحيته ليرمقه بنظرات محتقنة و..
-يزيد بنبرة متشنجة : ايه اللي جابك هنا ؟
-منذر ببرود : كلنا موجودين هنا يا سيادة المقدم ، واضح ان حضرتك نسيت
زفــــــر يزيد في انزعاج ، في حين التفت منذر بجسده كلياً ناحية فرح ورمقها بنظرات إعجاب شديدة و..
-منذر بنبرة حماسية : أنا محظوظ اني اتعرفت على واحدة محترمة وجميلة زيك
-فرح بإقتضاب ، ونظرات جامدة : شكراً
-يزيد بحنق وهو يشيح بوجهه الناحية الأخرى : استغفر الله العظيم
حـــاول يزيد قدر المستطاع أن يتحكم في أعصابه وألا ينفعل كي لا يتسبب في فضيحة أخـــرى ..
بينما ظل منذر يتحدث كعادته بحوارات فارغة لا تغني ولا تسمن من جوع فقط ليجذب انتباه فرح التي كانت تزفر طوال الوقت في ضيق ..
ثم انضم إلى ثلاثتهم عدداً من الضباط الذين هم على صلة بكلاً من منذر ويزيد ، واتسعت دائرة الحوار الممزوجة بالضحكات والمزاحات الرجالية ، والتي لم تخلو بالطبع من المعاكسات للفتيات التي تمرق بجوارهم ..
ثم فجــأة وجدت فرح من يمسك بقبضة يدها ويسحبها من ذلك الحشد للخلف ، فكانت على وشك الصراخ ، ولكنها وجدته يزيد الذي وضع إصبعه على فمه و…
-يزيد بخفوت : ششش .. تعالي معايا
ظل يزيد قابضاً على كف يدها ، وانطلق بها سريعاً ليختفيا بين الحشود الغفيرة .. وما إن اطمئن يزيد على ابتعادهما حتى أرخى قبضة يده عن فرح ، ثم نظـــر إليها بنظرات حانية و…
-يزيد بنبرة مبتهجة : كده أحسن بدل الصداع اللي كنا فيه ..
ابتسمت فرح في خجل ، فقد كان محقاً في هذا ، فهي لم تشعر بالراحة أثناء وجودها وسط هذا الكم من الرجــال ..
ثم سمع كلاهما صوتاً مألوفاً ينادي عليهما بـ …
-آدم بنبرة عالية : يزيد باشا ، فــــــرح
التفت كلاهما برأسيهما إلى الخلف ليجدا آدم وهو يلوح لهما بيده ، بينما كان حاملاً للعديد من الحقائب البلاستيكية في اليد الأخــرى .. ثم ســـار في اتجاههما بخطوات شبه راكضة و..
-آدم بنبرة متحمسة : الحمدلله لحقتكم ، ده أنا دايخ عليكم من ساعة الغدا ، أومــال انتو كنتو فين ؟
لم يجب أي من الاثنين على آدم الذي ظل يوزع نظراته بينهما ، ثم ابتسم في لؤم و..
-آدم متابعاً بنبرة مغترة : بس ايه رأيكم فيا وأنا بزحلق منذر من طريقكم عشان يخلى الجو بينكم ، أستاذ ورئيس قسم
تنحنحت فــرح في حــرج ، في حين رمق يزيد آدم بنظرات محذرة ، فتوقف آدم فوراً عن الحديث و…
-آدم بنبرة متحشرجة وهو يشير بيده : طيب خلاص ماتبصليش كده
-يزيد بحنق : وهو أنا جيت جمبك ؟
-آدم بتوجس : انت مش محتاج تيجي ، كفاية عينيك الدُبلي دول
-يزيد بنبرة جـــادة ، ونظرات متوعدة : آدم
-آدم بقلق : خلاص .. خلاص .. بس مقولتليش هنحتفل امتى بعيد ميلادك ؟
رمـــق يزيد آدم بنظرات استغراب ، و..
-يزيد بعدم فهم : عيد ميلاد مين ؟
-آدم بنبرة واثقة ، ونظرات ثابتة وهو يشير بيده : انت
حدقت فـــرح في يزيد هي الأخــرى، ورمقته بنظرات غريبة و..
-فرح متسائلة بخفوت : هو عيد ميلادك امتى ؟
-يزيد بحنق وهو يشير بيده : معرفش ، اسأليه هو اللي عارف مش أنا
-آدم وهو يهز رأسه في عدم اقتناع ، وبنبرة متلهفة : ليه بس يا عم يزيد التواضع ده كله ، يا سيدي ماتخفش مش هانقولك هاتلنا جاتوه ، كفاية علينا كوزين بيبس يرطبوا على قلبنا
-يزيد بنبرة ضائقة : انت يا بني بتقول أي هبل وخلاص
-آدم بنبرة متحمسة ، ونظرات مشرقة : تموت في إنكار الذات ، شايفة يا فرح الأخلاق العالية
-يزيد بنبرة مغتاظة : ذات مين ، وزفت ايه ؟
اقترب آدم من يزيد ولف ذراعه على كتفه ، ثم دفعه خطوة للأمــام و..
-آدم بنبرة جــادة : تعالى بس اما أشوف هاجيبلك ايه
رمـــق يزيد آدم بنظرات نارية ، وحاول إزاحة ذراعه عن كتفه ، ولكنه لم يستطع لأن آدم قد أطبق أكثر عليه بثقل وزن جسده و..
-يزيد بنبرة متوعدة : قسماً بالله لأوريك
-آدم بخفوت : اسمع
هتفت فرح عالياً فيهما قبل أن يبتعدا عنها بـ ..
-فرح بنبرة عالية نسبياً ومتلعثمة في نفس الوقت وهي تشير بيدها : أنا .. أنا .. آآ.. هاروح أشوف الحاجات الموجودة في البازار اللي هناك ده
ثم استدارت سريعاً بجسدها لتسير بخطوات متلاحقة ناحية احد المحال التجارية القريبة ..
استغل يزيد الفرصة ولكز آدم بحدة في جانبه مما جعله يزيح ذراعه عنه ويتراجع خطوة للخلف و..
-آدم متأوهاً من الآلم : آآآه .. في ايه بس ؟
-يزيد بنبرة شبه غاضبة ، ونظرات حادة : ممكن تفهمني إيه الجنان اللي انت عملته ده ؟
-آدم ببراءة مصطنعة : جنان ايه ؟
-يزيد بحنق : جــو العيد ميلاد الرخيص ، والكلام الفارغ بتاعك
-آدم مبتسماً في ثقة وهو يغمز : بس جاب نتيجة
-يزيد بنبرة محتقنة : نتيجة ايه بس يا غبي ، ده كان باين أوي ان الموضوع مقثوس ، وبعدين مش عيب عليك تبقى في السن ده ، وتعمل حركات المراهقين دي
-آدم بنبرة مغترة : الحركات دي هي اللي بتجيب نتيجة ، انت مشوفتهاش وهي بتقول آآ..
انحنى آدم قليلاً في وقفته ، وحاول قدر الإمكان أن يقلد فرح في طريقتها وصوتها و..
-آدم مقلداً إياها : أنا هاروح أشوف الحاجات اللي في البازار ده
-يزيد وهو يزم شفتيه في ضيق : غبي
-آدم غامزاً ، وبنبرة متفائلة : بس بأعرف أتكتك صح …!
-يزيد بتوجس : والله انت هتوديني في داهية بسبب تصرفاتك دي
-آدم بنظرات خبيثة ، ونبرة خافتة تحمل نوعاً من اللؤم : وهو أنا عملت حاجة لسه ؟ ده التقيل كله جـــاي ورا ………………………………… !!
………………………………………………………..
الحلقة التاسعة عشر :
دلفت فـــرح إلى داخل أحد المحــــال التجارية الخاصة ببيع الإكسسوارات والهدايا التذكارية ، وظلت تتجول بين أروقة المحل المختلفة والمليئة بالعديد والعديد من الأشياء المميزة .. وجابت ببصرها بين جميع الأرفف المثبتة على الحوائط ، وأيضاً الحوامل المعدنية ..
ترددت فـــرح في انتقاء ما تريد شراؤه من أجـــل والدتها ، ورفيقتها إيلين .. ولكن مــر ببالها حديث آدم عن الاحتفـــال بعيد مولد يزيد .. فتنهدت في ضيق ، وازدادت حيرتها ، هل تشتري له هدية رمزية ، أم تتجاهل هذا الحديث برمته ..
وضعت فرح يدها على رأسها ، وأمسكت بخصلة من شعرها وظلت تلويها حول إصبعها في توتر ، و..
-فرح لنفسها بنبرة حائرة : طب أعمــل ايه الوقتي ؟ أطنش ، ولا أجيبله هدية ، طب ما أنا لو جبتهاله هيقول عني ايه ؟ ولو مجبتش برضوه احتمال يقولي إني مش معبراة ، ولا بخيلة .. أوووف .. يا ربي ، انا محتارة ، بجد مش عارفة اعمل ايه ..
توقفت فـــرح أمام أحد الأرفف المعلق عليها بعض القلادات ، ولفت نظرها قلادة ذكورية مميزة ، حيث كانت القلادة مكونة من ربـــاط جلدي أسود ، ويتدلى في نهايته ( ضِرس ) لسمكة القرش مصنوع من العـــاج .. أُعجبت فرح بالقلادة كثيراً ، وظنت أنها ستكون مناسبة ليزيد كهدية لعيد مولده .. فهي بسيطة وغير متكلفة ، وربما ستكون مقبولة إن أعطته إياها ..
أقنعت فـــرح نفسها بأن تلك الهدية مناسبة ، وبالتالي مدت يدها لتمسك بها ، ورفعتها إلى الأعلى لتنظر إليها بعينيها عن كثب ..
ثم تحركت ببقية أرجـــاء المحل وإنتقت لوالدتها ( سبحة ) مصنوعة من الخرز الملون ، ولإيلين إطـــار فضي لوضع الصور بداخله ..
