فرط الحب دينا ابراهيم الجزء الخامس
الفصل الحادي والعشرون
ارتفعت عيناها المذعورة نحو عيناه في صدمة من تلميحاته الواضحة كالشمس داخل حدقتيه المتسعة بشكل أكثر من اللازم مصرحة عن فداحة الوضع لكنها الحقيقة التي لا مفر منها، لم تجول ببالها مرة بأن حضور أحمد قد يكون له عواقبه الوخيمة ولكن كيف علم، قطع أفكارها صوته المنخفض كحشرجة حلقه:
-سكوتك ده صعب أوي يا ريم.
أسبلت جفونها في توتر ثم مررت لسانها فوق شفتيها هامسة في تلعثم بين أنفاسها المضطربة تحاول الهروب من أحضانه:
-ريان أنت فاهم غلط أكيد.
أومأ ريان رأسه عدة مرات قبل أن يطلق سراح شخصيته المظلمة، مانعًا هروبها وهو يدير جسدها ملصقًا ظهرها في صدره هامسًا في أذنها:
-بتهربي مني ليه، مخبية أيه عني؟
أغمضت ريم جفونها واستسلمت لدموعها قائلة في نبرة معترضة لكنها خرجت ضعيفة مهتزة:
-أنا مش مخبية عنك حاجة واللي في دماغك ده غلط تفكر فيه، انت بعمل ليه كده؟
-غلط، طيب قوليلي أيه الصح؟
رفع ذراعه من أمام صدرها ليداعب في حنو زائف مقدمه عنقها قائلًا في صدق:
-قوليلي لما واحد يقف يقولي انه كان في بيتي مع مراتي لوحدهم المفروض اتصرف ازاي.
ظهرت الصدمة والاستنكار على وجهها قبل ان تهز راسها رافضة التصديق هاتفه:
-أحمد عمره ما يعمل كده.
دفعها عنه صارخًا في نبرة عنيفة تعكس الزوابع الضارية داخل صدره:
-اخرسي متنطقيش إسمه تاني، ولو بينك وبين نفسك حتى!
سندت ريم على الفراش تمنع سقوطها لا تصدق انه خرج عن طور صوابه، حاصرها ريان بجسده الضخم من جديد يرهبها أكثر مع كل حرف ينطقه.
-انت بتقرب مني ليه كده؟!
سألت فلطالما كانت غيرته المفرطة تخيفها ففيها طاقة مدمرة وفقدان سيطرة وقسوة ترعبها، أقترب ريان يحدقها بعيونه السوداء الغامضة الخاوية التي لا تعكس ما يدور في رأسه ليلاعبها بكلماته رافضًا ان يهتز بخوفها وعيونها المتسعة قائلًا في إصرار:
-أيه، مش عايزاني أقربلك؟
اندفع كالوحش غير مبالي بارتعاشها الباكي يحملها ويجبر ساقيها التي ترتعد تحت أصابعه على الالتفاف حول جسده مستقرًا بجسديهما فوق الفراش، فخرج صوت الريم التي كانت تصك اسنانها في قوة تمنع ارتطامها في بعضها مستنكرة في صوت مرتعش:
-ريان بتخوفني ليه؟
انت مخوفني عشان خاطري ما تخوفنيش!
أمسكت عيونها الباكية التائهة بعيونه العازمة على الاستمرار في أفعالة الغامضة قبل يميل بجسدها القوي فوق جسدها دافعًا بها أكثر في الفراش ليزيد انتباها للفروقات بين جسدها الصغير وضعفه وبين جسده الصخم الذي يفوق قوه عنها كثيرًا، متعمدًا أن يترك لعقلها الصغير الغوص في سيناريوهات مرعبة فيرتعش قلبها بأسوأ التخيلات، لكنه عاد وسرق انتباهها من مخاوفها وهو يهسهس في خفوت:
-ششش ششش مالك مش طايقة لمستي ليه، مانعة قربك مني ليه؟
تحرك وجهه في ابتسامه تحمل معاني قبيحة رغم وسامة وجهه بينما يخبرها في غموض:
-حاسبي لأفتكرك عايزة لمسة حد غيري!
-اسكت، اسكت كفاية جنان حرام عليك، متقوليش الكلام ده مش هسمحلك تهني كده.
ضربت يدها في صدره بضعف لكنه اوقفها بدفعهما جوار وجهها مزمجرًا:
-جنان، كلامي وجعك؟
شكي فيكي قاتلك؟
ثبت ركبتيه حول ساقيها واندفع فوق جسدها بنصف أستقامه قبل أن يمد ذراعيه يعدل جلستها هي الاخرى بجذبه لمقدمه ملابسها بلا مراعاة لجسدها الرقيق حتى صارت تلامس صدرها بصدره صارخًا بصوت قوي وكأنه يقحم درسً صامت داخل عقلها:
-ادخلي جوا عقلي وشوفي معنى الجنون، ادخلي شوفي الوجع والشك وشوفي كلام أحمد الفارس المغوار عامل فيا أيه …!
-أنا مش فاهمة حاجة؟
هزت رأسها منفجرة في بكاءها المتواصل بصوت عالي، ضيق ريان عينيه رافضًا التراجع الآن وشياطينه ترفض الانصياع فأستكمل وهو يمرر إبهامه فوق شفتيها يضع تركيزه الوهمي فوق احمرارها:
-عايزة تفهمي أيه أكتر، عايزة أفهمك اني عرفت ان أحمد هو اللي أخد جوابي من الظرف اللي بعتهولك واني واجهته فرماني بكلام زي السم يروح فيه رقاب،
ولا عايزة أفهمك أني حيوان أناني وشكاك وبتهم الفارس بتاعك بالزور؟
ظلت تطالعه في صمت فقط انفاسها المتلاحقة واهتزاز جسدها الطفيف يعبر عن مدى صدمتها وقهرها، ارتفع حاجبيه محدثًا صوت يشبه الضحكة متحاملًا على مشاعره التي تدفعه دفعًا لاحتضانها والإفصاح عما بداخله دفعة واحدة.
زاد تشنجه وهو يضغط على وجنتيها بين أصابعه يتأكد بأن عيونها تواجهه وتجلس صف أول لمشاهدة الغضب الهادر داخل حدقتيه:
-أحمد أخد الجواب عشان متعرفيش انك على ذمتي ويقدر يخطبك،
ومش عارف هعمل أيه لو خدعتي نفسك عشان تدفعي عنه لأنه لما قالي انه بيجي البيت ليكي، أكيد مكنش من كرم أخلاقه؟
حاولت هز رأسها بالرفض وعدم تصديق حياتها التي تنهار تحت قدميها تشعر بالحزن والرهبة بل أسوأ تشعر كالملعونة التي لا يبقى لها حبيب لكن ضغط ريان فوق فكها منع حركت رأسها وجعل قلبها يثب بين ذعر واستسلام في صدرها خاصة عندما مال يستقر بشفتيه فوق شفتيها المذمومة قائلًا في جفاء:
-إياكي إياكي يا ريم تفكري في مبرر لأفعاله أنا بيني وبين الجنون شعره.
-أنت عمرك ما هتتغير، هتفضل تشك فيا من غير ما تسمعني.
-تستحقي؟
أنتي تستحقي اسمعك وانتي مفضلة راجل تاني عليا؟
وضعت كفيها فوق عيونها ورمت جسدها للخلف تستلقى بظهرها فوق الفراش كأنها تختبأ منه ثم قالت بشفاه مرتعشة في قهر لا تقدر على تحمل المزيد:
-أنا مفضلتش حد عليك، ولو مش مصدق خلاص أعمل اللي عايز تعمله فيا ريح نفسك وريحني معاك.
قالت جملتها بصوت عالي بين شهقات بكاءها تشعر باقتراب النهائية والانهيار وقلبها الصغير يتلوى في صدرها لا يتحمل وجسدها ينتفض وينتفض في كل ثانية.
ساد الصمت ثوان ولم يتحرك ريان الجاثي فوقها لا بضمها ولا بالابتعاد عنها فظل يقيدها بقربه البعيد ويمزق قلبها ببطء.
كان قلبه يعتصر داخل صدره يصرخ في اعتراض يريده أن ينتهي الأمر شفقتًا ورحمة بها وكاد يتخاذل وينصاع له بضمها لصدره واخبارها بانه يثق بها ولكن يجب عليه إنهاء الدرس بالطريقة الصعبة وإلا فلا نهاية للعقبات في حياتهما.
بعد دقائق طويلة توقفت فيها عقارب الساعة تضامنًا مع حزنها، تحرك ريان ليجلس جوارها قبل ان يفاجئها بجذبه لجسدها ك يعدل جلستها.
اتسعت عيناه لم تتوقع حده حركته تلك ثم هزت رأسها بتلقائية دون تفكير عندما وضع إصبعه فوق شفيه قائلًا بصوته الخشن من فرط انفعالاته:
-اقفلي بؤك نهائي، مش عايز أسمع صوتك… نفسك اللي هتاخدي مش عايزة يطلع … سمعاني؟
وضعت كلا كفيها فوق فمها تمنع موجة جديدة من البكاء في حسرة ثم ارتفعت عيناها للهاتف الذي كان في قبضه يده ولم تنتبه بوجوده متعجبة عندما عبث بأزراره قبل أن يفتح المكبر ويرمقها بنظرات جليدية محذرة من افتعال أي صوت:
-عايز أيه؟
انعقدت تلك المنطقة في جبينها بين حاجبيها تتساءل لماذا يتصل بأحمد ولكن ريان لم يعطها وقت كبير للتفكير فتكلم بنبرة هادئة:
-عايز اقولك أنك كداب، ريم قالتلي كل حاجة…
يا جبان ده أنت مكنتش بتدخل بيتي حتى…
كانت كلماته التي تخرج نبرة هادئة بلمحة من السخرية تتنافي مع الغضب والجمود المنبثق من عينيه، ولكن ما سرق أنفاسها قبل انتباهها غن تفاصيل ريان هو صوت ضحكات أحمد القاسية قبل كلماته المرعبة التي حطمت قلبها لأشلاء:
-طبعا وأنت أكيد صدقتها … مش قولتلك مغفل….
-عايز توصلي أيه، ولا نسيت إنك عاجز وتلميحاتك دي مستحيلة؟
-وهي بردو اللي قالتلك كده؟
سأل أحمد الساخر، فساد الصمت وريم باقية التمثال تستمع في صدمه للحقد المقطر من نبرة صديقها من اعتبرته كل عائلتها خاصة حين أستكمل في حقارة:
-يبقى أنت اللي عاجز لأن مش انا مراتي مرافقه غيري وراضي.
-أحمد…!
صرخت ريم مستنكره لاتهاماته المقززة، لا تصدق كيف وصل به الدناءة لأن يتهمها في حقارة وقسوة دون أن يفكر بعواقب افعاله بل أسوأ دون أن يفكر بعواقب أفعال زوجها الذي ستكون هي ضحيتها ما أن يستمع لتلك الكلمات المهينة لشرفها.
-ريم…
خرج أسمها بحروف مبعثرة متقطعة تعبر عن الاضطراب الذي تملكه وقد أكتشف خدعة ريان الذي تدخل أخيرًا بقوله الحازم:
-ادعي ربنا إنك متجيش تحت إيدي عشان وقتها مش هرحمك.
أغلق ريان الهاتف يواجه ريم بعيونها الواسعة المتسعة يتابع انفعالاتها المتلاحقة ودموعها التي تتسابق فوق وجنتيها قبل ان تخبره في صوت باكي مقهور:
-كداب والله العظيم كداب يا ريان، صدقني.
مد أصابعه يلامس كتفها رغم ارتجافه جسدها في خوف من حركته المفاجئة وكأنها تظنه سينقض عليها في أي لحظة، ثم أخبرها في ثبات تام وصدق:
-أنا مصدقك يا ريم.
-مصدقني؟
رفعت عيناها تنظر لعينيه في حيرة ثم سألت بنبرة لا تثق حتى في صوتها ولا في ما تسمعه من فمه ليخبرها ريان مؤكدًا وهو يقربها منه قائلًا بجدية:
-أنا لو كنت شكيت فيكي لحظة صدقيني مكنتيش هتبقي عايشة وبتكلميني دلوقتي.
انكمشت ملامحها في حزن وخوف وكلماته مبهمة غير واضحة لها، أهذه الكلام لمطمئنتها أم للتهديد!
مسحت وجنتها لتعلن عما يدور في عقلها من إرهاق وغيظ:
-أنا مش فاهمة حاجة، اومال بتعمل فيا ليه كده؟
أبعد يدها عن وجهها وامسك بذقنها متعمدً النظر في عيناها المرتبكة قائلًا في صدق:
-أنا معملتش حاجة صدقيني ده ولا حاجة من اللي كنت هعمله لو كنت سمعت الكلام ده وعلاقتنا لسه متوترة،
ده ولا حاجة من اللي ممكن راجل يعمله في مراته لو سمع الكلام ده.
هز رأسه يبعد عيناه عنها كي لا ترى المشاعر المخيفة التي تسيطر عليه وهو يهمس:
-صدقيني مش عايزة تعرفي أنا كنت هعمل أيه فيكي وفيه يا ريم ومن غير حتى ما أسمعك،
وبحمد ربنا ألف مرة اني وصلت لان ثقتي فيكي تفوق ثقتي في كلام أي حد في الدنيا.
تسمرت ريم تتابعه في صمت قبل ترتمي فوق بين أحضانه تحتضنه بذراع والاخر تتقابل قبضته في ضعف فوق صدره، تتهمه بفم مائل للأسفل متفوهه ببكاء واتهام مزق قلبه:
-يعني أيه مصدقني بجد أومال بتخوفني كده ليه من الأول،
ليه يا ريان وجعت قلبي كده ؟!
أعتصرها ريان نحوه يوقف قبضتها بأصابعه ويرفعها يقبلها في شغف مؤكدًا في إصرار:
-عشان تفهمي أن اللي حصل مش سهل دي مصيبة وان وجود المريض النفسي ده في حياتنا هو أكبر مصيبة ومكنتيش هتصدقيني لو كلمتك بعقل.
حركت رأسها برفض لا تزال تصرخ في بكاء تخرج الآلام قلبها فوق صدره ثم قالت في ذهول بين أنفاسها المتقطعة:
-أنا مش مصدقة انه عمل كده فيا يا ريان ده كان زي أخويا.
أبعدها ريان قليلًا ممسكًا بوجهها بين كفيه كي يقحم كلماته داخل رأسها، قائلًا في جدية:
-لو ده مش اللي هيبعد أحمد عننا يبقى مش عارف ايه اللي ممكن يبعده،
لو فضل جواكي ولو أمل انه يكون حياتك تاني، يبقى حياتنا كزوجين هتدمر.
صمت يتابع ملامحها الحزينة قبل ان يستكمل في قوة:
-فاهمة يا ريم هنتدمر انا مستحيل اتعايش مع فكرة وجوده جنبك ابدًا ومستحيل اسامحك لو اتنازلتي وسامحتي المجنون ده.
قاومت ريم ذراعيه التي تصر على كشف وجهها له ترغب في الاحتماء بين ذراعيه كي تخفي وجهها ونفسها عن العالم أجمع بين صدره هامسة في ألم:
-مش هسامحه ابدًا، مش هسامحه ابدًا يا ريان.
أغمض جفونه يحاول غسل الغضب المكبوت داخلة بكلماتها تلك، سمح لها بالارتماء بين ذراعيه وزاد من ضمه لها ليهمس بين خصلاتها المبعثرة:
-أنا بحبك يا ريم، بحبك بجد وهفضل طول العمر بندم على السنة اللي سيبنا بعض فيها.
-وانا بحبك والله العظيم بحبك وعمري ما اتخيل نفسي مع حد غيرك.
-وانا مش هديكي الفرصة تتخيلي انك تكوني لحد غيري، احنا هننسى اللي فات ونبدأ حياتنا من جديد ماشي يا ريم.
هزت رأسها في موافقة وهي تزيد من لف ذراعيها حوله تشعر وكأنه الخيط الأخير وكل ما تملكه في حياتها فقد خسرت جميع من كان في حياتها وجميعهم خذلوها، حتى هو خذلها من قبل ولكنه يحارب من أجلها لأجل حبها ولأجل بقاء أسرتهما وهو الأمر الذي لم يفعله أحد من أجلها من قبل.
الجميع يمكنه الذهاب والتخلي عنها هي لا تهتم وقادرة على البدء من جديد فقط غياب ريان أو ابتعاده عنها قادر على ارباك حياتها وكسر قلبها مكللًا حياتها بالخسارة الكبرى.
-بحبك يا ريان والله بحبك….
كررت همساتها الخافتة التي تكاد تكون غير مسموعة ولكن حواسه المتأهبة نحوها التقطت كل حرف محمل بحبها وعذاب آلامها فقابلها بقبلات أعلى رأسها وأنامله الخشنة تربت بنعومة فوق جسدها الصغير وخصلات شعرها …..
دون أن ينتبه كلاهما لتلك الفناة القابعة خلف بابهم تشاركهم البكاء بقلب مفطور على ما آل إليه الوضع بين ريان وريم بسببها……
*****
وضعت ليان يدها فوق فمها تمنع صوت بكاءها بقلب مزق وهي تستمع لبكاء ريم يعلو وينخفض وشقيقها المرعب الذي أخافها حد الجنون قد هدأت نبرته وعادت محبة من جديد.
حمدت الله انهما غافلان عنها وابتعدت عدة خطوات عائدة نحو غرفة عمر التي وعدت شقيقها بيجاد بالبقاء داخلها حتى يرضى الرحيل مع وسام وعمر مصرة على ان بقاؤها أمرًا ضروريًا في حالة وقوع مكروه وخروج الوضع عن السيطرة بين ريان وريم.
وقد انصاع لها بيجاد لأنه يعلم بمدى ظلام شخصية شقيقه السابقة ويعلم بأن وجود ليان لن يغضبه كما سيغضبه وجوده هو.
ولكن بيجاد لا يعلم أن شقيقهم الأكبر وجد الملاذ والراحة أخيرًا بين ذراعي ريم.
اتجهت تجلس فوق فراش الصغير بقلب يدق بتلاحق تخونها مشاعرها بين غضب وبغض على الذات وغضب على أحمد لا تصدق أنه وصل لتلك المرحلة من الخساسة فيطعن في شرف ريم.
هزت رأسها بعدم تصديق ترفض التفكير ببحة الألم التي خرجت من فمه باسم ريم عندما انكشف خدعة ريان، وداخلها اعتقاد يدمرها بأن لزيارتها الاخيرة دخل بالتحول المرعب في شخصية أحمد.
ضربت قبضتها في ساقها بقوة متسائلة:
أي آلم وأي فعل يبرر أسوأ ما في المرء بتلك الطريقة؟
ما فعله أحمد لا يغتفر ابدًا داخل مجتمعهم الشرقي بل لا يغتفر ابدًا في عرف أي رجل عاشق لزوجته وكان من الممكن ان يكون سبب في أذى كبير لريم.
شحب وجهها وهي تفكر بل كان يمكن ان يجن جنون شقيقها ويقتلها كما يفعل ضعفاء النفوس من الرجال في مواجهه تلك الشكوك البشعة التي كان يبثها أحمد كالأفعى على مسامعه.
كان يمكن أن تخسر شقيقها من جديد وحينئذً ستكون الخسارة أبدية، عاد لذهنها صوت أخيها المرهق والألم الذي حملته نبرته وهو يخبر زوجته بأن أحمد سيبقى العقبة الوحيدة في علاقته بزوجته.
-المجرم الجبان لا يمكن أسيبه ابدًا.
مسحت عبراتها وتسللت في خفة للخارج لكن فضول قلبها القلق دفعها للاطمئنان مرة أخيرة على القابعين في غرفتهم محملين بالآسي، اقتربت تستمع لهم فوصلتها همسات ريم الخافتة:
-دماغي بتوجعني أوي يا ريان.
-اجبلك برشام صداع؟
سأل ريان في خفوت وسمعت ليان خربشات تعلن عن رغبته في التحرك لكن صوت ريم المعترض اوقفه:
-لا عايزة انام في حضنك، متسبنيش.
عاد ريان يحتويها بين ذراعيه في حنان هامسًا في حب:
-نامي ومتقلقيش عمري ما هسيبك
ارتعشت شفاه ليان وكادت تبكي شاكرة الله بأن الأمور انتهت على خير عكس المتوقع والفتت تتسلل للخارج عازمة على الذهاب للمتوحش المجنون الذي يحاول سلب شقيقها من حياته.
*****
جلس أحمد في الظلام داخل مخزن متجره كالصنم لا يزال في حالة من الصدمة والحزن ليس بسبب الخذل الذي سمعه من صوت ريم الغير مصدق لحقارته ولا بسبب انتهاء علاقتهم المتوقع بشكل تام فقط.
بل اكثر ما يمزق أحشاءه انه تحول لأنسان بلا مشاعر ولا قيم، شخص عماه الانتقام فصار ينبش كالمجنون فيمن حول لا يفرق بين عدو وحبيب، هو ذاته يشعر بالخذل وللأسف لم يخذله أحد بل هو من خذل نفسه.
كان انسان سلبي ضعيف ترك نفسه غارقه في الاستسلام والكره والحقد راضيًا بكل الضربات التي تتلاحق في حياته، وحين تأتيه ضربة من نيران صديقه خاطئة يتحول لقنبلة من الحقارة والدناءة.
لقد نشأ حياته يتجرع المرارة والقسوة والخذلان دون أن يشتكي مرة…مرة واحدة حتى… لم يفعل…
كان كشخص أعور مشلول يحركه والده لتلبية رغباته دون التفكير في توابع افعاله والآن شب ذلك الشخص ليصبح كالضباع إذا أتيحت لها الفرصة ستنهش في لحم قطيعها.
علا صوت هاتفه فنظر بكره إلي رقم والده الذي يرفض تسجيله على هاتفه فلا يجد داخله القدرة على كتابة كلمة “أبى” ولو على شاشة افتراضية بل يرفض في اعتراض ان يعطيه قيمة داخل حياته المنكوسة.
امتدت اصابعه في حزم ولأول مرة في حياته يتمرد ويغلق الخط في وجهه.
ألقى الهاتف في الأرض بجوار علبة الدواء التي تداعب عيناه أمامه حيث يتربع في الأرض ويستند بإرهاق على الحائط، يشعر بالوحشية وعدم الانسانية ويشعر بالكره والنقم على الذات.
