الجزء الاول من الفصل الثالث عشر لولا الغرام بقلمي روز أمين

«بسم الله لا قوة إلا بالله»

«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»

 

“تنويه هاااام، هذه الرواية أحداثها حقيقية وكل ما ورد بها من أحداث قد حدثت بالفعل”

الجزء الاول من

🔹الفصل الثالث عشر🔹

«لَوْلاَ الغَرَامُ»

#_لَوْلاَ_الغَرَامُ،بقلمي روز أمين

هذه الرواية مسجلة حصريًا بإسمي “روز أمين”

وممنوع نقلها لأية مدونة أو موقع أو صفحات أخري ومن يفعل هذا قد يعرض حالهُ للمسائلة القانونية.

__________________________

 

«بَيْنَ دَهَالِيزِ صَمْتِهِ الخَفِيِّ، بَنَى قِلَاعَهُ، وَظَنَّ أَنَّ سِرَّهُ سَيَبْقَى فِي مَأْمَنٍ خَلْفَ أَسْوَارِ الكِبْرِيَاءِ، كَانَ حَرِيصاً أَلَّا يَرْفَعَ عَنْهُ السِّتَارَ، لَا خَوْفاً، بَلْ تَأْجِيلاً لِوَقْتٍ يَرَاهُ الأَنْسَبَ، وَفَجْأَةً، بِلَا مُقَدِّمَاتٍ، تَبَعْثَرَتْ كُلُّ الأَوْرَاقِ، وَتَجَمَّدَتِ المَلَامِحُ، لِيَرْتَجِفَ ذَلِكَ الثَّبَاتُ الَّذِي طَالَمَا تَجَمَّلَ بِهِ وَتَأَنَّقَ، لَمْ يَكُنِ ارْتِبَاكُهُ المُفَاجِئُ ضَعْفاً، بَلْ كَانَ ذُهُولَ فَارِسٍ سَقَطَ دِرْعُهُ بَغْتَةً فِي سَاحَةِ قِتَالٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُسْتَعِدّاً، فِي عَيْنَيْهِ أَلْفُ حِكَايَةٍ، وَفِي تَلَعْثُمِهِ غُصَّةٌ تُثْقِلُ الأَنْفَاسَ، يَا لَهُ مِنْ حَرَجٍ طَاغٍ حِينَ يَجِدُ المَرْءُ نَفْسَهُ مَكْشُوفاً بِلَا سِتْرٍ، مُجْبَراً عَلَى مُوَاجَهَةِ حَقِيقَةٍ بَاغَتَتْهُ قَبْلَ أَنْ يُعِدَّ لَهَا العُدَّةَ، وَرَغْمَ مُحَاوَلَاتِهِ المُسْتَمِيتَةِ لِلِاحْتِمَاءِ بِكِبْرِيَائِهِ المَعْهُودِ، كَانَ وَهَجُ الحَقِيقَةِ السَّاطِعُ فِي مَلَامِحِهِ أَصْدَقَ وَأَبْلَغَ مِنْ كُلِّ التَّبْرِيرَاتِ.»

بقلمي روز أمين

 

________*________

 

وصل يحيى إلى وجهته الأخيرة، وتطلع حوله وهو يشعر بانتصارٍ زائف،طمأن نفسه أن هذا المكان هو المقبرة التي سيدفن فيها قصة حب رشيد ونهلة، ويهدم بها تلك الهالة الزائفة التي جعلت من رشيد عاشقًا مثاليًا أمام الجميع.

 

طرق الباب بخفة، ففتحت له امرأة بشوشة الوجه، بالكاد لمحته حتى أضاءت ملامحها بابتسامة دافئة وقالت بترحابٍ:

-يحيى! إزيك يا حبيبي

 

نزع يحيى قناعه الحقيقي، وارتدى قناع الملاك البريء الذي يخدع به كل من حوله، اقترب منها مجيبًا بنبرة تخفي خلفها كل خبث العالم:

-إزيك أنتِ يا خالتو، عمي عبد الرحمن موجود؟

 

ردت المرأة بطيبتها المعهودة وهي تشير له بالدخول:

– آه يا حبيبي، لسه راجع من الشغل حالا، ادخل تعالى.

 

دلف إلى الردهة وجلس على أقرب أريكة، فتابعت السيدة حديثها بهدوء:

-عمك بيصلي الظهر في أوضته، هيخلص ويطلع على طول.

هز رأسه موافقًا، فسألته بلطفٍ:

– تشرب إيه يا يخيى؟ ولا أجيب لك غدا؟

 

أجابها على عجلة:

-متشكر يا خالتو، أنا اتغديت

وتابع بودٍأجاد صنعهُ:

– لما عمي عبد الرحمن يطلع نشرب قهوة مع بعض.

 

تفرست في وجهه فجأة، وقالت باستغراب وكأنها استوعبت:

-هو انتَ مروحتش الكلية النهاردة ولا إيه؟

 

التقط خيط السؤال وقرر أن يستغله أسوء استغلالٍ، فقد سنحت له الفرصة ليزرع أولى بذور الشك، ويشوه صورة رشيد في عقر داره قبل أن ينطق بسره الكبير،فقال بملامح زيفها بإتقانٍ:

-روحت طبعًا، وخلصت محاضراتي وجيت أزوركم.

 

عقدت حاجبيها بدهشة ممتزجةً بالقلق، واندفع سؤالها التلقائي:

– أمال رشيد مجاش معاك ليه؟

 

هبطت على وجهه غيمة مصطنعة من الحزن البالغ، ليظهر بمظهر المغلوب على أمره، وقال بصوت تفنن بإخراجه متأثرًا بالآسى:

-ما أنا جاي النهاردة مخصوص علشان الموضوع ده يا خالتو.

 

انقبض قلبها، وارتسم الهلع على ملامحها وهي تسأله بلهفة:

-خير يا ابني في إيه؟ هو رشيد جرى له حاجة؟!

 

طمأنها بكلمات قطرت سمًا مبطنًا:

-هو لحد الآن كويس ، بس يا عالم بعد كده إيه اللي هيحصل.

 

تجمدت الدماء في عروق خوفًا على ابنها، وقبل أن تنطق بكلمة أخرى، انفتح باب الغرفة وخرج عبد الرحمن، كان يتقدم بنحوهم بشعره الأبيض وابتسامته البشوشة التي تعكس نقاء روحه وطيبة قلبه.

 

انتفض يحيى واقفًا بسرعة مبالغ فيها لإظهار الاحترام، وتقدم نحوه بملامح تقطرُ ودًا مزيفًا، ونطق بصوتٍ خفيض:

-إزيك يا عمي؟

 

صافحه الرجل بحفاوة بالغة،ليقول بعتابٍ محبب:

-أنا سامع صوتك وأنا جوة وفرحت جدًا، بس زعلان منك.

 

– ليه بس يا عمي؟

تابع الرجل بعتاب رقيق ينم عن مكانة يحيى لديهم:

-علشان بقالك كتير مبتجيش تزورنا زي الأول.

 

تنهد وجلس مواجهًا عبد الرحمن، انحنى بجسده إلى الأمام، وارتسمت على تقاطيع وجهه علامات انكسار وخيبة أملٍ جَسدها بإتقانٍ درامي مبهر، ثم أطلق رصاصته الأولى:

-غصب عني والله يا عمي، لما أحكي لك اللي أنا جاي علشانه، هتعرف إن رشيد هو السبب في إني بطلت آجي هنا.

توقف لبرهة ليطلق تنهيدةً حارة،ثم تابع بآسى أجاد صنعه ببراعة:

-رشيد بقا له فترة مقاطعني، وكل ده ليه؟، علشان خايف عليه وبنصحه لمصلحته.