توجهت لاحقاً إلى ( الكاشير ) لكي تدفع تكاليف الهدايا ، وطلبت من البائعة أن تغلف القلادة وتضعها في حقيبة بمفردها ، وتضع الهديتين الأخرتين في حقيبة أخـــرة ، فابتسمت لها البائعة في رقــة و…
-البائعة بنبرة هادئة : تحبي العلبة بتاعة القلادة تكون حمرا ولا لون تاني ؟
-فرح بجدية ، ونظرات مرتبكة : لألأ .. خليها علبة سوداء
-البائعة بهدوء : حاضر ..
وبالفعل قامت البائعة بوضع القلادة في علبة كرتونية صغيرة سوداء ، ثم قامت بلفها بشريط فضي صغير ، ووضعتها في حقيبة بلاستيكية صغيرة ، لقد خشيت فرح إن انتقت ليزيد علبة هدايا من لون مميز كـ ( الأحمـــر ) أن يتم تفسيرها بصورة خاطئة ، لذا فضلت أن يكون لونها عادياً ..
……………………………………..
ظل يزيد يعاتب آدم على تصرفه الأحمـــق ( من وجهة نظره ) أثناء وجـــود فرح ، في حين ظلت الابتسامة السخيفة مرتسمة على وجه آدم وهو محدق به بنظرات متفائلة و…
-يزيد بنبرة حانقة : انت بجد انسان غريب ، ازاي تفكر تعمل كده
-آدم بنبرة واثقة : بكرة تيجي تشكرني على اللي عملته معاك ، وتبوس راسي كمـــان
-يزيد بضيق ، ونظرات مغتاظة : ده أنا هاكسر راسك الناشفة دي ، حد كان قالك إني عاوز هدية منها
-آدم بنبرة مستفزة : مش لازم تقول ، كفاية أنا أحس
-يزيد بنبرة متهكمة : والله !! وانت بقى عاملي فيها حساس الجيل
-آدم بنبرة هادئة للغاية : يا يزيد أنا أكتر واحد في الدنيا دي عارفك كويس ، طب انت مش حاسس انك متغير من ساعة ما فرح دخلت حياتك ؟
-يزيد فاغراً فمــه : هــه ..
استمر آدم في توضيح بعض النقاط الغافلة عن يزيد والخاصة بمشاعره ، وكيف أنه قد لاحظ أن وجود فــرح قد أحدث تغييراً كبيراً في حياته ، وأن هذا التغيير كان للأفضل ..
كان يزيد متيقناً أن آدم قد أصـــاب في قوله ، ولكنه كان يأبى أن يفصح عما بداخله ، وأثــر الصمت عن التفوه بأي حديث يؤكد كلام آدم ..
…………….
بعد برهـــة من الوقت ، عـــادت فرح إلى حيث تركت آدم ويزيد وهي تحمل في يدها الحقائب الصغيرة ، ثم ظلت تجوب بعينيها المكان باحثة عن كلاهما ، ولكنها للأسف لم تجدهما .. فقررت أن تجلس بجوار النافورة الراقصة وتنتظرهما .. ولكن لفت نظرها موقف حدث بين إحدى السيدات وطفلة صغيرة ..
كان سيدة ما تبدو في أوائل الثلاثينيات من عمرها – وترتدي عباءة سوداء مطرزة – تعنف طفلة صغيرة لا تتجاوز السادسة من عمرها بطريقة مستفزة ، ثم تركتها فجـــأة وانصرفت ، فنهضت فرح من مكانها ، وتوجهت إلى تلك الطفلة الصغيرة بخطوات سريعة ..
كانت الطفلة تبكي بدموعٍ غزيرة ، فجثت فرح على إحدى ركبتيها أمام تلك الطفلة ، ومدت يدها لتمسك بكفها الرقيق و…
-فرح متسائلة بنبرة هادئة ونظرات متوجسة : ايه يا حبيبتي ، مالك بتعيطي كده ليه ؟ ومين دي اللي بتزعقلك ؟
-الطفلة بصوت باكي : دي ماما
-فرح بنفس الثبات الانفعالي : وماما بتزعقلك ليه ؟
-الطفلة بنبرة باكية : عشان أنا كنت عاوزة أروح معاها وهي مردتش
-فرح بنظرات متعجبة ، ونبرة متوجسة : يعني ماما سابتك ومشيت ؟
-الطفلة وهي توميء برأسها : اه
عضت فرح على شفتيها من الغيظ ، والتفتت برأسها في كل الاتجاهات لكي تبحث عن تلك الوالدة المستهترة التي تركت طفلتها بمفردها في وسط مكان مزدحم بالعديد من الأشخاص دون أي اكتراث لها ..
وقفت فرح على ساقيها ، ثم احتضنت الطفلة الصغيرة بكلا ذراعيها ، ومدت يدها بداخل حقيبتها العملية لتخرج منشفة ورقية ، ومن ثم أعطتها للطفلة الصغيرة لكي تجفف دموعها ..
لمحت فـــرح والدة تلك الطفلة وهي تقف أمام أحد المحال المخصصة لبيع ( الإيشاربات ) و الطُرح ، فرمقتها بنظرات نارية ، ثم خطت ناحيتها بخطوات راكضة وهي ممسكة بكف يد الطفلة الصغيرة ..
……………………..
ثوانٍ قليلة مرت قبل أن تقف فرح أمام تلك السيدة ، ومن ثم …
-فرح بنبرة شبه غاضبة ، ونظرات حـــادة : بعد اذنك يا مدام
التفتت تلك السيدة ذات البشرة القمحية إلى فرح ، ورمقتها بنظرات استغراب ، ثم أجفلت بصرها قليلاً للأسفل لتجد ابنتها الصغيرة تقف مختبأة خلف فرح ، فمدت يدها على عجالة لتمسك بالصغيرة ، ومن ثم جذبتها بقسوة و…
-سيدة ما بنبرة متعصبة : تعالي يا زفتة هنا
-الطفلة بصراخ : عـــااا .. ماما
تدخلت فرح فوراً ، ووضعت ذراعها أمام السيدة لتمنعها من سحب الطفلة بتلك الطريقة العنيفة ، و…
-فرح بحنق : في ايه يا مدام ، بالراحة شوية على البنت ، مش طريقة دي
-سيدة ما بغضب : دي بت قليلة الآدب ، ناقصة رباية ، وعاوزة قطم رقبتها
-فرح متسائلة بضيق شديد : ليه يعني ؟ هي عملت ايه لكل ده ؟؟
في نفس التوقيت كان يزيد وآدم قد دلفا خـــارج محل مجاور لمحل الإيشاربات ، فرأى كلاهما فــرح وهي تتحدث إلى سيدة غريبة وممسكة بطفلة صغيرة و..
-يزيد متسائلاً بنظرات ضيقة ، ونبرة جادة : هي مش دي فرح اللي واقفة تكلم الست دي
-آدم وهو يوميء برأسه : اه هي
-يزيد متسائلاً بفضول : طب بتعمل ايه معاها ؟ ومين البت اللي مسكاها في ايدها دي
-آدم بتوجس : لاحسن تكون بتتخانق
-يزيد بنبرة منزعجة وهو يضرب كتف آدم : طب تعالى بسرعة نشوف في ايه
تحرك الاثنين في اتجــــاه فرح وتلك السيدة ، واستمعا إلى الحوار الدائر بينهما و…
-فرح بنبرة مغتاظة : بس ده مش مبرر إنك تضربيها بالشكل ده
-سيدة ما بنبرة غــل : يعني يا أبلة أسيبها تيجي ورايا وأنا قولتلها تتنيل تقعد مع جدتها ، وهي مصممة تعاندني
-فرح بنبرة غاضبة : طب ماتخديها معاكي ، هيحصل ايه يعني ؟
-سيدة ما ببرود : وأخدها ليه ؟ دول هما 5 ولا 10 دقايق عقبال ما أشتري اللي أنا عاوزاه ، وبعدين بنت الـ *** دي بتستهبل
ارتسمت علامات الصدمة على وجه فرح ، وعقدت حاجبيها في ذهول ، ثم ..
-فرح بنبرة مشدوهة : يا مدام دي طفلة
-سيدة ما بنبرة مستفزة : طفلة ايه ، دي بغلة .. انتي عارفة دي في سنة كام KG2 ..!!!!!
-فرح فاغرة شفتيها في ذهول أكبر : نعم ؟ KG2 ؟؟!!!!!!
-سيدة ما بنبرة جامدة : أه
-فرح بنظرات مصدومة ، ونبرة عاجزة : يعني لسه في حضانة
-سيدة ما بنبرة غير مكترثة : أه ، بس بعرف تروح المدرسة وترجع لوحدها زي الطحشة أهي
-فرح بنبرة حانقة : يا مدام ده اسمه استهتار
لوت تلك السيدة فمها في امتعاض ، ثم رمقت فرح بنظرات احتقارية من رأسها لأخمص قدميها و..
-سيدة ما بنبرة قانطة : بصي يا أستاذة انتي ، البت دي بنتي وأنا عارفاها ، وهي ماينفعش معاها إلا كده ، دي متسلطة عليا
-فرح بنبرة إصرار : وأنا بنصحك لوجـــه الله ، عارفة لو إنتي كلمتيها بالعقل والله هي هتسمعلك وآآآ…
-سيدة ما مقاطعة بحدة : بقولك دي متسلطة عليا ، تقوليلي أكلمها بالعقل ، يا شيخة ده أنا عندي أربع نصايب غيرها ، ربنا ياخدها ويريحني منها
-فرح بنبرة حانقة : يا ستي حرام عليكي ، ماتدعيش على بنتك ، ده الأطفـــال نعمة من ربنا …
لقد حُفرت تلك العبارات البسيطة في عقل يزيد ، وجعلته يحدق في فرح بنظرات رومانسية ، فلم يكن يتخيل أنها مثله شغوفة بالأطفــال ، وتحنو عليهم سواء كانوا يقربون لها أم لا ..