ماذا يفعل في هذه الحياة وماذا أخذ منها ليبقى فيها؟؟
قطع تفكيره البائس صوت دقات متتالية فوق الباب الصاج الذي يغلف الباب الزجاجي للمتجر وأول ظن جال في تفكيره أن والده بالخارج فارتبكت ضربات قلبه المتسارعة لكنه جلس صامتًا يرفض الإجابة على الطرقات المتلاحقة بإصرار.
سمع صوت محاولات لفتح الباب الحديدي فسب بألفاظ نائية إصرار الطارق الذي لا يبالي بالباب الحديدي الشبة منغلق كما أمر دعاء بأن تغلقه للمنتصف وهو يطرد الجميع من أمامه.
حاول تجاهل الدقات المتعالية ولكنه كان يشعر بها داخل رأسه فجز على أسنانه قبل أن يثبت مستقيمًا متجهًا في غضب نحو الباب.
فتح الباب الزجاجي ومال بنصف جسده يرفع الباب المنغلق نوعًا إلى أعلى وما أن التقت عيناه بوجه ليان الغاضب حتى جز على اسنانه يعكس ضيقها وهو يفتح الباب هاتفًا:
-جايه عندي ليه؟
عايزة ايه تاني انتي واخوكي بعد اللي عمله فيا؟
-انت انسان وقح واناني وليك عين تتهم اخويا بعد اللي انت عملته!
هتفت ليان وهي تندفع للداخل في اتهام مدافعة عن أخيها، فابتعد أحمد للدخل متجاهلًا دخولها هاتفًا في حقد:
-لو جايه تشمتي فيا، فمتشكر يا ستي اقفلي الباب وراكي وانتي ماشية في داهية.
-انت ازاي بقيت كده، انا مش قادرة أصدق اللي عملته في ريم،
انت عارف ريان عمل فيها ايه؟
تصلبت قدميه ثم التفت نحوها بأعين ضيقة خائفة وكانه يخشى نقل السؤال الذي يعذب أعماقه على لسانه فاندفعت ليان تخبره من بين أسنانها وهي تهز رأسها في خيبة أمل:
-اللي انت قولتله كان ممكن يدمر حياة ريم، كان ممكن يأذيها لكن حب أخويا أقوى من سمومك!
أبعد عن أخويا ومراته ومتفكرش انك هتقدر تفرق بينهم ابدًا وصدقني وقتها أنا اللي هخلص عليك بإيدي!
خرجت منه ابتسامه ساخرة دون ان يعير كلماتها أي اهتمام ثم اتجه إلى نهاية المتجر للاختباء بالمخزن المظلم الخالي من الإضاءة سوى من شعلة إضاءة خافته، قائلًا في لا مبالاة:
-اقفلي الباب وراكي.
-يا خسارة بجد، مش مصدقة اني فكرت فيك في يوم.
تصلب جسد أحمد الذي كان ينحني للجلوس ولكنه استكمل جلسته في صمت دون أن يلتفت لحديثها المريب، فاندفعت تجثو جواره هامسة ضاربة كتفه في قوة دون اهتمام برد فعله:
-اوعدني على الأقل إنك هتبعد عنهم.
-اطلعي برا وابعدي عن حياتي، وده أخر تحذير ليكي صدقيني.
دوى صوت صفعة مدوية كاسرة الصمت المجفل في المكان، شعر أحمد بألم طفيف بجانب وجهه ولم يشعر سوى بأنفاسه العالية قبل أن يمسك تلابيب ملابسها متشدقًا في قسوة تخفي الكثير:
-يمين بالله لو مشيتي من قدامي لكون مكسر جسمك!
هاجمته ليان العابسة التي قلدت قبضته بإمساك مقدمة قميصه تواجهه في عنف بينما تقذف كلماته في تحدي:
-اضربني مش هتكون أول مرة راجل يمد إيده عليا.
دفعها بعيدًا قبل ان يندلع ضوء هاتفه فيصرخ في غضب هادر مجنون وهو يمد أصابعه يسحب دوائه متغافل عن الهاتف لتسقط ليان للخلف في هلع من حركته المفاجئة وصوته الحاد ليوجه أحمد بعدها وجهه وصراخه نحوها في قوة:
-سيبيني في حالي، كلكم سبوني في حالي… اطلعي برا برا…
زحفت للخلف مرتين تتابع جنون انفعاله وهو يفتح الدواء وكأن فيه الخلاص يبتلع حبة منه قبل ان تعتدل وتتجه في رعب للخارج.
وقفت ليان على باب المتجر تلتقط أنفاسها لا تصدق الحالة التي رأت بها أحمد، ولا تصدق انه برغم حقدها وغضبها منه إلا إن قلبها يتألم ويصرخ لآلامه التي تظهر كالشمس في صراخة وداخل عيناه الحزينة.
صدق من قال لها يومًا بأن الحب لعنة وويل لمن تصيبه فهي لن تحله ولن تتركه ابدًا كالثأر.
-عايزة أيه؟
دلوقتي عرفتي تكلميني، سيبني في حالي انتي كمان.
انتفضت ليان ولوهلة نظرت خلفها وقد ظنت أن أحمد يختصها بصراخه ولكنه لا يزال في المخزن يحادث أحد ما في الهاتف على ما يبدو، مستكملًا في نبرة حاقدة محترقة:
-متقوليش أبوك، متقوليش الكلمة دي تاني ،
روحي قوليله ميتصلش بيا تاني واني مش عايز حاجة منه انا مش هتجوز حد عايز ياخد مني المحل والبيت يجي من بكره ياخد اللي عايزة بس ابعدوا عني وارحموني.
اختلطت جملته الأخيرة مع بكائه الحارق الذي استقر بشكل مباشر في صدرها فملئت الدموع عيناها تشعر بقلة حيلة وعدم فائدة.
-ارحموني، أنا تعبت …. تعبت…
كان يهمس في بكاء للا أحد بعد أن أغلق الهاتف فمال يحتضن رأسه بين كفيه في حزن يهز كيانه، تنفست ليان في ألم وتأوه ثم اقتربت ببطء منه تتابع جلوسه على الأرض غارق بين أحزانه ودموعه وآهاته الباكية تخالف خشونة وقسوة صوته الخشن.
كانت تلك التأوهات خارجة في صدق من احشاء قلبه مباشرة إلى قلبها الأحمق المريض بحب ذلك الابله الاكثر مرضًا منها….
انتفض أحمد عندما أحس بوجودها ثم مسح وجهه من عبراته بمعصمه قائلًا في ارهاق نفسي وقد خارت قواه نوعًا ما بفضل المهدئ ناطقًا أسمها التي نست فخامته من على لسانه:
-يا ليان … يا ليان، ارحميني…
التقط ملامحها الباكية ونظراتها المشفقة فهز رأسه في رفض معترفًا في ضعف وهو يسند بجسده للحائط:
-أنا قذر واحقر بني آدم الدنيا ومستحقش منك دمعه، بتعيطي عشان مين عشاني انا …
أنا مستحقش الشفقة اللي في عنيكي!
كانت ليان بقربه في خطوات بسيطة تضع يدها فوق كفيه المشبوكان فوق معدته لتنكمش ملامحه في رغبة صارخة بترك عبراته دون خجل فأنفجر في قهر:
-أنا أذيت ريم وخسرتها وخسرت نفسي معاها،
انا حياتي ضايعة ومتدمرة من زمان هي متستحقش اني اعمل فيها كده.
ارتفعت أصابعها المرتعشة تحاوط وجهه رغم رفضه للمستها ورفضه أي نوع من المواساة فهو لا يرى أحقيته فيها، قررت تجاهل رفضه المغيظ لقربها وكلمات شقيقها التي تتهمه بالخلل النفسي تتلاحق في ذهنها ولكنها تتحلى بالكثير من العزيمة ولن تستسلم وستمضي في قرارها.
فهذا حق الجميع عليها وحق حبها لأحمد ايضًا والذي باعت قضيته مع أول عقبة دون أن تحارب من أجل حبها لا بل هو حق نفسها المسكينة التي كانت ضحية لقرارات خاطئة كثيرة لكنها ولأول مرة تتذوق الصواب في قرارها حتى وان كانت ستخوض متاهات مع اشقائها.
انتبهت لأحمد الذي يميل بجسده وكأنه يرغب في النوم فالنوم لطيف حتى يستيقظ ويدرك إنه لا يزال وحيدً بائسً، ضاقت عيناها في توتر متسائلة:
-مالك يا أحمد؟
-أنا تعبان ونفسي أنام ومش قادر انام…
بس أنا استاهل والله العظيم استاهل.
ارتعش قلبها في شفقة رغم غضبها عليه وعلى أفعالة البائسة لا تعلم كيف تحمل الشعور ونقيضه بين ضمه إليها وصفعة من جديد، لكنها جزت على اسنانها هامسة في حزم:
-تتجوزني؟
التفت نحوها في صدمة ثم أبعد أصابعها عن وجهه في حده وحاول التأني في فحص ملامحها قبل ان يخبرها في غضب:
-اسمه ايه ده كمان؟
ولا دي لعبة منك انتي واخوكي عشان تقعدوا سوا تضحكوا على أحمد المغفل مش كده…
-ده اسمه انقاذ، انت عارف ومتأكد ان ريان عمره ما هيسيب ريم وان ريم كانت فرصتك عشان تخلص من موضوع والدك.
كان أحمد يتابعها في صمت منذهل من معرفتها بأمر والده ولا يجد في داخله القدرة على الغضب من ريم لإفشائها كل أسراره لكنه سأل في خفوت:
-انتي عرفتي منين؟
-مش مهم عرفت منين، المهم اني بديك فرصة تعيد ترتيب حياتك.
ارتبكت عيناه وهو ينظر حوله بعقل بطيء يرفض الاستجابة لكلماتها لكنه نظر إلى وجهها يتفحصها لأول مرة منذ زمن فهي لا تزال تلك الفتاة الجميلة اليافعة بوجه طفولي وملامح حادة كأخيها، تتمتع بذقن مرفوع وشفاه غليظة وأخيرًا عيون سوداء حادة تتلبس القسوة رغم البراءة القديمة والضعف الجديد المختبئان خلف قناعاتها.
ضحك أحمد بينما يهز رأسه في تساؤل متعجب:
-وانتي هتستفادي أيه؟
-حاجتين مهمين أوي بس مش لازم تعرفهم دلوقتي ومتنساش ان كل واحد ولي شياطينه،
قولت أيه تتجوزني وتتخلص من عقدة حياتك ولا تفضل تجري ورا ريم اللي ريان عمره ما هيتخلى عنها؟
نظر لأصابعها الممتدة بينهما ثم عض فمه من الداخل بازدراء على الذات لأنه على يقين من خطأ القبول، ولكنه يبلغ من الضعف والاستسلام الدرجة التي تجعله يمد أصابعه يقابل أصابعها في موافقة….
“فرط الحب”
الفصل الثاني والعشرون
فتح ريان جفنيه بصعوبة ومط ذراعه بصعوبة أكبر بسبب تلك المستلقية بأريحية فوق صدره، ليمسك اخيرًا بالهاتف الذي يرن دون توقف وكان سببًا في إيقاظه:
-ألو…
أجاب ريان ما ان لمح أسم شقيقه الذي سارع يؤنبه:
-ساعة عشان ترد يا بارد، المهم عاملين ايه طمني؟
-أيوة انا اللي بارد، احنا كويسين ومش بنرد عشان كنا نايمين،
المهم عمر عامل ايه؟
سأل ريان بصوت منخفض وهو يحاول النظر للنافذة متعجب بأن الظلام قد حل وانهما قد ناما لساعات طويلة دون شعور.
-الحمدلله قاعد مع خالتي اكل وبيلعب اهوه،
يعني ريم كويسة ولا عملتلها حاجة؟
طمأنه بيجاد قبل ان يسأل في نبرة محاطه بالتوجس، فأجابه ريان في ثقة:
-انا مستحيل كنت أأذيها يا بيجاد من يوم ما فهمت غلطتي وانا واخد عهد على نفسي اعاملها زي بنتي يعني ريم زيها زي يا عمر،
يوم ما تغلط هقومها وبمزاجي، عمرك شوفتني بأذي عمر حتى لو قسيت عليه؟
سأل ريان في تهكم بصوته الرخيم فأجابه بيجاد في رضا:
-ربنا يصلحلكم الحال.
-متشكر على اتصالك يا بيجاد بيه واتمنى ان اللي حصل ده ميخليش عقلك ينسى كلامنا اللي كنت فيه غلطان من رجليك لراسك ووعدتني فيه انك هتتكلم مع وسام.
-فاكر فاكر أنا عارف أنا بعمل ايه متضغطش عليا.
تذمر بيجاد من اهتمامه متذكرًا حديثهما، وتعجب بأن ريان يتذكره رغم ما يمر به، ولكنه في داخله كان سعيد ممتنًا للغاية.
-طيب أنا هقفل اكمل نومي وبكره هكلمك.
انهى ريان المكالمة بصوت خافت خشن لا يزال متأثر بنومه يخشى ايقاظ ريم المستلقية فوق صدره في ثبات عميق، المسكينة تحملت فوق ما تحتمل ولكن للضرورة أحكام.
تنهد فقد كانت الساعات القليلة من نومه محملة بمظهر جسدها المرتعد وصوت بكاءها الذي يلامس مشاعره بطريقة أرعبت باطنه فحولها لكوابيس في منامه.
مال برأسه يتفحص وجهها تبدو كالطفلة التي تاهت عن ذويها بأثار دموعها الجافة التي الصقت رموشها المغمضة بوجنتها، مرر اصابعه فوق وجهها يلامس نعومتها الدافئة فخرجت انفاسه في رضا وهي تنكمش في جسده باحثة عن أمان احتواءه.
أغمض عيناه في تعب ولكن صغيرته كان تعبث على أوتار رجولته بحركتها المفرطة فزفر محاولًا إبعادها في خفة كي لا يقلقها، فأخر ما قد ترغب فيه بعد هذا الإرهاق العاطفي أن يوقظها على جنون وحش عواطفه الجياشة الذي يعبث في ذهنه كي يلتهمها في نفاذ صبر…
ولكنه سينتظر فلم يبقى إلا القليل وهي تستحق ذلك الانتظار بعد ما حدث بالأمس فقد كان درسًا قاسيًا لكلاهما.
هي كي لا تثق في رجل سواه وتقتنع بأنه اقرب لها من نفسها وان علاقة الزوجة بزوجها يجب ألا تتخطى دائرة خصوصياتهم.
وهو كي يتأكد بأن الثقة ليست مجرد صفة رمزية ولكنه حق مكتسب وعن جدارة يجب ان يتحلى به شريك العمر.
كان منشغلًا في تحليلاته النفسية العميقة وهي عادة اكتسبها مؤخرًا ويشعر بالفخر بها فقد كانت مفتاح لحل أغلب مشاكله، ولم ينتبه لتلك النائمة بين ذراعيه تحارب كي تحافظ على انفعالاتها وتوهمه بنومها.
وقلبها هو المتمرد الوحيد بضرباته التي ترفض الهدوء فمنذ سمعت “ريان” يخبر “بيجاد” بانها “طفلته” وهي تشعر بسعادة وبهجة غريبة تغمرها، اقتربت منه دون وعي تحاول التحكم في ابتسامه واسعة ستفضح انشراحها الزائد بكلماتها فتعود وتشعر وكأنها طفلة قتلها الحماس بالفعل.
تشعر بالخجل وانها غير قادرة على مواجهته فهي ان فتحت جفونها ورأت ملامحه الحادة الوسيمة ستنهال عليه بقبلاتها المشتاقة.
جزء منها يدفعها لفعل ذلك تمامًا ولكن جزء أحمق مزعج أخر يذكرها بوعدها لنفسها بأن تجعله يأتي لها جاثيًا.
ولا تعتقد أن ارتماءها نحوه في تطلب يلبي هذا الوعد الأحمق، فكرت في انزعاج وتساءلت لما بحق السماء عليها ان تشعر بتأنيب الضمير وبأنها ستخترق عهدًا ما لقد كان مجرد وعدً تافهً لا معنى له ولكن لما تشعر بأنها مدينة لنفسها بذلك.
شعرت به يعدل جسدها لتستلقي على جانبها بدلًا من توسد نعيم صدره وللحظة شعرت كجرو صغير ركله مالكة لأبعاده لكنها تنهدت براحه عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تواجهها لتتأكد بأنهما يستلقيان وجهها لوجه وذراعه يعود للقبض على خصرها الصغير في تملك.
كادت تهرب منها ابتسامه لكنها تحركت تخفي ملامحها في صدره ليغمغم في اعتراض تعجبت له حتى سمعته يهمس منزعجًا:
-كنت متأكد مفهاش نوم طول ما الهانم بتتمرمغ في حضني زي القطط.
اتسعت ابتسامتها وكادت تهلل في انتصار لأنها تسيطر على مشاعره وحواسه كما يسيطر هو عليها عضت شفتيها في خجل وقد فهمت لما يحاول ابعاد جسدها عنه واعطتها تلك المعرفة دفعة بتنفيذ مخطط مجنون لمع في عقلها للتو.
رفعت اناملها تمررها حول خصره متثبته بعضلات ظهره المشنجة للمستها، شعرت بالوقاحة والدلال …. بل أسوأ شعرت بالقوة لأنها تستطيع ان تؤثر في زوجها ذو الشخصية الجامدة…
امم فليريني ذلك المفترس مدى قوته حين يتم التهامه من قبل فريسته…
فكرت في مشاغبة وهي تتعمد التحرك والالتصاق بجسده كل بضع دقائق ولوهلة شعرت بالإحباط لأنه يرفض قربها….تقصدين يرفض التحرش بكي وأنتِ نائمة… تهكم ذلك الصوت الساخرة داخلها لكنها فكرت في غيظ ومنذ متى يحترم نومها وسكينتها….
زفر ريان بنفاذ صبر يحاول جاهدًا السيطرة على انفعالاته ولكن تلك المشاكسة ذات الجسد الناعم الصغير تهاجمه دون هوادة، تحركت تُهديه ظهرها في حنق كأنها غاضبة في نومها بلا مبرر فتمتم ريان في نفاذ صبر من بين اسنانه لا يبالي بنومها:
-يابنتي بقى اهمدي فرهدتيني، خليني محترم بدل ما التحرش يبقى للركب وانتي نايمه!
فاجأته بدفع كتفها للخلف في صدره باعتراض قبل أن تستند على مرفقها تطالعه للخلف في غيظ قائلة في استنكار:
-وانت من امتى بتحترمني، ما تتحرش وأنت ساكت!
برقت الدهشة من مقلتيه المتسعة بشدة لم يتخيل في أجمح أحلامه بان يسمع تلك الجملة من فم طفلة الريم خاصته، ارتبكت ريم في خجل لتخبره في تلعثم:
-انا اسفة نام … نام…..اعتبر نفسك مسمعتش حاجة.
-تعالي هنا يمين بالله ما حد نايم.
هتف ريان وهو يمنع هروبها متهمًا بمشاكسة مستمتعًا باللوم الأحمر القاني الذي سيكر على وجهها وعنقها:
-بدل ما انتي عماله تفركي كده، نبهيني انك بتحاولي تغريني !
قبل عنقها في شغف فغمغمت بكلمات غير مفهومة خَجِلة لكنه لم يرحمها واستكمل هامسًا:
-عري كتف مثلًا او حته من القرقوشة لكن فرك القطط ده إيه علاقته بموضوعنا!
-أنت بترخم عليا ليه!
قالت بعيون تفيض بالتأنيب ولمحة شقاوة، فعدلها حتى صارا وجهًا لوجه ملامسًا وجنتها الحمراء معترفًا بابتسامته الصلفة:
-كده عشان بحب لونك الأحمر ..وعيونك لما بتبقى واسعة زي عيون الريم دي ….
تناست خجلها بصعوبة وجارت مشاكسته بأن مررت أناملها ببطء قوق جانب وجهه الخشن بذقنه الأسود المُهذب، تحاول استحضار ميوعتها من جديد هامسة في شجاعة زائفة:
-وانا بحب عيونك السودة الخبيثة اللي زي ….
تركت جملتها المغيظة مفتوحه وهي تتابع عيناه الضيقة المتوعدة في ترقب لبقية جملتها لكنها تنهدت مبعدة أصابعه قائلة في مكر تعلم ان حروفها ستشعل غيرته:
-عيون واحد كده بس بلاش لتتقمص.
زمجر باعتراض وهو يحاصرها بجسده قبل أن يلثم فمها الغارق في ضحكاته حتى اختفت تلك الضحكات، أبتعد ورمقها بعيون تلمع بكبرياء مستمتعًا بتأثيره الرجولي عليها ليخبرها في ثقة وغلاظة:
-العبي غيرها أنا عيوني حصري ليا أنا وبس.
-أنت مغرور…
تذمرت في طفولية وهي تلكز كتفه فخرجت ضحكاته قبل يحاول عض يدها في مشاكسة متهمًا إياها بكل سرور:
-وانتي شقية….
حركت جفونها في دلال أنثوي قائلة ببحه مختلطة بثقل مشاعرها:
-شقية بس بتحبني…!
أجابها بعمق بَحتهُ المحترقة بعاطفته الضارية نحوها:
-بحبك وبموت فيكي كمان.
أغمضت جفونها تستمتع بكلماته وتمتصها في ظمأ داخل نفسها ليقاطعها ريا بسماجته المعتادة:
-لو نمتي مش هيهمني بردو، أنا بقالي سنة مستني اللحظة دي.
وضعت كفها فوق رأسها تحركه بانزعاج واضح قبل ان تحدقه بنظرة مغتاظة قائلة من بين أسنانها:
-ضيعت اللحظة الرومانسية، حرام عليك يا ريان… اوف….
علت ضحكاته المستمتعة بملامحها الحانقة عليه ولم يجد ردًا سوى بأن يخبرها بعيون لامعة مقدامة:
-يبقى نعوضها.
-لا متعوضش.
-لا والله أعوضها حالًا….
قال ريان في اصرار وابتسامه واسعة سارقًا منها ابتسامة صادقة منهي الحديث بينهما بضم جسدها إليه يعتصره في خضم مشاعره الجياشة ،ارتجف جسده برعشة طفيفة بجنون لهفته فكان كالمخبول المصاب بالفتنة يفرغ شحنة غرامه داخل قلبها المستبد..
بل كان كلاهما خاضعين كالأسرى لغرام يتنقلون فيه بين آهات عشق وتوسلات الحنين حتى أشفق عليهم القدر وكافئهم بالأمان بين أحضان الحبيب..
ليبدأ رحلته معها في التعويض فلديهم الكثير والكثير لتعويضه براحة الباب ليتأكد لهما بأن المرء لا يشعر بعمق ولذة الحب إلا بعد أن يتذوق ألام الفراق.