 

ضيق عبد الرحمن عينيه بتوجسٍ، واستقرت نظراته القلقة على وجه يحيى،استشعر بحواسه خطرًا يزحف نحو عائلته، فسأله بنبرة قفز منها الهلع:

-خير يا ابني، ماله رشيد؟

 

من فرط القلق الذي نهش روحها،جلست المرأة ولم تدرك انها نسيت تقديم الضيافة،بينما تعلقت عيناها بشفتي يحيى ترقباً لكلماته، بينما تسارعت دقات قلبها بعنف كاد يمزق صدرها.

 

تحدث بخبث شديد، بينما التمعت في عينيه براءةً مصطنعة أتقن تصنعها، وتمتم قائلاً:

-والله يا جماعة ما عارف أقول لكم إيه، أنا اترددت كتير قبل ما أجي علشان رشيد ميزعلش مني، بس مقدرتش أقف أتفرج عليه وهو بيدمر نفسه وبيقضي على مستقبله

وارتكز على جملته الآخيرة وهو يقول:

-وبيضيع تعبكم وشقاكم عليه

 

لم يحتمل عبد الرحمن هذا الغموض المريب الذي يتحدث به صديق ابنه، تبدلت ملامحه الهادئة إلى حادة، وصاح بصوت عالٍ تردد صداه في أرجاء المكان:

-ما تتكلم يا يحيى، وقعت قلبنا يا ابني.

 

أخذ نفسًا طويلًا متظاهرًا بالآسى، ثم ألقى بقنبلته بكل خسة ونذالة:

– رشيد ملموم على بنت غنية جدًا.

 

تابع غرس سمومه ببطء، محاولًا اللعب على وتر الطموح المادي ليشوه نقاء صديقه:

– أنا عارف إن الطموح حلو، ورشيد من حقه يحلم إنه يكون غني، البنت دي اسمها نهلة، أبوها رجل أعمال كبير وعنده شركات، بس المشكلة مش في أبوها.

 

وراح يشرح الوضع بجدية:

– المشكلة في إخواتها، عندها أربع رجالة كلهم قضاة

 

تبادل عبد الرحمن وسامية نظرات مذهولة ومشوبة بالاستغراب الشديد،فقد بدا حديثه وكأنه يتحدث عن شخص غريب تمامًا، شخص لا يمت بصلة لابنهما الذي ربياه على القناعة، ويعلمان علم اليقين أنه لم يكن يومًا متسلقًا أو دنيئًا.

 

سأله الرجل بشك ونبرة تحاول استجماع ثباتها:

-انتَ متأكد يا ابني من الكلام اللي بتقوله ده؟

 

أجابهُ بسرعة وافتعال للصدمة ليدفع عن نفسه التهمة:

-طبعًا يا عمي، أنت عندك شك في كلامي؟!

 

تراجع الرجل باستحياء، ليخرج صوتهُ منكسرًا:

-العفو يا ابني، بس أنا مش مصدق إن رشيد ابني اللي ربيته على الأخلاق والقناعة يفكر بالشكل ده.

 

نكس يحيى رأسه، ونظر إلى الأرض بأسى يقطر زيفاً، ثم قال بصوتٍ متأثرًا:

– ليك حق طبعًا، إذا كنت أنا نفسي اللي شايف كل حاجة بعينيا مش مصدق

ثم تطلع إليه من جديد وقال بجدية لزعزعة ثقة الرجل بنجله:

– لو حضرتك مش مصدقني تقدر تسأل سامر، أكيد هو كمان مش هيتبلى عليه، ولا اسأل رشيد نفسه.

 

صمت عبد الرحمن مجددًا بقلة حيلة،وقد سيطر الحزن على ملامحه، فاستغل يحيى السكون ليقدم دليله الدامغ:

– طب إحنا خلصنا محاضراتنا من بدري، تقدر تقول لي رشيد مجاش ليه؟

واسترسل بآسى وصوتٍ يقطرُ ألمًا مفتعل:

-للأسف، هو معاها دلوقتي، برغم إن أهلها عرفوا، وإخواتها مولعين وحالفين ليأذوا رشيد ويضيعوا مستقبله.

لطمت سامية صدرها بهلع، وخرجت منها صرخة وهي تقول:

– يا مصيبتي

 

انقض يحيى على خوفها يغذيه بمزيد من الرعب والتهويل لينفخ في النار أكثر:

– أمال أنا جيت أقولكم ليه يا خالتو؟ علشان خايف عليه من أذاهم.. دي ناس واصلة وممكن يأذوه ويودوه وراء الشمس، ده مش بعيد يقتلوه ويخفوا جثته كمان.

 

-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،فال الله ولا فالك يا ابني… انطلقت تلك الكلمات من شفتي السيدة برعبٍ تملك من ملامحها، في حين بلع عبد الرحمن ريقه بصعوبة وقد تملك الخوف من أوصاله.

 

ليتابع يحيى في حقارته مستعرضًا مهاراته في التلاعب:

-الموضوع كبير ومش سهل يا جماعة، البنت دي أهلها واصلين ومش هيسمحوا لحد يقرب ويستغل بنتنهم تحت أي مسمى، للأسف، رشيد لسه مكمل في غلطه، برغم إن أهل البنت هددوه، إلا إنه لسه بيقابلها ومعتمد على حبها ليه، وراسم إنها تقنع أبوها بيه.

 

نهض من مقعده وخطا نحو عبد الرحمن، جثا على ركبتيه أمامه في الأرض، وأمسك يديه بقوة متظاهرًا بالتأثر البالغ والدموع تكاد تفر من عينيه:

– أرجوك يا عمي تتدخل، أنا خايف على صاحب عمري، رشيد بيدمر مستقبله ومش حاطط في دماغه غير إنه يوصل للبنت.

وتابع مستحضرًا دموعه:

– أنا لو خسرت رشيد مش هقدر أسامح نفسي وهعيش بذنبه العمر كله، لأني للأسف، كنت عارف من الأول خالص وسكت.

 

واستطرد مبررًا بآسى:

-سكت علشان مخسروش لو جيت وبلغتك.

 

ربت عبد الرحمن على كتف يحيى بحنانٍ أبوي، والامتنان يملأ قلبه المثقل بالهموم،وتحدث شاكرًا بعيناه:

-كتر خيرك يا يحيى، طمرت فيك العشرة.

 

لم يكتفِ بتدمير رشيد فقط، بل أراد زيادة ألسنة اللهب وتدمير علاقة الوالدين بسامر أيضًا، ليعزل رشيد تمامًا، فقال بنبرة عتاب تقطرُ خبيثًا:

-أنا قولت لسامر من زمان علشان نيجي نقولكم، بس هو الله يسامحه قال لي ملناش دعوة خلينا في حالنا.

 

هز منكبيه آسفًا، وبعينين تقطرانِ ندمًا استرسل:

-بس أنا مقدرتش، أنا من أولى ثانوي وأنا بدخل بيتكم وبذاكر مع رشيد، وكلت معاكم عيش وملح، وشوفت تعب حضرتك وقد إيه بتشقى علشان توفر لولادك فلوس تعليمهم.

 

ثم واصل حديثه الخبيث كشيطانٍ ينفث في النيران، لتتطاير شظاياها ويزداد اشتعالها:

-معقولة يبقى ده جزاءك من رشيد؟!

 

انهارت سامية وراحت تبكي بمرارة، فهي الآن تعيش صدمة عمرها في ابنها الذي لم تكن تتخيل أبدًا أن يسلك هذا الطريق،اجتاحها مزيجًا مرعبًا، شعورًا حارقًا بالخذلان، وخوفًا نهش عظامها على حياته ومستقبله، من جبروت عائلة تملك النفوذ والسطوةً والمال.