وفي تلك اللحظة بالذات أدرك يزيد أن فـــرح هي الزوجة التي تناسبه حقاً ، هي تلك المرأة التي طالما نشدها ، الأم الحنون ، والزوجة العطوف ، هي نعمة أرسلها الله إليه ، وعليه ألا يضيعها .. ولكنه سوف ينتظر قدوم الفرصة المناسبة لمفاتحتها في هذا الموضوع المصيري .. ولن يتركها ترحل من وحدته العسكرية قبل أن يكون عاقداً قرانه عليها ..
التفت آدم إلى يزيد لينظر إليه بنظرات متغحصة محاولاً سبر أغوار عقله ، فقد عـــرف أن كلمات فرح سوف تلمس روح يزيد الهائمة ، بلى .. لقد كان الموقف عفوياً ، ولكن سيترتب عليه الكثير من التطورات لاحقاً ..
………………..
انصرفت السيدة القاسية وهي تجر ابنتها ، وتلكزها بحدة في جانبها ، وتوبخ لها إهانات لاذعة ، في حين ظلت فرح متسمرة في مكانها غير مصدقة أنه توج أمهات بمثل تلك القسوة والجمود .. ثم استدارت بجسدها لتتفاجيء بيزيد وآدم محدقان بها ، ففغرت شفتيها في ذهــول ، ثم عضت على شفتيها مجدداً ، وابتلعت ريقها ، وســـارت في اتجاههما و..
-فرح بنبرة متلعثمة ، ونظرات شبه مرتبكة : أنا .. أنا كنت بدور عليكم ، انتو .. آآ.. انتو كنتوا فين ؟
-آدم مبتسماً ابتسامة عريضة : احنا هنا أهوو
ظل يزيد صامتاً ، ولكنه لم يُحيد بعينيه عن فرح ، بل ظل ممعناً فيها ، متأملاً إياها بنظرات حالمة ، والهة ..
أدارت فرح رأسها في اتجاه يزيد ، فوجدته محدقاً بها بطريقة أخجلتها ، مما جعل وجنتيها تتورد سريعاً ، ثم أطرقت رأسها للأسفل ، في حين وزع آدم نظره بين كلاهما ، ولم تختفي تلك الابتسامة العريضة من على وجهه ، وأيقن أن الأخبار السارة ستعلن عمــا قريب ..
مرت لحظات والجميع على تلك الوضعية ، فشعرت فرح بالخجل أكثر و…
-فرح بنبرة خافتة : طب يالا بينا ، أظن الوقت أتأخر
-آدم مبتسماً بثقة ، وهو يغمز ليزيد : انا بقول كده برضوه ، وأهو كل تأخيرة وفيها خيرة ..
ســــار الجميع عائدين إلى أول ميدان سوهو ، حيث بدأ بقية أفراد الضباط في التجمع ، ثم استقل كل مجموعة منهم سيارة أجرة من أجل العودة إلى الفندق حتى يستقلوا الحافلة ويعودوا إلى الميناء مجدداً لإستئناف مناورتهم التدريبية ..
……………………..
وصــــل غالبية الضباط إلى مدخل الفندق الفخم ، وبدأت الأحاديث الجانبية العالية بين الجميع حول اليوم وكيف كان ممتعاً لمعظمهم ..
بحثت فرح بعينيها عن يزيد الذي كان قد تركها قبل برهة ليذهب مع رفاقه إلى المرحاض بعد أن عادوا للفندق ، وترددت في إعطائه هديته ، ولكنها عقدت العزم على أن تقدمها اليوم بما أنه يوم مولده ، لذا ظلت ترمق الحاضرين بنظرات متفحصة بحثاً عنه ، وفي النهاية رأته يقف في الخلف بمفرده ، ومستنداً على أحد الأعمدة الجرانتية ، فابتلعت ريقها في توتر ، وفركت أصابع يدها في ارتباك ، وقبضت على ذراع حقيبتها بشدة ، ثم ســـارت حوله وهي تقدم خطوة ، وتؤخــر الأخــرى .. لقد كانت تخشى أن يفهمها يزيد بصورة خاطئة ، ويظن بها السوء ، ولكنها حاولت أن تقنع نفسها أنها مجرد هدية لعيد مولده ، لا أكثر ولا أقـــل ..
لم تكمل فرح تفكيرها المشحون ، حيث وجدت نفسها واقفة قبالة يزيد الذي اعتدل في وقفته حينما رأها ، كما اعتلت شفتيه ابتسامة عذبة و..
-يزيد بنبرة رخيمة : بنفسك جاية عندي
-فرح وهي تتنحنح في حــرج وبنبرة متلعثمة : آآ.. أنا كنت .. آآ.. أنا ..
-يزيد متسائلاً بخفوت : انتي ايه ؟
وقف آدم من على بعد يراقب كلاهما بنظرات متفائلة ، ولكن تبدلت ملامحه للانزعاج فوراً حينما لمح منذر وهو يتجه صوبهما و…
-آدم بنبرة متوجسة ، ونظرات قلقة : أوبااا … كتلة الرخامة جت ، أنا لازم أزحلقه بسرعتة قبل ما يطب على الاتنين
بالفعل ركض آدم مسرعاً في اتجاه منذر ، ثم اصطدم به عن عَمَد ، وكــاد أن يوقعه على الأرضية الرخامية اللامعة ، ولكن تمالك منذر نفسه ، في حين ظل آدم ممسكاً به و..
-منذر بنبرة منزعجة : مش تاخد بالك يا باشا
-آدم بنبرة متوترة : آآ.. معلش
أزاح منذر ذراع يزيد القابض على كتفه ، ولكن تشبث آدم به أكثر ، وحـــاول ابعاده في الاتجاه العكسي و…
-آدم بنبرة شبه جـــادة : تعالى معايا
-منذر بعدم فهم وهو مُصر على إبعاد ذراع آدم : أروح معاك فين ؟
-آدم وهو يجز على أسنانه في حنق : في داهية .. آآ.. قصدي عاوز أخد رأيك في حاجة
وبالفعل نجح آدم في إبعاد منذر عن الاقتراب من يزيد وفـــرح ، وترك لهما الفرصة ليحظيا ببعض الحديث الهاديء ..
……………………..
مدت فرح يدها داخل حقيبتها العملية ، و أخرجت منها حقيبة بلاستيكية صغيرة ، ثم رفعت يدها في اتجاه يزيد ، و…
-يزيد متسائلاً بفضول : دي ايه دي ؟
-فرح بنبرة خجلة : آآ… دي عشانك
رفع يزيد أحد حاجبيه في استغراب ، وضيق عينيه نوعاً ما و…
-يزيد بنبرة شبه جادة : عشاني
-فرح وهي توميء برأسها بنبرة مرتبكة : آآ.. اها .. عشان عيد ميلادك
مط يزيد فمه قليلاً ، ثم رمق فــرح بنظرات فاحصة و…
-يزيد بنفس النبرة الجادة : عيد ميلادي !
هزت فرح رأسها تلك المرة ولم تجبه ، في حين أمسك يزيد بالحقيبة البلاستيكية الصغيرة ، ووضع إصبعيه بداخلها لكي يخرج تلك العلبة السوداء الصغيرة المغلفة بشريط فضي … تابعته هي بنظرات مترقبة ، وعلى وجهها علامات توتر جلية ..
أحـــل يزيد الشريط الفضي ، وفتح العلبة لينظر إلى ما بداخلها ، فوجد قلادة مميزة يتدلى منها ضرس كبير لسمكة قرش ، فاعتلى ثغره ابتسامة إعجاب ، فتنهدت فرح في إرتياح ، ولكنه أغلق العلبة فجـــأة ، ومد يده بها مجدداً في اتجاه فرح و..
-يزيد بنبرة جامدة : أسف أنا مش بقبل هدايا …!!!!
تبدلت ملامح فرح سريعاً من الارتياح للانزعاج ، وعبس وجهها كلياً ، وحدقت في يزيد بأعين مذهولة ، وشعرت بغصة ما في حلقها ، وإنقباضة في قلبها و..
-فرح بعدم تصديق : هــــاه
-يزيد بنفس الجمود : مش عاوز حاجة منك ، مالك مستغربة ليه ؟ ولا هو عادي ليكي ، وغريب عليا ..!!!
ابتلعت فرح ريقها في إحراج شديد ، وأطرقت رأسها في خزي ، فقد ظنت أنها أخطأت وتسرعت حينما فكرت أن تُعطي تلك الهدية له …
ثم ابتسم يزيد في ثقة وغرور ، ورمـــق فرح بنظرات لئيمة و..
-يزيد بنبرة مغترة : عشان تعرفي شعوري لما انتي رفضتي تاخدي هديتي ، بس أنا غيرك عمري ما هردلك حاجة جبيتها إيديكي ..
رفعت فرح رأسها ، ونظرت إلى يزيد بنظرات مصدومة ، في حين أمسك هو بالقلادة ، ورفعها ناحية فمه ، ثم قبلها قبلة مطولة و…
-يزيد بنبرة عميقة : دي أغلى حاجة جتلي يا .. يا فراشتي .. !!!
اكتست وجنتي فرح كليةً بحمرة الخجل ، ورفعت أصابع يدها لتعبث بخصلة شعرها في ارتباك ، بينما ظل يزيد محدقاً بها برومانسية ..
ثم صدح في المكان صوت أبواق الحافلات لتعلن عن وصولها ، وبدأ الجميع في الصعود عليهم .. وســـار كلاً من يزيد وفرح معاً ، وركبا سوياً في الحافلة ، ورغم أن الحديث بينهما كان قليلاً طوال طريق العودة ، لكن لم يتوقف للحظة قلبهما عن الخفقان بإسم الحب …
……………………
عــــاد الجميع إلى الفرقاطة ، ودلف معظم الضباط والمجندين إلى القمرات الخاصة بهم ..