******
على الجانب الآخر داخل منزل والدة وسام، وضع عمر جهازه الالكتروني جانبًا قبل ان يتهم عمه في تذمر:
-كنت عايز أكلم ريم وبابي.
-يا حبيبي ريم نايمة وبابا هيكمل نوم، بكره الصبح انا هوديك بنفسي.
أخبره بيجاد بنفاذ صبر فتمتم عمر في انزعاج:
-يا ريتني فضلت مع عمتو ليان.
-اه عشان أنا مفتري ووحش، امشي ياض كمل لعب وبلاش لماضة.
ضحكت وسام ووالدتها قبل ان تخبره وسام في سخرية:
-واد بيفهم.
رمقها بيجاد محذرًا قبل أن يبتعد متخذًا مجلس بعيدًا عنها، رمقتها والدتها تعنفها وهي تمرر شفتيها لليمين واليسار في خذلان واتهام قبل ان تنادي عمر الصغير:
-تعالى ندخل ننام يا حبيب تيتا الا انا عندي السكر.
اتجه عمر بكل تلقائية ممسكًا بيدها دون اعتراض وكأنه لا يطيق الوجود مع عمه، ضاقت عيون بيجاد مغمغمً بكلمات مبهمة مستنكرًا أفعال الصغير ناكر الجميل كوالده، لكنه رد في حنان موجة لوالدة وسام:
-تصبحي على خير يا خالتي.
-وأنت من أهل الخير يا قلب خالتك.
أجابته والده وسام في بهجة وسرور قبل ان تجحظ عيونها المحذرة صوب وسام تدفعها بعيونها لإنهاء الوضع المذبذب بينها وبين زوجها.
قلبت وسام حدقتيها داخل مقلتيها في غيظ ونفاذ صبر وكأن الأمر بيدها وليس بيد ذلك العنيد المزعج الذي يرفض كل طرق تحايلها عليه.
ذهب الزوجان لمنزلهما في الشقة القابلة ولم يعترف بيج بوجودها او يلتفت لها مرة، تابعته ينظر إلى ساعة يده بشفاه مذمومة وكأنه تأخر على موعد ما….
اشتعلت نيران الغيرة داخلها من جديد وفضولها يقتلها لمعرفة سبب مقابلاته الغامضة ومع من؟
لكنها اتبعته إلى الغرفة بكل هدوء تتابعه يتجه مباشرة إلى خزانة الملابس يخرج منها ما يبغي قبل ان يلقيها بإهمال فوق الفراش ويتجه في صمت نحو المرحاض.
دبدبت قدماها في غيظ ما ان اغلق الباب لا تطيق تصرفه الدائم بعدم المبالاة ناحيتها ماذا فعلت لتستحق هذا العقاب القاسي ؟
نعم اخطأت ولكنه ايضًا اخطأ كما أن خطأها كان نابع من عشقها له، جلست بيأس فوق الفراش تفكر في حيلة تجبره بها على البقاء في المنزل حتى لمعت عيناها في شيطانية.
وقف تطالع الغرفة حولها في سرعة تبحث عن غرض مناسب ثم توجهت نحو علاق الملابس الخشبي الذي سيؤدي بالغرض.
جلست أرضًا تعبث بثوبها تكشف عن ساقيها ثم مدت يدها تمسك بطرف الفراش وبالأخرى امسكت بطنها في حماية مما هي مقدمة عليه وفي لحظة مجنون ودون مزيد من التفكير دفعت ساقها بالعمود الخشبي ليسقط جوارها مباشرة وتخرج منها صرخة مدوية.
صوت ارتطام داخل المرحاض ثم واحد… اثنان …ثلاثة….انفتح باب المرحاض معلنًا عن بيجاد المرتعب العاري سوى من ملابسة الداخلية، ركض نحوها هاتفًا:
-أنتي كويسة، حصلك حاجة انطقي طمنيني البتاع ده خبط بطنك؟
انهى جملته في هلع وهو يستمع لتأوهاتها الباكية في احترافيه قبل ان ترفق به أخيرًا قائلة في نبرة مغرقة بالألم:
-لا بس اتخضيت وقعت على ضهري جامد أوي وجالي مغص انا خايفة على النونو اللي في بطني.
-يا نهار اسود يا نهار اسود… قومي اوديكي للدكتور بسرعة.
هتف بيجلد في قلق وذعر بينما يحرك ذراعيه بعشوائية لا يدري من أين يبدأ:
-لا استنى، مش هينفع قومني على السرير الأول عشان ضهري مش هيستحمل اي حركة او هزة دلوقتي.
أخبرته في سرعة وارتباك فحملها بين ذراعيه بملامح متشنجة يسيطر عليها الخوف والقلق قبل ان يضعها في خفة متناهية فوق الفراش جالسًا جوارها متسائلًا في تلعثم قلق:
-طيب اجيب دكتور البيت، أنتي حاساه بيتحرك جوا.
انهى جملته وهو يحاول رفع ثوبها للأعلى في عفوية يريد رؤية الضرر وتلقائيًا وضعت وسام يدها فوق فخذيها في ذهول وشعرت بالخجل والشفقة عليه وعلى تصرفاته الغير منطقية فقالت في نبرة خافتة:
-لا متقلقش النونو هيكون كويس انا حاسه بيه بس ضهري يا بيجاد هو اللي هيموتني.
في لحظة سريعة عدل جسده جوارها ثم مد اصابعه تلقائيًا خلفها كي يدلك ظهرها في خفة وملامحه تبثها بخوفه ومعاناته الشديدة لمعاناتها، أسبلت جفونها تخفي مشاعر الحب المهيب التي تشع من عيناها وتركت لنفسها الحق كي تميل تستند برأسها على كتف ذراعه الممدود خلفها فيمسد هو في عفوية خصلات شعرها بيده الأخرى هامسًا في حيرة وألم وكأنه يتوجع بوجعها :
-لسه تعبانه؟
-لا بقيت أحسن، ضهري ارتاح وانت بتعمل كده.
قالت في نبرة بريئة هادئة ليقاطعهم رنين هاتف بيجاد الذي ابتعد صون معدودة متجهًا نحو الهاتف يطالع من المتصل قبل أن يغلقه بشكل نهائي دون اجابه.
كبحت وسام ابتسامه نصر حين عاد بجوارها من جديد يحتضنها في سلاسة وتلقائية وكأنه لا يمارس قوانينه الغاضبة عليها ثم أعاد حركة يده في خفة وحنان فوق ظهرها، تركته يدللها لما يقارب الساعة في صمت مريح بينهما قبل ان يقطعه بيجاد المستلقي جوارها مستشعرًا الغباء:
-المفروض تشربي عصير أو حاجة، انتي وشك اصفر اوي تقريبا من الخضة.
حركت رأسها في موافقة وحين حاولت الاعتدال علا صوته في ذعر:
-لا لا إياكي تتحركي انهارده نهائي،
ونحمد ربنا انها جت لحد كده!
اختض جسدها من نبرته العالية ولكنها قالت في سرعة:
-لا انا هعدل نفسي وبس متقلقش يا بيجاد انا بقيت كويسة اصلًا.
تنفس عدة مرات يناشد رباطة جأشه قبل ان يتجه لإحضار العصير، ابتسمت في سعادة وقلبها يتراقص في ابتهال لان مخططها نجح ونجحت في إبقاءه في المنزل بل أكثر هدمت اسواره التي بناها بينهما في اتفاق صامت.
دقائق وعاد حاملًا كأس من العصير ووقف جوارها حتي اجبرها على انهاءه بشكل كامل طالع العمود لذي لا يزال مفترش الأرض بما عليه من ملابس، اتجه ينقله إلى أبعد زاوية بالغرفة ثم انتبه لهيئته العارية فجذب سرواله القطني يرتديه.
تابعته وسام بشفاه ممطوطه في اعتراض وهو يتجه للطرف الآخر البعيد من الفراش متخذه مجلسًا له بينما يفرك رأسه وكأنه يعاني من صداع كانت هي سبب له بالتأكيد.
رمقته وسام بنظرات غامضة قبل ان تتحرك في بطء لتجلس جواره ملاصقة له عن عمد ثم قالت في نبرة هادئة منخفضة:
-بيجاد.
همهم في إرهاق وصب اهتمامه فوق وجهها الصغير منتظر استكمالها لكلماتها فعضت شفتيها هامسة في دلال:
-عايزة اتصالح زي الناس اللي بتتصالح دي.
ارتسمت بسمة صغيرة على فمه غير قادر على السيطرة على انفعالاته أمام عيونها التي تتوسل له ببراءة في نقيض مريب بين لغة العيون ولغة لسانها الذي يرغب بشدة في اقتصاه لكنه جاراها بقوله الساخر:
-تقصدي انتي اللي تصالحيني؟
-تؤ تؤ انت صالحني.
اخبرته بجديه وهي تتعلق بذراعه سانده رأسها فوق كتفه عنوة متهمة بتعنت:
-ومتنساش اني حامل والزعل ده مؤثر على نفسيتي وصحتي وأكلتي اللي بقت قد أكلت العصفورة.
انفجر بيجاد ضاحكًا فرفعت وجهها تطالع ملامح وجهه المشرق في سرور رغم التعب الصريح في عينيه فتنهدت قائلة:
-بحبك…
شعر بيجاد بالاسترخاء وبعدم رغبة في محاربة مشاعره أكثر فكل ما يرغب فيه حرفيًا هو الشعور بقرب زوجته التي اشتاق إليها كثيرًا فهمس دون تأخير وهو يناظرها بابتسامه جانبية تزين طرف فمه الأيسر:
-وأنا بحبك وبحب أمك.
دوت ضحكتها الرنانة المكان وهي تضغط بذراعيها حوله في سعادة غامرة، تنهد ومال يبثها بقبلة عميقة صادقة دامت بضع ثوان قبل ان يبتعد فأحاطت وسام كفيها حول رأسه تخشى ابتعاده في رفض تعيد شفتيه لشفتيها في توق.
طالت قبلاتهم التي تصرخ بمكنونات قلبهما الصادقة والصريحة ولكنه ابتعد عندما شعر بأصابعها تتحرك فوق جسده متطلبه الكثير فهمس وسط مشاعره الجياشة:
-مينفعش عشان ضهرك وال…
-لا انا ضهري زي الفل!
-يا وسام…اعقلي…
قال ضاحكًا يحاول ابعاد فمه عن مرمى شفتيها التي تقابل ما يمكنها ان تصل إليه من وجهه فشهقت شهقة اعتراضية وهي تميل نحوه تستوطن فوق جسده ثم قالت في غيظ:
-معلش يا خويا انا مسامحه فيه..
ابتلعت ضحكاته الرجولية بفمها الصغير في اصرار بينما تركها هو في رضا ولهفة تعبث داخله الفساد وفي المقابل تركت له وسام حرية رفع جسدها بتأني وسط أنفاسهم اللاهثة قبل ان يستقر بها في أحضانه مقبلًا إياها بشغف حارق يرضي بلمساته الراغبة شوق ووله مجنون بها.
*****
بعد مرور ثلاث أيام عصيبة …
فللأسف لم يهنأ الشقيقان كثيرًا ما ان انتهت تلك اللحظات الجميلة المخطوفة من حياتهم البائسة ففي صباح اليوم التالي اكتشفوا اختفاء شقيقتهم ليان، عندما احضر بيجاد ابن شقيقه متسائلًا بعفوية عن ليان ليناظره ريان ببلاهة مجيبًا بانها ليست في منزله وانها من المفترض ان تكون معه هو.
لا يوجد وصف يوصف الذعر الذي تملك ريان حين اخبره بيجاد بأنها كانت قد قررت البقاء للاطمئنان عليه هو وريم، ليهرعا حول المنزل كالمجانين يبحثون عنها قبل ان ينطلقا بحثًا عنها في الطرقات وفي كل مكان يظنان بأنها قد تكون فيه.
وها هما الآن وبعد جالسين كالبؤساء ينهشهم القلق والحزن يحاولون التكهن بمكان ليان وبمن قد تلجأ إليه.
-كله من غباءك، تلفونها فصل تتصل بيا تسأل؟!
قال ريان متذمرًا ملقي بالذنب على عاتق بيجاد الذي أسرع في مدافعة:
-انا كنت فاكر الشحن خلص ومعهاش شاحن مثلًا، ثم انا اتصلت وانت اللي كنت مخمود مش ذنبي.
-وبعدين بقى قولنا لا ذنبك ولا ذنبه اكيد ليان مضغوطة شويه وراحت مكان تهدي أعصابها وانا متأكدة انها هتتواصل معانا قريب.
وكأن القدر يصدق على كلمات وسام المنفعلة التي تحاول تهدئه الأخوين منذ الصباح، ليصدح صوت هاتف ريان برقم شقيقتهم فجذبه مجيبًا سريعًا في لهفة وقلب يدق في عنفوان:
-ليان انتي فين ؟
-اهدى يا ريان انا بخير!
اتاه الرد سريعًا في خجل ليقاطعها بقوله المنفعل:
-انتي بخير الحمدلله، طيب ممكن بعد اذن سموك أعرف انتي فين عشان اجي اكسر دماغك يا بنت الجذمة،
انتي فين!!!
صرخ ريان نهاية جملته في غضب حاد فجذب منه بيجاد الهاتف صائحًا في اعتراض:
-احنا مش حمل شغل مراهقين، انتي عارفة احنا كنا هنتجنن ازاي عشان مش لاقينك،
انطقي على طول أنتي فين؟
-ممكن تدوني فرصة أتكلم!
زمجرت ليان في نفاذ صبر وتوتر فاندفعت ريم تربت على ذراع ريان تحثه على سماع شقيقته وقبل ان ينفجر بيجاد في وجهها أعاد ريان الهاتف منه مشغلًا مكبر الهاتف قائلًا في نبرة حادة ثابتة:
-اتكلمي…
-أنا اسفة بجد اني قلقتكم بس كنت خايفة اتصل بيكم كنت محتاجه وقت عشان اقدر اقول اللي هقوله ده.
ضرب بيجاد كف فوق الأخر قائلًا في حده غير مصدق وقاحتها:
-ادخلي في الموضوع يا حيوانة مش بتفتتحي مهرجان انتي.
-اسكت يا زفت انت كمان خليها تتنيل،
اتكلمي….
صاح ريان قبل أن يوجه أمره الحازم لشقيقته، سمعوا انفاسها المضطربة قبل ان تصلهم كلماتها المنطوقة في خفوت بصوت مهزوز يشوبه الخوف:
-أنا اتجوزت، وقبل ما تشتم او تتعصب ارجوكم سامحوني وافهموا الموقف.
نزل الخبر كالصاعقة على مسامع جميع من بالغرفة فساد الصمت عدى من صفعات وسام المرتعبة المتلاحقة فوق وجنتها وشهقة ريم المذعورة وعيناها معلقة بزوجها الذي يكاد ينفجر كالبركان.
ارتعش قلب ريم تمامًا كقلب ليان حين قال في صوت محشرج خشن يحمل بين طياته الكثير:
-اتجوزتي؟
-ايوة، من يومين….
ابتلعت ريقها ما ان إجابته في حرج وتأنيب ضمير ليسأل دون توقف يحاول تحمل الجنون والهموم التي تلقيه شقيقته عليه:
-مين؟
-أحمد.
جز ريان على أسنانه وارتفعت انفاسه الغاضبة أكثر يحاول اعتصار عقله يحاول تذكر اي أحمد في حياة شقيقته، وباطنه المريض يرفض البته تصديق ظنونه السوداء عن شخص ذلك الأحمد ليخبرها في صوت هادر ينذر بشر محتوم:
-أحمد مين؟
-أحمد يا ريان.. أنا….أنا اسفة..
اجابت بصوت مخنوق بين شهقات بكاءها، فهتف بيجاد بأقسى الشتائم بينما وضعت ريم كفيها فوق فمها في ذهول لا تصدق ما تسمعه وتخشى من ذلك الخواء الذي يفوح من عيون زوجها مع نبرته المختومة بهدوء يملئه الريبة:
-أتجوزتيه برضاكي ولا غصب عنك؟
ضغطت ليان على حروفها في صدق رغم انتفاض جسدها بانفعالاتها المتناقضة:
-كنت راضية…. هبعتلك صورة القسيمة في رسالة.
-لو خايفة تقوليلي انه اجبرك….
حثها ريان بصوت غامض وكأنه يتوسل لها بأن تخبره بأنها مزحه ما أو ان أحمد قد اجبرها بالفعل لكنها حطمت قلبه الممزق بردها المؤكد:
-ريان انا اتجوزت أحمد لأسباب كتير انت مش هتفهمها او تستوعبها مهما قولت.
رج صوت ريان المكان في غضب مستنكرًا:
-افهم ايه !! …
افهم انك استغفلتينا وحطيتي راسنا في الطين ولا افهم انك شيطانه مصرة تدمريني.
اختض جسده في غضب مجنون وقدماه مثبته في مكانه غير قدر على الالتفات نحو أحد لكنه استطاع ان يهتف في بيجاد يطالبه بحصر صوته العالي لأنه على وشك الوقع في حفرة مظلمة من الجنون لا يعلم نهايتها ليستكمل في قسوة شديدة موجهة لشقيقته:
-دونًا عن كل الخلق اختارتي أحمد عشان تحطميني، بتنتقمي مني؟
فهميني رسالتك اللي عايزة توصلهالي؟
اتاه صوت ليان المختنق ببكائها وبرغم ما فعلته لتهيأ نفسها للقادم ولكن قلبها لا يزال يعتصر غير قادرة على تحمل خيبه الأمل والخذلان المقطر من صوت شقيقها المتألم:
-يا ريان عشان خاطري افهم والله ما اقصد اني أذيك بالعكس انا بعمل ده علشانك.
-علشاني لا كتر خيرك أوي.
قال في تهكم قبل ان يستكمل من بين أسنانه يشعر بلهيب خيانتها يكوي نفسه من الداخل قائلًا في قسوة:
-سامحتك قبل كده، لكن المرة دي انا لا يمكن اسامحك ابدًا ولو بموتي يا ليان،
انتي بعملتك دي اختارتي نهايتنا، ولازم تنسي ان ليكي أخ اسمه ريان.
أغلق الهاتف دون أن يسمع حرف أخر منها فهتف به بيجاد الغاضب:
-كان المفروض تسمعها أكتر من كده، مش يمكن التاني اللي ضحك عليها.
رمى ريان بهاتفه في غضب ثم أشار نحو بيجاد صارخًا غضبه المكبوت:
-لو زعلان روح كلمها انت برا عني،
لاني من انهارده أنا معنديش إخوات بنات.
-ريان أرجوك أهدى أكيد في حاجة غلط.
حاولت ريم التدخل تشعر بالهلع وكأنها في حياة من الجحيم فقاطعها بيجاد في حدة:
-ايوة في غلط وانتي هو الغلط ده،
وانت ايش ضمنك ان مراتك متفقة معاه عشان ينتقموا من ليان بعد اللي عملته في ريم.
وقفت ريم المصدومة تطالع اتهامات بيجاد في صمت لا تصدق انه قد يفكر حتى بالأمر، قطع افكارها صوت زمجرة زوجها الغاضب:
-اخرس، اختك هي اللي راحت لأحمد برجليه مراتي ملهاش ذنب!
تدخلت وسام تجذب بيجاد للخارج وقلبها يرتعش خوفًا من احتدام الأمر بين الأخوين أكثر لكنها قالت مؤكدة:
-ريم ملهاش دخل يا بيجاد بلاش تخلي عصبيتك تأثر على تفكيرك من تاني.
-في حاجة مش مظبوطة ازاي تتجوزه هو مش في عدة طلاق؟!
صرخ سؤاله في انفعال نحو ريان الذي أجابه في حقد وندم مؤكدًا:
-ريان متطلقه من اكتر من أربع شهور، انا سافرت جبتلها ورقتها من طليقها مش أكتر عشان بيبتزها بيها وياريتني ما روحت.
كاد يصيح بيجاد بكلمات أخرى ولكن وسام دأبت على شد ذراعه في تحذير فجذب ذراعه منها في عنف واعتراض قبل ان يلتف خارجًا من المنزل بينما تحاول وسام اتباعه واللحاق به في صعوبة.
التفت ريان يدور حول المكان يشعر بحبال اعصابه تنقطع ليركل طاولة خشبية كانت جواره في محاولته باهته لفض شحنة السواد العارم داخله مسقطًا كل ما عليها من أغراض زجاجية ليتناثر الزجاج في صوت مفجع اكسبهم صرخة من عمر الجالس بمفرده داخل غرفته فهتفت ريم تطمئنه:
-متقلقش يا حبيبي دي المزهرية وقعت، خليك جوا عشان متتعورش.
كان ريان يسب ويلعن بصوت عالي غير مبالي بالزجاج المحطم تحت نعل حذائه فاقتربت منه ريم الخائفة بان يستمع ريان لاتهامات بيجاد ويصدقها، قائلة في خوف وتوتر:
-أنت بتفكر في إيه؟
اوعى تكون فاكر اني ليا دخل، انا مستحيل اعمل كده مهما ليان عملت فيا.
التفت نحوها يحدقها بنظرات قاتلة قبل أن يخبرها بصوته العالي بينما يتجه لباب المنزل:
-مش بفكر في حاجة نهائي .. نهائي…
وبذلك خرج هو الآخر، تاركًا ريم حائرة وحيدة وقد تملكها الحزن والأسى من جديد ولكنها تعاود وتلوم ذاتها بأنها من ألقت بنفسها داخل دائرة الشك والشبهات بتمسكها بعلاقتها مع أحمد واستمرارية وجوده في حياتها.
شعرت بحزن أثقل قلبها فهناك أخطاء نتعلم منها ولا نكررها وهناك أخطاء تلتصق بنا مدى العمر.
“فرط الحب”
الفصل الثالث والعشرون
وضعت ليان يدها فوق وجهها غارقة في بكائها الصامت تشعر بالذنب أكثر مما كانت تفعل مسبقًا ولكنها خير العالمين بأن الوضع سيتطلب منها مجهودات كبيرة قبل أن يستقر فلا يجب عليها التذمر الآن.
لم يتحرك أحمد الواجم من المقعد المقابل لها وقد شهد مكالمتها في تأني يحاول معرفة لماذا تزوجته من الأساس إذا كانت ستواجه الطوفان مع أشقاءها.