 

******

داخل كافيتيريا الجامعة، كان الصمت بينهما أثقل من أن يُحتمل،أرجع ظهره للوراء وقد ارتسمت على ملامحه خيبة أمل مريرة، غارقًا في ذهوله بعدما نقلت إليه نهلة حكم عائلتها القاسي بالرفض القاطع لقصة حبهما، وعندما طال صمته، بسطت كفها برقة واحتوت يده الممدودة على الطاولة علّها تمنحه شيئًا من الطمأنينة، رفع عينيه المثقلتين بالهموم والحيرة نحوها، وفي نظراته عتابٌ لا يدري لمن يوجهه، كأن لسان حاله يهمس بانكسار: أهكذا انتهى الأمر؟ أيعقل أن تُطوى صفحتنا وتنقضي قصتنا بهذه السرعة؟!”

 

لم تكن بحاجة لأن ينطق، فقد قرأت جمر أفكاره، لتجيبه بنبرةٍ حانيةٍ لكنها حاسمة:

-أنا عمري ما هبعد عنك يا رشيد،حتى لو كل الدنيا وقفت ضدي.

 

رمقها بنظرةٍ مغلفة بالخيبة، وتسلل الإحباط إلى صوته وهو يسألها باستيلامٍ تملك منه:

-وهتعملي إيه مع أهلك؟

 

لم تتردد لحظةً واحدةً، بل لمعت عيناها بإصرار قوي وهي تجيبه:

-هما مش من حقهم يختاروا لي حياتي الجاية، مش معنى إنهم أهلي إنهم يبعدوني عن البني أدم اللي قلبي اختاره.

 

زفر بقوة في محاولة لطرد شعور العجز من داخله، ثم ألقى بجسده إلى الخلف مستندًا إلى الكرسي، ومرر أصابعه في شعره ليشده للوراء بعنف كاد أن يقتلع جذورهُ،ثم عاد لينظر إليها قائلاً بمرارة:

-اللي عمله الحقير يحيى دمر بيه كل خططتنا يا نهلة، مكنش المفروض أهلك يعرفوا أي حاجة قبل ما أتخرج وأشتغل.

 

اقتربت منه قليلاً وهتفت بنبرة تحاول من خلالها بث الأمان في قلبه:

-مفيش حاجة هتتغير يا رشيد، أنا هستناك لحد ما تتخرج وتشتغل، مش هستسلم لرفضهم، وهفاتح بابا تاني وتالت وعاشر في الموضوع، وهفضل وراه لحد ما يوافق.

 

انفرجت أساريرها قليلاً، وتركت لابتسامةٍ دافئة أن تتسلل إلى شفتيها وهي تكمل حديثها:

-هانت خلاص، كلها كام شهر وتتخرج.

 

أبحر في عمق عينيها، يبحث داخلهما عن ملاذٍ آمن وسط هذه العاصفة، وسألها بجدية قاطعة:

-هسألك وهخيّرك لآخر مرة يا نهلة، هتقدري تستغني عن عيشتك مع أهلك وتعيشي معايا على قد مرتبي؟

 

أجابته وعينها تثبت صدق كلماتها:

-وأقل من كده أنا راضية يا رشيد، أهم حاجة أكون معاك.

 

التقط أنفاسه وأخيرًا بدأت ملامحه تسترخي، وقال وهو يستحضر خططه القادمة:

-أنا بدأت أدور من دلوقتي واعمل حصر لشركات البترول العالمية والمحلية هنا في مصر، علشان أقدم فيها بعد التخرج على طول.

 

سألته بعينين متسعتين بالاهتمام:

-طب والجيش؟ هتعمل فيه إيه؟

 

أجابها بثقة راسخة عكست وعيه الشديد بما يريد :

-هقدم طبعاً أول ما اتخرج،وان شاء الله هي سنة واحدة وأخرج،يكون معايا أسامي الشركات جاهزة، واقدم فيها على طول، هما سنتين تلاتة، أكون قدرت أظبط فيهم حالي شوية، ولما تتخرجي أتقدم لك،ونتجوز ونسافر بعدها لأي دولة خليجية.

 

وتابع موضحًا بصوتٍ يملؤهُ الحماس:

-مهندس البترول هناك ليه وضعه، والمرتبات هناك هايلة.

 

اتسعت ابتسامتها، ورغم غيوم الحزن التي ما زالت تظلل قلبهما، إلا أن شعورًا عميقًا بالراحة تسلل إلى وجدانها، ورأت أملًا يلوح في الأفق البعيد.

 

نظر إليها، ولأول مرة منذ بداية حديثهما، انفرجت شفتاه لتعلن عن ابتسامة صادقة وهو يهمس:

-بحبك.

ردت وعيناها تفيضان بمشاعرٍ هائلة:

-وأنا كمان، بحبك أوي.

______*______

انتهى حديثه مع نهلة، وغادرا الكافتيريا معًا، رافقها بخطوات متثاقلة حتى وصلت إلى سيارتها، ودعها وعاد إلى داخل الجامعة، وعيناه تشتعلان برغبة عارمة في العثور على ذلك الحقير يحيى.

 

كانت ملامحه الممتعضة كفيلة بلفت الانتباه، لدرجة جعلت سامر يهرع نحوه فور أن رآه بتلك الحالة، وسأله بقلق:

– مالك يا رشيد؟

 

التفت إليه، وبنبرة تكاد تحترق من فرط الغضب،أجابه:

-الحقير اللي اسمه يحيى مش ناوي يخرجني من دماغه يا سامر.

 

عقد سامر حاجبيه وسأله مستاءًا:

-عمل إيه تاني الزفت ده؟

 

قبض على يده بقوة وهتف قائلاً والغضب يملأ نبراته:

-راح لأخو نهلة الكبير وقاله على كل اللي بيني وبينها، دمر لي كل اللي بنيته أنا وهي في لحظة.

 

اتسعت عينا سامر بذهول وصدمة، وتمتم غير مستوعبًا:

-معقولة القذارة توصل بيه للدرجة دي؟

 

استطرد رشيد وعيناه تجوبان المكان بشرر يتطاير منهما:

-بس أنا مش هسيبه، والله يا سامر ما هسيبه، هو كده جاب آخري معايا.

 

راح يتلفت حوله كالمجنون، يبحث بين الوجوه وعلامات الغضب تكسو ملامحه، ثم سأل سامر بحدة:

-ما تعرفش هو فين؟

 

هز رأسه نافيًا وأجابه بيأس:

– ما اعرفش، تقريبًا مشي، لا أنت ولا هو حضرتوا المحاضرة الأخيرة.

 

أومأ برأسه ببطء، وتوعد بصوتٍ منخفض يحمل تهديدًا واضحًا:

-ماشي يا يحيى، يعني هتروح مني فين؟ مسيري هشوفك.

 

تحركا معًا نحو البوابة الخارجية، والوجوم يسيطر على الموقف، حتى افترقا وعاد كل منهما إلى بيته، بينما كانت نيران الانتقام تنهش في قلب رشيد.

_____*______

 

ولج إلى المنزل ليجد والداه يجلسان في صمتٍ مهيب، وضع كتبه فوق طاولة جانبية وهدوءه مخيف يسيطر على المكان، ثم ألقى السلام بنبرة هادئة، فجاءه الرد بخفوت مريب.

 

تناسى حزنه واقترب من والده بابتسامة دافئة، كأنه يخلع عن كاهله عباءة الهموم بمجرد عبور العتبة، انحنى يقبل رأسه بإجلال، قائلاً بهدوء:

-إزيك يا حاج؟

 

رفع عبد الرحمن عينيه المثقلتين بخيبة الأمل، ونظر إلى ولده بنظرة إمتزج فيها الحزن بالانكسار، سأله بنبرة جافة لم يعتادها الآخر:

-كنت فين؟

 

ارتسمت علامات الحيرة على وجهه، والتفت تلقائيًا نحو والدته، فوجدها منكسة الرأس،ويبدوا على جفنيها الانتفاخ من فرط البكاء.