دلفت فــرح إلى داخل قمرتها ، وأوصدت الباب خلفها ، ثم ارتمت على الفراش المعدني لتتذكر تلك اللحظات التي قضتها اليوم مع يزيد ، وكشفت لها عن الكثير من الأمـــور …
لم يكف يزيد هو الأخـــر عن التفكير في فرح ، وقضى معظم ليلته وهو محدقاً بقلادتها التي يمسكها بيده ، و…
-يزيد بنبرة عازمة : بكرة هاتكوني بتاعتي للأبد ..!
ثم قبض يزيد على القلادة أكثر بكف يده وهو يبتسم في ثقة شديدة ……………………………….. !!
الحلقة العشرون :
عـــاودت شمس الصباح للإشراق من جديد لتعلن عن بداية يوم أخـــر مليء بالمفاجأت والتحديات ..
اجتمع معظم الضباط والمجندين على سطح الفرقاطة من أجـــل الاستعداد لاستئناف باقي أعمـــال المناورة التدريبية المشتركة ، وكعادتها استيقظت فرح مبكراً لكي تنضم إلى البقية ، وارتدت هذه المرة سويت شيرت من اللون الأخضــر وأسفله بادي من اللون الأبيض ، ومن الأسفل ارتدت بنطالاً من الجينز الأزرق ، ولم تنسْ أن تحاوط عنقها بوشاح من اللون الأبيض ، كما ارتدت هويتها الخاصة بها ، ووضعت في قدميها حذائاً رياضياً من اللون الأبيض .. أما شعرها فقد اكتفت بعقصه كلياً للخلف على شكل كحكة ، ولم تترك أي من خصلات شعرها تنسدل سواءاً على وجنتيها أو حتى على جبينها .. وما إن تأكدت من إنتهائها حتى دلفت خــارج قمرتها وهي ممسكة بيدها كاميرتها ..
……………….
بدى وجـــه يزيد مشرقاً وهو يمر بين أفراد طاقمه ، وبين الفنية والأخــرى كان يلتفت برأسه للخلف بحثاً عن فرح بعينيه حتى لا يفوت فرصة رؤيتها ..
-يزيد لنفسه بتوتر : ايه اللي أخرها بس ، دي بتطلع في ميعادها بالثانية ، ولا تكون مش عاوزة تشوفني !! بس أنا خلاص مش ناوي أسيبها ..!!
لاحظ آدم انفراج أسارير يزيد ، وتبدل ملامحه للأفضل ، فتوسم خيراً في أن يكون هناك أخباراً مبشرة ..
-آدم لنفسه بنبرة متعشمة : الظاهر إننا هنسمع أخبار فل الفل قريب ، أصل من النادر أوي إني أشوفك بتضحك كده يا يزيد .. خير إن شاء الله ، ربنا يديمها نعمة …
……………….
بعد لحظات كانت فــرح متواجدة على سطح الفرقاطة ، وكانت هي الأخــرى على غير طبيعتها رغم أنها تعمدت أن تبدو جادة ، ولكنها خشيت أن تلتقي عينيها بعيني يزيد فيكتشف أنها حقاً تهتم به ، وتكن له في قلبها شيئاً مــا ..
-فرح لنفسها بخفوت : يا رب مايشوفني ، أنا هحــاول أدارى بعيد عنه ، مش عاوزاه ياخد باله مني النهاردة ، ربنا يعدي اليوم على خير ..
………………….
لمحها يزيد من على بعد ، فارتسمت على وجهه ابتسامة أكثر تفائلاً ، وبدى أكثر حماسة عن ذي قبل .. ثم بمهارة وخفة ، مرق بين أفراد طاقمه وهو يشجعهم على إظهار لياقتهم العالية في الجزء الأخير المتعلق بالمناورة من حيث عمليات الغطس لأعمــاق كبيرة ، وأيضاً التدريب مطاردة الغواصات المعادية وملاحقتها ..
تحمست فـــرح لتلك الأجواء بعد أن كانت تخشاها قبل أيام قليلة .. والتقطت بالكاميرا الخاصة بها صوراً مميزة أخيرة تسجل أروع المشاهد التدريبية .. وعلى قدر الإمكـــان حاولت ألا تكون على مقربة من يزيد ، ولكن كان دومــاً أمام ناظريها ، لا يُحيد ببصره عنها ..
………………………….
وبعد يوم طويل مليء بالكثير من التدريبات ، طلب قــــادة الأركـــان الالتقاء بقائدي الوحدات التدريبية ، وكذلك مسئولي طاقم الفرقاطة في أحد السفن الرئيسية من اجـــل تكريمهم ، والثناء على مجهودات الجميع ..
تشجع يزيد للذهـــاب كثيراً ، ولكنه فضــل أن يقتنص تلك الفرصة في إصطحاب فـــرح معه ، وبالفعل توجه إلى قمرتها ، وطرق الباب المعدني ، وانتظرها كي تفتح له ..
بدلت فرح ملابسها ، وارتدت زياً رياضياً ، ثم ســارت ناحية باب القمرة لتفتحه ، وتفاجئت بوجود يزيد بعد أن فتحته قليلاً و…
-فرح بنظرات مندهشة ، ونبرة رسمية : سيادة المقدم
-يزيد باستغراب : سيادة المقدم .!! لأ واضح انك أخدة الموضوع فــورمــال ( رسمي ) على الأخر ..!
تنححنت فــرح في حــرج ، ثم أطرقت رأسها للأسفل ، وظلت مستندة بذراعها على الباب المعدني و..
-فــرح بنبرة شبه جــادة وهي مجفلة لعينيها : حضرتك عاوز ايه
-يزيد بنبرة هادئة ، ونظرات متفحصة : ممكن تبصلي وأنا بكلمك
اضطرت فرح أن ترفع عينيها قليلاً للأعلى ، وحدقت في عينيه مباشرة ، وارتبكت ملامحها حينما رأته محدقاً بها وعلى وجهه ابتسامة صافية و..
-يزيد بنبرة رخيمة : كده أحسن ..
-فرح بإيجاز : خير
-يزيد بنبرة هادئة : عاوزك تجهزي عشان هتيجي معايا
-فرح متسائلة بحيرة : اجي معاك فين ؟
-يزيد بهدوء : في حفل تكريم لقادة الوحدات المشاركة في المناورة
-فرح وهي تعقد حاجبيها في إندهاش ، وبنبرة متسائلة : طب وده إيه علاقته بيا ، أنا ماليش دعوة بالتكريم ده
وضـــع يزيد كلتا يديه في جيبي بنطاله ، ثم اشتد في وقفته ورمق فرح بنظرات رومانسية و…
-يزيد مبتسماً بعذوبة ، وبصوت خافت : تحبي تيجي عادي ، ولا بتكليف رسمي
عضت فرح على شفتها السفلى ، وأطرقت رأسها مجدداً ، و..
-فرح بهمس : اووف ، يعني مش هاعرف أزوغ أبداً
-يزيد مبتسماً أكثر ، وبنبرة هادئة وهو يغمز لها : تــــؤ ..!
ثم تنهد هو في ارتياح ، و…
-يزيد متابعاً بنفس الهدوء : معاكي 10 دقايق وتكوني جاهزة ، أنا هستناكي فوق على السطح
-فرح بإقتضاب وهي تلوي شفتيها : طيب ..!
-يزيد بنبرة محذرة ، ونظرات جـــادة : ولو فكرتي تتأخري ، هاجي أجيبك بنفسي …!
ثم ســـار مبتعداً عنها تاركاً إياها في حــالة تُحسد عليها …
زفـــرت فرح في توتر ، ثم أغلقت باب القمرة ، ووضعت كلتا يديها على فروة رأسها ، وظلت تعبث بشعرها في ارتباك و..
-فرح بخفوات : طب أعمل ايه بس ، أنا مش عاوزة أكون معاه
ثم تنهدت مجدداً في انزعـــاج ، وتوجهت ناحية خزانة ملابسها ، وانتقت لنفسها بنطالاً من الجينز الأسود ، وقميصاً حريرياً من اللون النبيذي ذي أشرطة تعقد كفيونكة عريضة من عند الياقة .. ثم اختارت حذائها الرياضي الأسود لكي ترتدي في قدميها ..
بعد عدة لحظات كانت فرح قد انتهت تماماً من إرتداء ملابسها ، وتلك المرة قررت أن تترك شعرها ينسدل خلف ظهرها ، ثم أخذت نفساً مطولاً قبل أن تتجه إلى خــارج قمرتها ..
……………
وقف يزيد وإلى جواره آدم وكلاهما متأنق في زيهما العسكري الأزرق ومستندين على حافة الفرقاطة ، ثم ..
-آدم بنبرة مرحة : معرفش ليه قلبي حاسس انك ناوي على حاجة النهاردة
-يزيد بهدوء حذر : وايه اللي مخليك تقول كده
-آدم بإيجاز : تصرفاتك
اعتدل يزيد في وقفته ، ثم رمــق آدم بنظرات حادة ، و..
-يزيد بنبرة متعجبة : تصرفاتي ؟
-آدم بنفس النبرة الهادئة : اه .. انت مش لاحظ إنك اتغيرت كتير
-يزيد بجدية : برضوه بتعيد نفس الكلام
-آدم بنبرة متريثة : ماهو عشان أنا صاحبك ، فأنا أكتر واحد عارفك ، وحافظك وصامك كمان
مط يزيد شفتيه في تبرم ، ثم أخذ نفساً مطولاً ، وزفره في هدوء ، فتابع آدم حديثه بـ …
-آدم بنبرة رزينة : أنا عارف ان جواك مشاعر لفرح ، وده باين عليك ، ولو انت مش عاوز تعترف بده لنفسك ، فأنا آآ…
-يزيد مقاطعاً بجدية : انا ناوي أتجوز فرح
فغر آدم ثغره في صدمة ، واتسعت عيناه في ذهـــول ، فهو لم يتوقع مثل تلك العبارة تندفع خـــارج فم يزيد بتلك العفوية الممزوجة بالجرأة .. ولكن قطع اندهاشه العجيب قدوم فــرح التي رمقته بنظات حائرة و…
-فرح متسائلة بفضول : مالك يا آدم بيه ؟
ظل آدم محدقاً في يزيد ، ثم التفت لينظر إلى فرح بنفس النظرات المذهولة ، بينما ابتسم يزيد في ثقة حينما وجد فــرح وهي متأنقة بشعرها المنسدل خلف ظهرها ، وشعر بتسارع نبضات قلبه وهي تعبث بخصلات شعرها المتمردة وتعيدها للخلف ، ثم أفاق من شروده ، والتفت إلى آدم ورمــقه بنظرات خبيثة و…
-يزيد بجدية : متخديش في بالك ، ويالا عشان احنا اتأخرنا ..