تابع حركت معصمها فوق وجهها في اعجاب خفي بأفعالها وهي تحاول مسح عبراتها في اعتراض تناشد القوة داخلها ولوهلة شعر بأنه يحسدها لقوتها واردتها، تلك الصغيرة التي لا تتعدى كتفه تجلس بكل شموخ تلملم ذاتها وتواجه المشكلات في حياتها بإصرار لم يلمحه ولو بالخطأ في قاموسه حتى.
فهو مستمر في عزلته بين خنوع وخضوع بلا حول له ولا قوة فحتى بعد زواجه منها واخباره لوالده وارساله بصور الأوراق الرسمية ليؤكد له زواجه واتمامه لدوره في الاتفاق، لم يستجيب والده لمطالبة بعقود ملكية متجره ومنزله والذي اجبره والده منذ زمن على توثيقهما باسمه.
تذكر أحمد في حقد متأكد من أن والده كان يخطط للسيطرة على شخصه بهذا الوضع فيسلب منه شقاه كما سلب منه نفسه ورجولته من قبل ساحبًا منه في قسوة فرصته للانفلات من براثن رحمته والاستقلال عنه.
وماذا الآن ها هو يجلس كالذليل منتظر اتصال والده الذي تأخر كثيرًا في إرسال تنفيذ دوره من الاتفاقية السوداء بينهما.
زفر في غضب وهو يناظر هاتفه قبل ان يناظر ليان التي تنظر إليه في جمود وخواء، شعر بالشفقة عليها فهي برغم قوة شخصيتها إلا أن ملامحها الحزينة تفصح على مكنوناتها المتأججة وشعر بفضول كبير نحوها.
-معاك سجاير.
حرك جفنيه قليلًا يحاول التأكد من أنه استمع لكلماتها بشكل صحيح، قائلًا بصوت مبحوح نابع من صمته طوال النهار:
-سجاير؟ انتي بتشربي سجاير؟
عقدت حاجبيها في مدافعه وكأنها تتوقع منه الاشمئزاز أو الاعتراض لتخبره في ثقة وكأنها لا تسمح لأحد بان يحاسبها على أفعالها حتى الخاطئة منها:
-كنت بشرب وبطلت بس عايزة سجاره دلوقتي في مشكلة؟
رفضت اخباره بأنها توقفت عن تلك العادة عندما أبرحها نادر ضرًبا وحفزها على الاستمرار عودتها بين اخوتها الذين كانوا سيقتلعون عينيها ان علموا بتدخينها.
حرك كتفيه وشفتيه بلا مبالاة ثم أخرج من جيبه علبته يرميها نحوها في إهمال، سحبت ليان احداها عنوة واشعلتها وهي تنظر لعيونه المعلقة بها في نظرات غامضة وكأنها تتحداه قائلة:
-متشكرة.
-العفو بس متتعوديش على كده مش هديكي تاني.
ارتفع حاجبها في تعجب ولكنها شعرت بشعاع أمل وتمني داخلها بأنه ربما يخشى عليها أو حتى غاضب لانه في اعماقه يعترف بها زوجه له حتى وان كان يظهر لها العكس بإهماله ولا مبالاته نحوها منذ دلفا منزله سويًا كزوج وزوجة.
كادت تضحك بصوت عالي على سخافتها كفاها احلامًا سخيفة بالطبع هو لا يبالي بها ليس وكأن زواجهما زواجًا طبيعيًا لقد كان الزواج مجرد أداة لتحقيق أهداف ولكنها لن تكون ليان قوية الارادة إن قبلت بأقل من امتلاك قلبه وحواسه كليًا.
فليظن ما يظن بها أو بالقادم فهي لن تخرج من حياته ابدًا ليس بعد ما شعرت به من رضا وسعادة لم تتوقعها حين تزوجا رغم خوفها وتوترها مما ستكون شكل الحياة بينهما لأنها بالتأكيد لن تكون سهلة اعتيادية ولكن منذ متى كان الزمن متساهلًا معها…
ارتفع جانب وجهها في تحدي يعطي رونق خاص لعظام فكها البارزة مفكرة بل منذ متى وهي تحب الاعتيادية والرتابة ليقطع خيالها الجامح صوت أحمد المتعجب:
-بتضحكي على أيه؟
حركت كتفيها دون اجابه ثم نظرت لنصف السيجارة بين أصابعها في اشمئزاز لم تتوقع مرارة مذاقها بعد أن كانت لا تطيق الابتعاد عنها لتطفئها في غيظ، تابعها أحمد بحاجب مرفوع يحاول تحليل تلك الجالسة امامة فذكرياته عنها هي الفتاة اللطيفة البريئة التي كانت تهيم به لساعات دون مل وبدون أي محاولة صريحة للاقتراب منه.
ربما لم يعترف وقتها لأنه تعمد عدم الاهتمام بكل ما هو مؤنث إلا أنه كان سعيدًا بزياراتها لريم فقد كانت تتحدث دون توقف تنعش جميع من حولها، لا يزال يتذكر لمعة عيناها الحالمة وهي تتنقل في حكاياتها مع شقيقيها ومع زملاءها في سلاسة ودون فلترة حتى بات يعلم عنها الكثير ولكنها خالفت تحليلاته ورؤيته عنها.
كانت لطيفة مرتبكة ومتخبطة لكنها تضيف راحة نفسية وسرور على المكان وعلى قلبه كلما طلت حتى وان فضل إنكار إعجابه بشخصها مكتفيًا بريم كصديقته وعائلته الوحيدة، ولكنه شعر بصدمة قوية بشكل خيالي حين اخبرته ريم عن فعلتها وانها كانت السبب الرئيسي في طلاق ريم…
ضاقت عيناه يتفحصها بتأني ف ليان تلك لغز او احجية تتطلب الكثير من التركيز والانتباه لحلها، لا يستطيع معرفة دواخلها بشكل واضح أو نواياها لذلك سأل في فضول بينما ينظر لهاتفه للمرة الألف:
-انا عايز أعرف اتجوزتيني ليه وانتي عارفة ان اخواتك مش هيعدوها على خير؟
صمتت ليان تجمع أفكارها قبل ان تقرر أخباره بنصف الحقيقة لا ترى داعي من المداهنة فقالت في نبرة صادقة:
-اتجوزتك لسببين هقولك على واحد منهم.
-والتاني؟
خرج سؤاله ساخرًا فأجابته بابتسامه لم تصل لعيناها بنفس السخرية:
-لا التاني مش دلوقتي، لما يجي وقته هقولك.
-اتفقنا…
أخبرها وهو يتقدم منها ساحبًا علبة سجائره من بين اصابعها ثم عاد يخبئها بين ثنايا ملابسه جالسًا في مكانه وجزء مغمور داخله يخشى أن تسحر بسردها فتلجأ لاحداها فر راحة واهية، لكنها تجاهلت حركته وردت عليه بتلقائية:
-عشان أبعدك عن ريم.
تعجب لصراحتها الفظة وضاقت عيناه في صمت لكن السؤال داخل مقلتيه كان واضحًا فأكملت دون تطويل:
-سبق وقولتلك كل واحد وعنده شياطينه، وأنا شيطاني ذنب كبير مش قادرة أسامح نفسي عليه إلا لو عملت حاجة قوية تقنعني اني كفيت المدة.
-وليه حاسه بالذنب ريم وريان كان هيجي يوم ويتطلقوا انا مش مقتنع ان اخوكي بيحبها.
تجاهلت اتهامه لشقيقها واستكملت حديثها وهي تعتدل في جلستها مؤكدة بحاجب مرفوع بثقة:
-لأني متأكدة ان لولا اللي عملته مع ريان وريم مكنتش هديك الفرصة تدخل ما بينهم من الأساس وان حياتهم كانت هتفضل مستقرة.
-والمفروض أصدقك انك مضحية اوي كده؟
سأل أحمد وهو يرمقها بنظرات غامضة ثابتة لكنها لا تخفي تقليله من شأنها فحافظت على شموخها لتخبره في نبرة قوية:
-لا أنا اقوى من اني ابقي ضحية، أنا طموحة وعندي هدف ومش هرتاح غير لما اوصله.
-وايه هو الهدف ده؟
قال مستغلًا اسهابها في الحديث بينما ينظر إلى شاشة هاتفه لتتأفف ليان متعمدة الهاءه عنها متسائلة في حنق:
-انت مستني مكالمة من حد؟
طالعها بنظرة صامته دون ان يرضي فضولها فاستطردت في ذكاء:
-مستني مكالمة من باباك مش كده.
-ايوة، ارتاحتي.
-طيب طالما انت هتتجنن كده، ما تتصل أنت.
رمش عدة مرات بتفكير لما لا يتصل هو بالفعل لما عليه دومًا انتظار الهجوم لا المهاجمة، طالع عيون ليان المتحفزة وشعر وكأنه يستمد طاقة وقوة خفية من عينيها السوداء فهمس بصوت منخفض دون قصد:
-عنيكي فيها عناد اخوكي.
أسبلت جفنيها في مكر أنثوي قبل ان تضع ساق على الأخرى مؤكدة في جراءة:
-لو ركزت في عيوني أكتر هتلاقي حاجات اكتر من عناد أخويا.
طرفت عيناه مره قبل أن يبلل شفتيه ويسعل بخفة مغيرًا محور الحديث ولكن تلك الإنارة الطفيفة داخل عيونه البنية تؤكد لها بان سقوطه في فخها ليس بعيدًا:
-هكلمه فعلًا.
رفع الهاتف يتصل على والده بقلب يدق في ترقب لديه إحساس كبير بأن تلك المكالمة لن تمر على خير فاتاه صوت والده القاسي الرخيم:
-أحمد … غريبة مش متعود على اتصالك كل يومين.
انكشفت نبرته الخبيثة وكأنه يعبث على اوتار اعصابه يذكره بضعفه وخضوعه لهيمنته، فابتلع احمد ريقه قبل أن يخبره بصوت خالي من المشاعر:
-حضرتك مبعتش العقود فقولت اطمن.
-عقود؟
ااه قصدك عقود الشقة والمحل لا مش هبعتها.
مرت ثوان صامتة قبل ان يسأل احمد في خفوت مريب:
-يعني أيه؟
مش ده كان اتفقنا انا اتجوز وانت تعملي تنازل على العقود!
-وكان اتفقنا بردو انك تتجوز قدام عنيه متفقناش انك تروح تتجوز واحدة من الشارع من غير فرح حتى.
وقف أحمد في حدة ليعلو صوته في ذهول من حقارة والده أثناء تحركه في تشنج لليسار واليمين:
-اومال ضحكت عليا ليه من الأول طالما معندكش النية تديني الورق.
جز أحمد على أسنانه غير قادر على ايجاد رد مناسب يشعر كحيوان حبيس غير قادر على نطق مشاعره فاتاه صوت والده الخفيف في اريحيه وكأنه لا يدمر حياته:
-ومين قال معنديش النية،
انت اللي غيرت الاتفاق وانا كمان ليا الحق اغيره والورق هدهولك لكن لما تجيبلي حفيدي.
علت انافس أحمد الصاخبة وبدا من حركة الصدرية السريعة وكأنه يواجه مشاكل تنفسية وانه يجذب أنفاسه في صعوبة، وللحظة ظنت ليان بانه يدخل في نوبة نفسية من نوع ما فانتفضت ليان غير مبالية برد فعل كلاهما وجذبت الهاتف مغلقة المكالمة والخط بشكل نهائي قائلة في ارتباك:
-اهدى يا أحمد.
-انتي قفلتي السكة في وشه كده هيتلكك ومش هيديني حاجة خالص.
أخبرها أحمد المصدوم لفعلتها تلك فقالت في حدة واصرار:
-سوري يعني في اللفظ ان شاء الله عنه ما اداك حاجة، ما تتحرق الدنيا اللي تخليك تنتفض كده انت مش شايف وشك بقى احمر ازاي من العصبية.
تجاهلها أحمد وصار يجوب المكان يضرب كف على الأخر في جنون وتفكير لا يصدق ما يحدث في حياته، ولكن جزء منه ممتن بان ليان أغلقت الهاتف فقد كان يشعر بانه على وشك الاختناق لا يصدق ان من يحول حياته الي جحيم هو والده.
اتجهت ليان نحوه تحيط كفه بكفها وتجذبه نحو الأريكة تدفعه في خفة للجلوس وقد ذهب معها في سلاسة يتتبع توجيهاتها وسط ذهوله من تصرفاتها وكأنها تمتلك المكان بل وكأنها تمتلكه هو، طوال ايام ثلاثة كانت تتعامل وكأنها قضت معه عمره بالكامل تتنقل وتعبث في اغراضه دون خجل او حرج وكأن معها حق مكتسب بفعل ما تريد معه.
أما هو فقد اكتفى بالاستسلام كعادته يتعمد الابتعاد عن مسارها منشغلًا بكوابيسه الحائرة الجديدة التي صارت تزيد من حيرته متعجبًا من ذلك الباب المغلق عدا من سنتيمترات صغيرة فيداعب عيونه الفضولية بسبب تلك الإنارة الخافتة وسط الظلام ولكنه كلما اقترب يختفي ويتبخر تاركًا الساحة لماضيه المظلم للهجوم وامتلاكه كليًا.
-ممكن تقعد وتهدى انت متعود تتنفض كده لما تتعصب؟
حرك رأسه بالنفي لا يريد اخبارها بأنه يفعل فقط عندما يشعر بالغضب من تصرفات والده فلا يجد من سبيل للاعتراض سوى بالصمت الذي يترجم فوق جسده كالذبذبات الحارقة، لكنه لم يستطع منع كلماته الصريحة:
-حياتي انتهت..
طالعته ليان ببلاهة قبل ان ترفع شفتها العلوية في اشمئزاز واضح كارهة استسلامه قائلة في حده وحنق:
-انتهت عشان شقة ومحل!!
في أيه يا أحمد ما تتحرق العقود على الشقة على المحل.
صاح احمد في غضب هادر موبخًا استهتارها بحياته وأهدافه كارهًا شجاعتها والأمل في رؤيتها:
-يعني ايه يتحرق، انتي مش فاهمه حاجة انا واحد على قد حالي معنديش حاجة اتسند عليها في الدنيا،
والمحل كان الحاجة الوحيدة اللي بنيتها بنفسي وابويا اتدخل واخدها مني غصب، أنا مش عايز غير شقايا وحقي اللي خده مني.
-ومين هيرجعلك حق عمرك اللي بيضيع منك وانت مقضية في ذل.
اتسعت عيناه في غضب وقد ضربته كلماتها في مقتل فهتف مستنكرًا:
-متدخليش في حياتي… انتي مش عارفة حاجة، متفتكريش عشان اتجوزنا يومين بقيتي خلاص فاهمة حياتي.
جزت ليان على اسنانها تواجه صراخه بصراخ أشد منه:
-لا للأسف انا فاهمه حياتك جدًا،
بس انت اللي مش فاهم انك راجل بصحتك ولسه في عز شبابك مش مشلول عشان تسيب حد يتحكم فيك كده!
وضع أحمد رأسه بين كفوفه في حيرة يرفض الانسياق خلف كلماتها التي توقظ داخله وحش جائع يتغذى على كلماتها المشجعة، فهي تغير صورة الضروريات التي دمغها في رأسه فصارت على لسانها بلا أي قيمة.
جثت أمامه رافضة انعزاله عنها ثم لامست كفيه تبعدها عن وجهه المضطرب بمشاعره ممسكة بعيونه التائه في شجاعة محفزة:
-صدقني نفسك اهم من ماديات الدنيا، لو نفسك ضاعت منك مش هتستمتع ولو معاك ملايين،
اخسر شقاك دلوقتي واتعب واشقى تاني وابني ذاتك من جديد، عشان نفسك لو ضاعت منك مش هتعرف تعوضها بأي تمن.
بثت كلماتها القوية بقلب يدق يوازي دقات قلبه العالية متفائلة بعينيه المتعلقة بها وكأنه يستمد منها الشجاعة مرت دقائق غريبة لا تستطيع تفسير سبب طولها لكنها شعرت بدفء حين هز رأسه دون وعي وكأنه منتشي بكلماتها ومن شجاعتها فهمس في خفوت مظلم:
-هاتي التلفون.
شدت على ساقه في تشجيع وركضت تعطيه الهاتف متخذه مهمة إعادة الاتصال بوالده دون اعتراض من أحمد الجالس يتابعها تعبث بالأرقام في حماس وحماسها ذاك اندفع عنوة مستقرًا داخل صدره،
لا يصدق انه مقدم على المواجهة هكذا دون تخطيط أو تحذير كان دومًا يتمنى تلك اللحظة ويجلس يفكر عن موعد اللحظة الحاسمة التي يواجه فيها مخاوفه وينهيها للأبد، علت انفاسه وقد ارتفع الأدرينالين في جسده وسط تساؤلاته المتلاحقة داخل عقله المظلم:
هل سيسقط حكم والده الاستبدادي اليوم؟
هل سينجح في الابتعاد عن براثن قسوته دون مقاومه باسلة منه؟
والسؤال الأقوى هل تبقى داخله أي قوة تكفي للمواجهة؟
صدح صوت والده الغاضب يعنفه دون اهتمام بمشاعره فنظر لليان نظرة أخيرة قبل أن يستقيم في حدة هادرًا وسط انفاسه المجنونة التي تعلى وتعلى مع علو كلماته:
-أنا مش عايز عقودك مش عايز البيت ولا عايز المحل، انا عايزك تبعد عن حياتي مش عايز اعرف انت كرهتني في نفسي،
انا… انا… بكرهك وبكره قسوتك وتحكمك فيا ومش هسمح انك تتحكم فيا تاني عايز تمنع أمي واختي مش مهم انا مش عايز اعرف حد فيكم محدش بقى عليا عشان ابقى عليه.
علا صوت والده الصارخ ولكن أحمد كان كالرصاصة المنطلقة لم بتوقف ولم يبالي بأحد مستمرًا في رص كلماته مخرجًا مشاعره القبيحة التي اقحمها والده داخل صدره لفترة طويلة للغاية، كان يتحرك حول الغرفة ويصرخ بكلماته وكأنه يريد للعالم أجمع ان يشهد على انتصاره.
كان كمن عاش في غرفة مظلمة مخيفة حتى فقد الأمل في الفرار ليفاجئه القدر بباب النجاة وهو صارع يدفعه في جنون يتابع انفتاحه في هدوء حتى انفتح على مصرعيه.
لم يشعر كيف لم ينتبه ومتى أغلق والده الهاتف في وجهه ولكنه لم يتوقف حتى احتضنت ليان الباكية جسده ترغب في السيطرة على انفعالاته المتخبطة وحركته المجنونة، كانت تعلم انه مضطرب داخليًا ولكنها لم تتوقع أن يكون الأمر بهذا السوء.
شعرت بصدمه في البداية عندما احاطها أحمد بذراعيه يضمها نحوه في قوة متقبلًا مساندتها بينما يحاول هو الأخر السيطرة على جسده المرتعش بقسوة انفعالاته حتى بدئت أنفاسه تهدأ تدريجيًا ورأسه مختبأ في عنقها، شعر بساقه ترتخي وتضعف ومن حسن حظه استقر جسده للخلف فوق الأريكة فاتبعته ليان دون تفكير جاثية بين ركبتيه تزيد من عناقه رغم ارتخاء جسده وذراعيه من حولها إلا انها شعرت بترحيبه بقربها في تلك اللحظات عندما رفضت ذراعيه المرتخية الابتعاد عنها.
*****
دلفت وسام إلى المنزل مغلقة الباب خلفها هي وزوجها الغاضب قبل أن تلومه في نبرة معاتبة:
-ينفع اللي قولته لريم وريان ده.
-خلاص بلاش تقطيم فيا، قولتلك مكنتش أقصد ولما كلنا نهدى هبقى اعتذر.
-يا حبيبي أنا مش بأنبك انا عايزاك تتمالك نفسك ومش عايزاك ترجع لعصبيتك الزايدة من تاني،
والصراحة في حاجة عايزة احكيلك عنها بس خايفة تتعصب أكتر!
التفت نحوها عاقدًا ذراعيه أمام صدره يحثها بعينيه على الحديث فزفرت قبل ان تخبره في توتر وعيناها ترفض الاستقرار فوق عينيه:
-ريم فعلًا ملهاش ذنب،
ليان هو اللي بتحب أحمد حتى من قبل ما تتجوز نادر.
-وانتي عرفتي منين؟
سأل من بين أسنانه يمنع غضبه لأنها أخفت تلك المصيبة عنه فهمست في خجل:
-اصل هي لما رجعت من السفر حصل حاجة وهي راحت عنده المحل مرة،
ولما رجعت كانت متضايقة اوي فأنا ضغطت عليها لحد ما اعترفت انها بتحبه من زمان بس وعدتها اني مش هقولك.
ضرب بيجاد قبضته في الهواء وكأنه يتخيل جسد أحمد امامه ليسب ويلعن شقيقته مستنكرًا:
-وانتي صغيرة مش عارفة امتى تقولي السر وامتى تحتفظي بيه!
-أنا مالي يا أحمد هي مكنتش عايزة حد يعرف وانا خفت تتعصب عليها وتعمل حاجة تندم عليها بعدين!
-طول عمرها مدوخه نفسها ومدوخانه وراها.
قال بيجاد في حده ثم زفر بعنف مستغفرًا الله، فاقتربت منه وسام المرتبكة تحاول تهدئته بتدليك كتفيه المشنجان قائلة بنبرة هادئة في ثقة:
-اللي حصل حصل يا بيجاد، ليان مش صغيرة وهي اختارت وأكيد ليها مبررها،
حاول أنت بس تديها مساحتها وأكيد كل حاجة هتتصلح وهيجي يوم وتسامحها.
ضحك بيجاد ساخرًا وهو يلتف نحوها مؤكدًا ما يخشاه:
-مش مهم أسامحها أنا المهم ريان يقدر يعملها، ليان كسرت لمتنا بعد ما حسينا بقيمة العيلة والاخوة اللي بينا هي هدتها بحركة واحدة.
أسبلت جفونها في خيبة امل تتفهمه تمامًا لكنها ردت في إصرار:
-ربنا يخليك انت واخوك لبعض، وميقطع لمتكم ابدًا، وأنا من جوايا متأكدة ان الموضوع ده هينتهي على خير،
بس كل وقت وله أدانه….
أومأ بيجاد الواجم رأسه وعقله يدور في حيرة وغيظ يحاول إيجاد سبب مقنع كافي ليسامح ليان على ذلك المأزق التي اوقعتهم فيه ولكنه للأسف لا يجد.