 

عاد ببصره إلى والده وقال متعجبًا:

-غريب سؤالك يا بابا، ما انت عارف إني كنت في الجامعة

 

في تلك اللحظة، نفذ صبر الرجل دفعةً واحدة، واشتعلتْ عيناه بغضبٍ عاصفٍ جمد الدماء في أوصالِ نجله، الذي وقف مذبهلاً وهو يشاهد بركان والده وهو ينفجرُ قائلاً:

-محاضراتك خلصانة من تلات ساعات يا بيه.

 

تساءل رشيد بذهول وهو يحاول استيعاب مصدر هذه التهمة،فادعى قائلاً بجزءًا من الحقيقة:

-مين اللي قال لحضرتك الكلام ده؟ آخر محاضرة لسة خلصانة من نص ساعة، ويا دوب مسافة السكة.

 

هتف عبد الرحمن بصوت هدر في أرجاء الممنزل كالصاعقة:

-إنتَ كداب.

 

وقعت الكلمة على مسامع رشيد كالصفعة، اتسعت عيناه بدهشة ممتزجة بمرارة شديدة، فهو لم يعهد من والده إهانة قط، شعر بشرخ عميق يمزق كبرياءه.

 

اندفعت “سامية” بلهفةٍ لتحمي نجلها، وقبضت على معصمِ زوجها محاولةً كبح جماحِ ثورتهِ وتهدئته وهي تترجاه:

-بالراحة يا اخويا مش كده.

 

نفض يدها بقسوة غير معهودة وهو يصرخ بمرارة،بعد أن فاض به الكيل:

-راحة إيه وزفت إيه يا سامية؟ هو هيبقى فيه راحة بعد اللي عمله المحروس ابنك؟

 

همست برعبٍ ظهر في عينيها:

-طب اهدى وفهمه غلطه بالراحة، وهو هينفذ كل اللي هتقوله عليه.

 

وسط هذا الإعصار المدمر، وقف مذهولاً كالمسلوب، تتنازعهُ الحيرةُ وتتقاذفهُ الظنونِ، ما الذنبُ الذي اقترفهُ ليدفعَ بهذا الرجل الرزين، الذي طالما كان ملاذهُ الآمن، إلى حافةِ الجنون؟ سأل بنبرةٍ ترتجفُ، وعجزٍ ظاهرٍ بعينيه:

-هو أنا عملت إيه يا بابا أستاهل عليه الإهانة دي كلها؟

 

صاح الأب بصوت مبحوح، صوت يخرج من أعماق خوفٍ جارفٍ على قطعة من روحه، ابنه الذي وضع به كل آمال العمر، ليكون سندًا وعونًا لنفسه ولشقيقته، فإذ به يراه الآن يهرول نحو الهاوية ويدمر مستقبله بيديه.

صرخ بجنون وأعين مشتعلة:

-الإهانة دي أنا اللي هشوفها لو فضلت ماشي ومكمل في اللي أنت فيه.

ثم انتفض واقِفًا من فوق الأريكة، مجابهًا لابنه بجسده الغاضب، فاسرعت سامية تحجز بينهما بجسدها المرتعش، ليتابع عبد الرحمن بنبرة تقطر قهرًا:

-بقى على آخر الزمن عاوز تعيش على قفا واحدة ست ؟!، أنا ربيتك على كده يا ابن عمري؟

 

كاد عقله أن يتركه ويذهب، بينما يلتف الغموض حول عنقه كحبل مشنقة تضيق شيئاً فشيئاً، لم يعد قادراً على تحمل هذا الجلد العشوائي، فجمع شتات نفسه وقال بنبرة مزجت بين الاستعطاف والصلابة:

-أرجوك يا بابا كفاية إهانة لحد كده، ولو عند حضرتك كلام أنا معرفهوش، اتفضل بلغني بيه.

 

انفتح باب الغرفة المجاورة، وخرج منها كريم مسرعًا بعد أن أنهى صلاة العصر، وقد أصابه هلعًا من صدى الأصوات، ثم تساءل بذهولٍ:

-فيه إيه يا جماعة؟ صوتكم جايب لآخر الدنيا.

 

إلتفت عبد الرحمن نحو كريم، وأشار بإصبع مرتجفة تنضح بالاتهام والخذلان صوب رشيد، وهتف صائحًا:

-اسأل البيه أخوك وهو يقولك صوتي عالي ليه.

 

تحولت نظرات كريم نحو شقيقه متسائلة باستنكار وعطف في آن واحد:

-مزعل بابا ليه يا رشيد؟

 

حين رأى الأب ابنه يهز رأسه بضياعٍ كامل، كأنه مغيب عن واقعهم، قرر أن يمزق هو ستار الحقيقة التي أشعلت النيران في صدره، فتراجع خطوة إلى الوراء، وضحك ضحكة ساخرة ممتزجةً بشدة الألم وهو يقول:

-البيه أخوك، البشمهندس المحترم، اللي ضيعت عمري وفلوسي على تعليمه علشان يبقى باشمهندس وراجل قد الدنيا ويشرفني وأتباهى بيه، البيه ملموم على واحدة بنت ذوات، وسايب كليته ومحاضراته وداير يتسرمح معاها.

وتابع موبخًا بحدة أعنف:

– البيه راسم يتجوزها ويعيش على قفاها، وعلى آخر الزمن، إبن عبدالرحمن المسيري يبقى جوز الست.

 

وقع كلمات والده عليه كان كالصاعقة، تزلزلت الأرض تحت قدميه، واضطربت أنفاسه لتتحول إلى دقات متسارعة تكاد تسمع من فرط رعبها.

 

تلاطمت الأسئلة في عقله بذهول: هل عرف والده حقًّا؟ كيف ومن أين؟ وكيف لسره الذي أحاطه بأسوارٍ من الكتمان والحرص الشديد، أن ينكشف هكذا بتلك السهولة ؟

 

استجمع بقايا شتاته، وحاول جاهدًا مداراة رعب ملامحه وهو يسأله بنبرة خرجت مرتجفة رغم محاولاته المستميتة للسيطرة:

-حضرتك جبت الكلام ده منين ؟!

 

جاءه الرد من والدته التي تحدثت بصوتٍ منكسر، عاجزةً عن رفع عينيها إليه من فرط الحسرةِ والخذلان اللذين اعتصرا قلبها:

-صاحبك يحيى كان لسه هنا وحكا لنا على كل حاجه، هو اللي قال لنا إنك مخلص محاضرات من بدري وخرجت مع البنت اللي اسمها نهلة.

 

“يحيى”!، ردد عقله الاسم وكأنه لعنة باتت تلاحقه أينما ذهب، ماذا يريد منه هذا الحقير بحق الله؟ صار كابوسًا يطارده حتى في صحوهِ، نكس رأسه أرضًا، وعجزت عيناه عن الارتفاع لتلتقي بعيني والده، فبأي عينٍ سيواجهه، وماذا عساه أن يقول؟

 

كان شقيقه واقفًا في ذهول تام، لا يفهم شيئًا مما يدور حوله، ليتساءل باستغراب شديد:

-ما تفهموني يا جماعة في إيه؟ وإيه اللي قاله يحيى خلاكم قلبتوا على رشيد بالشكل ده؟!

 

انفجر والده هادرًا بصوتٍ جهوري هز المكان:

-اسأل البيه أخوك، اسأله عن الهانم الغنية اللي سايب محاضراته وداير يتسرمح وراها.

 

ثم التفت نحو رشيد، وتابع بعصبية مفرطة ونبرة تقطر خوفًا ممتزجًا بغضبًا:

-البيه أخوك بيحب واحدة أبوها رجل أعمال كبير، عنده شركات وموظفين تسد عين الشمس، وعندها أربع إخوات كلهم وكلاء نيابة، يعني يوم ما يلاقوه عقبة في طريقهم، هيلفقوا له تهمة ويسجنوه وما نعرفش حتى طريقه

 

ساد الصمت لثوانٍ، نظر الأب إلى رشيد الذي كان يطالع الأرض وكأن العالم ينهار تحت قدميه، ثم بادره بسؤالٍ حاد:

-صح يا بيه ولا صاحبك بيتبلى عليك؟! ما تنطق وقول!