ثم أشــــار بيده لها لكي تتحرك هي أولاً للأمــــام ، في حين أمسك هو بذراع آدم ، ودفعه معه قسراً وهو قابض على ذراعيه ، ثم انحنى قليلاً بجسده عليه ، و…
-يزيد وهو يهمس محذراً له في أذنه : عـــارف لو فتحت بؤك بكلمة ، هاحدفك في البحر ، ومحدش هيلاقيلك طريق جــرة
-آدم بتوجس : طيب ..!
ثم استقل ثلاثتهم زورقاً سريعاً مع بعض الضباط الأخـــرين ، وانطلقوا جميعاً في اتجاه سفينة كبيرة مخصصة للاحتفـــال ..
…………………………
تم تكريم جميع المشاركين في المناورة بعد أن ألقى أحد القادة كلمة تشجيعية لهم ، فتعالت التصفيقات في أرجـــاء تلك القاعة التي إزدانت من اجل هذا الحفل …
مــــر الوقت بطيئاً على يزيد الذي كان يود الانفراد بفرح التي خطفت قلبه قبل أن تخطف أنظــاره ، كان يحاول أن يتصنع الفرصة من أجل الحديث معها ، ولكن للأسف لم يستطع ، فحينما ينتهي من الحوار مع أحدهما ، يقاطعه أخــر بالسؤال عن نتائج المناورة أو بالتهنئة له …
بينما كانت فـــرح مشغولة في عمـــل بعض اللقاءات الصحفية ، وخاصة مع كبار القادة ( أركــان الحرب ) والذي كانوا ذوي صلة بحرب تحرير سيناء .. وبالفعل استطاعت أن تجمع معلومات إثرائية شيقة عن جوانب متعددة في تلك الحرب لتضيفها إلى تقريرها الأساسي ..
بعد برهـــة ، وبينما كانت فرح مندمجة في تصوير جانب من الحفل ، وجدت يزيد يقف قبالتها وعلى وجهه ابتسامة عريضة و…
-يزيد مبتسماً ، وبنرة عادية : تسمحيلي بـ 5 دقايق من وقتك
-فرح وهي ترفع أحد حاجبيها في استغراب : ليه ؟ في حاجة تانية ؟
-يزيد وهو يوميء برأسه : أها ..
زمت فرح شفتيها ، ثم هزت رأسها بالايجاب ، و..
-فرح بخفوت : طيب ، اتفضل حضرتك قولي اللي انت عاوزه
-يزيد بجدية وهو يشير بيده : مش هاينفع هنا، يا ريت بس لو نطلع بره بعيد عن الدوشة دي
-فرح وهي تنظر حولها ، وبنبرة ممتعضة : ماشي ..
ســــارت فرح إلى جوار يزيد ، ثم دلفا إلى خـــارج قاعة الاحتفال الداخلية الملحقة بالسفينة ، وتوجها إلى ناحية سطح السفينة حيث استندت فرح بكفيها على حافة السفينة – والتي كانت قصيرة إلى حد ما – ومالت بجسدها للأسفل ، وظلت محدقة لمياه البحر الحالكة ، بينما جلس يزيد على الحافة ، ووقف ينظر كلياً إليها وهو عاقد ساعديه أمام صدره و…
-يزيد مبتسماً ، وبنبرة هادئة : الحفلة حلوة صح ؟
-فرح بخفوت وهي تهز رأسها موافقة : أهــا
-يزيد غامزاً ، وبنبرة هامسة: بس مش هاتكون أحلى منك
توردت وجنتي فرح ، ولكنها لم تلتفت إلى يزيد وظلت محدقة في مياه البحر محاولة تجنب إظهار ارتباكها الجلي أمامه ..
تفنن يزيد في جذب انتباه فرح ببعض الأسئلة العادية – والمملة نوعاً ما – من أجل خلق جــو من الألفة في الحديث بين كليهما ، وما إن تأكد من تجاوب فرح معه وإجابتها على معظم أسئلته بأريحية ، حتى استجمع شجاعته لكي يســـألها أحد أهم الأسئلة التي كانت تؤرق مضجعه ليلاً لأيام عدة ، و..
-يزيد متسائلاً بتريث : كنتي بتحبي جوزك ؟
تفاجئت فرح بهذا السؤال ، فالتفتت إلى يزيد ورمقته بنظرات شبه لامعة ، ثم عاودت النظر مجدداً لمياه البحر ، وتنهدت في انزعاج وهي ممسكة بخصلة من شعرها و..
-فرح بنبرة شبه حزينة : أنا منكرش إني كنت بحبه ..
ثم صمتت لثوانٍ محاولة السيطرة على نبرة مريرة تحاول الولوج خـــارج ثغرها ، و…
-فرح بنبه شبه مختنقة : بس للأسف هو طلع مايستهلش الحب ده
حـــدق يزيد أكثر في فرح ، ونظر إليها بعينين كالصقر محاولة استنباط ما يدور في عقلها و…
-يزيد متسائلاً بترقب : ليه ؟
-فرح بنبرة حزينة ، وعيني دامعتين : لأنه طلع خاين ، وكداب ، اتجوز عليا وخدعني باسم الحب وهو معايا ، بس هو كان عايش حياته مع مراته وعياله
-يزيد متسائلاً بفضول أكبر : معلش ممكن توضحيلي أكتر
زفـــرت فرح من صدرهاً هواءاً حاراً يحمل آلماً مريراً ، و…
-فرح متابعة بنفس الحزن : احنا اتكتب كتبنا من سنتين ، وبعدها هو سافر السعودية عشان يأمن مستقبله ، والمفروض يعني بيجهز كان لبيتنا ، بس هو لما راح هناك اتجوز ، واستقر وعمل بيت وأسرة ، ورغم ده كله ، فضل ضاحك عليا لحد ما أنا اكتشفت الحقيقة يوم وفاته
ثم انهمرت بعض العبرات الساخنة على وجنتها ، فلوى يزيد فمه في ضيق أكثر ، واستدار برأسه في اتجاه البحر ، و…
-يزيد متسائلاً بنبرة ممتعضة : هــا ، وبعدين ؟
سردت فرح بنبرة آسفة ما مرت به من ظروف عقد قرانها بزوجها الراحل كريم ، وما حدث بعده من توبيخات وتطاول من والدته السيدة سميرة ، فأصغى يزيد لها بإنصات تام ، ورغــم أن بركاناً كان يغلي بداخله ، إلا أنه حـــاول قدر الإمكان ألا يظهر هذا الضيق والإنزعاج أمامها …
شعرت فرح لوهلة أنها أراحت صدرها من ذاك الثقل البغيض الذي كان يخنقها حينما أفاضت بما يجيش في صدرها ليزيد ، ثم نظرت إليه من زاوية عينيها لتستشف منه حالته بعد أن عــرف ما يخصها ، فوجدته جامد الملامح ، ووجهه ذو تعبيرات غير مفهومة ، فقررت أن تغير مجرى الحديث ، و..
-فرح وهي تتنحنح بخفوت : احم .. آآ.. هو أنا ممكن أسألك حاجة ؟
في تلك اللحظة استدار يزيد بجسده ، واستند بظهره على الحافة ، ثم رمــق فرح بنظرات متفحصة و..
-يزيد بجدية : اكيد
-فرح بنبرة متلعثمة ، وهي مجفلة لعينيها : هو.. هو انت ليه مش بتديني .. فرصة إني ..آآ.. إني أتكلم ، يعني .. آآ.. انت ليه مش بتسمعني للأخــر
-يزيد بنبرة شبه جــادة : معرفش ، بس يمكن عشان مش بحب حد يعاند معايا
-فرح بنبرة متلهفة ، ونظرات ثابتة : بس أنا مش بعاند معاك ، بالعكس أنا ببقى عاوزة أثبتلك إني أد المسئولية ، وشاطرة في شغلي اللي بحبه
-يزيد بنبرة متهكمة : وأنا مش محتاج إثباتك ده ، أنا أصلاً مش مؤمن بعمل الست ، بعتبره مضيعة للوقت ، ومالوش لازمة
تملكت الدهشة فرح ، فرفعت أحد حاجبيها في استنكار و…
-فرح بجدية أكثر ، ونظرات متعجبة : انت غلطان
-يزيد بنبرة شبه حــادة : لأ أنا عند رأيي ، طول ما الست بتشتغل هاتكون مهملة في بيتها ومع جوزها ، وهاتيجي على حساب حياتها عشان خاطر شغلانة لا هتودي ولا هاتجيب
-فرح بنبرة معترضة وهي تشير بيدها : على فكرة انت غلطان أوي ، الست ممكن تكون ناجحة في شغلها وفي نفس الوقت مراعية بيتها كويس ، وبعدين طالما الست قادرة توفق بين الاتنين ، يبقى ايه المانع انها تشتغل ، وانا أعرف ناس كتير ناجحين في عمل ده
لوى يزيد فمه في عدم اقتناع ، ورمـــق فرح بنظرات استخفاف ، ثم نظر أمامه و…
-يزيد بنبرة شبه جادة : ده كله كلام فارغ ، وهجس
-فرح بنبرة مُصرة : اسمحلي أقولك برضوه إنك غلطان ، وده مش حقيقي
-يزيد بنبرة متشنجة : بقولك ايه ، انتي متعرفيش حاجة ، الكلام سهل ، وانتي واضح كده انك من بتوع الكلام وبس
-فرح بنبرة متحدية ، ونظرات جادة : لأ أنا أقدر أثبتلك إني مش بتاعة كلام وبس ، وفعلاً أقدر أوفق بين شغلي وبيتي
ابتسم فــــرح في خبث ، ثم رمــق فرح بنظرات ذات مغزى و..