*****
لا تعلم كم مر عليهما من وقت ولكنها رغبت لو تتوقف الساعة نهائيًا وتبقى في وضعها ذلك بين أحضانه الدافئة مدى العمر، تشعر داخلها بالاحتواء رغم انه لم يُظهر لها ابدًا أي طيف من أي نوع من المشاعر قد يكنها نحوها.
تنهدت متعجبة أنها تشعر بالاستقرار والأمان معه وهو أمر لم تشعره إلا بين يديه المضطربة، ربما تلك الفتاة المراهقة الأنانية هي مْن تتململ داخلها في رضا بنشوة امتلاكه، لأنها شخصيًا لم تشعر بالأمان حتى وقت زواجها مع نادر، تنهدت تبعد افكارها عن ذلك الحقير قبل ان تومأ برأسها للأعلى تتابع ملامحه الهادئة سائلة:
-أنت كويس؟
-ايوة..
اجابها في خفوت يشعر بأن قواه خائره كمن انهى معركته للتو ولكنه يعلم بأن الحرب لم تنتهي بعد، أغمض جفونه ولكنه يستقبل ذلك الشعور بالانتصار وسينتشي به مستمدًا قوتها منه فإما الانتصار النهائي أو الموت.
شعر بليان تستقر فوق فخديه بشكل أكثر اريحيه في احضانه ثم شعر بشفتيها تقابل باطن كفيه في توالي وسط دهشته من فعلتها ومن الحنو البالغ التي تبثه به، حنان بالغ لا يتذكر إنه تلاقاه سوى من والدته حين كان صغيرًا تداوى جروحه بقبلاته، ولكنه سرعان ما حرم منها بأمر من والده الذي عاقب والدته في قسوة لأنها تدلل الفتى متهمًا إياها بأنها ستفقده رجولته حتى صار يختبأ كلما جرح دون أخبار من حوله او انتظار الاهتمام يخشى على والدته من العقاب، الهاه عن الغوص في تلك الذكريات صورة البسمة المتألقة فوق فم ليان التي اخبرته في فخر:
-احنا هنبدأ من الصفر انا ليا صحاب كتير في الخليج، إحنا ممكن نسافر لو ملقناش شغل هنا.
نظر لها مطولًا في حيرة قبل ان تظهر ابتسامه خفيفة على شفتيه متسائلًا في تعجب لأنها ترغب في الاستمرار معه:
-احنا… هو احنا مكملين يا ليان؟
ضاقت عيون ليان الصامتة في تحدي وغيط قبل ان تؤكد بنبرة قوية تعبر عن فرط تمسكها به:
-انا محطتش نفسي في مطحنه مع اخواتي عشان تسأل سؤال زي ده،
مكملين طبعًا وبالذوق أو بالعافية هنعيش حياتنا ونبنيها سوا.
ابتسم متعجبًا من تلك البسالة المشعة من عينيها وذلك التمسك الغير مبرر بوجوده في حياتها وهو الأمر الذي لم يعهده من أحد قبلًا ولكنه يضفي دفء رائع داخل صدره ويخطف منه نبضات ارجعها للمسة السعادة التي غمرته برغبتها، ضغط على اصابعها مردفًا في صدق لا يصدق جنون كلماته:
-وأنا موافق….
ظهرت اسنانها كاملة معبرة عن وسع ابتسامتها الراضية قبل ان تلقي بجسدها نحوه تعتصره بين أحضانها من جديد، هاجمته تلك المشاعر المخيفة التي تداهمه منذ دخلت حياته بشكل مفاجئ مُصرة على الإمساك بدفة القيادة دون انتظار لموافقة.
تحول العناق البريء إلي أخر أشد حرارة وأحس بصعوبة في السيطرة على مشاعره أو انفعالاته المنفلتة من قوقعته فرفعت ليان رأسها تناظر عيناه بعيون مسبلة في عشق صامت وكأنها تتوسل إليه بأن يفعل أمر يخشى الدخول فيه.
وكعادتها فاقدة الصبر اندفعت بوجهها مستقرة بفمها فوق فمه في تعنت وحرارة تشنج لها أحمد في تخبط يخشى تلك النيران التي تهاجم اوصاله فدفعها في رفض بأنفاس لاهثة قبل أن يستقيم مبتعدًا عنها فقالت في حده متهمة:
-ايه مش عجباك، ولا تكونش بتحب ريم بجد ؟!
حدقها بنظرة غامضة ليتقمص لامبالاته من جديد قائلًا:
-انا بحب ريم فعلًا ومحدش هيفهم اللي بيني وبينها بس ربنا وحده عالم انها زي اختي لبنى بالظبط.
شدت على خصلاتها في غيظ لرفضه إياها ثم تقدمت منه، تؤكد كلماتها الغاضبة:
-أنا مش هسيبك غير لما تفهمني في ايه؟
أنا عايزة ابقى زوجة ليك ومش بالاسم بس.
التفت كي يغادر متجاهلًا إياها رافضًا المفاوضة حول ذلك المطلب الذي يعتبره خط أحمر، فاندفعت خلفه صائحة في اعتراض:
-أيه مشكلتك فهمني!
لا يدري ما جعله يعترف بتلك الكلمات لها، ربما لأنها شاهدت تسلسل تمرده منذ البداية او ربما هي ساحرة تسحره فتخرج منه أقبح أسراره ولكنه انفعل في غضب ملتفتًا نحوها ليرد على زمجرتها في وجهها:
-المشكلة أن عندي مشكلة ارتاحتي، انا عندي مشكلة ومش هعرف اكون الزوج اللي انتي عايزاه.
نظرت له ببلاهة تتفحصه من أعلاه لأسفله قبل ان تخبره في سخرية:
-انت فاكرني عيلة صغيرة بتاخدها على قد عقلها، ولا أنت ناسي اني كنت متجوزة قبل كده،
يعني انا لما ابقى في حضن راجل صدقني هعرف ان كات بيستجيب ليا ولا عنده مشكلة…
ضغطت على حروفها الاخيرة في سخرية، فشعر باختناق من ضغطها المتواصل عليه لا تدري ان بكلماتها تلك وضعت فوق اكتافه ضغوط المقارنة التي سيفشل فيها لا محال.
أخذ منه الإرهاق الذهني والنفسي الكثير فلم يجيب وحاول الابتعاد لكنها وقفت أمامه قائلة في تطلب:
-أحمد انت استجبت وأنا في حضنك دلوقتي وانا حسيت بيك ليه بتبعد عني؟
-عشان مش دي المشكلة، مش مشكلتي اني استجيب المشكلة اني…
صمت مفكرًا بأن المشكلة تنبع من عجز داخله لا يعرف منبعه، فمشكلته ليست في الاستجابة ولكن في الاهانة التي ستعقبها وسيتعرض لها أمامها ما أن يخذلها..
هو أضعف من أن يكرر تلك التجربة، أضعف من أن يجرح رجولته مرارًا وتكرارًا، بل هو أضعف من ان يعترف بأنه يخشى فقدان ما قد يملكه من احترام داخل عينيها المحاربة…
يكفيه إنه سقط من انظاره كرجل ويخشى التعري والسقوط كليًا من أنظارها هي أيضًا، أن فشل في أبسط الأمور بديهية بين زوج وزوجة.
اندفع تاركًا إياها غير قادر على المواجهة يكفيه ما واجهه بالفعل، اغلق باب غرفته في ضعف واتجه كالمُسير نحو فراشه يستلقي فوقه في تعب،
بلل شفتيه الجافة ثم رمش عندما التقى بعلبه دواءه بجوار السرير فمد أصابعه يتحسس ملمسها متسائلًا هل يكفيه الوهن الذي اصاب جسده كي يسرقه النوم ام انها سيحتاج “حبة” من الزجاجة كزيادة تأكيد.
انتفض في ذعر عندما فتحت ليان الباب تقتحم خلوته في غيظ، بحثت عنه بعينها لتزداد غضبًا حين رأته ممسك بالدواء فتقدمت منه في اتهام مشيره نحو العلبة البلاستيكية:
-انا بقالي يومين ساكته عن الزفت ده، قولي انت مدمن ولا ايه بالظبط؟
وضع الدواء في مكانه لا يجد داخله القدرة على المشاجرة أو التبرير، فتقلب فوق الفراش يتأوه في ألم غير مبالي بوجودها هامسًا:
-تعبان طفي النور.
جزت على اسنانها ولكن شفقتها تصاعدت وهي تتابع جفونه تنغلق كأنه غير قادر على البقاء صاحيًا فأخذت أنفاس عميقة تسيطر على انفعالاتها الغاضبة قبل ان تتجه للخارج مغلقة الإنارة والباب خلفها، تاركة عقلها يفكر في تفسير منطقي لما يحدث مع احمد وعدم رغبته في الاقتراب منها لأن جسده بالتأكيد ليس عاجزًا.
“فرط الحب”
الفصل الرابع والعشرون
بعد أسبوع من التباعد المتعمد بين ريم وريان الذي انتهت اجازته وبدء في ممارسة عمله من جديد، قررت ريم اتخاذ موقف لإنقاذ علاقتهما فهي تعلم ان ريان رغم غضبه من ليان إلا انه يشعر بقليل من الذنب وداخله هاجس بأن يكون احمد قد اجبر شقيقته على الزواج منه لكن زوجها العنيد المزعج يكابر ويرفض الاعتراف.
فكلما حاولت فتح الحديث معه يغيره أو يندفع للخارج متحججًا بمشاوير العمل وهي تعلم بأنه يغادر ليتجنبها ويعود ليلًا حين تخلد إلى النوم، ولكنها لا تنام بل تبقى مستيقظة في قلق تنتظره ثم تتظاهر بالنوم حتى تشعر بذراعيه يحتضناها في سكون وحذر قبل ان يستسلم إلى نوم مؤرق.
تنهدت فعلى الأقل هو لا ينفر من قربها بل يناشده كل ليلة، وقفت ريم أمام الباب تفكر في توتر هل عليها الطرق واستكمال مهمتها ام عليها الرحيل، نظرت لعمر الذي يقف بين احضانها رافعًا رأسه يرغب في معرفة سر وقوفهما السخيف هذا أمام احد المنازل التي لم يزورها من قبل.
ففركت خصلاته تطمئنه قبل ان تجذب انفاس عميقة عازمة على الاستكمال لتدق جرس الباب، مرت ثوان قليلة قبل ان يأتيها صوته التي صارت تبغضه فانعقدت ملامحها في غضب رغم رغبتها في المحافظة على ملامحها الخاوية.
فتح أحمد الباب ليتفاجأ بها وبعمر الذي يقف امام جسد ريم المتصلبة ترفض النظر نحوه وهي تسأله في حزم:
-عايزة أقابل ليان.
ابتلع ريقه خجلًا غير مهيأ لسرعة المقابلة بينهما لكنه انزاح من امامها مشيرًا للداخل في هدوء فقالت ريم في حدة:
-نادي ليان لو سمحت.
رمش في حرج يعلم انها تخشى الدخول فتبقى وحيده بمفردها معه بعد اتهاماته الحقيرة لها، لتشعل داخله تلك المشاعر التي تؤنب ضميره من جديد لكنه تنفس الصعداء حين أنقذه صوت ليان المتسائل:
-مين يا احمد…
صمتت ما ان رأت ريم وركضت نحوها بأعين متسعة قائلة:
-ريم .. حصل حاجة ولا ايه؟
حركت ريم رأسها في رفض قبل ان تبلل شفتيها تخفي اضطرابها قائلة في جدية:
-لا أنا جيت عشان حابه اتكلم معاكي شوية لو سمحتي.
-طبعا طبعا اتفضلي، تعالى يا عمر عامل ايه يا حبيبي؟
مالت بعفوية تقبل رأس أبن شقيقها في حنان ليقابلها بابتسامه مهتزة وعيناه تنتقل بينها وبين ذلك الرجل الذي يكرهه من كل قلبه لأنه السبب الذي استطاع ان يحرمه من والدته عامًا كاملًا.
ضغطت ريم فوق كتفيه بابتسامه في مؤازرة تكبح خيالاته الطفولية واتبع كلاهما ليان التي أشارت لهم باتباعها إلى داخل إحدى الغرف بينما اتجه أحمد سريعًا يختبئ في غرفته يكاد يموت حرجًا.
جلست ريم مشيرة لعمر بالجلوس قريبًا منهما ثم تحدثت في صراحة دون تطويل:
-أنا هدخل في الموضوع على طول،
انتي حقيقي اتجوزتي أحمد بمزاجك ولا هو اللي غصب عليكي؟
انهت جملتها ثم مدت ريم اصابعها تلامس كف ليان المتوترة لتؤكد في ثقة:
-صدقيني انا هقدر أساعدك مش عايزاكي تخافي من أي حاجة!
ابتسمت ليان في حزن لكنها هزت رأسها في رفض مؤكدة:
-ريم يا حبيبتي أنا اتجوزت أحمد بمزاجي، هو مالوش ذنب بالعكس أنا اللي اصريت.
ظهرت ملامح الذهول على وجه ريم التي سارعت في السؤال:
-ليه؟
-عشان بحبه ده اولًا وعشان ابعده عنك ده ثانيًا.
-أنا.
-أيوة كان لازم أعمل كده عشان أحس اني صلحت غلطتي.
ازدردت لعابها في ارتباك وحزن مستكملة في خيبة أمل على الذات:
-ريم أنتي ممكن متكونيش قادرة تسامحيني من قلبك،
بس تأكدي اني ندمت ندم شديد وان ربنا عاقبني باني ما شوفت يوم سعادة أو رضا بعد اللي عملته فيكي.
اوقفتها ريم عن حديثها المرتبك في خجل، فهي ذاتها كادت تموت من الذنب بعد ان ظهر لها جانب مظلم من شخصية أحمد حتى صارت تخشى من تحوله لوحش بشكل كامل مصدقة احتمالية اجباره لها، مسحت وجهها لتردف في نبرة جدية صادقة وملامحها تعكس تأثرها النابع من القلب:
-ليان يا حبيبتي انا سامحتك من زمان اوي، انتي عارفة انا مش بحب افتكر اي حاجة وحشة اتعرضتلها،
اللي حصل حصل بلاش نفتح في القديم…
تساقطت دموع ليان الخجلة فاندفعت تعانق ريم في قوة مستمرة في بكاءها هامسة:
-وحشتوني أوي، ريان مش هيسامحني مش كده؟
ربتت ريم على ظهرها وخصلاتها في شفقة هامسة:
-أخوكي عنيد انتي عارفة، بس اكيد مع الوقت هيلين.
صمتت ثوان لتسألها مرة أخيرة من باب زيادة التأكيد:
-يعني احمد بيعاملك كويس؟
-أحمد طيب أوي هو يكاد يكون مش بيعاملني اصلًا، هو مستسلم لوجودي في حياته بس انتي أكيد اكتر حد عارف طبعه…
ناظرتها ريم في صمت لأنها كانت تظن بأنها تعرفه حتى اظهر وجهه القبيح، لكنها استمعت في هدوء لليان المستكملة وكأنها تشكوها في الخفاء:
-أوقات كتير بحس اني قاعدة لوحدي بفضل اتكلم واتكلم وفي الأخر بسيبني ويدخل ينام.
كانت ريم ترغب في اخبارها انها لا ترغب في الحديث عنه فجروحها لم تلتئم بعد لكنها تحاملت على نفسها تساعدها من واقع معرفتها بأحمد الوطيدة:
-متزعليش نفسك، هو طبعه كده بيبان مش مبالي لكن في الحقيقة هو بيسمع كل حرف وبينتبه لكل حركة حواليه.
حركت ليان رأسها بعفوية قبل ان تخبرها ريم في نبرة داعمة:
-طالما بتحبيه يبقى كل حاجة هتبقى تمام،
رغم كل اللي حصل من أحمد، بس انا معرفش غير أحمد اللي قلبه طيب واتمنى ان اللي صدر منه قبل كده تكون زوبعة وعدت من حياتنا،
ليان لو محتاجة اي مساعدة أي وقت كلميني!
كانت ريم تتحدث لتطيب خاطرها لكنها من داخلها ترغب لو تذهب إلى تلك الغرفة التي يقبع داخلها لتبرحه ضربًا، لمعت عيون ليان في فكرة وامل قبل أن تميل نحوها في حرج تخشى الحديث لكنها طلبت منها على أي حال:
-هو انا فعلًا محتاجة مساعدة، في دوا احمد بياخده عمال على بطال، والصراحة الموضوع مخليني على اعصابه وخايفه يكون إدمان،
بس هو بغبقى عصبي مرة واحدة وشوية يبقى في منتهى البرود.
-يعني اعمل ايه مش فاهمة؟
سألت ريم في توجس لا تفهم طبيعة طلبها لتجيبها ليان في نبرة خافته خجلة:
-انا محتاجه تعدي على دكتوره انا اعرفها بس مش حابه انزل وهو في الحالة دي وتسألي عن الدوا، هينفع؟
فكرت ريم في توتر برد فعل ريان الذي سيحرقها بنيران غضبه لكنها تنهدت قبل ان تعض شفتيها قائلة في استسلام:
-ماشي هاتي الاسم…
ابتسمت ليان في امتنان وانطلقت راكضة تحضر العلبة الفارغة التي تخفيها في حجرتها، اعطتها إلي ريم التي وقفت مستأذنه الذهاب واعدة بأن تساعدها في اقرب وقت.
لتوقفها ليان في حرج قبل أن تهمس في أذنها تطلب سؤالها عن موضوع أخر حين تذهب للطبيبة ابتعدت ليان تضغط على اصابعها في توسل، متابعة وجه ريم الذي احتله حمرة الخجل قبل أن تهز رأسها تومأ موافقتها في صمت.
*****
بعد ساعات العصر عاد ريان إلى المنزل أخيرًا يشعر بألم حاد في الرأس وفراغ في الصدر فقد مر الأسبوع الماضي عليه غريب كأنه مغيب غارق في هواجسه وغضبه المنصب على جميع من حوله دون سبب.
كان لديه الكثير من الأعمال اليوم عليه تعويضها بسبب إجازته الطويلة ولكنه وجد نفسه مستنزفًا غير قادر على أداء عمله مستوقفه بان قلبه مشتاق …. غارق في لهفته لزوجته ولطفله عمر…
فالساعات الضئيلة التي يقضيها في البيت هي ساعات نومه، ليستيقظ في الصباح الباكر متعمدًا عدم إيقاظ أيًا منهما مكتفي بتقبل جبينهما في صمت والذهاب للعمل…
ثم يعود لتناول وجبة غداء رتيبة هادئة يشعر فيها ان اسرته الصغيرة تخشى التنفس في وجوده فينفجر كالقنبلة الموقوتة في وجههم ولم يفت عليه تلك النظرات الصامتة بينهما في خضوع.
ابتسم فلا شيء قادر على مضايقته أكثر من شعوره بانه مستثني من انسجاهما.
اتجه للغرفة فوجد ريم سابحه بساقيها فوق الفراش متقمصة دور إحدى الشخصيات في الأفلام القديمة غارقة في حديث ما على هاتفها لدرجة لم تشعر بوصوله للمنزل،
قطع تحديقها بجسدها الصغير صوت ضحكات منبثقة من غرفه عمر الذي كان يحادث لعبته الإلكترونية يتوعدها بالنصر في حماسة، فتركها تكمل مكالمتها واتجه لصغيره يفتح باب غرفته قائلًا:
-كفاية لعب بالتابلت بقى هيجيلك توحد!
-يا بابي لسه ماسكه من شويه والله.
زين وجه ريان ابتسامه مشاكسة وهو يردف في نبرة متهكمة:
-يا راجل وطول النهار كنت قاعد مؤدب مش ماسكه صح؟
-ايوة يا بابي احنا كنا في الشارع طول اليوم اصلًا.
انعقد حاجب ريان في تعجب ليسأله:
-انتوا خرجتوا؟
-اه روحنا بيت عمتو ليان وبعدين روحنا لدكتورة ريم.
تسمر رسان ما ان سمع اسم شقيقته الخائنة فأغمض جفونه يستجمع رباطة جأشه وقد رفض عقله الثبات على موقف واحد وظل يتنقل بين مشاعر مختلفة متناقضة، فتحرك في صمت تاركًا صغيره متجهًا نحو غرفة ريم.
*****
-للأسف قالتلي إنها متقدرش تأكد ده إدمان ولا لا لازم تحاليل وتكشف على المريض،
بس الموضوع ما يطمنش لأن الدوا ده نازل جدول وهي استغربت ان في دكتور ممكن يكتبه للمريض بتاعه.
وكمان اكدتلي أن في حالات كتيرة بتوصل لحالة الإدمان على المهدئات لو مش متابعة مع دكتور بشكل مناسب.
عضت ريم على شفتيها في قلق وهي تحادث ليان تخبرها عن نتائج زيارتها مع الطبيبة لتكتشف عواقب ذلك الدواء الوخيمة :
-أنا مستغربة ازاي الدكتور يكتبهوله ويا ترى بياخده من امتى،
انتي متفتكريش مثلًا امتى اخر مرة راح للدكتور؟
سألت ليان في نبرة متوترة خائفة وشعرت ريم بالضيق لأنها تجهل هذا الجانب من شخصية احمد وردت:
-للأسف انا مكنتش أعرف انه بيتعالج أصلًا بس هو مضغوط نفسيًا وأنا حسيت انه ممكن يكون عنده مشاكل بسبب قسوة والده عليه. وانه دايما حاسس بالوحدة.
أرادت ليان سؤالها عن باقي ما تخشاه فتحاملت على خجلها قائلة في خفوت:
-طيب وقالت أيه في الموضوع التاني؟
أغمضت ريم جفونها في خجل لا تصدق انها تناقش هذا الأمر الخاص مع شقيقه زوجها لكنها تحاملت على خجلها فللضرورة أحكام فهي ائتمنها على المساعدة وعليها التلبية على أكمل وجه:
-أيوة، قالت ان الدوا بيأثر طبعًا على طبيعة العلاقة بين الراجل ومراته،
بس متقلقيش هي اكدتلي أن أي دوا اضراره مش دايمه ونسبة تأثيره في المواضيع دي بتكون متفاوته حسب تركيبه العلاج.
زمجرت ليان في غضب تشعر الحقد على أحمد الغبي وطبيبه الذي ستقتلع عيناه بأسنانها لتسببه بهذه الكارثة ثم قالت في حده:
-يعني هو ده سبب المشكلة اللي عند أحمد مش كده؟
تخضبت وجنتي ريم باللون الأحمر لكنها استكملت في جراءة:
-طبعا هيسبب مشكلة بس الدكتورة نبهتني ان طالما المريض بيستخدم المهدئات فاحتمال كبير يكون عنده اكتئاب مزمن او ضروب نفسي من نوع ما وان ده ممكن تأثيره يكون أكبر من آثار الدوا السلبية.
