باع العشرة الجزء الأول اماني السيد
امى سمعت ابويا بيكلم واحده تانيه فى التليفون وبيحب فيها وقتها سكتت وقالت يمكن نذوه وعشان خاطرنا جت على نفسها لاننا أطفال لكن بعد اسبوع بابا جه وقالها إنه بيحب واحده تانيه وعشان توافق تتجوزنى لازم اطلقك انا حاولت معاها لكن ده شرطها يا هيام أنى لازم أطلق وكده كده البيت ده ايجار قديم انا مش عايزه انت استلمت الشقه اللي كنت مقدم عليها هوضبها واقعد فيها عشان كده من غير شوشره وافقى على الطلاق خلينا نخرج بالمعروف زى ما دخلنا بالمعروف
وقتها كنت واقفه ورا ستاره الصاله وشفتها وهى بتترجاه وكانت هتوطى تبوس رجله زهى بتقوله انت عارف انى مش بشتغل ولا عندى حد يساعدنى ولادك دول ذنبهم ايه
أنا موافقه تتجوز عليه بس خليك جمب ولادك واصرف عليهم ابوس ايدك ماتتخلاش عنى
وقتها زقها برجله كأنها حشره او كلب فى الشارع مسك بنطلونه
كنت واقفه بعيط على عياط ماما وحاطه ايدى على بوقى وانا شايفه المنظر
بابا كمل كلامه وقالها
بصى يا هيام من الاخر كده انا اتجوزتك وقتها لانى كنت فقير وانتى رضيتى بالقليل ومن اول يوم وانا شايفك قليله والراجل بيحب الست الغاليه مش اللى شبهك كده تعالى شوفى اللى. هتجوزها
ملكه فى لبسها وكلامها وكل حاجه حتى اسمها اميره لو عايزه تبقى على زمتى تيجى كل يوم تخدميها وتشوفى طلبتها وتمشى لأن انا مش شتيفك غير كده ووقتها هبقى اديكى مرتب شهرى تعيشى بيه انتى وولادك إنما دلوقتي انا راجل حر وشغلى حر مش هتعرفى تجيبى مفردات مرتب عشان ترفعى قض\يه نفقه حتى قررى لو وافقتى تبقى خدامه عندها تعالى غير كده ماشوفش ووشك
وشد من رقبتها السلسله وقالها محتاجها عشان مصاريف اميره وفرش الشقه
خلص كلامه وخرج ساب ماما مرميه على الارض لا حول لها ولا قوه وانا واقفه ورا الستاره فى الزاويه خايفه اخرج تشوفنى وتعرف انى سمعت كلام بابا وقتها هتتقهر اكتى فضلت واقفه لحد ما ماما دخلت اوضتها وكنت سامعه صوت عياطها اخويا الصغير صحى بس انا نيمته وسبتها لواحدها وخايفه انها تسمع كلامه عشان خاطر تاكلنا وتروح تخدم مراته
عدت الأيام، والموقف دا فضلت حابساه جوه قلبي زي النار اللي بتاكل في صاحبتها. كنت بشوف ماما كل يوم وهي بتحاول تمثل إنها قوية قدامنا، تبص في وشوشنا وتداري دموعها، وهي فاكرة إن محدش فينا عارف الحجم الحقيقي للكسرة اللي هي فيها. لكن أنا كنت عارفة، وعيني كانت دايماً عليها وخايفة… خايفة من اليوم اللي أصحى فيه ألقاها هانت نفسها أكتر من كده وقبلت الشرط الرخيص اللي بابا سابهولها.
وفعلاً، بعد كام يوم، لقيتها قايمة بدري عن عادتها، لابسة طقمها القديم المغسول المتهالك، وبتبص في المراية بقلة حيلة. عينيا كانت مراقباها من تحت اللحاف، قلبي كان بيدق بسرعة وعصرت أيدي على البطانية وأنا بقول في نفسي: “يارب لأ.. يارب ما تعملش كده في نفسها وعشان خاطرنا!”.
ربطت طرحتها، وخرجت من باب الشقة بصوت واطي عشان محدش يحس بيها. في اللحظة دي ملقيتش نفسي غير وأنا بقوم أجري وراها، حافية من غير جزمة، ونزلت السلم حتة واحدة من غير ما أعمل صوت.
كنت فاكرة إنها رايحة له، لكن تفاجأت لما لقيتها نازلة الشارع اللي جمب بيتنا… كانت بتمشي بخطوات مكسورة، عينها بتبص على المحلات بقلة حيلة وتتردد قدام كل باب قبل ما تدخل.
مشيت وراها من بعيد والدموع مغرقاني، شفتها وهي بتدخل أول محل قماش، وقفت قدام صاحبه وبصت في الأرض وهي بتتكلم، شفت الراجل وهو بيهز رأسه بالرفض وبيشاور لها بقلة ذوق إن مفيش شغل، خرجت وهي بتحاول تداري كسرتها. دخلت المخبز اللي بعده، وبعدها السوبر ماركت… كل محل تدخل تسأل فيه عن أي شغلانة تطلع منه وهي شايلة الخيبة في عينها.
عند أخر محل في الشارع، محل خضار صغير، وقفت ماما تتكلم مع صاحبه وتترجاه بصوت واطي إنها تشتغل عنده. الراجل بص لها بنظرة فيها طمع وغرور، وقرب منها وقال لها بنبرة صفرا سمعتها وأنا واقفة ورا عمود النور: “يا مدام دا أنتي لسة شابة صغيرة وعودك طري، والشغلانة دي محتاجة هدة وحيل وشيل وحط، ولا أنتي فاكرة الوقفة في الشارع ساهلة؟!”