-يزيد متسائلاً بنبرة متريثة : إزاي هتثبتيلي ده ؟ هتتجوزيني مثلاً
اكتست وجنتي فـــــرح بحمرة الخجل ، وانبعثت سخونة شديدة من وجهها ، وشعرت بالارتباك الشديد ، ثم أشاحت بوجهها بعيداً عنه ، في حين ابتسم هو لها بغرور وثقة ..
-فرح بنبرة متلعثمة : آآ.. أنا .. أنا مقصدش
قرر يزيد أن يستغل تلك الفرصة لصالحه ، و..
-يزيد بنبرة جـــادة : تلاقيكي خايفة متكونيش أد كلامك ..!
ظلت فرح على حالة الارتباك الممزوجة بالخجل ، ولم يهدأ وجهها ، فحاولت أن …
-فرح بنبرة مضطربة ، ونظرات مجفلة : أنا .. آآ.. أنا تعبانة وعاوزة أرجع الفرقاطة تاني ..
ثم ســـــارت فرح مسرعة لعدة خطوات إلى الأمــام ، فلحق بها يزيد ووقف قبالتها ليسد عليها الطريق و…
-يزيد بنبرة جادة : بس أنا خلصتش كلامي عشان تسيبني وتمشي
حـــاولت فرح أن تتحرك من أمامه ، وتسير في الاتجاه الأخـــر ، ولكنه ســد عليها الطريق مجدداً ، ووقف قبالتها و…
-يزيد متسائلاً بهدوء : انتي ليه بتهربي مني ؟
-فرح بنبرة خجلة ، وهي تعبث بشعرها بأطراف أصابعها : من فضلك
-يزيد بنبرة لئيمة : بطلي لعب في شعرك بقى اللي مجنني ده ….!!!!!
فغرت فــــرح شفتيها في عدم تصديق ، فهي لم تتوقع أن يغازلها يزيد هكذا بعبارات صريحة ، و..
-يزيد متابعاً بخبث : برضوه مردتيش عليا
-فرح بنبرة متعلثمة : آآ.. أرد عليك في ايه
-يزيد بنبرة هادئة ، ونظرات متعشمة : في إني عـــاوز … أتجوزك
اتسعت عيني فــــــرح في ذهـــول أكبر ، ورمقت يزيد بنظرات مشدوهة ، وعجزت عن النطق ، في حين أردف هو بـ ..
-يزيد متابعاً بنبرة رخيمة : بصي أنا لا بحب اللف ولا الدوران ، ومن الأخــر كده انا قررت أتجوزك
-فرح بإقتضاب : وأنا أسفة ، أنا مش مستعدة أتجوز حــد الوقتي
انتصب يزيد في وقفته ، وتبدلت ملامحه للضيق سريعاً ، وعبس وجهه ، و..
-يزيد بنبرة شبه ممتعضة : بس أنا مش حد ، أنا يزيد جودة
خشيت فـــرح أن تكون قد تسببت في إحداث مشكلة ما ، لذا ..
-فرح بتوجس : أنا .. أنا
ثم فجــــأة صدح في أرجــاء السماء أصوات ألعاب نارية محدثة دوياً هائلاً ، فانتفضت فرح فزعاً ، وارتمت عفوياً في أحضـــان يزيد الذي تفاجيء بردة فعلها ، وتسمر في مكانه دون أن يحرك حتى ذراعيه ليحاوطها ، في حين أدركت هي خطئها ، فانسلت على الفور من أحضانه ، وتراجعت بظهرها عدة خطوات للخلف ، وهي تتمنى لو تشق الأرض فوراً وتبتلعها لجريمتها ..
ظل يزيد محدقاً في فرح وهو في حــــالة ذهول تام ، فلم يخطر بباله أن يحدث هذا ، ورغم أنه كان في حالة إندهاش شديد ، إلا أنه لم ينكر أنه شعر بالسعادة الغامرة لأن فرح كانت للحظات ملك يديه ، وفي أحضانه ..
هزت فرح رأسها في استنكار لما حدث ، وحاولت أن تجد مبرراً لما فعلته ، ثم وضعت يدها على شفتيها من أُثر الصدمة ، ولم تكفْ عن التراجع للخلف ..
تنبه يزيد إلى أن فـــرح تقترب بظهرها من حافة السطح القصيرة ، وأنها ربما تكون على وشك السقوط في المياه ، والتعرض للغرق إن لم يكن التمزق بفعل ( رفـــاس ) السفينة القوي ، فتبدلت ملامح وجهه سريعاً للخــــوف ، وارتمست علامات الزعـــر في عينيه و…
-يزيد بنبرة قوية : فــــــرح …………………………. !!!
الحلقة الحادية والعشرون :
لم تتخيل فــــرح أنها ستركتب خطأ كهذا ، فتراجعت للخلف عدة خطوات وهي ترتعش من الارتباك .. حدق بها يزيد في ذهــــول ممزوج بالرعب حينما وجدها تقترب من حافة السفينة المفتوحة ، فصدح بها عالياً لكي تتوقف و…
-يزيد بنبرة مخيفة : فــــــــــــرح .. اثبتي في مكانك !
ارتعدت أوصـــال فرح أكثر على إثر صراخه العنيف ، وتسمرت في مكانها ، وجحظت عينيها وهي تنظر إليه في زعــر ، في حين ركض هو سريعاً ناحيتها ، ثم مد يده ناحيتها ليمسك بها من ذراعها ، وجذبها بقوة ناحيته وبعيداً عن تلك الحافة ، ثم ظل يوبخها على تصرفها الطائش ، ولكنها لم تكن تستمع إلى كلمة مما يقول ، بل كانت جامدة الملامح ، متسعة العينين ، بـــــاردة البشرة ، شاحبة اللون ، وفجــــأة شعرت أن الظلام يغشى عينيها ، ومخدر ما يتسرب إلى جسدها ، فلم تعد ساقيها قادرة على حملها ، ولم تعد قادرة على تحمل ذلك العبء النفسي ، فسقطت فاقدة للوعــي ..
انتفض يزيد فزعاً حينما وجد فـــرح قد أغشي عليها فجـــأة بدون أي سبب ، فأسندها بذراعه القوي ، وحــاول ألا يفلتها منه ، ثم وضع يده على طرف ذقنها ، وحــاول تحريك وجهها لليمين تارة ولليسار تارة أخــرى من أجل أن يتمكن من إفاقتها ، ولكن بشرتها كانت باردة كلوح الثلج ، فانقبض قلبه أكثر ، وتوجس خيفة عليها ، ثم انحنى بجذعه للأسفل قليلاً ليضع ذراعه الأخــر أسفل ركبتيها ، ثم حملها بين ذراعيه ، وضمها إليه في خــوف ، وســـار بها راكضاً إلى أن وصــل إلى مدخل القاعة فرأه آدم ، فارتسمت علامات الحيرة على وجهه ، ثم ركض في اتجاهه ، وحــاول أن يفهم ما حدث ، و..
-آدم بقلق شديد ، ونظرات مضطربة : في ايه ؟؟ مالها فرح
-يزيد بنبرة خائفة ، ونظرات منزعجة : مش عـــارف
ثم أشــــار لهما أحد الضباط بإصطحابها إلى داخل إحدى القمرات من أجل الكشف عليها ، بالإضافة إلى عدم إثارة القلق بين باقي المتواجدين في أرجــاء السفينة ……..
…………………………………………
بعد مـــرور يومين ، وبداخل إحدى الغـــرف العادية المخصصة للمرضى – ذات الحوائط الفاتحة – بإحدى المستشفيات العسكرية بالقاهـــرة ، كانت السيدة فوزية جالسة على مقعد معدني ملاصق لفراش ابنتها ، وممسكة بيدها بمصحف صغير تقرأ فيه بعض آيات القرآن الكريم ، ثم استدارت برأسها لتنظر إلى ابنتها النائمة على الفراش ، ومدت يدها لتمسح على جبينها ، وعينيها دامعة عليها ..
استمعت السيدة فوزية إلى صوت طـــرق خفيف على باب الغرفة ، فعاودت النظر ناحية باب الغرفة المغلق بعد أن أغلقت مصحفها الصغير و…
-فوزية بصوت متعب : اتفضل
أُدير مقبض الباب ، ثم فتح ليدلف يزيد إلى الداخـــل وهو مطــرق الرأس و..
-فوزية بنبرة عذبة وهي تشير بعينيها : تعالى يا ابني
ســـــار يزيد بخطوات ثابتة في اتجاه الفراش ، ثم رفع بصره لينظر إلى فـــرح التي لا تزال غافلة ، و..
-يزيد متسائلاً بصوت رخيم ، ونظرات قلقة : هي عاملة ايه الوقتي ؟
نهضت فوزية عن مقعدها ، وأسندت مصحفها على الطاولة الصغيرة الموضوعة بجوار الفراش ، و…
-فوزية وهي تتنهد بحزن : الحمدلله يا بني ، الدكاترة طمنوني عليها
-يزيد مبتسماً ابتسامة زائفة : خير ان شاء الله
-فوزية بصوت هاديء : كتر خيرك يا بني على اللي عملته معاها
-يزيد بجدية ، ونظرات ثابتة : أنا معملتش حاجة ، حضرتك مش عـــارفة فرح بالنسبالي ايه
-فوزية مبتسمة في رقــة : ربنا يباركلك يا بني
-يزيد متابعاً بنفس الجدية : انا عارف ان ده مش وقته ، بس أتمنى انك تكوني موافقة على طلب جوازي من فرح
استدارت فوزية برأسها ناحية ابنتها ، ثم ..