هزت ليان رأسها في إرهاق شديد كانت تعلم انها ستعاني الكثير في تلك العلاقة التي استحدثتها من العدم بينها وبين أحمد ولكنها لم تعتقد انها ستتحمل غباءه بالكامل.
وله الجرأة بان يتعجب من وجود خطب ما به !!
-طيب يا ريم أنا متشكرة بجد، واسفة مرة تانية اني حطيتك في موقف زي ده بس حقيقي هو حابس نفسه حرفيًا في البيت كأنه مستنى ابوه يجي يطردنا منه.
اعتدلت ريم في جلستها وعيونها تضيق في قلق متسائلة:
-طيب افرضي طردكم فعلًا هتعملوا أيه؟
-متقلقيش أنا كلمت البواب وهو جابلي ارقام شقق للإيجار ولقيت كام حاجه حنينه فاضية لو أبوة طلع معندوش ضمير فعلًا ومشانا هنطلع على حاجه منهم.
اجابتها ليان في اعتياديه وثقه بأنها قادرة على تمالك الأمور من حولهم فأخبرتها ريم في لهجة جدية حقيقية:
-ليان لو احتاجتي اي حاجة كلميني او كلمي ريان،
اخوكي مهما زعل مش هيبقى عايزك تتمرمطي!
خرج منها ضحكة صغيرة ساخرة قبل أن تهز رأسها في رفض قائلة:
-وانا مش هقبل أني امرمطه معايا تاني يا ريم،
ريان من حقه يزعل وانا هسيبه براحته الفترة دي،
لكن ده مش معناه اني هستسلم أو أيأس وهفضل اتصل بيه كل يوم لحد ما يفهم ويسامحني.
انهت جملتها بلهجة مليئة بالأمل والاصرار فابتسمت ريم سعيدة بروح المحاربة منها وجانب صغير داخلها متأكد بأن ليان ستكون حبل النجاة لأحمد حتى وإن لم يستحق فهي سعيدة لأجله ولأجلها.
أغلقت الهاتف بعد تبادلهم لبضعه نقاط أخرى ثم تهدت ريم تشعر بأن جبال العالم ارتفعت من على كاهلها، فهي بريئة من أي ذنب متعلق بليان أو بأحمد.
مطت ذراعيها تلوي جسدها للخلف في تعب لتتفاجأ بريان يقف على باب الغرفة يطالعها في غموض، ارتعشت ابتسامته قليلًا لوجوده الغير متوقع وسألت:
-انت جيت امتى؟
نظر إليها في غموض قبل أن يدخل بالكامل للغرفة مجيبًا:
-جيت من شويه بس قولت اسيبك تخلصي تلفونك.
سعل بخفة متجهًا لتغيير ملابسه يفكر في امثل طريقة لبدء حديثه دون أن يفقد صوابه ويفجر غضبه في وجهها لكنه تفاجأ بصوتها المغرد في توجس:
-ريان ممكن اقولك على حاجة بس متزعقليش؟
التفت يطالعها بحاجب مرفوع وجزء داخله يتمنى ان تخبره بلسانها ما حدث اليوم ثم أرتفع جانب فمه في سخرية مردفًا:
-والله على حسب، أيه المصيبة!
-احنا اتفقنا على الثقة المتبادلة واننا هنبدأ حياة جديدة وصادقة،
وأنا مش حابه اعمل حاجة من وراك فهتسمع من غير سخرية ولا أسكت وترجع ريما لعادتها القديمة؟
اخبرته في انزعاج واضح من رد فعله الساخر فرمى بقميصه على المقعد قبل ان يمسك نظراتها بنظرات ثابتة عن قصد قائلًا:
-على حسب العادة اللي ريما عايزة ترجع ليها.
شعرت باتهام طفيف يفوح من نظراته لكنها تعلقت بها في شجاعة قائلة وهي تمد ذراعها تجذب ملابسه البيتية ثم قدمتها إليه كي تمنع توترها:
-أنا خرجت انهارده وروحت قابلت ليان!
ارتفع حاجبه في اتهام ثم قال في حده من بين أسنانه:
-قابلتي أحمد!
رفعت أصبعها في وجهه توقف شكوكه في مهدها بنبرتها الحازمة :
-انا قولت ليان مجبتش سيرة احمد ولا قعدت معاه ثانية واحدة.
-والمفروض ان أنا أصدقك مش كده؟
قالها في غيظ وهو يلقي بالملابس أرضًا فمالت رغم خوفها تلملمها وتدفعها في صدره مجبرة إياه على امساكها من جديد لتخبره في مدافعة:
-ايوة ولو مش هتصدقني قولي عشان اعتبر اتفقنا ملغي واحتفظ باللي حصل لنفسي.
قرص ريان أنفه يمنع انفعالاته قبل ان يجبر ابتسامه زائفة مظلمة فوق فمه قائلًا في غيظ:
-كملي روحتي ليه لليان؟
عقدت ذراعها في تذمر من لهجته لكنها قالت في صدق:
-روحت عشان اتطمن هي فعلا اتجوزته برضاها ولا هو أجبرها على كده.
ضحك ريان في سخرية وعاد لتغيير ملابسه بجسد مشنج كي يشغل نفسه عن خنقها ثم قال:
-انتي سمعتيها بنفسك قالت انه مغصبش عليها، ومش هو ده السبب الوحيد اللي خلاكي تروحي، صح؟
-صح اللي خلاني أروح كلام بيجاد، كنت خايفة من احمد بعد اللي عمله معايا يكون اتحول لإنسان همجي وغصب علي ليان عشان تتجوزه،
بس الحمدلله ربنا خيب ظني.
-الحمدلله فعلًا هو مش همجي، اختي أنا اللي مش متربية!
جاء رد ريان الساخر مع ابتسامه كبيرة لم تصل لعينيه، فزفرت ريم تحاول ترتيب افكارها واللحاق بمنحنى مشاعره قائلة:
-ليان بتحب أحمد بجد وبتحارب عشانه.
وضع ريان يده فوق صدره مستحضرًا ما يملكه من شفقه ساخرة فوق ملامحه قائلًا:
-أيوة بتحارب أخوها الشرير المجرم اللي واقف قدام سعادتها مش كده؟
-ريان ممكن تبطل سخرية وتسمع بالعقل شوية.
تذمرت ريم وهي تضرب بساقيها في الأرض فاندفع ريان خطوة للأمام نحوها هاتفًا في عضب مكبوت داخل صدره:
-أسمع ايه؟
ان أختي بتحب الراجل اللي مش بكره قده في حياتي، وانها اختارته على اخوتها وفضلته عليا!
اقتربت منه ريم دون خوف تمسك كفوفه لكنه جذبها منها في حده فابتلعت غصتها لتستكمل في مدافعة:
-أنا مقولتش كده، وكلنا عارفين ان اللي عملته ليان غلط،
بس كلنا بنغلط لما بنحب، والحاسبة بتعطل قدام مسائل الحب وأنت أدرى الناس بكده.
-أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني يا ريم، حوار ليان منتهي.
استدار ناحيتها مؤكدًا في نبرة مغتاظة أمره:
-دي هتكون أخر زيارة ليكي هناك، احنا اتفقنا على الصراحة وانا احترمتك وتقبلت كلامك رغم اني عايز اقتلك،
لكن انا بقولك صراحة اهوه إياكي تخطي برجلك في بيته من تاني او في اي مكان هو موجود فيه حتى لو عشان خاطر اختي.
حركت رأسها تومأ في موافقة حزينة قبل ان تقترب منه تحتضنه في رقة لا متناهية هامسة في صدره تسترضيه:
-حاضر اللي يريحك، وبعدين انا روحت عشان عارفة ومتأكدة انك مش متطمن مية في الميه من موضوع جوازها حتى لو انت بتنكر الوضع.
تنفس عدة مرات يخرج طاقته السلبية بها فهو لا ينكر بأن هناك جزء خفي داخله يشعر بنوع من أنواع الامتنان بأن شقيقته ليست تحت سيطرة شخص مجنون لكنه لن يعترف ابدًا ولا يريد لزوجته بالتدخل.
-ممكن افضل في حضنك شوية، وحشتني!
حطمت أسواره بنبرتها الحانية فتنهد وهو يطالع زوجته الحنونة الفاتنة تتوسل قربه ليتحرك معها ثم يجلسها إلى جواره قبل أن يقتحمها في عناقه القوي مستسلمان للراحة بين ذراعي بعضهم البعض.
مرت الدقائق طويلة وكأنها الدهر نجح فيها في تهدئة افكاره والسيطرة على غضبه مقررًا الترثي والهدوء معها فعلى الأقل هي صادقة وتحارب من أجله.
قبل مقدمة رأسها في حب قاطعًا صمتهم الطويل وهو يعبث بأناملها قائلًا:
-وحشتيني أكتر على فكرة، وكنت هتجنن من الصبح مستني اروح ليكي انتي وعمر..
نظرت له بعيون تتلألأ في سعادة وبهجة مبتسمة في خجل مهيب يخلب العقول، وود لو يخفيها داخل منزله فلا يلمحها أحد غيره، حاول اقحام غيرته الحارقة داخل جره مشاعره ثم مد ذراعيه حولها يبادلها عناقها مؤكدًا:
-مش بحب الغيرة، متجبرنيش أحسها عشان ساعتها ههدم كل اللي بنيته.
-مفيش حاجة تستدعي الغيرة وياريت تتفهم اللي حصل وبلاش تزعل مني.
همست محاولة تغيير مجرى الحديث وسمح لها ريان بذلك خاصة عندما استمرت في مسح وجهها كالقطط في صدره تمتص غضبه كالمغناطيس وتستبدله بشحنة حنان وعشق موجه نحوها فلامس خصلاتها متسائلًا في قلق طفيف وقد تذكر كلمات صغيره:
-روحتي للدكتورة ليه كان مالك؟
شعر بجسدها الصغير يتصلب فأغمض جفونه متأكد بأن ما سيخرج من فمها سيشعله غضبًا، عضت ريم شفتيها في حرج وارتباك ثم قالت في خفوت طفولي وهي ترمقه بطرف عينيها:
-قول والله العظيم مش هزعل منك يا ريم ومش هتقمص أسبوع كمان.
-اولا أنا مش هقول العبط ده،
ثانيًا انا مكنتش مقموص انا كنت مضغوط شوية ومكنتش حابب اضايقك انتي وعمر معايا.
أخبرها ريان بملامح منكمشة في غيظ لسذاجتها فتنهدت في استسلام قبل أن تسرد عليه تفصيل ذهابها للطبيبة بناء على طلب ليان كي تساعدها مع حالة أحمد المريبة.
سند ريان مرفقه فوق كفه الأيسر بينما استقرت أصابع كفه الأيمن فوق فمه يفكر في طريقة لقتل ريم دون أن تفقد حياتها بشكل كامل، عض شفتيه يتابع حركتها الملتوية في توتر أمامه قبل أن يخبرها بقلة حيلة:
-قوليلي أعمل معاكي أيه وأنا هعمل!
-أنا أسفة والله بس مكنش ينفع مساعدهاش.
جز على اسنانه وهو يمسك جانب وجهها ليتخلل لحمها بين أصابعه جاذبًا إياه في غيظ متعجبًا:
-ليه مينفعش، عليكي كمبيالات، ماضية شيكات أو ورق على بياض مثلًا،
ده إيه المرار ده، انتي مفكرتيش شكلك هيبقى ايه قدام الدكتورة لما تسأليها عن مشاكل واحد غريب!
شهقت في دفاعيه وهي تبتعد عن انامله ترفع اصابع يدها امامه في مدافعة تؤكد براءتها:
-والله العظيم ابدًا انا قولتها جوزي!
اتسعت أعين ريان في صدمه قبل ان يهتف في وجهها غير مصدقًا وقاحتها:
-يا فرحتي بيكي، يا فرحة قلبي بيكي،
ياريتك قولتلها راجل غريب، بتفضحيني يا ريم!!
ارتبكت ريم عندما خبط ريان بقبضته فوق رأسه وكأنه يكبح نفسه عن نطحها فقالت في خوف وتوتر:
-يا حبيبي أنت زعلان ليه هي تعرفك اصلًا!
-لا لازم اروح افهمها الحقيقة واثبتلها أني زي الفل.
قال دون شعور وهو يجول المكان اماها ذهابًا وإيابًا كارهًا ما حدث ولا يدري ماذا يفعل بذلك الانزعاج الغير مبرر، ولم يلاحظ زوجته التي تخصرت في غيظ وهي تتابع عيناه المخططة هاتفه في حنق:
-ريان اتربى.
هز ريان رأسه يحاول استيعاب جراءتها بأنها تلومه بعدم التربية في حين انها من ذهبت واساءت إلى مظهره العام.
ارتفع حاجبه متعجبًا ملامح الضيق على وجهها لكنه فهم ظنها الوقح بعد ثوان فابتسم في بهجة مغيظة:
-لا والله لازم أثبتلها، اديني عنوانها بسرعة.
جزت على اسنانها تطالعه في صمت وانفاس عالية فانفجر ضاحكًا في رضا قبل ان يغيظها في سماجته المعتادة:
-تستاهلي عشان تحرقي دمي تاني.
-انسان لا يطاق.
-اسكتي بالله عليكي، يا شلال المفهومية.
رمقته في غرور وتحدي تحاول السيطرة على ابتسامتها لكنها فشلت في التمسك بتذمرها حين اقترب يحتضنها متناسيًا ما دار وحدث منذ قليل وزاد من دهشتها اكثر حين أخبرها:
-أنهارده وصلت لحاجة مهمة جدًا.
طالعته في صمت فاستكمل بابتسامته الرائعة وقد استعاد مزاجه الجيد من جديد :
-انكم وحشتوني أوي واننا بعد كده لازم نفصل بين حياتنا وأي أحداث خارجة عنها.
-وحط كمان اننا ما نتقمصش أسبوع!
تذمرت في غنج ودلال تتمايل بين ذراعيه عن قصد فدوت ضحكاته الغالية بينما يشد على خصرها يمنع ابتعادها مدللًا إياها بكلماته المجنونة الساخرة يلاعب أوتار غيظها تارة وحنقها تارة اخرى قبل أن تتحول أجواء المرح سريعًا إلى أجواء أشد إثارة يهاجم فيها كل دفاعاتها ببسالة حتى يمتلك عشقها ويقدمه كقربان للطمأنينة داخل صدره.
*****
اندفعت ليان داخل غرفة أحمد الذي يرفض الخروج منذ أن رأى ريم في الصباح لا يزال غارق في مشاعر الخذلان، قبل ان تقتحم ليان المكان وبكل جراءة جذبت علبة الدواء من فوق الطاولة تلقيها في وجهه متهمة:
-ابقى روح أسأل دكتورك المتخلف اللي اداك العلاج ده انت عندك مشاكل ليه!
أمسك أحمد المنذهل بعلبه الدواء قبل ان يقف امامها متسائلًا في استنكار:
-دكتور ايه؟
-الحمار اللي بتتابع معاه وبيديك المهدئ ده!
رمش أحمد مرتين قبل أن يخبرها في بلاهة:
-انا مش بروح لدكتور اصلا.
ارتسمت البلاهة تلك المرة على وجه ليان التي تقدمت نحوه بعيون ضيقة تحدقه في قسوة قائلة من بين اسنانها:
-اومال أنت بتاخد الدوا ده ازاي؟
-باخده لوحدي وبعدين انتي داخله تزعقيلي كده ليه انا حر!
حاولت سحب انفاسها لتهدأ قبل ان تقول في نبرة مضطربة وهدوء زائف:
-أحمد بعد اذنك بلاش تعاندني وجاوب بصرحة لأن دي مصيبة الدوا ده اصلًا نازل جدول بتوصله ازاي؟
-واحد صاحبي صيدلي وبيجبهولي، وبعدين انا مش مطالب ابدًا اني أبرر تصرفاتي ليكي.
انهى كلماته في حده وهو يتحرك من امامها معطيها ظهره فاندفعت تديره نحوها قبل ان تصيح في غضب:
-أنت أيه عايش في العصر الجاهلي مش عارف ان دوا زي ده من غير دكتور ممكن يموتك مش بس يدمرك،
بلاش ده مفكرتش تقرأ نشرة العلاج تشوف أثاره.
وقف أمامها بملامحه الجامدة ثم أخبرها في حده يرفض الاعتراف بوجود خطب ما:
-مش بيجي بورقه أنا بخده منه كده.
وضعت يدها فوق رأسها تكاد تستشيط بنيران الغضب غير مصدقة درجة الغباء التي وصل لها فقالت مغتاظة:
-فهمني أنت ازاي انسان سلبي ومش بتفكر كده،
فين ثقافة الوعي اللي عندك، ازاي تقبل تاخد علاج متعرفش عنه اي حاجة غير انه بيريحك،
انت كده بالظبط زيك زي المدمنين!
التفت أحمد بعيدًا عن اتهاماتها وقد بدأت انفاسه في التصارع يخشى التفكير فيما تحاول اقحامه داخل عقله، فكل ما يراه في دواءه سبيل للهروب من ظلمات، فابتعد قائلًا في نبرة مهتزة مدافعة:
-أنا مش مدمن ده دوا اكتئاب مش مهلوسات وأي حد بياخدها عشان ينام.
-أي حد ده …ممكن ياخدها لما يبقى بيتابع مع طبيب،
أي حد ده … مش بيصحى من النوم يقولك بس أنا مكتئب هنزل اجيب شوية علاج!!
علا صوتها الغاضب في تهكم فصرخ بها مستنكرًا:
-انا باخده من سنين ومحصليش حاجة ومش مدمن على حاجة،
مش عشان دخلتي حياتي كام يوم هتفتكري نفسك فاهمة كل حاجة ومش عشان ساكتلك هتفتكري انك امتلكتيني…
خرجت كلماته قاسية مستنكره لأنها تشعره بغبائه بانه استمع لرفيق عايشه في وقت المراهقة ونعم لم يسأل فقد كان شاب صغير متخبط لا يفقه شيء وكل ما أرداه هو النوم، ضغط على فكيه في غضب لم يطلب الجاه ولا المستحيل بل طلب حق آدمي حرم منه وهو النوم قرير الأعين كباقي المخلوقات….
فلما تعاقبه بأن تلوح بضعف يحاول الهرب منه في وجهه بقوة، خرجت ضحكات ليان الساخرة التي جذبته من أفكاره مصدومة من كلماته لكنها جزت على اسنانها متقدمة نحوه في خطوتين هامسة في قوة:
-أنا امتلكتت فعلًا حتى لو بتقنع نفسك بالعكس ومن حقي احافظ على ممتلكاتي طالما محدش غيري هيحافظ عليها…
كانا يتواجهان وجهًا لوجه في معركة صامته تترجمها لغة العيون وكلاهما ينتفض بأنفاسه العالية لأسبابه الخاصة، تعلم ليان أنه سيتراجع كعادته في اللحظات الحاسمة فقررت إعادة الحوار لمنصبه الأساسي بكلماتها الماكرة :
-فكر كده انت بتاخد الدوا ده كل قد ايه؟
مرتين في الاسبوع، لا لا أكيد تلاته عشان مضغوط ..
أقولك أنا هحسبهالك أسهل،
انت بتاخده كل يوم عشان تهرب وتعرف تنام ولو حطينا عليها جملتك “أنا باخده طول عمري”…
قطعت حديثها ممسكة عيونه المرتبكة بأنظارها الحارقة التي تلامس دواخله ثم استطردت في حدة وثبات:
-فانت مش بس مدمن على المهدئات، أنت أذيت نفسك وجسمك أذية ملهاش عدد.
لامست وجنته منهية حوارها اللاذع فنفضها في حده وهو يبتعد للخلف في رفض يكره كلماتها ويكره تعريتها لدواخل حياته، فمالت برأسها محركة شفتيها في تقبل قبل أن تتجه بخطوات ثابتة نحو الدواء متعمدة قذفه نحوه من جديد وحين التقطه كرد فعل ابتسمت في غموض قائلة بنبرة مقطرة بتحدي:
-موقف صعب بس الاخيار سهل الهروب ولا المواجهة ؟
تحركت نحو الباب تعطيه ظهرها تخفي ملامحا الحزينة قبل أن تقذفه بكلماتها المتحدية الثابتة:
-لوعندك الشجاعة خد الدوا ده وروح لدكتور واسأله أنت عندك مشكلة في ال… اااه كنت مسميها أيه؟.. ايوة افتكرت …. عجز ….،
خد الدوا ده واسأله أنت عاجز ليه؟
تقطرت جملتها الأخيرة بالسخرية وكأنها تحارب الواقع بأن عجزه الوحيد داخل عقله المتعفن ثم تركته وخرجت مغلقة الباب ساندة فوقه لتترك جفونها تنغلق في حزن بينما ترتفع أصابعها المرتعشة فوق قلبها المتسارع في حده، تعلم انها تقسو عليه وتشعر بالشفقة تتملكها ولكن ما باليد حيلة فإن لم تدفعه هي لن يتحرك هو…..
وقف أحمد مكانه دون أن يتحرك خطوة وانظاره معلقة بالباب الذي خرجت منه ليان، كم ينقم عليها لأنها تخترق خلوته وتقحم داخله مشاعر غريبة عنه وكأنها تسكب من روحها الشجاعة كي تطفئ ظمأ داخل روحه.
ضغط على علبه الدوا وعقله يدور في تساؤلات متوترة مضطربة:
هل يعقل بأن السبيل الوحيد الذي لجأ إليه والخيار الوحيد الذي اتخذه بمفرده في حياته هو السبب في ما يدور معه؟
هل يستطيع ان يتجرأ ويظن بأنه لا يزال محتفظًا برجولته وان ما حدث قديمًا كان من تأثير تلك السموم؟
أغمض جفونه وقد نجحت ليان في إشعال نيران الشك والحيرة في قلبه فلم يشعر بنفسه سوى وهو مندفع يجذب مفتاح سيارته ويخرج من غرفته متجاهلًا وقوفها بمنتصف الردهة تطالع اختفاءه من باب المنزل في ذهول صامت قطعه الباب المنغلق في حدة.
نكست ليان رأسها ورفعت رأسها للسماء تناشد الرحمة على قلبها وروحها التي هي أضعف بكثير مما تظهره للجميع من حولها.
“فرط الحب”
الفصل الخامس والعشرون والأخير
جلس بيجاد في منزله يشاهد التلفاز في تركيز يحاول الاسترخاء قليلًا بعد يوم عمل شاق، فخرجت وسام المغتاظة بخطوات هوجاء من المطبخ بصحن من الفشار تضعه في حده اكثر من اللازم فوق صدره دون حديث.