 

كانت الدموع قد أغرقت وجنتي سامية، وبات قلبها يتمزق رأفة بحال ابنها، فمن اعتادت أن تراه دائمًا رافع الرأس شامخًا، يقف الآن مذلولاً، عاجزًا عن المواجهة.

 

اقتربت من زوجها تحاول تهدئته قائلة بضعفٍ ودموعها تسبق حروفها:

-بالراحه يا أخويا ووطي صوتك، الجيران يقولوا علينا إيه؟

 

التفت إليها بيأسٍ وعينين تقطران قلقًا:

-ما أنا لو مكلمتوش كده وعقلته وفهمته حجم المصيبة اللي بيعملها في نفسه، الجيران مش هتسمع صوتنا بس يا سامية.

 

وتابع مسترسلاً بانهزامية:

– الجيران اللي أنتِ خايفة منها دي هتقف تتفرج على ابنك والبوليس جاي مجرجره على البوكس، وساعتها فضيحتنا وسط الناس هتبقى بجلاجل.

 

ثم التفت إلى رشيد مجددًا وتابع بحدة قاسية ليعيده إلى صوابه :

-وبدل ما تروحي تفرحي بابنك في حفلة التخرج بتاعته، هتاخدي له عيش وحلاوة وتزوريه في السجن، ده لو عرفنا له طريق أصلاً

 

استمر الرجل في صب غضبه وحزنه وقهرته، بينما وقف رشيد كتمثال شمعي شلت الصدمة أطرافه، لم يكن يتخيل قط أن يوضع في هذا الموقف المخزي، هو الذي كان دائمًا كبيرًا في نظر عائلته، يحترمونه ويقدرونه بأكثر مما يفعلون مع كريم شقيقه الأكبر. لكنه في هذه اللحظة شعر بضألته، صألةً شديدة سحقت بكبريائه، لقد انكشف سره في غير أوانه، وهو الذي رتب كل شيء وحسب حسابًا دقيقًا لكل خطوة، ليأتي هذا الغادر وينسف بجميع خططه قبل أن يحين أوانها.

 

نظر إليه عبد الرحمن بضيق وسأله مستنكرًا صمته:

-ساكت ليه يا باشمهندس ما ترد؟!

 

خرج صوته مخنوقًا، يحمل مرارة وظلمًا شعر بهما:

-أرد أقول إيه يا بابا؟! ده أنت حتى حكمت عليا من غير ما تسألني.

وتابع عاتبًا:

– صدقت كلام واحد حقير زي يحيى ، وما هانش عليك تيجي تسألني إذا كان كلامه صح ولا غلط

 

حاول كبح جماح غضبه، وأشار إليه بيده متحدثًا بنبرة أقل حدة، لكنها مليئة بالتحدي:

-طب ما تتفضل يا باشمهندس، آدينا سامعينك اهو كلنا، قولنا إن يحيى ده كداب، وإن ما فيش واحدة في حياتك، ولا أبوها رجل أعمال، ولا إخواتها وكلاء نيابة.

 

نظر إليه، فخانتْه الكلمات وعجزت شفتاه عن النطق أو النفي، كانت ملامحه كتابًا مفتوحًا كشف كل أسراره، فهو الذي لم يعتد الكذب يوماً، ولم يتقن التلاعب بالحقائق، تملكه شعور قاسٍ بأنه مدان يقف في قفص الاتهام، مضطرًا للدفاع عن نفسه، لكنه تساءل بمرارة في أعماق قلبه: ما هي جريمته حقًّا؟ وهل صار الحب خطيئة تستوجب كل هذا الدفاع ؟

 

قطع عبد الرحمن هذا الصمت متسائلاً بحدة:

-ما ترد يا باشمهندس، ولا القطة أكلت لسانك؟!

 

أراد أن يحتكم إلى العقل ليمتص ثورة غضب والده، فقال بنبرة رجاء هادئة:

-ممكن حضرتك تهدى وتقعد، وأنا هشرح لكم كل حاجه بالتفصيل.

 

انصاع الجميع لطلبه بعد أن نال منهم التعب، فجلسوا وعيونهم معلقة به، بدأ يسرد عليهم تفاصيل خطته التي رسمها بدقة لمستقبله، تحدث عن حبه لنهلة، وعن نيتهما الصادقة في الزواج فور انتهائه من الخدمة العسكرية واستلامه للعمل.

 

وأضاف مستشهدًا بنبل مواقفها:

-هي وعدتني إنها هتعيش معايا على قد إمكانياتي.

 

تمعن عبد الرحمن في وجه ابنه، ثم سأله مستفسرًا:

-يعني إخواتها مهددوكش يا رشيد؟

 

نفى برأسه، وتحدث قاطعًا الشك باليقين:

-ما حصلش يا بابا، يحيى ده شخص مريض وكداب، ده هو اللي راح بلغ إخواتها باللي بيننا.

 

ضربت الأم صدرها بكفها من الصدمة، وقالت بلهفة وخوف:

-يا لهوي! ويحيى يعمل كده ليه يا ابني؟!

 

انفعل وتملكه الغضب والتأثر وهو يجيبها بصوت مرتفع:

-علشان مريض وحقود، ولو سمحتي يا ماما، الشخص ده ما يدخلش بيتنا تاني، لو جه خبط على بابنا في أي وقت، الباب يتقفل في وشه.

 

ولأن الرجل كان يحمل في قلبه ثقة عميقة بأبنائه، ويعلم يقينًا أنه أحسن تربيتهم، فقد تراجعت حدته تمامًا بعد ان استمع إلى الحقيقة من ابنه، تنفس الصعداء، وقال بنبرة هادئة حملت خوفًا هائلاً على نجله:

-علشان خاطري يا ابني تبعد عن البنت دي، الناس دي لا هما زينا، ولا إحنا شبههم يا رشيد.

 

نظر إليه بعينين تلمعان بالعتاب وهو يقول:

-يا بابا أنا ونهلة بنحب بعض بجد، معقولة حضرتك تفكر إن أنا ممكن أقبل على نفسي قرش واحد ما تعبتش فيه؟

وتابع مبررًا عشقه:

-قلوبنا مش بإيدينا يا بابا، وأنا لما عرفت نهلة في الأول وحبينا بعض، والله ما كنت أعرف أي حاجة عنها، ولا هي بنت مين ولا مكانة إخواتها في المجتمع،كل الكلام ده ما عرفتهوش غير لما فعلاً حبيتها وعلاقتنا اتطورت وبقينا بنتكلم.

 

ثم تابع والاعتزاز بنفسه يكسو نبرته:

-وبعدين أنا مش قليل، أنا باشمهندس، والمستقبل كله بإذن الله قدامي.

 

زفر الأب بقوة، وظل على موقفه الثابت من الرفض التام أمام منطق ابنه، سارعت الأم بالتدخل لتأييد زوجها وحماية ابنها، فقالت بنبرة حانية:

-اسمع كلام أبوك يا رشيد وبص على قدك يا ابني، الناس دي لا من توبنا ولا إحنا من توبهم.

طالعهم بحزن دفين، وفتح فمه ليتحدث، إلا أن عبد الرحمن رفع يده حاسمًا الموقف بشكل قاطع:

-الموضوع انتهى يا ابني خلاص، عايزك توعدني دلوقتي قدام أخوك وأمك إنك تبعد عن البنت دي وتقفل الموضوع ده خالص.