ماما بلعت أهانتها بالعافية، وبصت في الأرض وقالت له بصلابة وإصرار أذهلوني: “أنا ست بآلف راجل يا معلم، واشيل وأحط أجدع من أي جدع، وجربني يومين تلاتة ولو مقضيتش شغل المحل كله وعجبتك شطارتي متدينيش ولا مليم!”
الراجل بص لثباتها وإصرارها، ولما لقاها قاطعة ومصممة تعتمد على نفسها، هز رأسه بقلة حيلة ووافق يشغلها عنده باليومية.
ومن اليوم دا، حياة ماما اتغيرت تماماً… بقت تصحى من أذان الفجر، تطبخ وتجهز الأكل لينا، وقبل ما تنزل كانت تجيب الخضار البايت اللي المعلم بيديهولنا بقرشين أو يفرزه للمحل، تنضفه وتطبخ منه أحلى أكل عشان ما نحسش بأي نقص.
وبقت تنزل تشتغل في محل الخضار طول النهار، وبين كل كام ساعة، تسيب المحل دقيقتين، تطلع تجري على السلم، تفتح باب الشقة تشقر علينا وتطمن إننا أكلنا وأخويا الصغير نام، وتبوس رأسنا بسرعة وتنزل تاني … كانت بتقاتل عشان لقمة عيشها الشريفة، وعشان تثبت لنفسها وللدنيا كلها إن كرامتها وكرامة ولادها خط أحمر.
ومع كل نقطة عرق كانت بتنزل من وش ماما وهي شايالة وقافشة في شغلها عشان تعيشنا بكرامة، كان بابا بيخطط إزاي يكسر الضلع اللي فاضل فيها، وكأن نجاحها في إنها تقف على حيلها من غيره كان بيحرق قلبه.
في يوم، كنا قاعدين في الشقة بعد ما ماما طلعت تشقر علينا وتاخد نفسها دقيقة قبل ما تنزل المحل تاني. فجأة، الباب خبط خبطات متتالية وقوية، خبطات فيها استعلاء وكبرياء يخلي القلب يقف. ماما قامت بالراحة، مسحت عرقها بأطراف طرحتها، وفتحت الباب.
وقفنا أنا وأخويا الصغير وراها… وكان هو.
بابا واقف بكل غرور، ولابس أحسن ما عنده، وجنبه ست ثانية… “أميرة”. كانت لابسة ومدهنشة كأنها رايحة فرح، وبتبص لشقتنا ولماما من فوق لتحت بقرف وازدرار، كأنها داخلة مكان مش من مستواها.
بابا بص لماما بنظرة شامتة، ومد إيده بظرف أبيض كبير ورمى الورق في وشها على الأرض، وقال بصوت عالي وقاسي سمع الشارع كله:
“أهو ورق طلاقك وصل يا هيام! رميت عليكي اليمين وخلاص مبقتيش على ذمتي.. وجاي بنفسي أوريكي ‘أميرة’ هانم، عشان تتربي وتعرفي الفرق بين الست اللي تعلي شأن راجلها، وبين وحدة زيك آخرها تقف في محل خضار وريحتها بصل!”
أميرة ضحكت بقلة أدب وبصت لماما وقالت بنبرة سهوكة: “هي دي بقى اللي كنت بتقولي عليها يا مدحت؟ معلش يا حبيبي، العتب على النظر، الحمد لله إن ربنا نجدك ورجعت لمستواك الطبيعي.”
الكلمات كانت زي طلقات الرصاص بتخترق صدري، مسكت في جلباب ماما وأنا برتعش وبعيط بصوت مكتوم، ومستنية ماما تنهار، أو تصرخ، أو تقع على الأرض زي المرة اللي فاتت.تقريبا
لكن المرة دي… حصل العكس تماماً.
ماما وقفت بصلابة، ضهرها مفرود زي الحديد، عينها ما نزلتش للأرض ولا ثانية. بصت للورق المرمي على الأرض، وبعدين رفعت عينها وبصت لبابا وللمحروسة اللي جنبه بنظرة هدوء وتحدي يرعب.
ماما قربت خطوة واحدة، وبصت لأميرة وقالت بصوت هادي جداً بس يزلزل المكان:
“أهلاً يا هانم.. نورتي حارتنا. بس يا خسارة، أخدتيه وهو على جاهز بعد ما أنا شلت معاه القرف والفقر وعملت منه راجل.. خدي بالك منه بقى، لأن اللي يبيع أمه وولاده عشان قرشين، هيبيعك أنتي كمان أول ما القرشين دول يخلصوا!”
وبعدين لفت لبابا وبصت في عينه بقوة وقالتله:
“أما أنت يا مدحت.. فالورق ده مش طلاقي، ده شهادة ميلادي الجديدة. والكرامة اللي افتكرت إنك كسرتها، أنا أكلت بيها أولادي بالحلال ورأسي مرفوعة للسما.. يلا بالسلامة، الشقق الطاهرة مبايدخلهاش الأشكال دي.”
وقبل ما ينطق بابا بأي كلمة، ولا حتى لحقت الهانم ترد، ماما مسكت الباب ورزعته في وشهم بكل قوتها! صوت الرزعة هز العمارة كلها، وسابته واقف برة مصدوم وهو بيسمع صوت القفل بيلف، بعد ما اكتشف إن الست اللي افتكر إنها هتوطى تبوس رجله… بقت أطول منه بكتير