رمقها نظرة متعجبة قبل أن يتجاهل الأمر ويعاود مشاهدة التلفاز، انشغل فمه بالفشار إلى أن اتاه صوت تنهيدتها العالية، ضاق طرف عينه ولكنه قاوم النظر نحوها، عاودت التنهد بشكل أعلى حاد تلك المرة فوضع الصحن فوق الطاولة أمامه قبل أن يعتدل في جلسته ناظرًا نحوها متسائلًا:
-مالك؟
-ماليش…
ارتفع حاجبه وقلبه ينذره بفخ في الطريق فحرك أصبعه امام وجهه في خفة هامسًا:
-انجزي واتكلمي وفكك من النكد.
رمقته بحده قبل أن تعتدل نحوه في حزم مطالبة:
-انا عايزة أروح معاك للدكتور زي أي ست حامل عشان أنا من حقي أعرف نوع المولود أيه وانت جنبي،
أنا كنت بأجل بقالي كتير بس خلاص أنا بقيت في السابع.
عاد جسد بيجاد للخلف ثم استطرد في لهجة مستغربة عدائيتها الزائد:
-طيب.
-طيب؟
سألت في حالة من الغباء غير قادرة على تصديق سهولة موافقته فحرك بيجاد رأسه في حركة خفيفة راضية ثم عاد لمشاهدة الشاشة مؤكدًا:
-أيوة شوفي المعاد امتى وهنروح.
أخذت جفونها تنفتح وتنغلق عدة مرات تحاول استيعاب هدوءه ورضوخه الغاية في السلاسة خاصة وقد امتنعا عن الذهاب للمتابعة بسبب حالة من حالات غضبه الهوجاء وتهجمه على زوج حالة غليظ متعجرف كان يريد تخطي دورهم وحظه التعس اوقعه مع زوجها الغاضب، والنتيجة انتهاء الأمر بشجار صاخب بين الطرفين نتج عنه قرارهما بعدم الذهاب للمتابعة سويًا مطلقًا.
-أيه ده إنت مش هتتعصب؟
تنهد فاقد الأمل في متابعة التلفاز فمد ذراعه يجذب جهاز التحكم مغلقًا إياه ثم استقام يمط جسده في بطء متعمد مشاكستها وكأنه لديه وقت العالم كله وكأنها لا تجلس تشاهده في ترقب طفيف وشفتيها ممطوطه في حنق لعدم إجابته.
-أنا بكلمك على فكرة.
قالت وسام معترضة وهي تقف قبالته فالتفت في ملل ينظر إليها قبل أن تتسع عيناه في ذعر مطالعًا نقطة خلف ظهرها، استدارت وسام في ذعر لترى ما خلفها لكنها صرخت حين شعرت بذراعين غليظين يلفان جسدها في خفة ليحملها بيجاد الضاحك وسط صرخات اعتراضها:
-كان ممكن أموت، قولتلك مية مرة بطل تخضني وأنا حامل هتسقطني.
-يا وسام فوقي أنتي في الشهر السابع يعني لما اخضك هولدك وهوفر عليكي شهرين.
تحرك بها نحو غرفتهم فتمتمت وسام في نبرة منزعجة:
-مش عايزة أنام أنا!
-ومين قال اننا هنام؟
رمقها بعيونه المشاغبة غامزًا وكادت تُحبط أماله حين اوقفها رنين هاتف بيجاد الموجود بين ثنايا سرواله البيتي فمطت ذراعها، وهي لا تزال بين أحضانه تعبث في طيات ملابسه حتى جذبت الهاتف محركة شفاها للجانب في ضيق وهي ترى اسم رشاد فقالت في نبرتها الساخرة:
-صاحبك اللي بيظبطلكم البنات….
اتسعت ابتسامته مظهرًا كامل اسنانه ثم قال في اعتيادية متعمد إغاظتها:
-أيه بقيتي بتغيري من الرجالة كمان؟
-لا يا حبيبي أنا مش بغير، أنا سيباك براحتك رايح جاي ومبتكلمش لما نشوف اخرتها…
كان وجهها أحمر من شدة غيرتها المشتعلة فدوت ضحكته المستفزة أثناء وضعه لها فوق الفراش قائلًا في غلاظة:
-هتموتي وتعرفي بروح فين!
-اه هموت وأعرف!
هكدب ليه انا ست زي كل الستات وعايزة افهم جوزي بيروح فين.
-ما انتي لو ست واعية كنتي عرفتي ازاي تضحكي عليه وتحتويه.
حرك بيجاد حاجبيه مقلدًا طريقة والدتها المحببة لقلبه فانفجرت ضاحكة لكنها تمالك ضحكاتها متمسكة بعضبها موبخه:
-متغيرش الموضوع، بجد يا بيجاد قولي بتروح فين؟
انصاع للتوسل في عيناها متنهدًا في استسلام قبل أن يعتدل بجوارها جاذبًا إياها في أحضانه متعجب من ذلك التوتر الذي يمتلك جوارحه كلما قرر مصارحتها فهناك جانب مظلم خفي داخله يحذره بانها قد تعايره في يوم من الأيام وقت شجارهم بعلاجه، أبعد تلك الأفكار الحارقة مقررًا مصارحتها بما كان يأجله للوقت المناسب:
-عايزه تعرفي انا بروح فين كل يوم؟
هزت رأسها بأعين متسعة لامعة بالفضول فأجابها في غموض وكأنه يستشعر رد فعلها:
-أنا بحضر اجتماعات نفسية.
ارتفع حاجبيها بعدم فهم فاستكمل في توتر:
-ساعات بيسموها دوائر التشافي مجرد حاجة تحفيزية متفتكريش اني مريض مفسي مثلا او اني…
قاطعته وسام سريعًا ما ان وصلتها نبرة الحرج في صوته الرجولي وكأنه خجل من حضوره ومُحاربته:
-بجد يا بيجاد؟
والموضوع جايب نتيجة مع العصبية، أقصد حاسس بالفرق؟
سألته وهي تمسك بأصابعه في فخر فتنفس الصعداء قائلًا في حيرة وتعجب:
-المفروض انتي اللي تقوليلي،
حاسة اني اتغيرت ولا لا؟
هزت رأسها بالموافقة ثم ضمته نحوها واضعة رأسها على كتفه هامسة:
-قد ايه انا غبية، انت فعلا اتحسنت انت تقريبا معملتش اي خناقه الايام اللي فاتت الا مع سواق التاكسي البارد من يومين،
اه وعصبيتك الزايدة مع ريم وكلامك السم.
رمش بيجاد قبل ان يخبرها في نبرة ساخرة محبطة:
-لا واضح اني اتغيرت فعلًا.
عضت شفتيها في حرج لتسأل بابتسامه مشرقة:
-وبتعمل أيه هناك ولا بتقولوا أيه؟
-كلام .. بنتعلم من تجارب بعض…
ابتسمت في رضا تحاول كبح فضولها كي لا تزيد من ضغطه، قبل أن تختفي تلك الابتسامة تدريجيًا من على وجهها قائلة في لهجة متوجسة:
-الاجتماعات دي لو فيها ستات، انا هقطع شعرهم في ايدي واكل دراعك ده بسناني.
اتسعت أعين بيجاد في ذهول للعنف الصريح المتجسد داخل مقلتيها، لكنه ابتسم مجيلًا في لهجة متهكمة:
-أنتي بقيتي عنيفة ليه كده، داهية لتكوني عندك مشاكل محتاجة تعالجيها…
ضاقت عيناها متقبلة القائه باتهاماتها السابقة في وجهها لكنها لن تنكر سعادتها ورضاها بالحالة التي وصل لها زوجها، متأكدة انه قد تكبد العناء من أجلها هي فهمست في خجل:
-انت لسه زعلان مني بسبب العبط اللي كنت بعمله معاك؟
انكمشت ملامحه يعكس تفكيره قبل أن يسألها في غموض مرح:
-قصدك بالعبط … فوبيا الخوف من القادم ومنهج (وقوع البلاء ولا انتظاره) اللي كنتي بتجربي عليا زي فيران التجارب،
ولا قصدك الأسلوب السخيف اللي كنتي بتستخدمي معايا عشان تثبتي لنفسك ان كلام ابوكي عني صح؟
نظر لها في جمود ونبرته تحمل من العتاب واللوم الكثير، فابتلعت وسام ريقها في خجل عندما تعلقت عيناه بها في صمت يحدجها بنظرات ذات معنى قبل أن يمنحها ابتسامه صغيرة صادقة مستطردً:
-لا مش زعلان.
-اومال لو زعلان.
غمغمت مغتاظة من كلماته التي جعلتها غارقة في جلد الذات لأنها وضعت زوجها وسط ضغط نفسي كبير دون قصد، انتبهت إلى بيجاد الذي رفع ذقنها نحوه قبل يعتدل ممسكًا بكفيها ولاحظت هروبه من نظراتها بخفض عيناه وكأنه يخشى النظر لها ثم سأل في لهجة التقطت منها الخجل وخيبة الأمل:
-أنا عايز اعتذرلك على اللي حصل مني يوم الخناقة، صدقيني لو كنت اتخيلت اني همد ايدي عليكي كنت قطعتها بنفسي.
رفعت كفها توقف كلماته بأغلاق فمه قائلة في نبرة منخفضة لكنها نابعة من القلب:
-انا مش حابة تفكر في الموضوع ده لا أنا ولا أنت، خلينا واقعين أنت غلطت وأنا غلطت ….
احنا مش محتاجين عتاب عشان نزود محبتنا في قلوب بعض، انت مكانك في قلبي مفيش حاجة في الدنيا تقدر تزحزحه.
أبعدت يدها تنظر للناحية الأخرى في خجل قبل أن تعيد رأسها للنظر نحوه في اللحظة التالية سائلة بحاجبين مرفوعين وعيون متسعة في توجس:
-تفتكر دي الهرمونات ولا أنا اللي عقلت فعلًا.
أغمض بيجاد عيناه ضاحكًا وقد نجحت في سد ثغرة كبيرة داخل صدره بكلماتها، لكنه تجاهل محاولاتها لتخفيف الموقف وإخفاء توترها وقربها منه مقبلًا رأسها قائلًا:
-أنا موافقك في كل كلمه، بس هقولك أنا أسف مش عشانك بس لا عشان أريح قلبي.
تمايلت برأسها لليمين واليسار في خفة وكأنها توزن كلماته قبل ان ترتفع بجسدها كي تقبل رأسه هي الأخرى هامسة أمام وجهة:
-وأنا كمان أسفة، وهتصدق لو قولت انه مبقاش يفرق معايا تتغير ما تتغيرش أو تتأسف ما تتأسفش؟
المهم ان اخر اليوم أنا هكون هنا بين ايديك وفي حضنك جوا قلبك.
-يا وعدي على الحب والدلال .. أموت أنا..
قال بيجاد ضاحكًا ضحكته الرجولية المميزة قبل أن يعانقها وهي تمانعه في خجل فأبعدها عنه في لحظه كالملسوع هامسًا في صدمة:
-أيه ده وسام … أنتي بتتكسفي؟
خرجت انفاسه وضحكاته الهاربة في قسوة حين دفعت بالوسادة في وجهه قائلة في اهتياج:
-قوم من وشي…يا غتت….
أمسك أصابعها التي تحاول صفعه ليلثمها في بطء شديد في فمه، حاولت التمنع عنه ولكنه شد فوق معصميها هامسًا بين قبلاته الحانية:
-بحبك يا مجنونة…
مطت شفتيها تمتنع عن إجابته بالمثل فارتفع حاجبه محذرًا:
-هتندمي..!
-مش هقولك بردو هاه…
قالت في دلال وغيظ وهي تجذب معصميها لينقض عليها معتصرًا إياها بين ذراعيه غير مبالي بصراخها المحذر خوفًا على بطنها المنتفخة مقبلًا جانب عنقها مطالبًا في مرح:
-قولي بحبك…
حركت رأسها في رفض وعناد رغم الابتسامة الطفيفة التي تفضح مشاعر الرضا على وجهها، فعض بيجاد أعلى كتفها في تحذير مطالبًا من جديد:
-قولي بحبك يا بت بدل ما أروح اندهلك أمك تعدلك من أول وجديد…
حدجته بنظرات قاتلة وكادت تمطره بوابل من الشتائم لكنه نجح في ابتلاع كلماتها المغتاظة بين شفتيه الغليظة في قبلة طويلة متقلبه أسرت الدماء في عروقه وامتصت من زوجته القدرة على التمرد أو الرفض، ابتعد عنها مقدار شعره هامسًا أمام شفتيها:
-بحبك…
-وأنا كمان بحبك …
لمعت عيونه في سعادة كالتي عكستها عيونها الرائعة الخلابة، لكنها أغمضت جفونها في استسلام حين مال يقبل جبينها في محبة منتقلًا على وجهها بقبلات خفيفة سلبتها صوابها وأشعلت لهفتها.
لمعت عيناه في نصر حين انفرجت عيناها المنتظرة في شوق قبل ان يختطف أنفاسها منتقلًا بها إلى عالم أخر السلطة داخله مُنقلبه الموازين …. فيه القلب هو الحاكم والعاشق هو المحكوم….
*****
أما في عالم الواقع الموازي كان أحمد يجرر ساقيه كالمغيب في الطرقات ناسيًا إنه ترك سيارته مركونة أمام المبنى الخاص بعيادة الطبيب الذي خرج من عيادته للتو مثقلًا بالهموم في خضم الصدمات المتتالية التي تلاقاه في مقتل اليوم.
لا يدري كيف وصل ومتى لكنه وجد نفسه جالسًا متربعًا داخل جزيرة وسط الطريق والفجر على وشك البزوغ، لامس بأنامله النباتات الرطبة أمامه وذهنه منشغل بكل كلمة خرجت من الطبيب.
شعر بخمول وتبلد بل أسوأ يشعر بالنقص والغباء والإهمال… يشعر بأن والده قد نجح أخيرًا في سرقه أدميته فهو ذاته لم يحترمها واختار الانسياق كالحيوان خلف رجل ظالم في ضعف وخضوع بل تمادى في أخطاءه بالانسياق خلف أوهامه عن الهروب.
نظر للخلاء من حوله متعجبًا شعوره بالاختناق كمن علق في أتوبيس عام وقت الظهيرة بين جموع الموظفين، استقام في إرهاق شديد وقد انزاحت ضبابية أفكاره نوعًا ما يبحث عن سيارته كي يعود لمنزله التي تسكنه مشعوذة بعثرت مشاعره المضطربة فصار أشد اضطرابًا بعد أن أجبرت قلبه على الضرب فوق جدران سجن نسجه بخيوط أوهامه ومخاوفه.
وجد نفسه يركض في تيه ولهفة لا يطيق الصبر والانتظار حتى يصل إليها ويحتمي بهالتها المحاربة.
*****
-الرقم الذي تحاول الاتصال به مغلق أو غير متاح ….
ضغطت ليان فوق الشاشة في عنف مغلقه المكالمة قبل أن تجفف دموعها المنهمرة ثم عادت تنظر إلى شاشة هاتفها المشيرة إلى أن الوقت قد تعدى الرابعة فجرًا مقررة عدم الانتظار أكتر والتصرف.
بالتأكيد تغاضت عن فكرة الاتصال بأخويها وطلب المساعدة فماذا ستخبرهم؟
ان زوجها أحمد الذين لا يكرهون أكثر منه في الحياة خرج من المنزل ولم يعد؟!
لا ستعتمد على حدسها تلك المرة فهي ستوقف سيارة أجرة وتبدأ بحثها من المتجر فلا بد إنه قابع في ظلام مخزنه الموحش،
دلفت تعبث بالأكياس التي أحضرتها دعاء العاملة في متجر الملابس الخاص به بعد يومين من زواجهما، بناءً على طلب أحمد الذي أشفق عليها أو ربما هو فقط سئم استعارتها المستمرة لملابسه، كانت تحاول إيجاد ما يمكن ارتداءه حين سمعت باب المنزل ينغلق في هدوء.
اتسعت أعينها ملقيه ما بيدها راكضة للخارج في لهفة فوجدته يستقر فوق الأريكة بينما يميل للطاولة يضع أغراضه في إهمال قبل ان يدفن وجهه بين كفيه في تعب يظهر على أكتافه المتشنجة.
ركضت ليان نحوه هاتفة في اعتراض:
-انا كنت نازلة أدور عليك من كتر القلق، أنت ليه اناني كده ومش بتفكر غير في نفسك،
رد عليا مفكرتش ان في كلبة في البيت هتتجنن عليك لأن أنا حرفيًا مبقاش ليا حد غيرك في الدنيا ومش بمزاجي!،
ما تنطق كنت فين كل ده؟
رفع كفيه من على وجهه وعبارتها الصريحة ” مبقاش ليا حد غيرك في الدنيا” تعيد نفسها في ذهنه دون رحمة بحاله التخبط الذي وصل لها، رفع ذراعه يجذبها في لطف لتجلس إلي جواره قائلًا بصوت خشن لعدم خروجه منذ مدة:
-هقولك كل حاجة.
تنهد وهو يعود بذاكرته إلى وقت جلوسه كالتلميذ المشاغب المنتظر عقابه أمام كرسي الطبيب …..
***
-ايوة طبعًا مؤثر يا فندم وتأثيره مختلف حسب طبيعه جسمك، أنا مش هقدر افيدك بشكل كامل غير لما نعمل شوية تحاليل….
لكن اللي أقدر أقوله من الكشف ان حضرتك مش بتعاني من أي مشكلة عضوية.
بلل أحمد المصدوم شفتيه دون جدوى فحلقه جاف كمن حُرم من الماء منذ أيام، تعجب الطبيب لصمته الذي طال وتشنجه الواضح فسأل في مهنية بلمحه من الاهتمام:
-حضرتك متوتر ليه، احنا شباب زي بعض اعتبرني صديقك وحاولي تحكي كل حاجة بالتفصيل عشان أقدر ابني صورة واضحة عن أبعاد المشكلة.
حرك أحمد رأسه في توتر فقد كانت المرة الأولى التي يدلف فيها إلى طبيب، بعد أن كابر كأي رجل شرقي يعيش وسط مجتمع حازم متنمر وحارب كي يتجاهل ما أصابه فكان يعتقد بانه ان تجاهل الوضع سيختفي.
يعترف بانه كان يخشى الاعتراف لأحد بما حدث بل كان يخشى الاعتراف بالأمر أو تذكره حتى أمام نفسه….
لكنه فعلها مرة حين فقد السيطرة على مشاعره أمام ريم التي التقطت الأمر بسبب رفضه القاطع لفكرة الزواج ليستسلم في لحظة ضعف ويعترف لها بما يخشاه.
حرك فمه ليسرد عليه في بطء وتأني تفاصيل حياته شارحًا ضغوطاته التي تعرض لها منذ كان طفل ووقت صباه حين كان مراهقًا لم يصل سن الرشد فقد وجد الأمر ضروريًا لتبرير موافقته على تناول الدواء الذي اقترحه عليه صديقه في هذا الوقت، لينتهي أخيرًا بسرد الموقف القبيح الذي سلبه رجولته وجعله غير قادر على تقبل الأمر أو الإفصاح عنه لأيًا كان.
حرك الطبيب رأسه في تأني وتركيز يحاول منع ملامح اشمئزازه من الظهور على وجهه لوجود ذوي على هذه الدرجة من الغباء فلا يحتاج إلي خبير لنفسي لمعرفة أن قسوة والده قد زعزعت وجدانه وحفرت ثغرات عميقة داخل شخصه، فأحمد ليس الحالة الأولى التي يعالجها تعاني من حاجز نفسي يمنعها من ممارسة الحياة بصورة طبيعية وحين أنتهى حديث أحمد، مط الطبيب شفتيه لأسفل بعدم رضا قائلًا:
-طبعا مش محتاج أقول لحضرتك، ان أكبر غلطه غلطها هي انك تاخد دوا بدون اي استشارة طبية،
صدقني مش أفورة لكن احنا كدكاترة مش بندرس سبع سنين من فراغ وياريت تفتكر الموضوع ده بعد كده ومتكررهوش تاني لأن معظم الشباب بيقعوا في الغلطة دي،
وانت لازم تحمد ربنا انك محظوظ لان في ادوية بتسبب هبوط في الدم وبتؤدي للوفاة اللحظية لو مش مناسبة مع جسم المريض وفي ادوية تانية ممكن تدخلك في غيبوبة.
-عارف.
اعترف احمد الخجل في نبرة منخفضة وهو يعبث بغرض ما فوق مكتب الطبيب يحاول عدم الظهور ككتله متوترة وهو ما فشل به فشل ذريع، لأنه يشعر بالغباء وكأنه ذلك الأحمق الذي امتطى حماره بطريقة عكسية.
رأف الطبيب بحالته وقد شعر بذبذباته الغير مستقرة فقرر التعامل معه بحذر وهدوء مدونً بضع اسماء اختبارات دون أن يخبره صراحة بانه يريد التأكد من إدمانه بجانب امور أخرى لينهي حديثه بغرض تخفيف الوضع:
-انا هطلب من حضرتك صراحة تمتنع عن أي نوع من الادوية وانك تعملي التحاليل دي في أقرب وقت ممكن خلال الأسبوع ده عشان اقدر اساعدك بشكل مناسب،
وياريت حضرتك تسمحلي أتدخل واقولك ان مشكلتك أكبر من كده بشوية ومُتعديه تخصصي لأنك محتاج استشارة نفسية بجانب المعالجة الجسدية.
صمت أحمد المستمع إليه في صمت وحرج وكأنه يخجل بجلوسه هنا امامه، فحاول الطبيب الشاب الذي تعاطف معه تخفيف وطأة الوضع مستجيبًا لضميره الانساني قائلًا:
-على فكرة أنا مبسوط جدًا ان حضرتك لجأت ليا، صعب جدا الاقي انسان بيحارب عشان نفسه.
ظهر شبح ابتسامه ساخرة على وجه أحمد ما أن سمع كلمة محاربة فابتسم الطبيب مؤكدًا محفزًا إياه:
-مجرد أنك تعترف بان عندك مشكلة ده في حد ذاته قوة ونص الطريق، حضرتك باين عليك راجل محترم وعلى خلق بلاش تتراجع بعد الخطوة المهمة دي.
سعل الطبيب في خفه قبل أن يستكمل في هدوء:
-أنا حقيقي مهتم بحالتك وشايف انك مشروع صديق لدرجة اني عايز اتطفل واطلب منك تديني رقمك عشان أقدر أتواصل معاك.