 

ثم تابع والرجاء يملأ صوته:

-إحنا صحيح ناس على قدنا، بس عندنا عزة نفس، وطول عمرنا عايشين وراسنا مرفوعة، وعمر ما مخلوق قدر يمس كرامتنا، يا ابني حرام عليك، ده أنا شربت المرار علشان أربيكم وأعلمكم، ده أنت كل اللي فاضل لك كام شهر وتبقى باشمهندس قد الدنيا.

 

وتابع مستعطفًا:

– ما توجعش قلبي عليك يا ابني.

 

نطق كلماته الأخيرة بتأثر شديد، واغرورقت عيناه بالدموع التي حبسها طويلاً، اهتز قلب رشيد أمام دموع والده ورجائه، فشعر بضعفه وهانت أمامه كل طموحاته أمام رضا أبيه.

 

انحنى على رأس والده وراح يقبلها، ثم أخذ يده وقبلها بتأثر وهو يقول بصوت مخنوق:

-ما عاش ولا كان اللي يوجع قلبك يا حاج.

 

******

في منزل السيدة وفاء،حضرت رغدة لزيارة والدتها، وحملت معها أصنافًا شهية من الطعام كانت قد طهتها في بيتها، وجاءت لتشاركها الغداء، سألت السيدة ابنتها باهتمام:

– كمال عامل إيه دلوقتي يا رغدة؟

 

أشرق وجه رغدة بابتسامة غسلت ملامح التعب عنها، وقالت بنبرة تفيض بالارتياح:

– الحمد لله يا ماما، بقى كويس جداً، دهون الكبد اللي كانت عنده نسبتها قلت كتير، والدكتور بيقول إن حالته بقت أفضل.

 

تنفست المرأة طويلاً، ورفعت كفيها بامتنان لله وهي تسترجع مخاوفها:

– الحمد لله يا بنتي، ربنا كرمك واستجاب لدعواتنا، ده أنا كنت خايفة عليه قوي يا رغدة، وبيني وبينك كنت مرعوبة من كتر التحاليل والأشعات اللي الدكاترة طلبوها منه.

 

أومأت الأخرى برأسها، وتنهدت وهي تتذكر تلك الأيام العصيبة:

-ما هو الدكتور بتاعه يا ماما ما جاش في باله يعمل له تحليل فيتامين “دال” غير في الآخر، ما كانش يعرف إنه بيتعب الجسم قوي كده مع الدهون اللي على الكبد، ده غير التهاب الاثنى عشر، كل دول كانوا تاعبينه ومدمرين صحته، بس الحمد لله عدت على خير.

ابتسمت الأم قائلة:

– الحمد لله يا بنتي، شدة وزالت.

 

ساد صمتٍ لثواني، فكسرته رغدة بسؤال هاديء:

-هي منى ما بتجيش عندك ولا إيه يا ماما؟

 

اجابتها بهدوء:

– كانت لسه عندي امبارح هي ودليلة وأحمد، البنت الله أكبر ادورت وبقت قمر، هيروحوا بكرة البلد عند جدتهم يقعدوا اليومين بتوع الإجازة.

 

ثم مالت بنصف جسدها نحو ابنتها، وقالت بنصحٍ:

-لو جدعة خدي البنت لـ وائل يا رغدة، مؤدبة وهادية، وزي القمر.

 

اتسعت ابتسامة رغدة، لكنها هزت رأسها بواقعية هادئة تمتص بها حماس والدتها:

– وهو وائل يطول ياخد واحدة زي دليلة؟ بس أنتِ عارفة، وائل بيعتبرها أخته الصغيرة، وبعدين ابني لسه مشواره طويل على ما يجهز نفسه ويشتري شقة،والبنات بتكبر بسرعة.

 

اقتنعت السيدة بفكر ابنتها، صمتت لثوانٍ ثم سألتها لتغيير مجرى الحديث:

-هو أنتِ ما بتكلميش أختك ولا إيه؟

 

ردت رغدة:

-كلمتها من يومين في التليفون، بس مطولناش علشان ما كانتش فاضية، كانت بتعمل أكل لتاني يوم عشان كانت هترجع من الشغل متأخر.

 

هبطت غيمة من الحزن والشفقة على ملامح وفاء وهي تقول:

– دي هلكانة في الشغل يا قلب أمها.

 

ثم تحول حزنها إلى لوم حاد وهي تكمل بضيق:

– ياما قلت لها تسيب الشغل وهي اللي ما بتسمعش الكلام، الله أكبر جوزها مش محتاج، واللي جابوه من شغلهم هما الاتنين في السعودية مش قليل، يعيشهم مستورين العمر كله هم وعيالهم، مش فاهمة ليه مصممة تتعب نفسها في الشغل وهي عيانة أصلاً وصحتها ما بتستحملش.

 

علقت رغدة بيأس من عناد شقيقتها:

– ما أنتِ عارفة بنتك ودماغها الناشفة، الشغل عندها أهم من صحتها، أنا والله يا ماما كلمتها كتير وقلت لها تقعد وتراعي بيتها وتريح نفسها، بتقول إن صادق بيساعدها في كل حاجة، وبيجيب لها واحدة مرة كل أسبوع تنضف لها الفيلا كلها، ربنا يهديها، هي غاوية تعب ووجع قلب من يومها.

 

ثم صمتت للحظة، ونظرت لأمها وهي تضيف بامتنان:

-بس الشهادة لله، جوزها ابن حلال ومحترم.

 

ترقرقت الدموع في عيني وفاء، ونظرت إلى ابنتها بنظرة تحمل كل حنان الدنيا وعوضها، وقالت بصوت متهدج:

-جوزها ابن حلال زي كمال جوزك،أنا كنت دايمًا ادعي لكم إن ربنا يرزقكم برجالة أولاد حلال، أهم يعوضوكم عن خيبتكم الكبيرة في أخوكم.

 

وقعت الكلمات كالجمر على قلب رغدة، فابتلعت غصتها المريرة، وتنهدت بعمق واكتفت بالصمت، كي لا تشعل نيران حزن والدتها.

 

******

 

في تلك الأثناء، وعلى الجانب الآخر من المدينة، كانت تجلس في ردهة منزلها الفخم، يحيط بها الترف من كل جانب، وتجلس إلى جوارها والدتها الغارقة في هذا النعيم المفرط، التفتت الأم نحو ابنتها وسألتها بفضول ونبرة تحمل في طياتها الكثير من المغزى:

-حماتك وإخوات جوزك مابيتصلوش بيكِ ولا بيزوروكي ؟

تنفست إلهام الصعداء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة وهي تجيب:

-لا هما بيجوا، ولا إحنا بنروح يا ماما.

 

لوحت الأم وقالت باستحسان:

-أحسن! شاطرة إنك قطعتِي معاهم، دول كانوا هيفتحوا عليكي فتحة أنتِ وجوزك ومش هتخلصي، كل يوم والتاني اللي تعبانة ومحتاجة اللي يزورها، واللي جارة عيالها وجاية تتغدى، واللي محتاجة فلوس

وتابعت بتأكيد:

– كده أحسن حاجة، أديكي قاعدة ملكة في بيتك، تخرجي وتروحي وتسهري وتصيفي براحتك، ولا حما تقول لك عملتي كده ليه ومعملتيش ده ليه، ولا أخت جوز تحشر مناخيرها في حياتك.

 

اتسعت ابتسامة إلهام، ونظرت إلى والدتها بامتنان قائلة:

-البركة فيكِ يا ماما وفي نصايحك، أنا من غيرك مكنتش هعرف أعمل أي حاجة.

 

بادلتها الأم الابتسامة، ونظرت إليها بنظرة فخر وكبرياء أثارت في نفس الابنة مزيدًا من الغرور:

-لا بس أنتِ شاطرة يا إلهام، بتسمعي الكلام وتعرفي تنفذيه بالحرف، قدرتي تشغلي جوزك وتنسيه أمه وإخواته والدنيا كلها، وخلتيه يكتفي بيكِ أنتِ وبس.

 

واسترسلت ىاشادة:

-شاطرة يا لولو.