-فوزية وهي تمط شفتيها في حــزن : تقوم بس هي بالسلامة ، وربنا يدبرها من عنده
أوميء يزيد برأسه في اقتناع ، ثم استأذن بالانصـــراف ، وقبل أن يبتعد تماماً ، التفت برأسه ليرمق فرح بنظرات أخيرة قبل أن يفتح الباب ويغلقه من خلفه ..
جلست السيدة فوزية على المقعد مجدداً ، ثم أرجعت رأسها للخلف و..
-فوزية بخفوت ، ونظرات راجية : ربنا يجعلك معاه نصيب يا بنتي
………………………………….
في منزل آدم الجزار بالقاهرة ،،،،
جلس آدم على الآريكة المقابلة للتلفاز وهو يحمل طفلته الصغيرة سلمى يلاعبها ويمازحها ، ثم قاطعهما صوت قرع لجرس الباب ، فنهضت الطفلة سلمى من على حجر والدها ، لتركض في اتجاه الباب لكي تفتحه على عجالة ، فحـــاول آدم اللحاق بها و…
-آدم بنبرة شبه عالية : انتي يا لوما ، استني أنا اللي هافتح
لم تصغي الطفلة سلمى إلى أبيها ، بل أمسكت بمقبض الباب وفتحته لتجد أمامها يزيد – الذي كان يرتدي قميصاً صيفياً من اللون الأبيض ، ومفتوح أزراره لصدره ، ومن الأسفل بنطالاً من الجينز الأزرق الداكن – فابتسم لها بعفوية ، ثم مد كلا ذراعيه في اتجاهها لكي يحملها ويربت على ظهرها في حنية أبوية و…
-سلمى بنبرة طفولية مرحة : آمــو زيت ، وحستني تتير ( وحشتني كتير )
-يزيد بنبرة متلهفة : انتي أكتر يا روح عمو يزيد
وقف آدم مستنداً بذراعه على الباب وهو يرمق كلاهما بنظرات متفحصة و..
-آدم مازحاً : ده مسلسل العشق الممنوع ولا ايه …!
-يزيد بجدية : طب وسع شوية خليني أقعد مع حبيبة قلبي
فتح آدم الباب على مصرعيه ، و…
-آدم بنبرة عادية وهو يشير بيده : اتفضل ، ده البيت بيتك ، ولو مش مكفيك أنا ممكن أخد شيماء وننزل
-يزيد مبتسماً بثقة : لأ مش للدرجادي
دلف يزيد إلى داخـــل غرفة المعيشة حيث أرادت الطفلة سلمى أن تمكث ، وبالتالي لم يستطع يزيد أن يرفض لها طلب .. ولحق بهما آدم بعد أن أغلق الباب ، وأزاح بعض ألعاب سلمى من على الأرضية اللامعة …
ثم انضمت إليهم شيماء لاحقاً وهي تعدل من وضعية طرحة إسدالها و..
-شيماء بنبرة سعيدة : يزيد باشا عندنا ، أنا مش مصدقة نفسي والله
-يزيد بنبرة رخيمة : ازيك يا مدام شيماء
-شيماء مبتسمة بحماس : الحمدلله تمام ، المهم انت اخبارك ايه ؟
-يزيد بإيجاز ، وبنظرات ثابتة : أنا كويس
-شيماء بنبرة طبيعية ، ونظرات مشرقة : يا رب دايماً .. هاتتغدى طبعاً معانا
-يزيد وهو يهز رأسه بالنفي ، وبنبرة جــادة : لالالا مافيش داعي ، أنا مش عاوزك تتعبي نفسك
-شيماء بنبرة مُصرة : تعب ايه بس ، ده الأكل مطبوخ وجاهز على الغَرف على طول ، وبعدين محدش يقدر يقول لمحشي شيماء لأ
-يزيد مبتسماً بأريحية : هي العملية فيها محشي ؟
-آدم مقاطعاً بنبرة متلهفة ، ونظرات متعشمة : ايوه محشي بكل الأصناف والأشكال ، ودي من الحاجات النوادر اللي بتحصل عندنا
-يزيد وهو يمط شفتيه في استغراب : مممم.. انت شوقتني أكل
-آدم بنبرة حماسية : ده انت هتاكل وتدعيلي
-يزيد متسائلاً بفضول : هو انت اللي طابخ ولا ايه ؟
-آدم وهو يهز رأسه بالنفي ، وبنبرة واثقة : لأ طبعاً ، بس أنا تخصص محشي ، باعرف أحكم عليه من الريحة
رمـــقت شيماء آدم بنظرات متوعدة ، ثم وضعت يدها في منتصف خصرها ، و…
-شيماء بنبرة معترضة ، ونظرات مترقبة : وهو أنا من امتى طبختلك حاجة وحشة ؟
اعتدل آدم في جلسته ، وثنى ساقه أسفل منه ، ورمق زوجته بنظرات متوترة و….
-آدم بنبرة متوجسة : ده انتي مش بتطبخي إلا الحلو وبس
أرخت شيماء ذراعها ، ووقفت وهي مغترة من نفسها و…
-شيماء بجدية ، ونظرات محذرة : ايوه كده اتعدل
-آدم وهو يلقي التحية العسكرية وبنبرة رسمية : تمام يا فندم
ثم انصـــرفت شيماء تاركة إياهما ليتحدثا سوياً بعد أن حملت صغيرتها معها إلى داخل المطبخ ..
نهض آدم من على الآريكة ، وتوجه ناحية يزيد ليجلس إلى جواره ، و..
-آدم متسائلاً بخفوت : ها أخبارها ايه ؟
-يزيد وهو يتنهد بإنزعاج : لحد الوقتي مافيش جديد
-آدم متسائلاً بفضول : بس انت مقولتليش على اللي حصل وخلاها تبقى كده
-يزيد بنبرة شبه جــادة ، ونظرات حــادة : هو أنا هافضل أعيد وأزيد في الكلام ده
-آدم بنبرة خافتة : يا يزيد احنا فجأة لاقيناك داخل القاعة وشايل فرح وهي مش في وعيها ، وبعدها اتنقلت فورا ً على المستشفى هنا
زفـــــر يزيد في انزعـــاج جلي ، ولم يجبْ على آدم الذي ظل يلاحقه بالأسئلة لكي يعرف ما الذي جــرى بالتفصيل و…
-يزيد بضيق ، ونظرات محتقنة : قولتلك يا آدم مافيش حاجة حصلت
-آدم متسائلاً بإصرار : اومال فجأة طبت وقعت كده لوحدها ؟
-يزيد بحنق : اهو ده اللي حصــل
مط آدم شفتيه في عدم اقتناع ، ثم أشـــاح بوجهه للأمــام لكي ينظر إلى الرواق المؤدي للمطبخ حتى يتأكد من عدم تصنت زوجته عليهما ، ومن ثم أعاد رأسه لمكانها و..
-آدم بنبرة خافتة : طب انت فاتحت أمها في موضوع جوزاك من فرح ؟
أومـــيء يزيد برأسه إيجابياً ، فابتسم آدم في سعادة ، ثم مـــال مجدداً برأسه ناحية يزيد ، و…
-آدم بنبرة أقرب للهمس : وطبعاً الست مصدقت ان في عريس لقطة زيك لبنتها
رمـــق يزيد آدم بنظرات امتعاض ، ثم …
-يزيد بنبرة استنكار : تصدق أنا غلطان إني بحكي معاك في حاجة ، انت بقيت شبه النسوان اللي أعدين على الشلت
– آدم بنبرة معترضة : والله انت كده بتظلمني ، ده أنا غرضي اطمن عليك
…………………………………..
عودة مرة أخـــرى إلى المشفى العسكري ،،،
حـــل الليل على السيدة فوزية وهي مازالت تنظر إلى ابنتها وتدعو الله في نفسها أن يزيح عنها البلاء ، ويشفيها مما هي فيه …
ثم تململت فــرح قليلاً في الفراش ، قبل أن تحرك رأسها ناحية والدتها التي انتفضت في فزع من مكانها ، ووقفت إلى جوارها ثم وضعت يدها على وجنتها لتمسح عليه في حنية و…
-فوزية بنبرة متلهفة ، ونظرات لامعة : فرح ، بنتي !
بدأت فرح تفتح عينيها تدريجياً ، ثم أغلقتهما مجدداً بسبب تأثير الإضاءة القوية على عينيها ، ثم عــادت لتفتحهما بحـــذر وظلت ترمش عدة مرات ، و..
-فوزية بنبرة مشتاقة : حبيبتي يا بنتي ، ألف حمد وشكر ليك يا رب
سعلت فرح عدة مرات قبل أن تبدأ بالحديث ، ثم ..
-فرح بنبرة متحشرجة وضعيفة : ماما ، أنا .. أنا فين ؟
-فوزية بنبرة متلهفة ، ونظرات دافئة : انتي في المستشفى يا حبيبتي
سعلت فـــرح مرة أخــرى ، فمدت فوزية يدها لتمسك بدورق للمياه ، ثم أفرغت البعض في كوب زجاجي مسنود إلى جواره و..
-فوزية بنبرة قلقة : ألف سلامة عليكي حبيبتي ، اشربي المياه دي
مدت فرح يدها التي كانت ترتعش إلى حد ما لتمسك بالكوب ، ثم ارتشفت منه بعض القطرات ، ثم أعطته مجدداً لوالدتها التي أسندته على الطاولة ، ونظرت إلى يدها الأخــرى لتجد إبرة طبية موضوعة بكفها ، ومتصلة بمحلول مــا معلق على حامل معدني ، فتنهدت في تعب ..
حاولت فــرح أن تنهض عن الفراش ، فعاونتها السيدة فوزية في رفعها قليلاً ، ووضعت من خلفها وسادة بيضاء ثم دثرتها بالملاءة الزرقاء جيداً و….
-فوزية بخفوت : كده أحسن يا فرووح
-فرح بنبرة ضعيفة : أيوه
جلست السيدة فوزية على طـــرف الفراش ، وظلت تنظر إلى ابنتها بنظرات حانية ممزوجة بالسعادة و..
-فوزية بنبرة هادئة وعذبة : الحمدلله إن ربنا نجاكي ، أنا كنت خايفة يجرالك حاجة
رمـــقت فرح والدتها بنظرات مندهشة ، ثم …
-فرح متسائلة بعدم فهم : هو في ايه اللي حصل ؟ أنا مش فاكرة حاجة ..!
قاطع حديثهما دخـــول ممرضة ما للغرفة ، فابتسمت بهدوء حينما وجدت فرح قد أفاقت من غيبوبتها ، و…
-ممرضة ما بنبرة طبيعية : حمدلله على السلامة يا أستاذة
-فرح بخفوت شديد : الله يسلمك
-فوزية متسائلة بلهفة : كده بنتي بقت كويسة ؟
-ممرضة ما بنفس الثبات : اهــا .. هي بخير ، الدكتور كان متوقع انها هتفوق يا النهاردة يا بكرة بالكتير لأن مكنش فيها حاجة عضوية ، الموضوع كان نفسي ، بس لزيادة الحرص احنا هنسيبها لحد بكرة معانا ، وبعد كده تقدر تروح لما الدكتور يصرحلها بده
-فوزية بأريحية كبيرة : الحمدلله يا رب ، الله يطمنك يا بنتي زي ما طمنتيني عليها
ثم انصرفت الممرضة بعد أن حقنت المحلول بحقنة ما ، فتنهدت فــرح في تعب ، ثم نظرت إلى والدتها ، وعاودت تكرار السؤال مجدداً عليها ، و..
-فوزية بنبرة شبه مضطربة : أنا كنت أعدة في البيت لاقيت واحد بيتصل بيا بيقولي انهم نقلوكي على المستشفى هنا عشان تعبتي فجأة ، بصراحة أنا معرفش رجليا شالوني ازاي لحد ما جيت هنا ، بس يزيد الله يكرمه طمني عليكي وآآ..
-فرح مقاطعة بنبرة مصدومة : يزيد
-فوزية مبتسمة ، وبنبرة مادحة : ربنا يباركله في صحته وفي شبابه ، ماسبنيش للحظة ، وفضل أعد جمبي لحد ما الدكتور طمنا عليكي
شردت فـــرح فيما قالته والدتها ، وظلت تحاول جاهدة تذكر ما حدث معها ، ولكن قاطع شرودها صوت والدتها بـ ..
-فوزية بنبرة دافئة : بس باين عليه انه بيحبك أوي
ارتسمت علامات الصدمة سريعاً على وجه فرح المرهق و…
-فرح فاغرة شفتيها بذهول : هـــاه
-فوزية مبتسمة في لؤم : هو كمـــان طلبك للجواز
-فرح بنبرة مصدومة : اييييه ؟
في تلك اللحظة سُمع صوت طرقات خفيفة على الباب ، و..
-فوزية بنبرة شبه عالية : ايوه ، اتفضل
فُتح الباب بهدوء ليطل منه يزيد ، فحدقت فيه فــرح بنظرات مشدوهة ، ثم التفتت بعينيها في اتجاه والدتها التي نهضت عن الفراش ، واتجهت إليه وعلى وجهها علامات السعادة والرضا و…
-فوزية بنبرة رقيقة : تعالى يا يزيد يا بني ، دي فرح لسه فايقة من شوية
خجلت فـــرح من وجود يزيد أمامها خاصة بعد أن أخبرتها والدتها بأنه فاتحها في عرض الزواج منها ، ثم توردت وجنتيها قليلاً رغم شحوبهما ..
وضعت السيدة فوزية يدها على كتف يزيد ، ودعته للجلوس على المقعد الأخــر الموجود بالغرفة ، في حين لم يحيد يزيد بعينيه عن فــرح ، وظل يرمقها بنظرات غير مفهومة ..
تابعت السيدة فوزية نظرات كليهما في هدوء ، ثم فكرت في أن تترك لهما المجال ليتحدثا لدقائق دون أن يكون وجودها مزعجاً ، فبرغم كل شيء هي تثق في ابنتها وفي قراراتها ، ولكنها بفراستها استطاعت أن تقرأ الحب الصادق في نفس يزيد ..
-فوزية بنبرة رقيقة : ثواني يا ابني كده ، هاروح بس أشوف ضغطي لأحسن حاسة انه مش متظبط
اضطربت فرح عقب عبارة والدتها الأخيرة و…
-فرح بنبرة مرتبكة ، ونظرات متوترة : طب .. آآ.. كلمي الدكتور يجي هنا
-فوزية بنبرة معترضة وهي تشير بيدها : ده هو هنا يا بنتي ، دقيقة وجاية
لم تترك فـــوزية أي مهلة لإبنتها لكي تعترض على خروجها حيث سارت بخطوات مسرعة ناحية باب الغرفة ، ثم دلفت إلى الخــارج تاركة باب الغرفة ( موارباً ) ..
……………………………………….
تابع كلاً من يزيد وفـــرح خروج السيدة فوزية من الغرفة بترقب شديد ، ثم فجــــأة نهض يزيد عن مقعده ليتجه إلى فـــرح وعلى وجهه علامات صارمة ، ثم جلس على طـــرف الفراش ، وحدق بها بنظرات محتقنة و…
-يزيد بنبرة منزعجة : ايه اللي انتي عملتيه ده ؟
ابتلعت فـــرح ريقها في توتر شديد وهي ترمقه بنظرات خائفة ، وشعرت أن حبات عـــرق باردة تتسرب من جبينها ، و..
-فرح بنبرة ضعيفة ومتلعثمة : أنا .. أنا.. عملت ايه ؟
مــــد يزيد يده ليمسك بكف يد فــرح الموضوع به الإبرة الطبية ، وربت عليه في حنية شديدة و….
-يزيد بنبرة عميقة ، ونظرات متفحصة : خضتيني عليكي ، ينفع كده !
خجلت فــــرح كثيراً ، ولم تعرف بماذا تُجبه ، وشعرت أن حبات العرق الباردة تحولت فجـــأة إلى نيران متأججة تُلهب جبينها .. في حين أردف هو بـ ..
-يزيد متابعاً بصوت آجش ، ونظرات عاشقة : اوعي تكون مفكرة إنك هتهربي مني ، تبقي غلطانة ، انا خلاص قررت إننا هانكون سوا
اغتاظت فـــرح من طريقته الواثقة والممزوجة بالغرور الشديد ، بالإضافة إلى اقتناعه التام بأنها قد وافقت على عرض زواجه المفاجيء ، و..
-فرح بنبرة معترضة ، ونظرات ضيقة : ده على اعتبار إن أنا ماليش رأي !!
-يزيد مبتسماً بغرور ، وبنظرات جـــادة : تحبي يكون الموضوع ودي ولا أمــر تكليف زي تملي
-فرح وهي تزفر في ضيق : يوووه
-يزيد بنفس الغرور المستفز : ما هو إنتي يا فراشتي ماينفعش معاكي إلا كده
ثم حـــدق يزيد في عينيها لعدة ثوانٍ قبل أن يرفع بصره للأعلى و…
-يزيد مازحاً بخفوت : بس عاوزين نظبط الشعر المنكوش ده ، لحسن مش هايطلع حلو في الصور
-فرح فاغرة شفتيها في حــرج : هـــه
هز يزيد رأسه وهو يبتسم ، و..
-يزيد بهدوء ، وثقة : أصــل أنا محبش حد يشوف مراتي وهي كده ..!
-فرح بنظرات مشدوهة ، وهي فاغرة شفتيها بصورة أكبر : مين
-يزيد بجدية ، وهو يغمر لها : انتي .. يا .. يا فراشتي … !!
ثم نهض عن الفراش بعد أن طبع قبلة حانية على كف يدها ، وســـار مبتعداً عنها ، ولكن قبل أن يدلف إلى خـــارج الغرفة ، استدار بجسده كلياً ناحيتها ، ثم حدق بها بنظرات رومانسية و…
-يزيد بنبرة عميقة : هتوحشيني ..
ثم طبع قبلة أخـــرى في الهواء وأرسلها إليها ، في حين رمشت هي عدة مرات غير مصدقة لما رأته تواً ..
في تلك اللحظة تحديداً فتحت باب الغرفة رفيقتها إيلين ، فتفاجئت بذلك الرجل ذو الجسد الرياضي العريض والمفتول وهو يسد الطريق عليها ، فتنحنحت في حرج و..
-إيلين بنبرة متلعثمة : آآ.. هي .. هي مش دي أوضة فرح عبد الحميد
التفت يزيد إلى إيلين ، ورمقها بنظرات متفحصة دارسة إياها ، و…
-يزيد بجدية ، ونظرات ثابتة : أه هي الأوضة ، اتفضلي هتلاقيها صاحية ..
ثم تنحى يزيد جانباً ليفسح المجـــال لها لكي تمــر ، ولكنها ظلت متسمرة في مكانها غير مستوعبة لهوية هذا الرجل الغريب وثقته الزائدة بنفسه ..
لم تختلف حـــالة فرح كثيراً عن حالة إيلين ، بل على العكس كانت فـــرح في أشد حالتها ذهولاً وصدمة ..
تحرك يزيد خطوة للأمـــام ، وتابعته إيلين بفضول شديد ، فأراد هو أن يثير فضولها أكثر لذا استدار مجدداً برأسه ناحية فــرح و…
-يزيد بنبرة جــادة وواثقة ، وهو يغمز لها : هاشوفك تاني ، وده إجباري مش اختياري يا … فراشتي ..!
-إيلين فاغرة شفتيها في اندهاش شديد ، وبنظرات جاحظة : فــ.. آآ.. فراشتي
-فرح بنبرة مصدومة : لأ ، كده كتير ..!
ثم أمسكت فرح بالملاءة التي تدثرها ، ورفعتها على وجهها لتغطيه في حــــرج أشــــد …………………………………. !!!!
بقلم منال محمد سالم.