خلل أحمد خصلاته في توتر لكنه سارع في إعطاءه رقمه ليس لأنه غبي مصدقًا إنه يرغب في صداقته بل لأنه يخشى أن يتراجع ويعود لذاته المستسلمة وقد يعمل تواصل الطبيب معه كحافز لدفعه في الاستمرار.
اقتحمت صورة ليان المبتسمة في تحدي أفكاره وكأنها تؤكد له قوة حضورها في حياته حتى في غيابها، فحتى وأن قضت بها أيام قليلة فهي تؤكد له بأنها لم تمتلك قلبه بل امتلكت روحه العاطبة.
-انت متجوز يا أحمد؟
سأل الطبيب الذي لاحظ خواء أصبعه من خاتم الزواج لكنه تعجب حين حرك أحمد رأسه بإثبات قبل ان يهزها بالنفي قائلًا في حرج:
-متجوز بس الموضوع معقد شوية.
-معقد بسبب الموضوع ده ولا معقد لظروف تانيه.
-الاتنين.
خرجت شبة ضحكة يائسة من الطبيب الذي أخفض راسه متعجبًا من أطنان التعقيدات المحاطة بمريضه قبل ان يسأله في مرح:
-انت دوست على ديل قطة سودة وانت صغير؟
اهتز وجه أحمد بابتسامه ضعيفة مجيبًا في تعب:
-شكلي كده يا دكتور.
-مش مشكلة كفاية علينا كده انهارده هنتكلم في النقطة دي بعدين.
تحدث الطبيب في ثقه وهو يفتح أحد الأدراج مخرجًا كرت صغير لأحد الأطباء النفسيين قائلًا في جدية:
-ده دكتور نفساني محترم وشاطر جدًا خليه معاك عشان هتحتاجه أكيد لو قررت تكمل.
اجبر احمد كفه على الإمساك بالورقة وبروشته الطبيب وهما يتبادل بضع كلمات قليلة وقبل أن يغادر أوقفه الطبيب قائلًا في تمني:
-اتمنى لو حصل أي مشكلة وحسيت ان جسمك محتاج الدوا ومش متقبل غيابه، كلمني…
-أنا مدمن صح؟
سأله أحمد الشاحب فأنكر الطبيب بطريقته اللطيفة الحذره:
-مش مدمن بالمعنى المتعارف عليه بس أي علاج في الدنيا بيأثر على الجهاز العصبي والجسم بيتعود عليه،
فطبيعي لما توقف الدوا هيظهر عليك أعراض انسحاب.
تنهد أحمد يشعر بالندم لأن الإهمال النابع من لامبالاته اللامتناهية هو من رماه في مصائبه الشائكة، شكر الطبيب في صدق قبل أن يتحرك للخارج مجرجرًا ساقيه في تعب.
***
-بس كده وبعدها محستش بنفسي غير وانا قاعد في الشارع للفجر فرجعت.
نظر نحو ليان التي تسند رأسها فوق كفها تخفي فمها المزموم خلف انامها، كان متوتر بل قلق يخشى رد فعلها غير قادر على التنبؤ بقراراتها فربما هي نادمة تفكر الآن بأي مصيبة أوقعت نفسها بها…
-ليان أنا انسان غير سوي وعايز إعادة بناء من الألف إلي الياء وعارف أنك انسانه متهورة عنيدة ماشية ورا حب قديم،
بس صدقيني نصيحتي ليكي أهربي انتي متستحقيش التعب ده.
خالفت ليان توقعاته حينما لمست ذقنه ترفع عيناه نحوها قبل أن تتفوه بما لم يتوقعه:
-حب قديم، يعني أنت عارف أني بحبك؟
نظر لها احمد وكأن لها رأسان متسائلا في نبرة متعجبة مما تنتبه له النساء:
-هو ده اللي سمعتيه من كل اللي قولته … هو ده اللي همك؟
حركت رأسها فاقدة للأمل بأن يفهمها قبل أن تخبره في نبرة شبة ساخرة وابتسامه مستفزة:
-انا اختارتك بعيوبك من غير ما اشوف مميزاتك حتى،
تفتكر هنسحب دلوقتي بعد ما عرفت ان حياتنا ممكن تكون طبيعية حتى لو الطريق صعب؟!
تعلقت أبصاره بوجهها المبتسم كالأبلة غير قادر على ترجمة ذلك الشعور الذي ينبعث من عينيها فيبعثر مكنوناته …
لا يدري أهو حبً أم إعجاب لأنه لم يتذوق أيً منهما قبلًا لكنه متأكد مائة في المائة بأنها تقحم شعورًا دافئ بالأمان والاحتواء داخل صدره.
-لما أنت عارف أني بحبك مقولتليش قبل كده ليه، ولا أنت مش حاسس بأي حاجة نحيتي؟
سألت في تعنت بأنف مرفوع شامخ متجاهلة صمته ونظراته المطولة بها رغم لمعة الخوف البارقة من عيونها خشيةً من جوابة.
-أنا مكنتش حاسس بحب أكيد، لاني وقتها اخترت أمنع نفسي عن الحب وعن الستات كلهم.
اهتزت ملامحها وكأنه كسر قلبها لتوه لكنه أنقذ الموقف بهمسته الخافتة في صدق:
-بس ده ميمنعش أني لما بشوفك بكون عايز أحبك وأعرف معنى الحب،
ومعاكي انتي بالذات ليه؟
عشان كل ما أبص في عنيكي بسافر لمكان جواه أمان عشت عمري كله محروم منه.
أنهى كلماته بتنهيده أسى ثم شاهد بقلب ينبض بين ضلوعه اقتراب ليان منه في بطء تدريجي وكأنها تخشى أن يتبخر في الهواء حتى احتوته في عناق صادق بريء يصب حبها المجنون داخل قلبه الأجوف.
أسبل جفونه سامحًا لنفسه باستشعار لمساتها دون قيود حتى وإن كانت تلك القيود في حالة هياج تطرق على أبواب رأسه تحاول التحرر لامتلاكه من جديد، ضغط على جسدها يدفعها للجلوس بين أحضانه فوق ساقيه وكأنها يحتمي بها ويخشى انفلات تلك القيود.
فتاه في لمسات أصابعها الحنونة على خصلات شعره خلف رأسه لدقائق طويلة قبل ان يخبرها بصوت أجش:
-عارفة ان لمستك حنينه اوي بتفكرني بأمي الله يسامحها.
عادت بجسدها للخلف تحتضن وجهه بين كفيها وقد شعرت بحاجتها لتبرير الحقائق هامسة في صدق:
-متزعلش من مامتك يا أحمد صدقني هي أخر ما تتمناه منك انك تلومها،
انت عارف ومتأكد ان باباك صعب وهي مجرد ست اتكسرت تحت جناح راجل قاسي فبلاش تقسي عليها أنت كمان.
هز رأسه معترفًا بكلماتها ولكنه لا يستطيع منع شعوره الداخلي بالحزن والغضب لأنه لم يستمع منها أو من شقيقته منذ زمن طويل وهو مشتاق … مشتاق كثيرًا.
شعرت به ليان يشد على خصرها فارتخت بين احضانه باستسلام ترغب لو تعطيه كل الراحة التي في العالم لكنه عاد يفتح حديث يؤرق كلاهما:
-اعملي حسابك انه هيجي ياخد البيت قريب هو بس مديني فرصة ولسه عنده أمل اني هرجع زاحف اطلب منه السماح.
تلك المرة هي من شدت على جسده تزيد من احتواءه قائلة في تحدي ساخر:
-متقلقش هبقى أنزل أكمل نومي عند عم عبده البواب لحد ما تأجر أي شقة.
رفع رأسها بيده يعيد ترتيب خصلاته للخلف سامحًا لأنظاره بالانتقال فوق ملامحها ثم قال بابتسامه خفيفة بها لمحة من المرح:
-وعم عبده ليه هبقى انيمك في عربيتي.
ارتفع حاجبها في تساؤل متعجبة:
-هو مش هياخد العربية؟
-لا دي بتاعتي، العربية كنت واخدها من كام سنة تخليص حق من واحد، هي الحاجة الوحيدة اللي طلعت بيها ….اااه..
تأوه حين صفعت كلا كفيها فوق صدره تعنفه في غيظ:
-ولما هو في عربيه مصفي دمي ليه يا بني آدم ما ده معناه اننا مش على البلاطة عربيتك شكلها نضيق وغالية ولو بعتها هتوفرلك راس مال حلو،
ده غير ان معايا مبلغ صغير لو حطناهم على بعض ممكن نفتح مكان خاص بينا، سواء بوتيك أو محل مكياج … أنت بتبصلي كده ليه؟
-انتي عايزة تديني فلوسك بجد؟
سأل وكأنها تفعل امرًا معيبًا فشعرت بالارتباك قائلة في نبرة مستغربة:
-اه وأيه المشكلة، ولا أنت ناوي تنصب عليا؟
خرج باقي سؤالها مقطرًا بمشاكسة وقد زين وجهها ابتسامه رائعة فتجرأ أحمد بأصابع مهتزة على جذب وجهها أمام وجه كي يضع قبلة طفيفة لا تذكر فوق فمها مباشرةً قائلًا:
-أنتي مش هتسرقي قلبي وبس، أنتي مش هترتاحي غير لما تسرقي روحي مني.
علت ضحكتها الرنانة النابعة من قلبها المجنون الذي يثب في صدرها لا تصدق أنه تقرب منها للتو حتى وان كانت لمسه طفيفة إلا إنها هزت كيانها بالأمل، غمزت له ما ان توقفت عن الضحك مؤكدة في غرور أنثوي:
-دي اقل حاجة عندي.
حاولت الاقتراب منه فعاد قليلًا للخلف مجيبًا على تساؤلها الصارخ فوق وجهها الواجم:
-انا لسه في البداية.
-يعني؟
سألت بشفه مرتفعة في ازدراء لا يعجبها منحنى حديثه فزفر في حرج قبل ان يقرر إعلان مخاوفه في صدق دون خجل:
-أنا خايف مش عايز الأمل ده يتسحب مني بسرعة.
علا التفاهم فوق ملامحها قبل ان تهديه ابتسامتها الهادئة مقبلة جبينه في مؤازرة مؤكده:
-متخافش أنا متأكدة ان كل حاجة هتبقى تمام وعارفة اننا هنتعب شوية بس أتاكد اني هكون معاك دايمًا وهساعدك…
أسبل جفونه في مشاغبة غريبة عن طباعه ولكنها تستفزها من أعماقه، قبل ان يعود بأنظاره الثاقبة فوق عيونها الجريئة يحاول كسر حاجز الخجل في شخصه والارتواء من جراءتها فهمس في براءة متعمدة:
-هتساعديني ازاي؟
حركت ليان راسها عدة مرات تحاول استيعاب سؤاله لكنها سعلت في حرج متمنية أن لمحه الخجل داخلها لم تكسو وجنتيها الدافئة ثم قالت في نبرة منخفضة:
-هساعدك يا احمد!
-هتساعديني ازاي يعني مش فاهم!
جزت على اسنانها وهي تسب غباءه وتحركت حدقتيها للجانب مرة قبل ان تمسك بعينه قائلة في نبرة مغتاظة:
-بلاش غباء هساعدك وخلاص.
استسلم أحمد لضحكة طويلة لم تخرج منه منذ زمن ولم تستمع إليها ليان من قبل، فظلت جالسة فوق ساقيه كطفل تائهة مبهورة برؤية شهاب لامع لأول مرة في حياتها.
توقفت ضحكاته المتقطعة وهو يعود بجسده للخلف يستند خلف ذراعيه بأريحيه مكتفي بالنظر إلي ملامحها الرائعة فقالت في نبرة حالمة محمله بلحن الوفاء:
-بحبك وبتمنى أقضي حياتي كلها معاك.
قتلت تلك الكلمة أي شكوك وهواجس داخله ببطء وبكل هدوء وجد نفسه يعتدل من جديد سامحًا لنفسه بتذوق شفتيها المبتسمة، مفكرًا بانه لا ضرر من قبلة يرغبها كلاهما في جنون مادام سيطفئ تلك النار الموقدة داخل أحشاءه.
*****
وفي داخل منزل ريان وريم عادت الحياة لطبيعتها أخيرًا متخذة رتمً مقبولًا في حياتهما، فقد كان ريان مستلقى بأريحيه فوق الأريكة رغم ثقل جسد عمر المستقر فوق جسده يتابعان في هدوء العبث على هاتفه النقال بينما ريم تجهز وجبه العشاء أخذه في التنقل بين الطاولة والمطبخ مدندنه اغنيتها المفضلة.
-حلوة الصورة دي يا بابي، دول أخوات اطفال زيي؟
مال فم ريان الساخر وهو يعبث بخصلاته سعيدًا بنظرات التمني اللامعة داخل عيون طفله البريئة، ليشعر بأريحيه وتحفز أكثر نحو قرر يشغله منذ مدة ثم قال مشاكسًا إياه في غلاظة:
-مال أهلك انت ومال الأطفال يا لمض.
ترك طفله المتذمر يعبث بالهاتف بدلًا عنه بينما راقب هو جسد ريم المتمايل في عفوية ورشاقة، و ا ان انتبهت لتحديقه السافر بها حتى عض شفتيه يلقيها بإحدى نظراته الوقحة الصارخة بتوعد، اتسعت عيون الريم خاصتها ثم هزت رأسها فاقدة الأمل في وقاحته قبل أن تعود لإحضار باقي الأطباق.
رفع ريان صغيره يجلسه فوق أحد فخديه ما أن اختفت هامسًا في شيطانية:
-عايز أخوات؟
-ايوة يا بابي.
-حلو … تسمع اللي هقوله وتعمله بالظبط … أمين؟
قال ريان بحماسه زائده ليهتف عُمر موافقته سريعًا:
-أمين!
ضحك ريان شاكرًا حظه بان ريم بعيدة عن مرماهم وإلا كانت ستتذمر معترضة مغرقة إياه بخطابها الاخلاقي عن انتقاء ألفاظه امام طفلها … حبيب القلب المدلل….
*****
بعد وجبة العشاء خرجت ريم من المرحاض مسترخية منهية حمام ساخن تمتعت به ما أن انتهت من تنظيف أطباق العشاء، حركت المنشفة فوق خصلاتها المتدلية حول وجهها مرتدي رداء الحمام الخاص بها، لكنها تسمرت في مكانها بأعين متسعة خجلة تتنقل بين زوجها وطفلها الجالسان فوق الفراش يطالعونها في ترقب.
-انتوا قاعدين ليه كده؟!
اقترب منها عمر سريعًا يحتضن خصرها وأعينها المتسائلة تتنقل بينه وبين ريان الصامت في ريبة ليقطع نظراتها صوت عمر الرقيق:
-ريم مش أنتي بتحبيني؟
-ايوة طبعا يا روحي، بموت فيك كمان.
ابعد رأسه يرفعها ليرى وجهها بشكل افضل قبل أن يطالب بابتسامه عريضة:
-هاتيلي نونو العب بيه يبقى اخويا أو أختي.
ارتبكت ريم المصدومة لكنها أخبرته في نبرة مهتزة في حرج:
-نونو… اه … ان شاء الله يا حبيبي…
-هييه شوفت يا بابي ريم موافقة ازاي.
-شوفت يا حبيبي.
أخبره ريان بعيونه اللامعة بنظراته المشاغبة فضاقت عيون ريم المتوعدة وقد استوعبت مخططه لاغاظتها لكن صوت عمر الحماسي قاطعها من جديد وهو يعود نحوها:
-يلا يا ريم كلمي طنط وسام اسأليها جابته منين عشان تروحي تجيبي من عندها!
اختفت المشاغبة من على وجه ريان المنزعج فأقترب جاذبًا عمر من أسفل عنقه مستنكرًا في غيظ:
-وتجيب من عند طنط وسام ليه؟
هو أنا قصرت معاكم في حاجة يا ابني.
ألقت ريم التي تحولت إلى حبة من الطماطم بالمنشفة الرطبة في وجهه هاتفه من بين اسنانها:
-ريان مش ممكن لسانك ده قدام الولد.
-طيب يا ستي شكرًا كفاية،
وأنت ياض انا غلطان اني اعتمدت عليك قال طنط وسام قال روح اتلهي العب يلا برا..
حارب عمر اصابع والده القابضة على مقدمه ملابسه بشفاه ممطوطه في تذمر طفولي واعتراض قبل أن تتدخل ريم وتجبر زوجها الغليظ المستمتع باعتراضاته على افلاته موجهه حديثها للصغير:
-العب جيم واحد بس يا عمر، واغسل سنانك وتنام على طول، اتفقنا؟
-اتفقنا، هتيجي تنامي معايا.
-خد هنا ياض ده أنا جوزها مقدرش اقولها الكلمتين دول،
مفيش نوم معاك من تاني انت مش صغير، ريم هتنام معايا.
-يا سلام وهو أنت اللي صغير…
كاد يرد ريان غارق في روح المشاجرة مع الصغير، في مشهد يومي باتت معتادة عليه فزمجرت منهية الوضع بقولها الحاد:
-خلاص قولت، روح يا عمر دلوقتي واسمع اللي قولت عليه عشان مزعلش منك.
-حاضر يا ريم.
اجابها في خيبة أمل قبل أن ينطلق للخارج، وحين حاول اغلاق الباب أخرج ريان لسانه في اغاظة صارخه متسببًا بزمجر عمر الذي يوشك على البكاء فتقدمت ريم من ريان تقرص ذراعه في غضب ليتأوه متألمًا وسط ضحكات عمر الراضي التي اختفى بعدما إغلق الباب.
-عجبك كده اهو بيضحك عليا، بكره دلعك ده هيخلي يضربني بالجزمة.
تذمر ريان بذراعين معقودين في حزم أمام صدره فتنهدت ريم لأنها لن تسلم من اعتراضاته ثم اتجهت تغلق الباب بإحكام لتغير ملابسها قبل تخبره ساخرة:
-هو لو ضربك هيكون مش خسارة في أفعالك،
انا مش فاهمه الحقيقة انت أبوه ولا مولود فوق راسه بطل تغتت عليه خليت الولد بقى عصبي.
ارتمى ريان فوق الفراش ساندًا رأسه فوق كفه متلهفًا لمتابعة طقوسها النسائية التي ستبدأها بخلع الرداء كاشفة عن جسدها اللذيذ قبل أن تغطيه بطبقة مخملية برائحة الزهور.
-المهم انجزي عشان في نونو مستنينا.
تسمرت وهي تخلع الرداء فأعادت اغلاقه فوق خصرها ثم اتجهت تتوسط الفراش إلى جانبه ترفض الأمل الذي يبثها به قبل أن تمط شفتيها في استنكار قائلة بنبرة عتاب بائنة:
-بس أنت كنت متفق نستني لحد ما عمر يبقى عنده سبع سنين، عشان اقدر اتفرغ لعمر وكده.
جذب ذراعها في قوة لتنتهي مستلقيه مثله امامه وهو يلمس رأسها مؤكدًا على أهمية ما سيقوله فقد حان الوقت لتبرير اتهام يتأكل رأسه منذ سمعه على لسان أحمد:
-لما طلبت منك نستنى ومنجبش أولاد بررت الوضع بوجود عمر، لكن في الحقيقة أنا كنت خايف على مشاعرك لو قولتلك اني شايفك مجرد طفلة صغيرة وكفاية عليكي هم ابن مش ابنك وقتها….
-بس عمر…
حاولت المدافعة في حماءيه عن أمومتها المكتسبة فأسكتها سريعًا بنبرة محذره:
-ششش اسمعيني للأخر ومتقاطعنيش، مش هنكر وقتها أني كنت أناني ولازلت عندي لمحة انانية ده طبع فيا مش هعرف اغيره بسهولة بس المهم اني بحاول،
لكن أنا وقت اما اتجوزت كنت شايفك طفلة زيك زي عمر بالظبط، كنت في حيرة وأنا شايفك متلهفة لنفس المشاعر ونفس الأماني المتخلفة بتاعت عمر.
انهى جملته بابتسامه صغيرة يقابل بها نظراتها المعاتبة فلامس خصلاتها المبللة مستكملًا في صدق:
-كنت خايف نجيب ولاد وانهي شبابك واهلكك في أول جوازنا، ولما تعقلي تكرهيني أو تتهميني باني ضيعت أجمل سنين عمرك وشبابك.
صمت يحاول تقدير وقع كلماته على مسامعها وتنهد حين مطت شفتيها مخفضة جفونها، قائلة بنبرة مهتزة تنبئ عن اقتراب بكاءها:
-بجد يا ريان ولا بتضحك عليا؟
-بجد يا روح ريان، بس ده ميمنعش اني هراضي ذمتي من دلوقتي وانبهك ان ده قرار أناني،
انا مشتاق لطفل من بطنك عشان اعلي سور سجني عليكي وامنعك تهربي مني للأبد.
مرر أصابعه فوق بشرة عنقها الرطبة متجهًا في ترقب إلي مقدمة صدر الرداء الغائرة متعمدًا ارباك عقلها وعدم اعطائها فرصة للتفكير أو الاعتراض فهمست ريم المضطربة التي يثب قلبها في عنف كلما تعرضت للمساته:
-ومين قال إني عايزة أهرب، أنا كمان عايزة طفل منك.
رفع ابهامه فوق وجهها يمرره في حب فوق وجنتها وشفتيها تاركًا لعيناه حرية تتبع كل بقعة يلمسها ودون أي كلمة أخرى بين الطرفين لحقتهما شفتاه المتلهفة تحرقها بقبلاته المتأججة بلهيب أشواقه.
تأوهت ريم في رفض تحاول دفعه في وهن هامسة:
-ريان مينفعش عمر لسه صاحي.
-على جثتي مش هسيبك….
حذرها متشدقًا بنشوة العاشق وهو يعتصرها نحوه موقفًا مقاومتها بشكل نهائي لتتحول من دفعه إلي لف ذراعيها بقوة حول عنقه في استسلام مهيب فوصل الروح بينهما لن ينقطع، تاركة له حق إسناد أي فعل للفاعل….
أما هو فقد كان هائم بها بل غارق بين ضربات أمواجها العاتية…
مجنون كان كجنون رسام أُطلق العنان لفُرشاته لتحاكي جنة الكمال … تاركًا لها حرية المراقصة فوق الأوراق…
مرافقًا لها ساعات في عنادٍ لإثبات فرط حب مشتعل لاهيها عن فرط من الانانية والجفاء…….
انتهت.
فرط_الحب
دينا_إبراهيم_روكا