ضحكت إلهام ورفعت رأسها بكبرياء، منتشية بمديح والدتها ونجاح خطتها الشيطانية في عزل زوجها بهاء عن أهله.

 

كانت الخادمة تتقدم نحوهما بخطوات وئيدة، تحمل صينية فضية عليها ما طلبتاه من أصناف الحلويات الفاخرة وفناجين القهوة، وضعتها على الطاولة أمامهما وراحت ترمقهما بنظرات خفية تحمل في طياتها مزيجًا من العجب والاحتقار الدفين، كانت تتعجب من قسوة قلوبهما، وتحتقر تفكيرهما الذي نجح في حرمان عائلة بهاء من خير ابنهم، في حين تأتي هذه الأم كل يوم لتنعم بالخير والعز وحدها دون وجه حق.

 

******

كان يجلس في غرفته، يغمره حزن ثقيل وقهر ينهش في روحه، استند بظهره إلى الخلف وعيناه تتمركزان في الفراغ، عاجزًا تمامًا عن تجاوز تلك النظرات المليئة باللوم وخيبة الأمل التي رآها في عيون عائلته.

 

طرق شقيقه الباب بخفة، ثم أطل برأسه متسائلًا بنبرة هادئة:

-لسه صاحي؟

 

اعتدل في جلسته، وارتسمت على وجهه ابتسامة مريرة وهو يجيب:

-تفتكر هيجي لي نوم بعد اللي حصل ده كله؟

 

تنهد كريم بأسى لأجله، وتقدم بخطوات بطيئة حتى جلس على طرف الفراش، محاولًا بث بعض الطمأنينة في نفس شقيقه:

-حاول تهدى وانسى، ولو على أبوك وأمك ما تشيلش همهم، بكرة ينسوا كل اللي حصل.

 

هز رأسه بنفي، وخرجت كلماته مغلفة بقهرة تملأ صوته، وشرخ ينزف في أعماق قلبه:

-ولو هما نسيوا، أنا ازاي هنسى نظراتهم ليا وخيبة الأمل اللي شوفتها في عيونهم يا كريم؟

 

وفجأة، التمعت عيناه بشرارٍ غاضب، وتابع بنبرة متحشرجة:

-وازاي هقدر اتخطى الموقف اللي اتحطيت فيه بسبب واحد خاين وحقير.

 

ربت على كتفه بحنو محاولًا التخفيف عنه، لكنه لم يستطع منع نبرة اللوم من التسلل إلى حديثه:

-كفاية وبلاش تحمل نفسك فوق طاقتها، أنا ياما حذرتك منه أنت وسامر، بس أنتم مكنتوش بتسمعوا الكلام.

 

زفر رشيد بضيق وحيرة تنهك عقله، وقال:

-مكنش باين عليه يا كريم، كان عادي جداً معانا، معرفش امتى اتحول وبقى بالبشاعة دي

 

صمت للحظة وهو يتأمل في الفراغ، ثم تابع بتساؤلٍ مرير:

-ولا هو كان كده من الأول وأحنا اللي كنا أغبية ومش شايفين بشاعة وشه الحقيقي؟

 

نظر إليه كريم بجدية، وسأله مستكشفًا خطوته القادمة:

-أنت ناوي تعمل إيه معاه؟

 

تبدلت ملامحه الحزينة وانكمشت ملامحه بغضبٍ عارم، وتحولت عيناه إلى نظرات حادة تشبه صقرًا يوشك على الانقضاض، ليهتف بصوت متحجر:

-هو وجِب معايا مرتين مش مرة، وأنا أصيل ومتربي على الكرم، ولازم أرد له الواجب عشر أضعاف!

******

 

انعزلت نهلة في غرفتها منذ عودتها من الجامعة، باتت تدور في حلقة مفرغة من أفكارها المحبطة، استمعت لطرقات خافتة على الباب، قبل أن تدلف إحدى عاملات القصر وتقول بأدب:

-منير باشا مستني حضرتك على العشا تحت يا هانم.

 

أشارت ببرود وعدم اهتمام دون أن تلتفت إليها، وقالت:

-روحي قولي له إنك لقيتيني نايمة.

 

وقفت العاملة في مكانها دون حراك، تصارع ارتباكها، فالتفتت إليها نهلة بحدة على غير عادتها اللينة الهادئة، وهتفت:

-انتِ واقفة ليه؟

 

تعثرت الكلمات في جوفها وقالت بتوتر:

أصلي، متعودتش أكذب على الباشا يا هانم.

 

ردت نهلة بجرأة وليدة عليها:

-خلاص، روحي قولي له بتقولك مالهاش نفس.

 

انسحبت العاملة خاضعة، بينما زفرت نهلة بضيق ومددت جسدها فوق الفراش، ناظرة إلى السقف بفراغ، لم تمر سوى دقائق معدودة حتى استمعت إلى صوت مقبض الباب ينفتح مجددًا، فقالت بضجر وما زالت على وضعها:

-أنا مش قولت لك قولي له ماليش نفس.

 

تصلب جسدها فجأة حين أتاها صوت والدتها الجاف والصارم وهي تقول:

وهتفضلي لحد امتى ما لكيش نفس؟

 

اعتدلت في جلستها ببرود، محاوِطة نفسها بأسوار من الصمت، نظرت إليها راندا بكبرياء متعالٍ، وتابعت بنبرة لا تخلو من التأنيب:

-إنتِ فاكرة بحركات الأطفال اللي بتعمليها دي هتضغطي علينا وتجبرينا نوافقك على الهبل اللي في دماغك؟!

 

التزمت نهلة الصمت، وهو الأمر الذي أشعل غضب راندا وضاعف عصبيتها، فهتفت بحدة:

-انتِ ساكتة ليه يا بنت؟!

 

أخيرًا أزاحت نهلة عينيها نحو والدتها، وردت بهدوء شديد، يخفي خلفه صوتًا مكسورًا وقلبًا تحطم صرحه:

-عوزاني أرد أقول إيه؟!

تنهدت راندا بضيق، وحاولت جاهدة تخفيض نبرتها وهي تقترب منها:

-إنتِ ليه بتتعاملي معايا على إني عدوتك؟ أنا أكتر واحدة في الدنيا دي تخاف عليكِ.

نظرت إليها الفتاة، وعيناها تفيضان بقهرة مكتومة، وقالت بنبرة عاتبة:

-بس أنا محتاجة منك تحبيني، مش تخافي عليا.

 

اتسعت عينا راندا بذهول حقيقي، وسألتها:

-وهو أنا مبحبكيش يا نهلة؟

 

أطرقت برأسها قبل أن تجيب بمرارة:

-الحب أفعال يا ماما، عمره ما كان مجرد كلمة بتتقال باللسان، لو كنتي فعلاً بتحبيني كنتي حسيتي بيا وبوجعي ووقفتي جنبي.

 

وتابعت بانكسارٍ وألمٍ عظيم يسكن القلب:

– كنتِ حاربتي الكل عشان تشوفيني مبسوطة مع الإنسان اللي قلبي اختاره.

 

ارتسمت على شفتي المرأة ابتسامة ساخرة، وقالت بتهكم لاذع:

-عوزاني أشجعك عشان تدفني نفسك بالحيا باسم الحب؟

ثم تابعت بنبرة تدعي الحكمة والخبرة:

-انتِ لسه صغيرة، وزي ما بيقولوا اتولدتي وفي بقك معلقة دهب، عمرك ما جربتي شعور إنك تكوني محتاجة حاجة ومش عارفة تجيبيها عشان معكيش تمنها.

 

وتابعت بعقلانية؛

– لو اتجوزتِ الولد ده، قصة حبكم اللي أنتِ شايفاها عظيمة دي مش هتكمل ست شهور وهتطلقوا، وانتِ بنفسك اللي هتطلبي منه الطلاق وتهربي.

 

انتفضت الفتاة مدافعة بقوة وعناد:

-عمره ما هيحصل، لأني بحبه بجد.

 

ردت بجدية قاطعة:

-انتِ بتقولي كده عشان مجربتيش شعور الجوع والحوجة، فيه مقولة بيقول، اذا دخل الفقر من الباب هرب الحب من النافذة.

 

ثم ضيقت عينيها بتفكرٍ، ونظرت إليها وتحدثت بنبرة اتهام صريحة:

-ولا تكوني متفقة انتِ والولد إنكم هتعيشوا على حساب باباكي؟!

 

انتفضت نهلة تنفي التهمة بسرعة وغضب:

لا طبعاً، رشيد راجل عنده عزة نفس، وكرامته عنده أغلى مني أنا شخصياً.

وتابعت بحدة واستنكار لحديث والدتها:

-وبعدين انتِ ليه مصرة تقللي منه بالطريقة دي؟ رشيد مهندس بترول، وحضرتك عارفة كويس أوي إن مرتباتهم عالية ومستقبلهم بيبقى مضمون.

 

انطلقت ضحكة ساخرة من بين شفتي راندا، وقالت باستهانة:

-مرتبه اللي أنتِ فرحانة بيه ده ميكملش مصاريف أسبوع شخصي ليكِ.

 

ثم هزت رأسها بقلة حيلة واستنكار وهي تتابع:

-مش بقولك إنتِ مش فاهمة حاجة؟

 

تنهدت ثم أشارت براحة كفها نحو الباب وقالت آمرة:

-قومي عشان بابا وإخواتك مستنيينك على العشا.

 

تيبست الفتاة في مكانها، وقالت بعناد وتحدٍ:

-سبق وقولت لحضرتك ماليش نفس.

 

وبعد جولات من النقاش العقيم والمحاولات الفاشلة، استسلمت راندا وخرجت من الغرفة، تهبط الدرجات وهي تلعن في سرها عناد ابنتها وغباءها المستعصي.

 

*******

أشرقت شمس يومٍ جديد، حاملة معها خيوطًا من الأمل للبعض، ونوايا أخرى يسوقها الانتقام، كان لكل عابر في هذا الصباح هدف يسعى خلفه،ارتدى رشيد أجمل ثيابه وتأنق بعناية فائقة، ثم انطلق إلى جامعته والابتسامة لا تفارق شفتيه، ابتسامة باردة يقودها شغف التشفي ورد الاعتبار.

 

وما إن وصل حتى استدعى نهلة للحضور، فلبت دعوته، ولكن عقلها لم يستوعب سر هذه الدعوة المفاجئة بعد ليلة عاصفة قضاها كلاً منهما.

 

وعلى الجانب الآخر، كان صادق يجمع عائلته الصغيرة، حيث استقلوا سيارتهم واتجهوا صوب المنصورة، لقضاء عطلة مدتها ثلاثة أيام في أحضان والدته ووسط دفء عائلته الكبيرة.

 

داخل السيارة، جلس صادق خلف عجلة القيادة يوجهها بثبات والفرحة تطل من عينيه، وبجانبه استقرت زوجته منى بهدوئها المعتاد وسكينتها، أما في المقعد الخلفي، فكانت دليلة تتلوى في مكانها، عاجزة عن ضبط إيقاع جسدها من فرط السعادة، فالقرية بالنسبة لها هي المتنفس الوحيد، هناك تجد بهجتها الحقيقية وتشعر أنها تحيا وتتنفس بصدق.

 

وبجوارها قبع أحمد في صمتٍ تام، طفل غريب الأطوار، يرى كل شيء عاديًا ولا يوحد ما يثير شغفه، بل على العكس تمامًا، لم يكن يطيق الذهاب إلى البلدة، ولم يجد طريقة للاندماج مع أهلها، رغم فيض الحب والدلال الذي يغمرونه به في كل زيارة.

 

قطعت منى صمت الطريق وهي تلتفت نحو زوجها قائلة:

-مش كنت كلمت طنط في التليفون وقولت لها إننا جايين يا صادق؟

 

رد عليها بلهفة وسعادة طفلٍ صغير:

-حابب أعملها لها مفاجأة يا منى، انتِ عارفة هي بتفرح قد إيه لما بنروح لها، وكمان عشان متغلبش نفسها وتعمل أكل.

 

قاطعه أحمد بنبرته متسائلاً باستغرار:

-أمال هناكل إيه هناك يا بابا؟

 

التفت إليه صادق يطمئنه بابتسامةٍ بشوشة:

-لما نوصل المنصورة هنعدي على الكبابجي اللي في المدينة، نجيب منه حبة كباب على كفتة وطرب، ونبعت نجيب عماتك ونتغدى كلنا مع بعض.

 

هتفت دليلة بحماس وهي تطل برأسها بين المقعدين الأماميين:

-وما تنساش الكنافة بالقشطة عشان طنط فيفي بتحبها يا بابا

اتسعت ضحكة صادق وهو ينظر إليها عبر المرآة قائلاً بملاطفة:

-مش ناسي يا أستاذة دليلة، كنافة فيفي، وبسبوسة رُقية وأماني، وصوابع زينب المفضلة عند عمتك عايدة.

 

اتسعت ابتسامة الفتاة واستكانت في مقعدها مستمتعة بالطريق، بينما نظرت منى إلى زوجها بنظرات تفيض حنانًا وعشقًا، وقالت له بصوت دافئ:

-ربنا يخليك ليهم يا حبيبي، ويارب دايماً مفرح وجابر خواطر كل اللي حواليك.

 

طالعها وابتسم وعيناه تشعان حبًا وتقديرًا، ليجيبها بامتنانٍ عميق:

-ويخليكِ ليا يا بنت الأصول.

 

_____*_____

 

بوسط ساحة كلية الهندسة، وقف سامر في المنتصف محاطًا بأصدقائه المشتركين مع رشيد، وحولهم تجمهر عدد كبير من طلاب الدفعة الذين حشدهم سامر بناءًا على اتفاق مسبق، وعلى الجانب المقابل تمامًا، كان رشيد يقف شامخًا، واضعًا يديه فوق صدره بكبرياء، والابتسامة الواسعة المرتسمة على وجهه تخفي خلفها قلبًا مستعدًا تمامًا للثأر واسترداد كرامته المهدورة.

 

بجواره، كانت نهلة تقف تائهة، تلتفت حولها بقلق وتوجس، حتى التفتت إليه وسألته بنبرة حائرة:

-أنا مش فاهمة حاجة يا رشيد، إنت جايبني هنا ليه؟ وليه سامر وبقية أصحابك واقفين قصادنا على الصف التاني ومجمعين الشباب حواليهم كده؟!

 

لم يزح عينيه عن بوابة الكلية الرئيسية، وأجابها بصوت هادئ يحمل نبرة واثقة:

-هتفهمي كل حاجة دلوقتي يا نهلة.

 

ثم تابع بظلال من الغموض أثارت ريبتها:

-أصلي محضر لكِ مفاجأة.

 

زفرت بضيقٍ يعود لعدم فهمها، وفي اللحظة ذاتها اتسعت ابتسامة رشيد وهو يوجه نظره بدقة نحو الباب الخارجي، ويهتف بنبرة منتصر:

-أهي المفاجأة وصلت.

 

التفتت نهلة بسرعة خاطفة نحو الاتجاه الذي يشير إليه ببصره، لــ…….:

……

انتهى الجزء الاول من الفصل

تُرى، من هو الشخص الذي ظهر عند بوابة الكلية؟ وما هي المفاجأة التي أعدها رشيد لنهلة؟

وما الذي سيحدث بالقرية؟!

خمن أحداث الجزء التاني من الفصل من خلال تفاصيل الغلاف.

انتظروني وباقي الفصل غدًا بإذن الله

مع تحياتي روز أمين

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *