متاهة مشاعر الجزء الرابع

الفصل السابع عشر

اضجع مازن في فراشه واضعاً ذراعه تحت رأسه ورفع هاتفه بيده الأخرى وأخذ يعبث به للحظات حتى ظهر اسم حسن على الشاشة.. أخذ يتأمل رقم شقيقه للحظات.. رقم يحفظه عن ظهر قلب إلا أن استخدامه له أصبح نادراً.. توترت علاقته بشقيقه في الفترة الأخيرة لا ينكر هذا.. يكتفيان باتصالات أصبحت رسمية وروتينية..

الغيرة شعور بشع.. ولا يملك إلا أن يعانيه بصمت.. صمت أجبره عليه شعور مميت بالخجل.. والآن تحول الخجل إلى خزي مؤلم.. كيف يواجه شقيقه وقد حولته نيرة مرتين لخنجر تنحره به؟!!..

والليلة.. الليلة تأكد من أنها مازالت تحمل له مشاعر.. حتى ولو كانت كراهية إلا أنها تظل مشاعر.. فهي لم تأبه بحفل زفافها أو الفضيحة التي افتعلتها مقابل أن تؤلمه.. وهذا لا يصدر إلا عن عاشقة ناقمة.. وهو ما لن يستطيع نسيانه أو غفرانه بسهولة…

عبث بهاتفه قليلاً.. ورفعه إلى أذنه.. ولم ينتظر طويلاً حتى وصله صوت يزيد مجلجلاً:

ـ يخرب بيت عقلك.. إيه اللي بيخليك تتصل دلوقتِ!.. عايز تعليمات ولا شرح؟!!.. أومال بتعمل إيه مع دنيا بقى لك سنة وزيادة!!

هتف به مازن بحنق:

ـ لِم نفسك يا يزيد.. أنا مش ناقصك!

ـ واضح.. إيه اللي حصل؟. دنيا طربقتها على دماغك.. ولا..

قاطعه مازن:

ـ أنت مش ناوي تسكت وتلم الدور!

ـ حصل إيه يا مازن؟

تنهد مازن وقص كل ما حدث في حفل الزفاف على يزيد الذي صمت للحظات قبل يستفسر يزيد بذهول:

ـ وحسن فعلاً قرر أنه يشتغل نقاش؟

ـ أيوه.. قرر وصمم كمان.. رافض أي مساعدة مننا.. وكمان مش عايزني أبلغ جدتي.. دماغه ناشفة..

أجابه يزيد:

ـ عايز يحقق هدف معين.. ربنا معاه..

خيم الصمت عليهما لفترة قبل أن يعاود يزيد السؤال:

ـ وموقف والدك.. سكت وهو شايف اللي بيحصل؟..

هز مازن رأسه بحيرة:

ـ مش عارف يا يزيد.. في لحظة حسيت أنه هيتدخل ويوقف المهزلة دي.. وبعدين اختفى.. مش عارف..

كانت الجملة الحائرة الأخيرة تطالب يزيد بحل.. أي حل.. فقال بحزم لا يتعامل به كثيراً:

ـ روح لأخوك يا مازن.. الزيارة اتأخرت..

زفر مازن بحزن:

ـ عارف..

عاد يزيد يردد:

ـ مش هينفع تتأخر عن كده.. وحاول معاه في موضوع النقاشة دي..

ـ هروح له بكره..

ـ سلم لي عليه..

خيم الصمت عليهما.. فسأله يزيد بسخرية:

ـ أنت شكلك ناوي تقضيها تليفون الليلة.. ما تقوم تروح لدنيا..

تمنى مازن بالفعل لو يستطيع الذهاب لها, ولكنه يعلم أنها سترفض استقباله.. فهي لن تكون البديل الجاهز الذي ينفث به إحباطاته.. لم تكن تلك طبيعة علاقتهما.. ولن تكون.. كما أنه لن يهجر منزله ليلة زفافه.. يكفيه أن يهجر فراش عروسه.. ولكن ما بينهما.. يظل حبيس جدران المنزل.. ولولا احتياجه للفضفضة ما حادث يزيد.. لكنه يعلم أن حديثه مع يزيد كحديثه مع نفسه..

قطع أفكاره صوت يزيد يسأل بلهفة:

ـ شوفتها الليلة يا مازن؟.. عاملة إيه؟

ابتسم مازن بسخرية فكلٍ يغني على ليلاه.. فكر أن يراوغه قليلاً ولكنه أجابه:

ـ جميلة.. حزينة ووحيدة..

صوت تنهيدة يزيد كاد أن يصم أذنه.. قبل أن يجيبه مسرعاً:

ـ طيب اقفل بقى عشان أكلمها.. أنت أخدت أكتر من وقتك!..

أغلق يزيد وحاول الاتصال بعلياء عدة مرات ليجد أن الهاتف مغلق في كل مرة.. زفر بحدة وهو يعيد المحاولة مرة بعد مرة لتقابله نفس الرسالة الصوتية..

لابد أنها غاضبة.. أو تمر بإحدى نوبات تمردها التي ازدادت في الآونة الأخيرة.. وخاصة بعد سفره.. حسناً.. ليس تمرد بالمعنى المفهوم وإنما تذبذب مهلك في الانفعالات والمشاعر.. وهو لم يبتعد إلا أسبوعين.. وينوي العودة إليها بعد يومين وأخبرها بذلك بالفعل قبل ذهابها للزفاف.. لم تغضب وتغلق هاتفها إذاً؟..

تحرك ليدخل إلى غرفة نومه _التي أغلقتها ريناد على نفسها منذ سمعت صوت الهاتف لظنها أن علياء هي المتكلمة_ اندس بجوارها في الفراش ووجدها توليه ظهرها كالعادة.. حاول أن يضمها برقة.. فوصله صوتها:

ـ هي الساعة كام دلوقتِ؟..

أبعد ذراعيه ليضعهما تحت رأسه:

ـ الساعة اتنين..

ـ وأنت بعد ما خلصت وشوشة مع الهانم.. جاي دلوقتِ تحضني؟..

أجابها بصبر وكأنه يكرر أكليشيه يومي:

ـ أنا هنا معاكِ.. وهي بعيد.. طبيعي أني اطمن عليها.. وبعدين مش هي اللي كانت على التليفون.. ده…… حسن..

ـ برضوه الوقت اتأخر.. تصبح على خير..

رفعت الغطاء على كتفها حتى غطى أذنها وهي تغمض عينيها في قوة.. هرباً من رغباته التي لا تنضب ولا تقل.. لقد أصابها الملل بل الاشمئزاز من حالته تلك.. حتى أصبحت ترحب بمكالمته المستمرة لتلك الحمقاء الأخرى.. فتتخذ من غضبها ذريعة لرفضه مرة بعد مرة وهي مطمئنة أنه لا يستطيع الهرب نحو الأخرى.. وأن لا ملجأ له إلا هي.. فلتستمتع بقوتها تلك حتى تروض رغباته تماماً.. راحت في نومٍ عميق بالفعل وهي تتلذذ بتلك الفكرة.. تهذيب يزيد.. وتحجيم رغباته..

***********

أطلت منى من شباك الغرفة لتتأمل حسن الشارد والصامت تماماً منذ غادرا حفل زفاف شقيقه.. كان جالساً وسط حديقتها الصغيرة خارج الغرفة ناظراً إلى لاشيء.. وبدا الغضب على ملامحه.. غضب ممزوج بشيء لم تفهمه.. أهو التصميم أم الندم؟…. تساءلت والحيرة تتآكلها هل حانت لحظة الندم؟.. لكنها أتت بسرعة شديدة.. حتى أنها لم تتهيأ لها.. ذهابها برفقته إلى الزفاف كان مخاطرة ولكنها أخذتها بشجاعة.. وكانت متأكدة من تحرش نيرة بها.. فهي أنثى وتدرك عمق الجرح بداخل أنثى مثلها.. وتصورت أنها ستكون محط انتقام نيرة.. ولكن ما لم تفكر به هو هجوم نيرة على حسن نفسه.. واهانته بتلك الطريقة الفجة.. وهو.. بدا متجمداً وكأن كلمات تلك المتكبرة كانت كسياط وشمت جلده بما لا يمكن محوه.. والمشكلة أنه بدا متباعداً ورافضاً أي تسرية أو مواساة منها.. ردوده قصيرة ومقتضبة.. عيناه تتهرب من مواجهة عينيها.. ويلجأ للصمت متجنباً إجابة أسئلتها المنطوقة والصامتة.. وأخيراً.. اعتكف وحيداً وسط جنتها الخضراء.. ولكن بنفسية سوداء كالجحيم..

خرجت له أخيراً تحاول فك عزلته وسألته بخفة:

ـ حبيبي.. أجهز لك عشا خفيف؟

هز رأسه رافضاً بدون أي كلمة.. عادت تشاكسه مرة أخرى:

ـ طيب أعمل لك عصير فراولة.. بالسكر المرة دي..

أجاب باقتضاب:

ـ أنا مش محتاج حاجة يا منى.. شوية وهدخل أنام.. تصبحي على خير..

وأشاح وجهه بعيداً عنها.. يشرد عنها في عالم بعيد.. رافضاً وللمرة الأولى مشاركتها بأفكاره.. وهمومه..

اقتربت منه بصمت لتضم رأسه الى صدرها .. تحتفظ بها طويلاً قريباً من قلبها.. ثم قبلته على جبينه برقة وتركته كما طلب ودخلت إلى غرفة نومهما.. وفي أعماقها تشعر بحزن وجرح منه.. فهو انغمس في أحزانه على نفسه ولم ينتبه لألمها ومعانتها هي الأخرى من الإهانة التي ألحقتها بها نيرة على السواء.. إهانة كانت تتوقعها وقررت أن تتلقاها بشجاعة مقابل أن يشارك شقيقه ليلة زفافه.. ولكنه للأسف.. لم يفكر إلا بنفسه.. بألمه.. بكرامته.. وكبريائه..

وفي تلك الليلة ولأول ناما.. وكل منهما يولي ظهره للآخر.. ملتحفاً بأفكار مقلقة.. وحيرة حول المستقبل.. منى دموعها تجري بصمت وخوف رهيب يعتصر قلبها.. وحسن مصاب بحالة من الجمود.. جمدت كل أفكاره ومشاعره.. يشعر أنه في فقاعة عازلة ويخشى بشدة الإتيان بأي حركة خشية تمزق الفقاعة ومواجهة ما يحيط به..

ظلا كلا منهما يحاول ادعاء النوم بلا فائدة.. حتى شعرت منى بحسن يلتف ليلتصق بها.. فالتفتت له منى لتندس بين أحضانه وتغرز وجهها في صدره بينما تعصرها ذراعاه ليقربها منه أكثر فأكثر لتزداد دموعها ويمسحها هو بشفتيه هامساً:

ـ آسف.. يا منى…

استرخت منى بين ذراعيه وابتسامتها تخترق دموعها ورأسها يتوسد صدره.. تتجاوب برقة مع همساته واعتذراته المتكررة التي يلقي بها في أذنيها… وقلبها ينتفض سعادة بعدما كان يعتصر حزناً.. فحبيبها لم يحتمل أن تغفو وهي مجروحة منه.. فما الذي تريده بعد ذلك؟..

***********************

اقتحمت نيرة غرفة مازن وهي تغلي من الغضب… وظهر ذلك على معالم وجهها الجميل الذي احتقن بشدة.. وارتجف صوتها حنقاً وهي تسأل مازن الذي كان قد وصل لتوه من الخارج:

ـ تقدر تقولي كنت فين من الصبح؟.. أنا صحيت لقيت البيت كله فاضي وأنا لوحدي!..

رفع حاجبيه بسخرية:

ـ ما كنتش أعرف أنك بتخافي!

ضربت قدمها في الأرض بغضب:

ـ أنا ما بهزرش.. ازاي تخرج لوحدك يوم صبحيتنا ومن بدري كمان وما ترجعش إلا على العصر.. كنت فين؟..

تحرك ليقترب منها قليلاً وسألها ببرود:

ـ ده اسميه إيه.. قلق عليّ ولا قلق على برستيجك؟..

فكرت نيرة أن تتحدى بروده وتخبره أنها لا تهتم إلا بمظهرها الاجتماعي.. ولكنها تراجعت عندما داهمتها تلك اللحظة التي اكتشفت فيها عدم وجوده بالبيت.. والهلع الذي أصابها لظنها أنه سأم منها وقرر إنهاء ارتباطه بها.. فتحت فمها لتهادنه بكلمات رقيقة عن قلقها عليه.. ولكنه أوقفها:

ـ قبل ما تكدبي كدبة واحتمال تصدقيها.. افتكري أنك ما اتصلتيش مرة واحدة تسألي وتشوفي أنا فين..

رمشت بأهدابها عدة مرات وابتلعت ريقها بصعوبة.. تحاول أن تصلح من موقفها.. فهي فكرت بالاتصال به بالفعل عدة مرات.. ولكنها كانت تتراجع في كل مرة خوفاً من أن يبلغها أنه ترك المنزل ولن يعود..

وقبل أن تجد أي كلمات تجبه بها.. سمعته يخبرها:

ـ أنا جبت معايا أكل عشان الغدا.. ممكن توضبي السفرة؟.. بكره الخدم هيرجعوا لشغلهم.. وآه قبل ما أنسى.. يا ريت تجمعي هدومي من أوضتك وتنقليها الأوضة دي….

فغرت فاهها من كلماته ولم تستوعب إلا جملته بنقل ملابسه من حجرتهما.. فرددت بذهول:

ـ إيه اللي أنت بتقوله ده!

ـ بصي يا نيرة.. أنا مش عايز أفشل في حياتي.. أنا واحد ما بيعرفش يفشل.. امبارح كان سهل جداً أني أوصلك على بيت عمي عامر بدل ما أجيبك بيتنا.. لكن زي ما قلت لك.. كده أبقى فشلت.. في نفس الوقت صعب أقبل تصرفك امبارح..

كتفت ذراعيها بتوتر وهي تسأل:

ـ يعني إيه؟.. هنعمل إيه؟..

ـ مش هنعمل أي حاجة.. أنا محتاج أفكر في وضع جوازنا وفرص نجاحه..

صرخت بغضب:

ـ ما تتكلمش عن جوازنا زي ما تكون بتتكلم على صفقة ولا عملية جديدة للشركة.. وبتفكر فيه من ناحية المكسب والخسارة..

ابتسم بسخرية:

ـ أنتِ اللي حولتيه لكده بتصرف غبي.. ويا ريت يكون مش محسوب.. لأنه لو كان مدبر.. صدقيني هيكون تصرفي غير متوقع..

اقتربت منه.. اقتربت أكثر من اللازم.. ووضعت كفيها على صدره.. لتشعر بضربات قلبه تهدر تحت ضغط يدها.. فابتسمت بغنج:

ـ خلينا نبدأ من جديد..

لم يكن قربها منه بتلك الطريقة في صالحه.. خاصة مع توقه الشديد بأن يجعلها له.. ذلك الشوق الذي دفعه إلى الهرب منها ومن الفيلا بأكملها ليغرق نفسه في دوامة العمل.. حيث أنهك جسده فعلياً وأحرق رغبته بها في بوتقة الأعمال والتنقل بين المواقع.. وللغرابة لم تكثر الأقاويل حول خروج العريس إلى عمله يوم صبحيته.. فقد كان أغلب المدعووين في الزفاف من موظفي الشركة ولابد أنهم استنتجوا ما حدث بعد المشهد الوقح الذي افتعلته نيرة بالأمس..

انتبه فجأة على لمساتها وقد انتقلت أناملها لتمس ذقنه العريض والتي تفتنها بشدة ولكنها تبقي افتتانها بها سراً.. ولكنها وجدته يبعد يدها عن وجهه ويبتعد هو الآخر.. وإن فضحت سرعة تنفسه تأثره بها.. بينما كان هو يلعن ويسب ضعفه بداخله.. فهو يحاول التمسك بالبرود والجمود.. يريد أن يوجعها ولو قليلاً.. أن يسترجع ولو أقل القليل من كرامته التي مزقتها شر تمزيق..

فأخبرها ببرود يحاول اصطناعه:

ـ عشان نبدأ من جديد.. لازم نلاقي نقطة.. ولو صغيرة نبدأ منها.. نقطة نتقابل فيها.. وزي ما أنا عايز أوصل للنقطة دي لازم تكون دي كمان رغبتك.. ولحد ما ده يحصل, أنا هنام في الأوضة دي.. الجواز مش بس أننا ننام في نفس الأوضة ونفس السرير..

ابتلع ريقه بصعوبة وهو يردف.. مدركاً صعوبة كلماته على نفسه أولاً قبل أن تكون عليها:

ـ الجواز اللي أنا عايزه.. إن الواحد يكون عنده استعداد يقدم كل حاجة.. مقابل أنه يمتلك قلب حبيبه..

هتفت مقاطعة في غضب:

ـ هو أنا لازم أضحي واتنازل عشان أنفع أكون زوجة لك!

هز رأسه بحسم:

ـ مش تنازلات يا نيرة.. أنا مش بطلب تنازلات.. ولا هقدم تنازلات تاني.. لأنه لو كانت العلاقة صادقة وقوية مش هيكون في تنازلات.. منى امبارح جت فرحك وهي متأكدة أنك هتحاولي اهانتها.. لكن جت عشان تكون جنب حسن.. وما فكرتش أنها بتتنازل عشان ترضيه.. لا.. فكرت بس أنها تكون جنبه.. مش تنازل ولا تضحية.. بس صدق في المشاعر.. عشان كده بنت السواق زي ما قلتِ عليها امبارح.. ملكت قلب أخويا.. يا ريت تكوني فهمتِ أنا عايز أقول إيه..

غمغمت من بين أسنانها:

ـ برضه منى.. حتى أنت بتعطيني بها المثل.. كل ده عشان كلمتين قلتهم.. وكنت عايزة أرد بيهم شوية من كرامتي اللي بعترها أخوك.. خلاص.. هو من حقه يجرح ويهين وأنا لو رديت أبقى وحشة وما انفعش زوجة..

هز رأسه بيأس:

ـ تبقي لسه مش فهماني.. للأسف.. لسه.. واضح أنه الطريق طويل..

ثم لف مولياً إياها ظهره وتوجه نحو باب الحمام الملحق بالغرفة.. وهو يجبها بحسم:

ـ نيرة.. من فضلك قبل ما تدخلي أوضتي بعد كده.. تبقي تخبطي الأول..

توسعت عيناها في وسط وجهها حتى بدا كشاطئ أبيض يحيط ببركاتين فيروزيتين… وهي تدرك المعنى المؤلم لكلماته التي حولتها إلى إنسانة غريبة عنه وليست زوجته التي تمناها طويلاً..

وقبل أن يدخل إلى الحمام أردف ببطء:

ـ أنا عندي مشوار بعد المغرب.. هخلصه واعدي عليكِ نروح نزور جدتي.. هي عايزة تشوفك وتبارك لك.. أنتِ عارفة طبعاً أنه صحتها ما تتحملش أنها تحضر أفراح..

قال كلمته ودخل إلى الحمام مغلقاً بينهما باب…

***************

صفعة قوية وألم شديد نتيجة جذب شعرها بقوة كانا ما آفاقا علياء من غيبوبتها الإجبارية.. فتحت عينيها لتحاصرها قسوة عيون توسطت وجوه حجرية تعرفت فيها على عمها الأكبر صالح, وزوجته, وعمها سالم وهو الأوسط في ترتيب الأشقاء.. ولا يبدو أنه يهتم بما يدور أمامه.. وأصغر أعمامها مهدي والذي التمعت في عينيه نظرات ذنب ممتزجة بالشفقة والعجز.. ثم لمحت القسوة والتجبر الذي تجسد واضحاً في عينيّ عمتها سعاد, وأخيراً صاحبة الصفعة ومن تجذب خصلاتها بلا هوادة.. “الحاجة مُنتهى”.. عمة والدها..

صفعة أخرى.. تلتها جملتها الظالمة:

ـ فاجرة.. دي آخرة الجاعدة في مصر.. البت عيارها فلت..

سالت دموعها وهي تحاول استيعاب ما يدور حولها والحاجة منتهى تبرم خصلاتها بقسوة وكأنها تريد انتزاعها من رأسها بالفعل..

وعادت تردد:

ـ ما هتخرجش من الدار لآخر يوم في عمرها.. ابعت المأذون يا ولد أخوي.. دي دواها الجواز.. ابن عمها يعجد عليها..

شهقت عمتها سعاد وهي تلطم صدرها:

ـ يعجد عليها!.. وأمل بنتي.. مرته..

لتتدخل زوجة عمها صالح:

ـ أنا هبعت لأم عواد الداية.. ولو طلع كلام الست سهام دي صُح.. يبجى نرميها لأي أجير من اللي بيفلحوا الأرض..

شهقت علياء بقوة وابتلعت دموعها مع المرار الذي يجري بحلقها وهي تتساءل بذهول عن علاقة سهام بأعمامها.. لما يذكرونها الآن؟.. ماذا يحدث حولها؟.. هل سهام هي من سلمتها لهم.. وماذا أخبرتهم؟.. أنها لا تعلم ما حدث بينها وبين يزيد قبل الزواج.. فماذا أخبرتهم لتشعل غضبهم بتلك الطريقة؟..

رددت بهمس مذهول:

ـ داية!!.. يعني إيه؟.. وليه؟.. هتعمل فيّ إيه؟..

ارتفع صوتها قليلاً:

ـ يا عمي.. اسمعني.. والله أنا..

لطمة قوية نزلت فوق عينها تلك المرة لتختفي الرؤية أمامها للحظات وهي تسمع عمها صالح ينهرها:

ـ أنتِ تسكتي ساكت.. ما اسمعش حسك ده أبداً.. بس دي غلطتي لما وافجت تجعدي في بيت الراجل الناجص ده..

نهضت من الفراش وهي تترنح لتحاول التمسك بكف عمها وتتوسله:

ـ يا عمي.. اسمعني.. ارجوك..

أزاحها بعنف فسقطت أرضاً.. بينما صوت زوجته يدوي في شماتة:

ـ هي اللي جليلة شرف.. منتظر إيه من واحدة تربية صالة رجص.. وأمها..

صرخت عليا بقوة:

ـ ما تجبيش سيرة ماما.. ما حدش يجيب سيرة ماما..

تلك المرة جذبها عمها من شعرها لتتوالى الصفعات على وجهها وهو يصرخ بها:

ـ يا جليلة الشرف والرباية.. تروحي تلفي على الراجل اللي لمك في بيته وبعد ما أمك خربت بيته مرة.. جاية أنتِ تكملي عليه وتجري رجله للحرام والمعصية.. لا دين ولا أخلاج.. ولا رباية.. أنتِ في موتك رحمة..

كانت الكلمات موجعة بقدر الصفعات بل ربما أكثر وجعاً.. فرحبت بغياب وعيها وهي تتبين أخيراً.. المكيدة التي حاكتها سهام لها.. فهي لم تخبرهم بزواجها من يزيد بل أقنعتهم بأنها على علاقة غير مشروعة.. بــ عصام.. زوج أمها ووالد يزيد.. وهم صدقوها.. تلك الغريبة التي لم يروها أو يعرفوها قط.. صدقوها.. وحكموا عليها هي.. ابنتهم.. وبقي موعد وكيفية تنفيذ الحكم..

هل دمائهم تجري في عروقها بالفعل؟.. تشك بقوة.. لا عجب أن أباها هرب منهم ليتزوج أمها!.. من يستطيع تحمل تلك القسوة من أقرب الناس إليه؟.. طالما حذرتها أمها منهم.. ومن تحجر قلوبهم.. والآن.. ذهب والدها ومن بعده أمها.. ولم يتبقَ لها أحد.. إلا حبيب ونصف زوج.. تشك في إمكانية إنقاذه لها.. وأقارب يشاركونها اسم العائلة وبضعة فدادين من الأراضي الزراعية هي كل ما يهتمون بها…

****************

عاد حسن من عمله مع آذان العشاء وهو يحمل عدة أكياس بين يديه.. تحتوي على بعض مل طلبته منى.. ليفاجئ بشقيقه جالساً وسط حديقة منى الصغيرة يحتسي كوباً من الشاي وقد جلس معه عم نصر وبدا أنهما منهمكين في حديث طويل…

التفت مازن فجأة لتصطدم عيناه بعينيّ حسن التي ضاقت في تركيز وكأنه يحاول تبين سبب وجود شقيقه_العريس الجديد_ هنا في منزله بدلاً من تواجده مع عروسة.. بينما جرت عينا مازن على ملامح أخيه يلتهمها في شوق واضح.. وقد بدا تأثره من الإرهاق البادي على ملامح حسن.. وملابسه التي فقدت رونقها واحتفظت ببعض أناقتها السابقة.. نهض ببطء ليتوجه نحو شقيقه ولكن منى التي شعرت بعودة زوجها كانت قد خرجت من شقتهما الصغيرة وتوجهت نحو حسن فقطع التواصل البصري بينه وبين شقيقه.. والتفت لزوجته يمد يده إليها بالأكياس ويهمس لها بضعة كلمات فتومئ بصمت وهي تأخذ منه حقيبة صغيرة.. خمن مازن أنها تضم الملابس التي يعمل بها حسن.. ولمح يد منى تضغط برفق ورقة على كتفه قبل أن تدخل إلى الشقة مرة أخرى..

لم يسمعا عم نصر وهو يستأذن متعذراً بموعد صلاة العشاء.. وظلت نظرات الشقيقين معلقة ببعضها.. تحرك حسن قليلاً وفتح ذراعيه على وسعهما فاندفع مازن إليه ليلتقي الشقيقان في عناق ترحيب وعتاب طويل..

وأخيراً همس حسن:

ـ مبروك يا مازن..

ابتعد مازن وهو يخفض بصره أرضاً ويهمس بدوره:

ـ لسه زعلان مني يا حسن؟..

ـ أنا مش زعلان.. ليه بتقول كده؟.

ـ مش أنا اللي بقول.. العتاب في عينيك هو اللي بيقول..

وضع حسن يديه في جيبي بنطاله وتحرك قليلاً حتى وصل إلى سور السطح.. فرمى بنظره إلى الأفق وهو يقول بصدق:

ـ يمكن ليلة امبارح زعلت شوية.. لكن قبل كده لأ..

ـ بس أنت بعدت قوي يا حسن.. همشتني جامد بعد جوازك.. في أوقات كتير حسيت أن يزيد أقرب لك مني أنا أخوك.. حتى أنه اتحول لشبه مرسال بينا..

هز حسن رأسه بنفي تام:

ـ يا مازن أنا بعدت عشانك أنت.. عشان سعادتك مش عشان زعلان منك..

قاطعه مازن بمواجهة آن أوانها:

ـ ليلة الحفلة واللي أنا عملته.. ما ضايقكش.. ما زعلتش أني طاوعتها وخذلتك؟..

سأله حسن بتقرير:

ـ أنت بتحبها.. مش كده؟..

لمحة من عذاب حي التمعت في عينيّ مازن قبل أن يخفيها بسرعة.. ولكن حسن التقطها بقدرة عاشق وفطرة أخ يبحث عن سعادة شقيقه.. فربت على كتف مازن بحنان:

ـ أنت اتصرفت صح.. لو أنا مكانك وجت لي الفرصة أني أكون مع الإنسانة اللي بحبها ما كنتش هتردد لحظة.. وده فعلاً اللي عملته.. أنا خاطرت بكل حاجة في سبيل أني أكون مع منى.. ليه بتلوم نفسك على نفس المخاطرة؟

أجابه مازن بسرعة:

ـ لأن…

ثم سكت وكأنه انتبه إلى شيء ما.. وسأل حسن بخفوت:

ـ أنت كنت عارف أني.. أني.. أني بحبها؟..

هز حسن رأسه بنفي:

ـ عرفت متأخر.. متأخر قوي.. ياريت كنت صارحتني من البداية.. كان حاجات كتير اختلفت..

عادت لمحات العذاب تمر بعينيّ مازن ولم يستطع إخفائها تلك المرة:

ـ ما كانش ينفع.. هي بتحــ.. أقصد كانت بتحمل لك كشاعر و..

قاطعه حسن:

ـ هي موهومة.. وأنت عارف كويس.. بص.. دي مش نقطة نقاشنا دلوقتِ.. لا أنا بلوم عليك سكوتك.. ولا زعلان من موقفك يوم الحفلة.. لكن..

سكت حسن وبدا متردداً في قول ما عنده.. ثم حسم أمره ليقول:

ـ أنت متأكد أنها هتسعدك؟..

أخفض مازن نظره وأسبل جفونه ليغطي على ما ظهر في عينيه من تعبير حائر.. ثم ربت على كتف حسن ورفع نظره إليه وقد غطى قناع من الجمود ملامحه:

ـ ما تقلقش عليّ.. أنا عارف هتعامل معاها إزاي..

لم يبدو على حسن أنه يصدقه وظهر على وجه سؤال حائر.. لم يستطع كبته فانطلق منه بدون إرادة:

ـ ليه؟..

هز مازن رأسه وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة:

ـ من غير ليه!.. أنت ممكن تلاقي ألف مبرر للاعجاب.. لكن لو وقفت لحظة وقدرت تحدد سبب للحب.. يبقى اتحول لأي حاجة تانية.. غير الحب..

تجمد حسن للحظات.. ثم غمغم بهمس:

ـ للدرجة دي يا مازن!..

لم يجبه مازن.. وأدار وجهه بعيداً.. قبل أن يقرر تغيير الموضوع:

ـ ما تشغلش بالك بيّ.. خلينا في الأهم.. أنت لسه مصر على موضوع النقاشة؟..

تكتف حسن بإحساس من على وشك دخول معركة:

ـ مضايقك الموضوع ده في حاجة؟..

ـ أكيد في حلول تانية..

أومأ حسن موافقاً:

ـ أكيد.. بس ده أسرع!

ردد مازن بعجب:

ـ أسرع؟؟

ـ أيوه يا مازن أسرع.. أكيد أنا مش هستمر نقاش طول عمري..

هز مازن رأسه بحيرة وكأن حسن ألقى اليه بــلغز عميق:

ـ فهمني أنت ناوي على إيه؟.. أنا ممكن أدبر لك..

زجره حسن:

ـ مازن.. خلاص.. أنا لازم أفكر أني أدبر لنفسي.. وأحل المشاكل اللي نتجت عن قراراتي.. مش هينفع حد تاني يحمل همي.. أو يحل مشاكلي..

ـ فهمني يا حسن.. أنت بتقلقني بكلامك مش بتطمني..

أخرج حسن زفرة حارة قبل أن يقول:

ـ أنا ناوي على السفر يا مازن..

ـ سفر!

أكمل حسن وكأن مازن لم يقاطعه:

ـ والسفر محتاج مصاريف.. مصاريف كتير.. خاصة أني لازم آخد منى معايا.. مش هينفع أسيبها هنا لوحدها..

ـ وأسرع طريقة هي النقاشة؟..

غمز حسن بعينه:

ـ أنا نقاش شاطر!..

وأكمل مازن عنه:

ـ و…

ابتسم حسن:

ـ و… وبس..

بادله مازن الابتسام:

ـ هو عصبي جداً من بعد ما وصله الموضوع.. درجة عصبيته 44 وشرطة..

ابتسم حسن بمرارة:

ـ قلقان على مظهره قدام الناس واسمه في السوق..

ـ ممكن..

وتردد قليلاً قبل أن يكمل:

ـ امبارح.. امبارح.. تقريباً قربت أصدق أنه كان قلقان عليك أنت.. بس.. أنت عارف.. صعب أني أحدد.. بس يا حسن.. مش معنى كده أني موافق أنك تتبهدل لمجرد إثبات موقف..

ـ لا يا مازن.. مش مجرد إثبات موقف بس.. زي ما قلت لك.. السفر هو هدفي.. النقاشة مجرد وسيلة.. اطمن أنا مركز كويس..

ربت مازن على كتفه وهو يتحرك متوجهاً نحو باب السطح:

ـ ماشي يا حسن.. براحتك.. بس افتكر دايماً.. أن مجموعة العدوي.. لك فيها حق زي.. وأكتر كمان.. و..

قاطعه حسن راغباً في تغيير الموضوع:

ـ أنت هتتعشى معانا الليلة..

ابتسم مازن بتفهم واجاب بهدوء:

ـ الليلة هتعشى مع جدتي.. عايزة تبارك لي..

ـ سلم لي عليها يا مازن..

أومأ مازن برأسه.. وتحرك ليخرج من باب السطح.. ثم عاد ليعانق شقيقه بقوة:

ـ أنا آسف يا حسن.. والله آسف..

وكزه حسن بخفة:

ـ عيب يا ولد.. أخوك الكبير يا ولد..

ابتسما معاً.. وعيونهما يغشاها الدمع..

*************

لم تعرف كم غابت عن الدنيا ولكنها استيقظت على وكزة قوية من زوجة عمها وهي تخبرها بعنف:

ـ جومي.. أم عواد جت.. وهتشوفك دلوجت..

دعكت علياء عينيها بظهر يدها وهي تحاول التحرك فتمنعها آلام جسدها المتفرقة.. وشعرت بقماش ناعم يلقى بوجهها.. فأمسكته لتكتشف جلباب واسع أسود اللون.. أخذت تتأمله بدهشة بينما هتفت بها زوجة عمها:

ـ جومي.. اجلعي المسخرة اللي أنتِ لابساها.. والبسي ده.. أم عواد مستعجلة..

سألت علياء بتردد:

ـ مستعجلة ليه؟.. هي هتعمل إيه؟..

ـ البسي بس..

خرجت وتركتها وحدها فبدلت علياء فستانها بالجلباب الأسود.. رتبت فستانها برقة وهي تتذكر صراخ يزيد عندما وصفته له وتوعده لها بأنه سيمزقه.. ولكن ليس قبل أن يعاينه على جسدها أولاً.. هزت رأسها بخوف.. ماذا سيحدث لها الآن؟.. وهل سيعلم بمكان وجودها؟.. كيف سيعلم ومن سيخبره؟.. وهل سيأتي؟.. هل يهتم بما يكفي ليأتي؟.. أم….

قطع تسلسل أفكارها.. دخول عمتها وزوجة عمها مع سيدة أخرى.. تبدو ملامح وجهها هادئة نوعاً.. ولكنها ملابسها السوداء تبدو مقبضة بشدة..

أمرتها زوجة عمها بخشونة أن تستلقي على ظهرها.. ولكنها تجمدت في مكانها تحت النظرات المتفحصة من المرأة الغريبة حتى فوجئت بعمتها تدفعها بقوة لتسقط على الفراش.. حاولت النهوض ولكن زوجة عمها لفت حول الفراش من الناحية الأخرى لتجذبها وتكبلها كلا السيدتين من كل جهة.. بينما تعرضها تلك السيدة سوداء الملابس لابشع انتهاك قد تمر به أنثى..

تعالت صرختها التي أخرستها لطمة قوية من عمتها وهي تنهرها:

ـ اخرسي يا فاجرة..

ثم وجهت كلماتها الى أم عواد:

ـ وأنتِ كمان.. خلصينا..

انتهت السيدة من فحصها المؤلم وألقت بالغطاء فوق علياء التي تكومت على نفسها متخذة وضع الجنين وهي تشهق ببكاء مكتوم وجسدها ينتفض مع كل شهقة.. أغمضت عينيها علهن يختفين من أمامها.. فهي لم تعد قادرة على تحمل سواد ملابسهن والأصعب قلوبهن الحجرية.. فلم تنتبه لحركة تلك السيدة الغريبة وهي تشير برأسها لعمتها وتقترب منها لتهمس في أذنها بشيء ما جعل عمتها تلطم خديها وتخرج مسرعة.. ليعود معها بعد ذلك عمها صالح وقد التمع الشر والأذى في عينيه ليجرها كعادته من شعرها ولكن تلك المرة تسقط من فوق فراشها وهي تصرخ بألم.. وصفعاته تتوالى على كل ما تصله كفه الضخمة من جسدها.. وتنطلق منه كلمات السباب والشتائم لم تسمعها من قبل وهو يصفها بأبشع ما ذكر في معاجم اللغة.. فأخذت تردد بدون توقف:

ـ مظلومة.. والله مظلومة.. أنا متجوزة.. يزيد اتجوزني.. يزيد.. يزيد..

تصرخ بأعلى صوتها بينما يتجبر عمها ولا يصدق:

ـ اتجوزك.. تلاجيه كان بيصلح غلطة أبوه.. عيلة واطية.. وأنت اوطى يا بنت..

صرخت مقاطعة وصفعة أخرى تسقط على وجنتها فأسالت الدماء من جانب وجهها:

ـ والله يزيد جوزي.. والله..

هم بصفعها من جديد عندما تدخلت زوجته لتمنعه:

ـ بيكفي يا صالح.. هتموتها في ايدك..

ـ موتها حلال..

ـ عايز توسخ يدك بدمها النجس.. ولا تروح أنت جصادها.. دي تربية بنادر وما نعرفش مين هيسأل عليها.. احنا نرميها للواد عبده العلاف.. ونبجى سترنا عرض أخوك..

هتفت علياء بهم:

ـ متجوزة والله أنا متجوزة.. يزيد.. يز..

أخذت تردد اسمه بخفوت.. وكأن ترديد اسمه ما سيحميها من قسوتهم وحكمهم الجائر…

دخل لحظتها مهدي العم الأصغر.. وسمع كلمات علياء المتفرقة فتوجه لأخيه:

ـ طيب يمكن يا خويا تكون صادجة ومتجوزة صُح.. ما نسعل ونتوكد..

سخر صالح منه:

ـ صدجتها يا خوي.. جلبك الطيب حن!

ـ ما هنخسرش حاجة.. مش احسن ما نجوزها وتطلع على ذمة راجل تاني.. ده غير أوراجها كلها عند اللي اسمه عصام ده..

فكر صالح في كلمات أخيه قليلاً:

ـ عندك حق يا أخوي.. والأرض لازم ناخدها بيع وشرا الأول جبل أي حاجة وبعدين نشوف هنعمل معاها إيه..

ثم أشار إلى علياء المتكومة على الأرض وهو يحدث زوجته:

ـ ما تخرجش من الأوضة.. واكلها عيش وميّ..

ربتت زوجته على كتفه وهي تطمئنه:

ـ اطمن يا حاج صالح.. أنا فاهمة هعمل إيه..

خرجوا جميعاً من الغرفة وتركوها وحيدة.. ملقاة على الأرض فلم تملك القوة حتى للزحف لتعود إلى فراشها.. لم تشعر بمعنى اليتم كما شعرت تلك اللحظة.. وحيدة تماماً رغم وجودها وسط أهلها.. غريبة وسط أقارب يهاجهمونها ويتهمونها بما لا تعلم.. يبادرون ليس لحمايتها ولكن لانتهاكها..

وهو.. معذبها الأول.. أول من انتهك.. وأول من ابتعد.. وأول من تركها وحيدة وسط قطيع من ذئاب ينهشها ولا تملك ما تدافع به عن نفسها.. سوى كلمتها والتي يرفض الجميع سماعها..

وبين اليقظة والهذيان شعرت بمن يدخل الغرفة.. ويقترب منها.. لتلمح نصل حاد يلمع في الضوء.. قبل أن تغيب تماماً عن الوعي.. ولسانها يردد اسمه كتعويذة سحرية ربما تحميها من قسوتهم الباردة…

************

على الجانب الآخر كان يزيد يحاول يائساً ولثلاثة أيام كاملة الاتصال بعلياء بلا جدوى.. فهي لا ترد على هاتفها المحمول.. ولا هاتف المزرعة.. وحتى حاول الاتصال بها على هاتف شقتهما_والتي قررت ألا تنتقل اليها إلا وهو معها_ ولكنه أيضاً فشل في الوصول إليها..

كان يظن في البداية أنها غاضبة عليه بسبب صراخه عليها.. ولكن الآن أدرك أن الأمر يتخطى نوبة غضب عابرة.. فيبدو أن حضورها زفاف نيرة أشعل بداخلها الحنين ليكون له زفافها الخاص.. وهي إما غاضبة تلومه ومحرجة من مطالبته بحفل خاص بها.. أو أنها غاضبة لأنه لم يستطع العودة في الموعد الذي أخبرها به.. وقررت أن تعاقبه بخصام.. زفر بحنق فهو كان ينوي العودة إليها بالأمس.. ولكن والده كبله بمجموعة من المهام والأعمال ستستغرق أسبوعاً على الأقل…

حاول مرة أخرى أن يتصل بها.. لتأتي له الرسالة المسجلة التي سأمها.. فاتصل بوالده مباشرة:

ـ بابا.. علياء فين؟..

ـ عليااا؟.. عليا موجودة.. هتروح فين؟

لهفة يزيد الشديدة لم تمكنه من التقاط التوتر في صوت والده.. فأردف بسرعة:

ـ أنا بيتهيألي أنها زعلانة أو ممكن محرجة وبتفكر يكون لها حفلة وفرح.. لو سمحت يا بابا بلغها أني موافق.. واللي هي تطلبه هنفذه.. بس خليها تفتح الموبايل.. عايز اطمن عليها..

لم يعرف والده بم يجبه فهو قرر إخفاء أمر اختطاف علياء عنه.. ففي البداية لم يكن يعرف ما حدث لها.. فقط أنها لم تصل إلى المزرعة بل تغيبت طوال الليل ولم تظهر أبداً..

عند عصر اليوم التالي.. لم يجد بداً من الذهاب إلى الشرطة.. وبعدما استمع له مأمور القسم.. لفت نظره بطريقة غير مباشرة.. بسؤال أعمامها.. أو التحري لديهم أولاً.. ولكنه لم يحتج لذلك.. فقد وصله اتصال من عمها في اليوم التالي.. وكان فحوى الاتصال من أغرب ما يمكن.. وأكال له الرجل اتهامات ووصمه بما لم يخطر على باله.. وعندما أوضح له أن علياء أصبحت زوجة لابنه يزيد.. تعالت صيحات عمها بالتهديد له وليزيد بالانتقام وغسل العار.. أي عار يتحدث عنه هذا الرجل؟.. هل أخبرتهم علياء بفعلة يزيد نحوها قبل الزواج؟.. وهل تذكروا الآن فقط ابنتهم؟.. وفكروا في حمايتها والثأر لشرفها!

صوت يزيد أخرجه من شروده وهو يؤكد:

ـ خلاص يا بابا هتبلغها؟..

صمت عصام للحظات.. ثم حسم أمره.. واجاب بحزم:

ـ هو احنا مش اتفقنا أنك تبعد عنها لفترة.. اللي بتعمله ده اسمه إيه.. البنت محتاجة وقت تراجع فيه نفسها.. حضورها فرح نيرة أثر عليها جامد زي ما قولت.. سيبها تروق على مهلها.. وهي هتبقى تكلمك..

وأغلق الخط بسرعة.. يعلم بأن اخفائه الحقيقة عن يزيد قد يعرض علياء للخطر, ولكنه أب.. يخشى على ابنه من تهديدات أعمام الفتاة.. وعزائه أن عمها اتصل ثانية فاتحاً مجال للتفاوض.. وموضحاً أنهم يهتمون بالأراضي وميراث علياء من والدها.. وهو يحاول معهم جاهداً ليصل إلى حل ينقذ به الفتاة قبل فوات الأوان…

***************

الفصل الثامن عشر

أخذ مازن يرمق نيرة بغموض وهي جالسة إلى يمينه على مائدة الطعام تعبث بهاتفها كل خمس دقائق.. يتساءل بداخله عما يقلقها هكذا فهي تزم شفتيها بقوة.. وتعبث بخصلات شعرها بدون أن تدري.. وتتحرك يدها أحياناً فتمسك بعنقها للحظات ثم تعود إلى خصلاتها مرة أخرى..

كانت تبدو كتلك الليلة التي اصطحبها فيها لتناول العشاء مع جدته.. لم يظن للحظة أن نيرة تقلق مما قد يظنه الناس بها, إلا أنها بالفعل كانت قلقة من لقاء جدته وكأنها تراها للمرة الأولى.. وبالفعل خيم جو من التوتر الشديد على تصرفات نيرة وحتى جدته تتعامل معها بأسلوب متكلف لم يلحظه عليها من قبل, رغم أنها لم تعلم ما فعلته نيرة في حفل الزفاف, إلا أنها تعاملت برسمية مبالغ بها.. فكانت أمسية كارثية بجميع المقاييس خاصة وأن نفسيته لم تهدأ على الإطلاق بعد لقائه الحزين بشقيقه.. ورغم ذلك حاول احتواء التوتر المخيم على الأمسية حتى استهلك طاقته بالكامل في محاولة يائسة ليمر اللقاء بسلام.. واستغل أول فرصة سنحت له ليرحل مصطحباً زوجته معه..

وعند بوابة الفيلا الخارجية.. أنزل نيرة -طالباً منها ألا تنتظر عودته باكراً_.. وانطلق نحو.. دنيا…

أعاده تململ نيرة وهي تعبث بهاتفها إلى وجوده بمنزله.. على مائدة طعامه تجاوره عروسه.. عروس تبدو مشغولة للغاية بهاتفها..

فألقى بمعلقته فجأة هاتفاً:

ـ يعني مش قادرة تبعدي عن تليفونك ربع ساعة نتغدى فيهم..

رفعت نظراتها إليه لتسأله بلهفة:

ـ هو يزيد رجع مصر؟..

قطب حاجبيه بتساؤل:

ـ بتسألي ليه؟..

ـ بحاول أوصل لعليا بقى لي يومين.. ومش عارفة.. تليفونها مقفول على طول.. فقلت أكيد هو وصل ومشغولة معاه..

ردد مازن بتأكيد وهو يتذكر محادثته ليزيد في ليلة زفافه الكارثية.. ومحادثة أخرى بعد عودته من زيارة حسن:

ـ لا.. يزيد قدامه أربع أيام على ما يرجع..

تمتمت نيرة بعجب:

ـ غريبة!..

رمقها لوهلة وقبل أن يستفسر منها ارتفع رنين هاتفها لترفعه بلهفة ولكنها ما إن رأت اسم المتصل على الشاشة حتى أعادت الهاتف إلى المائدة وعلامات الامتعاض تعلو وجهها.. مما دفع مازن لسؤالها:

ـ ليه ما بترديش؟..

هزت كتفيها باستهانة:

ـ دي مش عليا.. دي صبا..

ـ صبا أختك؟..

مرت في عينيها نظرة نارية.. وأومأت برأسها موافقة.. بدون أن ترد على هاتفها.. حتى اختفى الرنين الذي ما لبث أن ارتفع مرة أخرى.. فقال مازن بلهجة آمرة:

ـ ردي على أختك يا نيرة..

أمسكت هاتفها بامتعاض.. تتمنى لو تخالف أمره, ولكنها حريصة على أن تحتوي غضبه منها.. وتحتفظ بالأوقات التي يتواجد بها معها هادئة قدر الإمكان.. علها تفهم ما الذي يريده منها بالتحديد… فتحت الخط وهي تقول بملل:

ـ خير يا صبا في حاجة؟..

جاءها صوت صبا متردداً وهي تسألها بدورها عن علياء المختفية منذ ليلة زفاف نيرة… مما جعل نيرة تتساءل بصوت نضحت منه الغيرة:

ـ وأنتِ بتسألي على عليا ليه؟..

ـ فريدة عايزاها.. موضوع بخصوص لوحات ورسم..

تشبعت أعماق نيرة بغيرة غاضبة.. وهي تستمع لكلمات صبا.. فهي لا يخفى عليها تعلق علياء بالرسم.. فهل ستسرقها فريدة منها كما سرقت والدها من قبل.. إلا أن أفكارها توقفت فجأة وكلمات صبا تتوالى:

ـ عليا مختفية يا نيرة.. مش موجودة في المزرعة ولا في أي حتة.. وبعد محاولات مع غفير المزرعة فريدة عرفت منه أن عليا ما رجعتش المزرعة من ليلة فرحك.. أنتِ تعرفي حاجة عنها؟…

ابتلعت نيرة ريقها بتوتر:

ـ استني.. ثواني كده فهميني..

كررت صبا نفس الكلمات على نيرة ببطء وتفسير أكبر وهي تحكي لها محاولة فريدة للوصول إلى علياء بكل الطرق.. حتى تيقنت أخيراً من اختفاء علياء..

أغلقت نيرة الهاتف مع صبا.. بعد أن وعدتها بإبلاغها بأي معلومة تصل إليها وتخص علياء..

سألها مازن على الفور:

ـ حصل إيه؟.. عليا فيها حاجة؟..

لم تجبه وأخذت تعبث بهاتفها.. فسحبه منها وهو يعيد سؤاله:

ـ في إيه؟.. إيه مشكلة عليا؟..

قصت عليه ما أخبرتها به صبا ومدت يدها تطلب هاتفها وهي تقول بتوتر:

ـ هات التليفون يا مازن لازم أكلم أونكل عصام.. أكيد عنده أخبار..

رمقها بنظرة غامضة قبل أن يقول:

ـ أنا اللي هكلمه..

مكالمة سريعة مع عصام.. بعدها ارتسمت معالم القلق على وجه مازن.. والتفت إلى نيرة التي كانت تسأله بلهفة:

ـ خير.. قال لك إيه؟..

رفع نظره إليها وظهرت عليه معالم التفكير العميق قبل أن يحسم أمره.. ويتصل بيزيد قاصاً عليه كل ما يعرفه وختم كلماته:

ـ أنا لسه قافل الخط مع والدك.. وبيتهيألي هو عارف حاجة.. بس مش عايز يقول..

أغلق الخط لينظر إلى نيرة التي كانت في شدة لهفتها.. وأخبرها بهدوء:

ـ يزيد هينزل على أول طيارة..

سألته بقلق:

ـ هو الموضوع خطير قوي كده؟..

أجاب بغموض:

ـ ربنا يستر.. أنا هروح لعمي عصام الشركة جايز أقدر أجيب أي معلومة منه..

خرج مازن متوجهاً إلى مجموعة الغمراوي في نفس اللحظة التي كان يهتف بها يزيد بأبيه على الهاتف:

ـ علياء فين يا بابا؟..

تلعثم عصام كان شديد الوضوح تلك المرة لأذنيّ يزيد وهو يقول:

ـ عليا.. إحنا هنرجع تاني للموضوع..

قاطعه يزيد بقوة:

ـ أنا عرفت كل حاجة..

هتف عصام بقلق:

ـ مين قالك؟.. هو عمها صالح كلمك؟..

أغمض يزيد عينيه بألم وهو يردد:

ـ أعمامها؟؟..

وقبل أن يرد عصام بأي كلمة كان يزيد قد أغلق الخط…

***************

كان حسن منهمكاً في إنهاء آخر بقعة من الجدار المواجه له.. بينما قرر باقي زملائه التجمع من أجل الراحة مع كوب من الشاي الأسود حتى يستطيعوا إنهاء العمل في موعده.. أخذ حسن يستمع إلى أحاديثهم الودية وبسمة هادئة ترتسم على شفتيه بينما يعتذر لهم بلطف عن مجالستهم لرغبته في إنهاء عمله والذهاب إلى منزله…

تقدم منه أحد زملائه وهو يبتسم بغموض.. مقدماً له لفافة سجائر غريبة الشكل:

ـ بنمسي يا بشمهندس..

التفت حسن إليه:

ـ متشكر يا أسطى سُمعة.. أنت عارف ما بدخنش..

وكزه سُمعة بمرفقه وهو يقول:

ـ وده دخان برضوه.. دي حاجة هتريحك وتروق مزاجك..

ابتسم حسن معتذراً مرة ثانية.. بينما ظل سُمعة على إلحاحه محاولاً اقناع حسن:

ـ صدقني يا هندسة.. دي اللي هتخليك تتحمل الوقفة على كعوبك طول النهار.. وهتنسيك ريحة التنر والزيت.. هتروقك وتعلي مزاجك..

وقبل أن يجبه حسن سمعا الاثنان صوت المعلم محمود.. المقاول المسئول عن تشطيب البرج السكني الذي يعملان به وهو يرحب بشخص ما بصوت خاضع:

ـ يا ألف مليون أهلاً وسهلاً.. نورتِ الدنيا كلها يا ابتسام هانم..

والتفت إلى أحد العمال:

ـ كرسي بسرعة للهانم…

جاء صوت الهانم مشمئزاً وهي تقول:

ـ ما فيش داعي يا معلم محمود.. أنا جاية أشوف إيه آخر أخبار الشقة..

ودارت بعينيها في أنحاء الشقة حتى توقفت نظراتها على حسن.. الذي توقف عن عمله وكتف ذراعيه ليتأمل المتطفلة المدللة بشعرها الأشقر المصبوغ وزرقة عيونها المزيفة.. لم تكن تضع الكثير من الزينة إلا أن طريقتها وملابسها القصيرة جداً _والتي رسمت خريطة جسدها واضحة لتلتهمها نظرات الرجال الشرهة_ ذكرته نوعاً ما بنيرة.. مما تسبب بنفور وامتعاض فوري بداخله, ولكنه حاول جاهداً السيطرة عليه وبينما هو يحاول السيطرة على رد فعله الرافض لتلك المرأة وجدها تحدق به بطريقة فجة..

كانت نظراتها تنطق بأفكارها القذرة وهي تجري بها فوق قامته الطويلة وكتفيه العريضين.. وكأنها تعريه من ملابسه لتتخيل ما تخفي تلك الملابس تحتها من جسد رياضي ممشوق وعضلات منحوتة..

أخرجت لسانها لترطب به شفتيها.. وبدا توهج وجهها.. تأملته للحظات.. وهي تفكر.. قد يكون عامل نقاشة ولكنه وسيم ومثير حقاً وهي تريده.. وطالما تعودت على نيل ما تبغى..

توجهت نحوه وعيناها تنهل من وسامته البارزة وسط عمال النقاشة وزاد في بروزها التي-شيرت الأسود الذي كان يرتديه.. وقفت أمامه مباشرة لتسأله:

ـ أول مرة أشوفك هنا.. يا…

أكمل لها المعلم محمود بسرعة:

ـ ده البشمهندس حسن.. بيشتغل معانا جديد.. هو مهندس صحيح.. بس نقاش ممتاز.. أحسن واحد عندي.. بس ده تربية عز وحياتك يا هانم..

ابتسمت وهي تقترب أكثر وتمد يدها لتمسك كتف حسن وتتحسسه بوقاحة:

ـ عندك حق يا معلم محمود.. شكله ابن عز فعلاً..

ثم التفتت لحسن:

ـ أنت اللي هتبقى مسئول قدامي عن تشطيب الشقة دي بالذات.. صحيح البرج كله بتاع دادي.. لكن الشقة دي هتكون بتاعتي.. وعايزاك تشطبها على ذوقك..

تراجع حسن خطوتين حتى يبتعد عن مرمى يدها وهو يخبرها بهدوء:

ـ الأفضل يا فندم أنك تحددي طلباتك بالظبط.. والمعلم محمود هو ريسنا كلنا.. وهنفذ طلباتك بالحرف..

أطلقت ضحكة عالية وهي تكرر كلمته:

ـ طلباتي!!..

ثم غمزت بعينها وهي تهمس له بدون خجل:

ـ لون عيونك!..

تعالت ضحكات العمال.. بينما اتسعت ابتسامتها:

ـ عايزة ألوان الديكورات تكون لون عيونك..

وعادت تطلق ضحكاتها العالية وهي تتلمس ذقنه بشغف.. وتتحرك لتخرج من الشقة وهي تلوح له بأصابع ذات أظافر مطلية بعناية:

ـ تشاو.. يا بشمهندس.. هعدي عليك بكره.. عشان نتفق…

وغمزت بعينها:

ـ على تنفيذ طلباتي..

خرج المعلم محمود خلفها مباشرة.. بينما وقف حسن يتأمل المكان الذي اختفت فيه تلك الوقحة بذهول… وشعر بوكزة سُمعة وهو يخبره بعبث:

ـ يظهر أنك دخلت مزاجها قووي.. صحيح هي وشها مكشوف.. لكن أول مرة تكون بالصراحة دي..

ـ صراحة!.. قصدك بجاحة..

ضحك سمعة:

ـ يا عم ما تبقاش مقفل.. هو أنت بنت بنوت هتخاف على نفسك..

ـ أنت بتقول إيه!.. أنت ناسي إني متجوز..

ـ وماله.. أنت شوفتها طلبتك للجواز.. أنت فاهم غرضها كويس.. و..

قاطعه حسن بغيظ:

ـ قفل على الموضوع ده يا أسطى سُمعة.. أنا مش بحب الطريقة دي في الهزار..

والتفت ليكمل عمله.. وأفكاره تتشتت فيما حدث للتو.. لقد التقى بآكلة رجال.. وهي أوضحت بدون خجل.. أنها ترغب به.. كوجبتها التالية…

*********

لفت علياء نفسها بذراعيها وهي تجلس مرتجفة بجوار يزيد وهو ينطلق بالسيارة بسرعة مخيفة.. وكأنه يريد الابتعاد بها عن قسوة الذكريات التي عاشتها في ذلك المكان.. كان يرمقها بقلق.. ويعود للتركيز على الطريق.. ثم ما يلبث أن يعاود النظر إليها مرة أخرى… وهي ترتجف بلا توقف ودموعها تغسل وجهها.. شفتيها تتحركان بكلمات هامسة.. يكاد يجزم إنها مناجاة لوالدتها..

يريد أن يضمها إلى صدره.. يجمعها بين أحضانه.. يمنحها دفء وأمان يعلم أنها تحتاجه.. ولكنها ترفض أي لمسة أو تقرب منه.. يتقوس جسدها في رد فعل رافض لاقترابه منها فيضطر للابتعاد عنها حتى لا يتسبب لها في مزيد من الأذى والألم..

عاد يتأملها.. جسدها الصغير المكدوم بقسوة وقد التف بثوب كالكفن الأبيض والمسمى.. ثوب زفاف.. وجهها الذي لم يفقد فتنته وبراءته برغم الجروح والكدمات المنتشرة به… يا إلهي.. ماذا فعلوا بها؟.. هل نزعت الرحمة من قلوبهم؟.. ألا يرون كم هي ضعيفة ومكسورة.. ضرب على مقود السيارة بعنف.. وهو يلقب نفسه بأبشع الأسماء ويتهمها بأقسى التهم.. لقد تركها.. تركها وابتعد وظن أنه بذلك ينظم حياتهما معاً.. ولكنه كان غبياً ولم يعمل حساب لتدخل أعمامها… ليته يعلم فقط كيف وصلوا إليها.. ومن أخبرهم تلك الترهات عن تورط علياء بوالده..

لا يتذكر بالضبط تفاصيل وصوله إلى بلدتها.. فهو بمجرد أن أغلق الهاتف مع والده.. لم يشعر بنفسه إلا وهو بمطار القاهرة.. ليجد مازن أمامه ومعه نيرة التي كانت ترمقه بنظرات نارية.. ومازن يهمس له أنه أعد كل شيء كما اتفقا.. وأرسل بالفعل عدة سيارات محملة بالرجال إلى بلدة أعمامها وهم الآن على أعتاب البلدة في انتظار وصول يزيد, ومتأهبون للتدخل عند إشارة منه..

رمقه يزيد بضياع ليهتف مازن متعجباً:

ـ في إيه يا يزيد.. مش أنت اللي كلمتني قبل ما تطلع الطيارة ورتبت معايا اللي هنعمله..

قاطعه يزيد بتوتر مرتعب:

ـ تفتكر.. أنهم.. ممكن.. ممكن.. يأذوها؟.. يمو..

قاطعه مازن وهو يمد يده بمفتاح سيارة:

ـ ركز يا يزيد.. هما مش أغبيا… وواضح هدفهم إيه.. هما عايزين الأرض.. ارميها لهم وخد مراتك..

ظل مازن ماداً يده بالمفاتيح ويزيد يتخبط في هواجسه المرعبة فدفع المفاتيح في يده:

ـ دي مفاتيح عربيتي.. اطلع بيها وأنا ونيرة وراك.. والرجالة سبقونا زي ما قلت لك..

انطلق يزيد بالسيارة متجاهلاً مكالمات والده التي لم تنقطع.. وكذلك رسائل ريناد.. لقد أرسل لها رسالة واحدة بمجرد وصوله الى القاهرة يخبرها فيها بسفره المفاجئ.. وأعقبها برسالة لوالده يعلمه فيها بتوجه الى بلدة علياء..

وقبل أن يدخل القرية بمسافة معقولة فوجئ بوجود والده الذي قرر الذهاب مع ابنه ومساعدته.. ووضح ليزيد الصورة كاملة… فازداد غضبه على نفسه لأنه وافقها في عدم إقامة حفل زفاف, ولكنه حمد ربه أنه يحمل عقد الزواج معه..

أصر بشدة على مقابلة أعمامها بمفرده.. عارض والده كثيراً.. ولكن يزيد كان في حالة من الغضب والإصرار لم تسمح لأحد بمعارضته حتى أنه رفض اصطحاب مازن معه وأخبره باقتضاب:

ـ خليك مع الرجالة ولو لقيت الوضع معقد هكلمك تجيبهم وتيجي..

استقبله أعمامها بعداوة وبغض واضح.. ولكنه لم يهتم.. يفهمهم جيداً ويدرك ما يريدون.. وسيمنحه لهم.. فقط يريدها هي.. لذا قرر اتخاذ المبادرة وهاجم عمها صالح بغضب:

ـ فين مراتي؟….

سخر منه الرجل بلامبالاة وهو يتحصن بعدد من الرجال خلفه:

ـ مرتك!.. مرتك كيف وبأمر مين؟..

تحرك ليواجه عمها بحسم:

ـ مراتي بقسيمة الجواز دي..

ومد له صورة ضوئية لعقد زواجه من علياء..

سكت صالح لفترة وهو يتطلع إلى عقد الزواج:

ـ بس الكلام اللي وصلنا غير كده..

ـ اللي وصلك إشاعات قذرة..

ـ مش أوشاعات.. اللي بلغني حد موثوج فيه..

أجابه يزيد وهو لا يعلم كم أصاب بكلماته:

ـ اللي بلغك بيدور على الدم.. وبلاش تنولهاله.. أنت عايز أرضك.. وأنا عايز مراتي.. يبقى متفقين..

سكت لحظة ونظراته تتركز على مجموعة الرجال.. ثم قال لصالح بتأكيد:

ـ أعتقد أنك أتأكدت إنها مراتي.. نقعد بقى ونتفاهم.. أنا مش عايز غير مراتي.. وتحت أمركم في كل طلباتكم..

ـ وإحنا هنتفاهم معاك أنت ليه؟.. فين بوك؟..

ـ الكلام معايا أنا.. أنا جوزها وأي مسائل قانونية هحلها بس تروح معايا الليلة..

وبالفعل.. تمت المفاوضات _كما أطلق عليها سراً_ معه هو.. حيث بدا اهتمامهم جلياً بالأراضي التي تخص علياء.. وقدمها لهم يزيد بدون نقاش.. واعداً نفسه أن يعوضها عنها بمجرد أن تبلغ الحادية والعشرين..

ثم بدأت طلباتهم تتزايد.. فأرادوا.. مهر.. شبكة.. مؤخر.. باختصار بدا أنهم يريدون كسب كل ما يمكن من وراء إتمام تلك الزيجة.. ووافق بدون معارضة فهو لم يكن يعلم أن موافقة أعمامها ما هي إلا خضوع لنساء الأسرة اللاتي قررن التخلص من وجود علياء بأي طريقة.. فهي تمتلك من الجمال والفتنة ما جعل كل واحدة منهن تخشى على رجلها أو أبنائها منها.. وخاصة بعد الخبر الذي زفته إليهن أم عواد.. فقد حسمن الأمر.. بضرورة إبعادها فلن يحمل أي من أبنائهن حِمل الفتاة.. وعارها..

وافق على كل طلباتهم بدون نقاش.. حتى حفل الزفاف التقليدي الذي أرادوه.. ولكنه اشترط أن يراها ويخبرها بنفسه.. ولم يعترضوا.. فهم حصلوا على ما أرادوه من خلفها ولم يعد يهمهم إلا إنهاء الموضوع بما يليق..

أصرت عمتها على مرافقته ومعهما عمها الأصغر مهدي فاصطحباه إلى غرفتها والتي ما إن دلف إليها ورآها حتى تجمد في مكانه.. لا يصدق أن فراشته الرقيقة هي تلك الكتلة الضئيلة والتي ترتدي السواد بداية من وشاحها الأسود الكبير إلى جلباب واسع يكاد يخفيها تماماً.. لولا لونه القاتم الذي ناقض بشرتها الشاحبة ما ميز وجودها داخله..

أجبر قدميه على التحرك خطوات بطيئة أولاً.. ثم ما لبث أن أسرع لاهثاً نحوها.. ركع على ركبتيه أمام الفراش الذي تكومت فوقه.. ليكتشف مع اقترابه كم الجروح والكدمات التي تملأ وجهها.. تكورت قبضتيه بعنف وهو يحاول منع نفسه من الذهاب إليهم لينتقم لها من كل خدش, لكنه يعلم أن خروجه بها من ذلك المكان يعتمد على تحكمه في غضبه وثورته..

مسح بيده على وجهها وناداها برفق:

ـ علياء..

لم تصدق علياء نفسها وهي تسمع همسته.. ظنت أنها تحلم بوجوده لينقذها.. ولكن رائحة عطره التي تحفظها جيداً كانت واضحة جداً.. حقيقية جداً بالنسبة لحلم..

عاد يهمس بخوف:

ـ علياء..

حركة بسيطة من أجفانها المغلقة أنبأته أنها تسمعه.. فعاود النداء:

ـ علياء ردي عليّ..

حركة ضئيلة أخرى من أجفانها ولكنها مصرة على عدم فتح عينيها.. تحرك ليجلس بجوارها في الفراش ورفعها من رقدتها ليضعها على صدره.. ويزيح بيده الوشاح من فوق رأسها.. لحظتها اتسعت عيناه بألم وهو يرى شعرها الجميل وقد اختفى بعد أن تم قصه بطريقة بدائية وهمجية..

شعرت علياء بيده تزيح الوشاح من فوق رأسها فارتعش جسدها وهي تتخيل نظراته عندما يرى شعرها الطويل وقد اختفى.. لم يبقَ منه إلا خصلات قصيرة مقصوصة بهمجية وعشوائية.. شعرت بأنفاسه تتسارع غضباً.. فشهقت بضعف..

وصلته شهقتها الضعيفة فأخفض بصره ليلتقي بزرقة عينيها وقد غشيتها نظرات الوحدة والخوف.. الألم والرعب.. وعتااااب وولوم بلا نهاية ممتزج بنداء استغاثة جعلها تغلق أجفانها عليه وكأنها لا تصدق أنه أتى بالفعل من أجلها..

خلل أصابعه في خصلاتها المشعثة.. فعادت تفتح عينيها لتواجه نظراته وعندها لم تستطع التحمل فانفجرت في نوبة بكاء دمرت تماسكه الهش من البداية فضمها لصدره بقوة هامساً:

ـ هششششش… هنبعد عن هنا في أسرع وقت..

لم تجبه بشيء واستمرت في البكاء.. بينما أصابعه تتحسس جروح وجهها العديدة.. وهنا تعالى صوت عمتها:

ـ اتحشمي أنتِ ورجلك..

التفت يزيد نحوها وقال بقسوة وحزم مخاطباً مهدي:

ـ من فضلك.. عايز أكلمها على انفراد..

ابتسمت السيدة باستخفاف تقريباً قائلة:

ـ جول اللي أنت عايزه.. وحد مانعك!

بنبرة باردة كالصقيع أجاب يزيد:

ـ عايز أكلم مراتي لوحدها..

رأى مهدي يهمس لها بشيء ما وعلى إثره خرجت عمتها بغضب وتركت الباب مفتوح.. ذكره موقفها بنيرة في ذلك الصباح بالمزرعة ولكنه لم يبتعد ليغلق الباب تلك المرة بل أعاد نظراته لعلياء التي عاودت إغلاق عينيها فقبلهما برقة وهو يهمس:

ـ سامحيني.. والله ما كنت أعرف.. والله ما كنت أعرف..

ظل جفناها مغلقين ودموعها تجري على وجنتيها الجريحة فقرب شفتيه يمسح بهما دموعها:

ـ افتحي عينيكِ يا علياء.. شوفيني..

ضغطت على جفونها بشدة وكأنها ترفض طلبه.. بينما ازداد انهمار دموعها.. فركن جبهته فوق جبهتها بتعب وهو يهمس:

ـ مش عايزة تفتحي عيونك ولا تكلميني كمان.. عندك حق.. بس يا ريت تسمعيني عشان نخرج من هنا بسرعة..

زادت دموعها.. وارتفع صوت شهقاتها قليلاً.. إلا أنها أصرت على عدم الرد عليه أو حتى فتح عينيها.. فعاد يهمس:

ـ علياء.. أنا عارف تفكيرك من ناحية الفرح والفستان والكلام ده.. بس دي الخطوة اللي باقية عشان أخدك من هنا.. أنا اتفاهمت معاهم على كل حاجة.. باقي بس موضوع الفرح ده.. ساعتين استحمليهم ونمشي أرجوكِ..

هزت رأسها بعنف فتطايرت خصلاتها المشعثة القصيرة لتغطي عينيها المستمرة بالبكاء.. ولكنه أمسك وجهها بين كفيه وهو يوقف حركتها الرافضة.. ويطبع قبلة طويلة على شفتيها.. لم تستجب لها فهمس أمام شفتيها وأصابعه تنغرز بين خصلاتها:

ـ عاقبيني زي ما أنتِ عايزة.. أما نكون في بيتنا.. بس اسمعي الكلام وجاريهم في موضوع الفرح..

ظلت تحرك رأسها برفض بينما استمر هو في همسه لها حتى هدأت بين ذراعيه وخضعت مضطرة لمراسم زفافها الصوري.. ارتدت ذلك الثوب الأبيض البغيض الذي لف جسدها كالكفن.. بينما غطت وجهها المكدوم بطرحة بيضاء شفافة.. وها هو ينظر إليها الآن وهي بجواره في سيارة مازن.. وقد قاربا على الوصول إلى شقتهما.. ولكنها مازالت ترفض التواصل معه بكل الطرق.. فحتى نظراتها تهرب بها منه.. عاد بعينيه إلى الطريق الذي لم يشعر بطوله فقد شغلته مراقبة علياء طوال الوقت.. التفت لينظر إليها مرة أخرى ولكنه فوجئ بوجهها وقد احتقن بشدة وهي تضغط على شفتيها بقوة وكأنها تحاول منع آه ألم.. أفلتت منها برغم ذلك وهي تهمس:

ـ بنزف يا يزيد.. دم.. بنزف..

************

ظل يزيد يجوب أروقة المشفى كأسد حبيس فهو منذ سمع منها كلمة “بنزف”.. فقد إدراكه بكل ما حوله ومن حوله.. ولم ينتبه إلا وهم بالمشفى بالفعل ومازن يتولى الأمور.. بينما تمسك بعلياء رافضاً الابتعاد عنها.. حتى هتفت به نيرة في حنق:

ـ أنا هدخل معاها.. أبعد أنت بس..

ظل يجوب الردهة أمام حجرة الكشف بالمشفى ومازن يحاول جاهداً تهدئته.. حتى خرجت الطبيبة إليهما تجاورها نيرة..

بدأت الطبيبة كلماتها موجهة حديثها لمازن فهي صديقة وزميلة دراسة قديمة له:

ـ الحمد لله.. النزيف كان بسيط وقدرنا نوقفه.. الجنين بخير دلوقتِ..

هتف يزيد بقوة مقاطعاً:

ـ جنين!!.. هي علياء حامل؟..

رمقته الطبيبة بنظرة نارية وتعاود الحديث إلى مازن:

ـ هي محتاجة راحة لفترة بسيطة.. بس أنا ملاحظة..

قاطعها يزيد مرة أخرى:

ـ كلميني أنا.. دي مراتي..

فقدت الطبيبة أعصابها وهي تصيح به:

ـ من فضلك يا أستاذ.. أنا بحاول أتحكم في أعصابي أني ما بلغش البوليس.. مع أنه واجب علي أني ابلغ.. أنا بس عاملة خاطر لمازن..

هتف يزيد بتعجب:

ـ تبلغي البوليس!.. ليه؟..

ثم خبط جبهته بكفه منتبهاً:

ـ عشان الجروح والكدمات!.. أنتِ فاهمة إني السبب؟.. لأ طبعاً.. اتكلم يا مازن..

تدخل مازن مخاطباً الطبيبة:

ـ فعلاً يا ولاء.. كلام يزيد صح.. الجروح والكدمات دي مجرد حادثة و..

قاطعته الطبيبة:

ـ وقص شعرها حادثة برضوه يا مازن.. بص.. أنا منتظرة إنها تفوق ووضعها يستقر.. وهفهم منها كل حاجة.. ولو جوزها سبب للي هي فيه ده.. صدقني مش هسكت.. و..

قاطعتها نيرة تلك المرة وهي تخاطبها بنبرة حانقة:

ـ ما هو قالك يزيد هو اللي جوزها.. إيه مش شايفة غير مازن ليه؟..

رمقها مازن بعجب فهو لأول مرة يستشعر الغيرة في نبرتها.. ولكنه قرر تجاهل ذلك مؤقتاً.. وعاود الحديث إلى ولاء.. حتى أقنعها أن تسمح ليزيد برؤية علياء..

وقف يزيد أمام فراش علياء يتأملها في قلق.. بينما جاءه صوت نيرة من خلفه:

ـ بتتفرج على ضحيتك.. مش حاسس بأي تأنيب ضمير؟.. ده لو في ضمير من البداية..

أجابها وعيناه معلقة بوجه علياء الشاحب:

ـ تقدري تروحي يا نيرة.. أنا هبات معاها في المستشفى.. أكيد أنتِ تعبانة ومحتاجة ترتاحي..

تحركت نيرة لتجلس على الأريكة المواجهة للفراش.. واضعة ساقاً فوق الأخرى.. وأخذت تعبث بأظافرها في ملل وهي تخبره:

ـ لا.. مش همشي.. أنا كمان عايزة أطمن عليها..

التفت ليرمقها للحظات ثم توجه نحو فراش علياء.. وخلع حذائه ليرتقي الفراش بجوار علياء النائمة بعمق.. فالتصق بظهرها وأزاح الوسادة ليستبدلها بذراعه ويريح رأسها فوقه ماراً بأنامله فوق ملامحها البريئة.. حاجبيها.. جفنيها المغلقين.. وجنتها المشبعة بالجروح والخدوش الصغيرة.. ومال بشفتيه لاثماً تلك الخدوش.. فأتاه صوت نيرة متبرماً:

ـ ما تحترم نفسك.. أنت مش واخد بالك إني موجودة..

رفع شفتيه عن وجنة علياء وهو يخبرها بغيظ:

ـ قلت لك روحي.. أنتِ اللي مصرة تقعدي..

ثم عاد ليلتفت لعلياء وأخرج من جيبه السلسلة ذات الدمعة الماسية الصغيرة والتي أصر على أخذها من أعمامها _بعدما سلبوها إياها_ وأعادها إلى عنقها مرة أخرى.. متلمساً إياها برقة.. وأنامله تتحسس عنقها وقد ظهر طوله الملفت ورشاقته..

سمع صوت الباب يغلق بعنف.. فابتسم بشقاوة.. وهو يغرق بشفتيه كلية في روعة عنقها ويهمس:

ـ ياه.. حماتي دي صعبة قوي.. كنت فاكرها مش هتتحرك..

عدل وضع علياء بين أحضانه وهو يهمس لها:

ـ أنا عارف أنك صاحية.. صحيتِ وقت ما لبستك السلسلة..

لم يصله منها أي رد.. فقط تنفسها السريع أوضح أنها مستيقظة بالفعل.. فعاد ليتذوق عنقها بمتعة.. وهو يضمها إليه أكثر.. ممسداً بطنها بكفه الكبير:

ـ ابننا هنا.. حافظتِ عليه بأمان.. أنتِ كنتِ عارفة, صح؟..

لم تجبه أيضاً.. وهو يمنحها كل العذر.. ولكنه غير قادر على الابتعاد عنها.. فقط يريد البقاء ملتصقاً بها هكذا.. معتصراً إياها لتبقى بين ذراعيه إلى الأبد:

ـ ليكي حق تزعلي.. خودي حقك مني وأنتِ في حضني.. ما تبعديش يا علياء.. أنا كنت هتجنن لما عرفت اللي حصل.. ومش هسكت إلا لما أعرف مين السبب.. وأجيب لك حقك منه..

هنا لم تستطع علياء كبت دموعها أكثر فسقطت بغزارة وهي تعلم أنه لن يستطيع فعل شيء إذا علم أنها والدته من سلمتها لأهلها وكانت تهدف لقتلها وليس إيذائها فقط.. ولكن ما أنقذها حقاً هو الطمع المتأصل في نفوسهم الشرهة..

شعرت بشفتيه تغزوان عنقها مرة أخرى.. وأسنانه تنغرز برقة في شحمة أذنها.. بينما ذراعه الحرة تحرر كتفها من رداء المشفى.. ليداعب برقة الخدوش المنتشرة على كتفيها وهو يهمس بحرقة:

ـ كلميني.. ردي عليّ بس.. احكي لي عملوا فيكي إيه.. صدقيني سكوتك بيعذبني.. ولو عايزة تعذبيني أكتر احكي لي.. قولي كل اللي جواكي..

شعر بجسدها ينتفض بين ذراعيه وهي تشهق ببكاء مكتوم ما لبث أن ارتفعت وتيرته وهي تضغط جفونها بشدة حتى لا تفتحها وتقابل نظراته الملهوفة عليها.. تخشى أن تضعف أمامه.. تخشى من قلبها الأحمق.. من جسدها الخائن الذي يعلن انتمائه له بلا خجل.. من عقلها الذي يغيب أمام همساته.. غبية هي.. غبية ومقهورة بحبها البائس..

 

 

الفصل التاسع عشر

اتخذت علياء وضع الجنين في رقدتها كما اعتادت في الأيام الأخيرة وظلت تحاول العودة إلى النوم بدون فائدة.. فما أن تغمض عينيها حتى ترى أمامها وجه عمتها وهي تمسك بالمقص لتغتال خصلاتها الطويلة.. وتهمس لها بغل أنها ستسلبها كل ما يميز جمالها عن سائر نساء العائلة, ذلك الجمال الذي ورثته عن أمها “الساقطة” كما رددت عمتها.. وبعدما انتهت جذبت سلسلة يزيد من عنقها بعنف وهي تخبرها أن العهر لا يستحق المكافأة..

حاولت ضم نفسها بذراعيها تعوض بهما عن ذراعيه اللتين أحاطتاها طوال الليل.. منحها الدفء والأمان لا تنكر.. لكن هناك تلك القطعة من الصقيع والتي تشبه الخنجر مازالت تدمي روحها, تجعلها غير قادرة على التواصل معه.. أو حتى النظر إليه.. حالة من الصمت تمسكت بها وهو تقبلها بتفهم وظل ملتصقاً بها طوال الليل.. يطمئنها بوجوده كلما استيقظت فزعة هاربة من عذاب جديد أو تنكيل بها.. يضمها بين ذراعيه لتستكين برأسها على صدره فتهدأ قليلاً.. حكى لها كيف علم باختفائها وكيف اتفق مع أعمامها.. اعتذر منها لتفريطه في الأرض.. وشرح لها تلك كانت الطريقة الوحيدة ليعود بها إلى بيتهما.. أقسم أن يعوضها عن الأرض وما سلبوه منها.. وكأنها تهتم.. وكأنه يدرك ما سُلِب منها.. ليس الأمان ولا الطمأنينة فهما ضاعا مع موت والديها.. أو كونها ذات أهمية لأحدهم.. فهي تعودت الحياة على الهامش.. لكن الأيام الماضية أثبتت لها كم هي رخيصة بالفعل.. لا تساوي إلا حفنة من الأموال وطين أرض..

رائحة عطرية ثقيلة اخترقت أنفاسها وصوت حذاء ذو كعب عالٍ أكد لها أنها لم تعد بمفردها في الغرفة.. فيزيد أخبرها بهمس أنه سيذهب ليبدل ملابسه, ونيرة قررت الذهاب وإحضار العدة اللازمة لتعيدها إلى أنوثتها كما أخبرتها.. ولم تقبل جدال..

التفتت علياء ببطء لتواجه عينين ممتلئين بالكراهية والحقد وصوت سهام يدوي بكل مقت الدنيا:

ـ حقيقي.. زي القط بسبع أرواح!..

انكمشت علياء على نفسها وأحاطت بطنها بذراعيها تحمي طفلها بدون إرادة منها وهي تهتف بخوف:

ـ ابعد.. ابعدي.. عني.. أنا عـ..ا.ر.فـ..ــة.. عارفة كـــ..ل حــ..اجة..

كتفت سهام ذراعيها وأجابتها بسخرية:

ـ وناوية على إيه إن شاء الله!.. تحكي ليزيد عشان تبعديه عن أمه الشريرة!

وأطلقت ضحكات عالية جعلت علياء تعتقد أنها لم تكن في حالة عقلية سليمة.. وأردفت بغل:

ـ وتفتكري يزيد ابني.. هيصدقك.. أو يصدق كلامك؟.. أعمامك نفسهم ما جابوش سيرتي.. فكروا إزاي يجمعوا من وراكي قرشين.. زي أي واحدة مومس أهلها بيتاجروا بيها..

سقطت دموع علياء وشعرت أنها ستختنق بغصتها.. فسهام تضغط على جرحها بشدة.. لاحظت سهام صمتها ودموعها التي بدأت تهطل.. فاستمرت بقسوة كلماتها.. وكأنها تريد أن تكمل انتقامها:

ـ للأسف أهلك طلعوا في منتهى الرخص.. كان لازم أتوقع كده.. فكروا في مكاسبهم وبس.. بذمتك حاسة بإيه وأهلك بيطلبوا أنك تدفعي تمن جوازك من ابني أرضك وكل ما تملكي..

رغم قسوة كلمات سهام إلا أن شيء ما جعل علياء تنتفض لتواجه القسوة الموجهة إليها.. لم تعرف من أين امتلكت القوة.. ربما طفلها هو من يحثها على المقاومة.. ربما كثرة جراحها لم تدع مكاناً لجرح آخر.. ولكنها وجدت نفسها تتحرك من فوق فراشها لتواجه سهام وتهتف وسط دموعها المتساقطة:

ـ أنتِ ليه بتكرهيني كده!.. أنا عمري ما أذيتك ولا حتى فكرت أجرحك.. وأنتِ بمنتهى القسوة دبرتِ أنكِ تمحيني من الدنيا..

صرخت سهام وقد بدا تشوشها واضحاً:

ـ عمرك ما أذيتيني!!.. أنتِ سرقتِ جوزي مني.. هدمتِ حياتي ودمرتِ بيتي..

كان بيروح هنا وهنا.. ويرجع لي أنا.. لحد ما عرفك.. و..

قاطعتها علياء بذهول:

ـ أنــ..ا.. عملت كده!.. أنا عليااااء!

وكأنها لكمتها في وجهها لتستفيق لواقعها صارخة بجنون وكأنها تحدث نفسها:

ـ علياء.. نادية.. هتفرق.. نادية ملكته.. سرقته مني.. وسابت بنتها تكمل من وراها..

ثم هزت رأسها بقوة فتناثرت خصلاتها المصففة جيداً.. وبرقت عيناها بشدة وهي تقترب منها بشدة:

ـ أنتِ جريمتك أكبر.. أنتِ خطفتِ فرحة عمري كله.. خلتيني أشوفك في عيون ابني ليل ونهار.. كأنه عايش في ملكوت ما فيش فيه غيرك.. كان لازم حياتنا ترجع زي ما كانت قبل ما تظهري فيها.. وهو يتجوز ريناد.. ويفضل حبيب أمه وبس.. لكن أنتِ.. أنتِ.. أنتِ لازم تختفي من الدنيا!

صرخت بها علياء وهي تتراجع للخلف وتلف بطنها بذراعيها:

ـ ما تقربيش مني.. أخرجي بره..

اقتربت سهام وأمسكت بكتفيّ علياء وهي تهزها بشدة وتردد هاتفة:

ـ لازم تختفي.. لازم..

ـ ماااامااا..

صرخة يزيد التي أتت من باب الغرفة المفتوحة وقد برزت حدقتاه ذهولاً من المشهد.. والدته تهز علياء بشدة.. بينما علياء تلف ذراعيها حول بطنها ودموعها تتساقط وعلى وجهها ارتسمت أقصى درجات الرعب..

تحرك بسرعة لينتزع علياء من بين يدي والدته ليزرعها في صدره ويضمها بقوة بين ذراعيه محاولاً السيطرة على نوبة الهيستريا التي بدأت تظهر علاماتها واضحة عليها وهي تتخبط بين أحضانه وتشهق بقوة متمتمة بكلمات غير مفهومة..

هتف بوالدته بقوة:

ـ ماما من فضلك سيبيني معاها لوحدنا..

تجمدت سهام وهي تسمع نبرة ابنها الحازمة, والتي تناقض تصرفاته الرقيقة نحو الفتاة فهو يضمها.. يقربها.. يهمس لها.. يحاول طمأنتها وهدهدتها بكل الطرق.. وهي أمه يطلب منها الخروج بتلك اللهجة الباردة التي أعادها للمرة الثانية وهو يصرخ بأمه:

ـ ماما.. من فضلك أخرجي بره الأوضة..

رمقته سهام بنظرة ضائعة ثم خرجت مهرولة من الغرفة وصورة ابنها وهو يضم عدوتها بين ذراعيه لا تنمحي من أمام عينيها..

أما علياء فكان جسدها ينتفض بقوة وهي عاجزة عن السيطرة عليه, وكأن عنف سهام نحوها أيقظ ذكريات الأيام الماضية فكانت تفرك وجهها في عنق يزيد تارة, وتارة أخرى تخبط رأسها بقوة في صدره وكأنها تريد إسقاط المشاهد التي تتزاحم في رأسها.. ثم تعود وتلصق وجهها بصدره وهي تتمسك بقميصه بقوة.. متمتمة من بين شهقاتها:

ـ أنت سيبتني لها.. سيبتني لوحدي.. لوحدي.. بعدت.. عني.. بعدت عني.. وأنا لوحدي.. كلهم.. كلهم.. سابوني.. آذوني.. وجعوني قوي.. ما فيش حد عايزني.. أنا عايزة ماما.. عايزة أروح لماما.. هقولها أنا مش رخيصة.. أنا متجوزة.. مش رخيصة.. ماما.. ماما..

ظلت تخبط رأسها بصدره وهي تناجي أمها وتبكي بلا توقف.. بينما هو ثبت رأسها بكفه زارعاً إياها بصدره ومتمتماً بأذنها:

ـ اهدي يا علياء.. اهدي الله يخليكِ.. مش هينفع تاخدي مهدئ ولا منوم.. هدي نفسك شوية..

أخذت شهقاتها تتعالى واستبدلت رأسها بقبضتيها وهي تضرب صدره بقوة هاتفة:

ـ عايزة ماما.. أروح لها.. عايزة أروح لها..

وازدادت انتفاضاتها وهي تحاول التخلص من ذراعيه اللتين أحكمتا الطوق حولها.. حتى فقدت معظم قوتها وتهاوت بين يديه ليسقطا معاً أرضاً وهو يحاول دعمها حتى لا يرتطم جسدها بالأرض.. فسقط هو أولاً ليتمكن من تلقيها بين ذراعيه.. ويضمها إليه بقوة مسيطراً على حركاتها الرافضة له وهي تتمتم بلا انقطاع:

ـ ماما.. عايزة أروح لها..

عدل وضع جسده ليستند بظهره على الأريكة المواجهة للفراش ويجلسها على ساقيه اللذين امتدا أمامه وهو يهمس في أذنها:

ـ هشششش… علياء حبيبتي اهدي.. اهدي..

زاد من ضغط ذراعيه حولها وهو يضمها بقوة حتى هدأت شهقاتها قليلاً.. بينما دموعها لم تتوقف وهي تهتف بحرقة:

ـ أنا مش رخيصة.. أنا.. مش..

عدل وضع جسدها بحيث تستلقي بين أحضانه وأسند رأسها على ذراعه.. وأبعد بأنامله خصلاتها القصيرة المشعثة والتي غطت عينيها الدامعتين.. وامتدت أنامله لتمسح دمعاتها برقة وهو يقترب بوجهه منها واضعاً جبهته فوق جبهتها هامساً:

ـ عارفة ليه عمري ما ناديتك باسم غير علياء؟..

سكنت شهقاتها قليلاً وبدا أنها بدأت تستمع له.. فأكمل:

ـ اسمك بيوصفك يا علياء.. اسم أجمل وأغلى من أنه يختصر.. حتى لو بغرض الدلع والدلال.. مش بيقولوا كل واحد له نصيب من اسمه.. وأنتِ بقى اسمك بيوصفك كلك.. قلت لك قبل كده أنتِ غالية.. غالية قوي يا علياء..

سكنت بين ذراعيه وقد استسلمت لقبضته على خصرها وأخذت ترمش بعينيها الدامعتين وقد تعلقت الدموع بأهدابها.. وهي تستمع لكلماته التي يخبرها بها للمرة الأولى.. حرك جبهته قليلاً.. ليتمكن من رؤية عينيها اللتين تحدقان في وجهه بخوف وأمل.. فقبل وجنتها برقة شديدة هامساً:

ـ جننتيني لما بدأتِ تقلدي نيرة في لبسها.. ما كنتش ببقى فاهم إيه اللي بيحصلي.. عايز أغطيكِ وأخبيكِ عن عيون الناس.. كنت ببرر ده الأول وأقول لنفسي.. أختي الصغيرة.. زي ما بابا كان بيقولي..

ابتسم بسخرية من حاله وأكمل لعينيها المنتظرة بلهفة تكملة حديثه:

ـ لحد ليلة الحفلة في النادي.. وأنتِ بترقصي مع مازن.. من جوايا اتأكدت أنك مستحيل تكوني أخت لي.. كل اللي فكرت فيه أني عايز أخدك من إيدين مازن وأخبيكي.. لأنك بتاعتي..

ازدادت قبضته حول خصرها وهو يهمس بشراسة:

ـ بتاعتي.. فاهمة إزاي بتاعتي..

وترجم لها كلماته بقبلة ضارية على شفتيها تركتها تلهث بقوة وعينيها مازالتا تبرقان بغموض وهو يكمل:

ـ اللي حصل بعد كده أني أثبت ملكيتي بغباء.. وأنتِ دفعتِ التمن..

عاد الحزن مرة أخرى يترقرق في عينيها مع الدموع, وحاولت إبعاد وجهها عنه… ولكنه ثبته بشراسة لتسمع باقي كلماته وهو يخبرها:

ـ أنتِ بتاعتي.. مراتي..

ومد كفه يتحسس بطنها في شغف:

ـ أم ابني.. ومش هسمح لأي حد بعد كده يقلل منك.. ولا حتى أنتِ..

أغمضت عينيها فجرت إحدى الدمعات المعلقة في أهدابها وسألته في خفوت:

ـ ولا حتى مامتك؟..

عاد إليه مشهد والدته وهي تهز علياء بقسوة لحظة دخوله الغرفة.. فزاد من ضمه لها وهو يقول بحزم:

ـ ما فيش حد هيقرب منك, ولا هيأذيكِ تاني يا علياء.. ده عهد عليّ.. يا ريت تصدقيني وتسامحيني على اللي فات..

خرجت الكلمات منها قبل أن تستطيع منع نفسها:

ـ أنت سيبتني لوحدي..

اتكأ بجبهته فوق جبهتها ليهمس:

ـ لأني غبي!..

منعت بسمة خائنة كادت أن ترتسم على شفتيها وشعرت به يتمسك بيدها ويضغطها بين أصابعه قليلاً.. قبل أن يتحرك ليخرج من جيبه علبة صغيرة.. أخرج منها خاتماً مبهراً وأدخله في بنصرها هامساً:

ـ عارف أني أتأخرت.. والمفروض شبكتك كانت جت لك من بدري.. وكل حقوقك.. وحتى الأرض اللي ضاعت هرجعها.. أو على الأقل هعوضك عنها..

همست:

ـ بس أنا مش عايزة حاجة..

هز رأسه نافياً:

ـ لا.. المرة دي مش هينفع.. ومش هوافقك.. أنا بس اللي موقفني أنك توصلي لواحد وعشرين سنة عشان ما فيش حد من أعمامك يتدخل تاني..

أخفضت بصرها أرضاً والتزمت الصمت ولم تجبه.. فمد يده ليرفع ذقنها حتى

تواجهه عيناها وسألها هامساً:

ـ عجبك الخاتم؟..

انتقل بصرها بدون إرادة منها الى الخاتم في بنصرها.. كانت الماسة ذات اللون الأزرق الشاحب تتألق في يدها.. وقد ارتكزت على قاعدة بلاتينية ودعمها من الجانبين.. وردتين ماسيتين براقتين.. كان مميزاً بالفعل ولم ترى مثله من قبل وخاصة ماسته الملونة.. سمعته يهمس لها وهو يتناول يدها يقبل الخاتم بها:

ـ أنا طلبت الخاتم ده.. ولون الماسة الأزرق مخصوص.. ومن فترة.. ولسه الجواهرجي مكلمني الصبح عشان استلمه.. آسف أني اتأخرت عليكِ..

عادت لتلوذ بالصمت وكأنها تذكرت الآن أن تعاقبه بصمتها..

ابتسم بتفهم أمام صمتها الذي لاحظه على الفور.. ولكن ما يطمأنه أنها كفت عن البكاء.. وأمسكت قميصه بيدها التي ألبسها فيها الخاتم.. ويدها الأخرى التفت حول خصره لتدعم نفسها.. وأغمضت عينيها وهي ترمي برأسها على صدره وتباعدت شهقاتها.. وبدا أنها ستخلد للنوم بين ذراعيه.. فاستمر يهمس لها بمواقف وأحداث مرت بهما معاً.. بشعوره بالغيرة من مازن لأنه كان مقرباً منها في بعض الأوقات.. غيظه الشديد من نيرة بل غيرته من علاقة الصداقة بينهما.. كان يحكي.. ويحكي.. وهي تستمع في صمت.. تشعر أنه بجوارها بالفعل.. بأفكاره.. وعقله.. بروحه وليس جسده فقط.. تشعر أنها له.. وأنها بالفعل مميزة.. حتى ولو بقدر ضئيل.. ضئيل جداً..

وعلى بوابة المشفى أنزل مازن نيرة بعدما أحضرت لعلياء بضعة أشياء.. أهمها بضعة ثياب جديدة حتى تخرجها من ثوب المشفى الكئيب كما أخبرتها صباحاً.. وقبل أن تستدير لمازن مودعة لمحت سهام تغادر المشفى وهي تركب سيارتها ومعالم التوتر والغضب تحيط بها.. فقفزت من السيارة تركض نحو غرفة علياء.. وقد انتابها القلق الشديد عليها.. ولمح مازن اتجاه نظراتها.. فلحق بها مباشرة تاركًا السيارة في مدخل المشفى.. فهو يملك شكوكه الخاصة نحو سهام.. ولكنه بالطبع لم يستطع مواجهة صديقه بتلك الشكوك حول أمه..

وصلت نيرة أولاً إلى غرفة علياء لتجد الباب مفتوح على مصراعيه كما تركته سهام.. ولكنها تسمرت أمام مشهد يزيد الذي يضم علياء بين ذراعيه ويهدهدها كطفل صغير.. هامساً في أذنها بلا توقف بينما أغمضت عينيها باستسلام تستمع إليه ممسكة بقميصه بقبضتها.. وكأنها طفلة تختبئ بين أحضان أمها من قسوة العالم..

شعرت نيرة بيد مازن على كتفها وهو يسحبها خارج الغرفة التي لم يشعر من فيها بوجودهما وأغلق الباب بهدوء وحرص.. وجذب نيرة ليتجها إلى خارج المشفى:

ـ سيبيهم مع بعض شوية يا نيرة.. ابقي ارجعي لها بالليل.. هي محتاجة وجوده معاها دلوقتِ..

جذبت يدها منه بعنف وهب تهتف:

ـ ما هو وجوده ده هو سبب المشاكل كلها!

توقف مازن ليواجهها:

ـ علياء تقدر تحل مشاكلها مع يزيد بسهولة.. ما فيش خوف عليها منه, بالعكس هي لها سُلطة عليه.. وسُلطة كبيرة كمان.. من غير أي تدخل منك أو مني.. يلا بينا..

جلست بجواره في مقعد السيارة الأمامي.. بعدما اعتذر من أمن المشفى لتركه السيارة بتلك الصورة.. وسمعها تخبره:

ـ عارف.. كان نفسي ما يرجعش من دبي..

رفع حاجباً متسائلاً:

ـ وعلياء؟.. مين كان ممكن يخرجها من تحت إيدين اعمامها؟..

أجابته بثقة:

ـ أنت كنت تقدر بسهولة مع الرجالة اللي كانوا معانا هناك.. بس كانت علياء هتفوق من وهم يزيد..

أدار مازن السيارة وهو يجبها بغموض:

ـ وعشان هو مش وهم يزيد رجع.. وبلاش تلعبي في دماغها.. أو تزرعي أي أفكار.. دلوقتِ في طفل جاي في الطريق.. والوضع مش مستحمل..

غمغمت بحنق:

ـ طفلة هتخلف طفل!

ابتسم بسخرية وهو ينهي الحوار:

ـ طفلة يمكن.. بس عرفت ولو بالفطرة إزاي تسكن يزيد وتتمكن منه.. حاولي تتعلمي منها حاجة..

رمقته بحذر وقد جمعهما معاً نفس الشعور للمرة الاولى.. فهما يشعران ويالسخرية بالحسد نحو يزيد وعلياء..

*************

كان حسن منهمكاً في عمله كعادته.. نائياً بنفسه قليلاً عن زملائه.. يحاول جاهداً التأقلم والاندماج معهم والمحافظة على هويته في نفس الوقت.. ويعلم مدى صعوبة هذا.. فإن شعروا للحظة أنه يتعالى عليهم, أو يعاملهم على أنه أعلى منزلة لفقد مودتهم الفطرية وتقبلهم الطبيعي له.. يحاول المحافظة على علاقة متوازنة معهم, ولكن رغماً عنه أصبح يتنازل قليلاً.. فيشاركهم جلساتهم وخاصة بعد زيارة تلك السيدة التي تسمى ابتسام وازدياد التعليقات الموحية نحوه.. فاضطر لتبادل المزاح والنكات معهم حول الأمر محولاً إياه إلى مزحة سخيفة حتى لا يتحول الموضوع لاتجاه آخر..

دقات لكعب رفيع وعالي وصلت لأذنيه مع همهمات وضحكات مكتومة من زملاؤه.. وصوت يصطنع النعومة:

ـ هاي يا أسطى سونة!..

حاول ألا يلتفت نحوها.. ولكنها رفعت أناملها لتحركها على كتفه لتجبره على الالتفاف نحوها.. ليجدها ترتدي أقصر تنورة وقعت عيناه عليها.. حتى أنه ظن لوهلة الأولى أنها نسيت أن ترتدي واحدة تحت البلوزة الخضراء الشيفون التي ترتديها وتفسر جسدها بالتفصيل من ناحية الشفافية والضيق على السواء..

وجدها ترمش بعينيها اللتين تحولتا إلى لون زمردي:

ـ شفت عينيا بقيت لون عينيك إزاي؟..

رمقها بذهول:

ـ افندم!

اقتربت منه وهي تتغنج بوقاحة:

ـ ما بتردش على تليفوناتي ليه؟..

أجاب باقتضاب:

ـ أنا رديت عليكِ فعلاً.. وبلغتك أني مش فاضي لأي شغل خاص..

رفعت أناملها لتتحسس وجنته الخشنة حيث لم يتمكن من حلاقة ذقنه في الصباح لانقطاع المياه.. وهو شيء اعتاد عليه مؤخراً.. ولكنه وجدها الآن تتلمس خشونة ذقنه بشغف.. بينما لمح بطرف عينه زملاؤه يتحركون.. متعذرين باستراحة الغذاء ليتركوهما معاً.. وسط الغمزات والابتسامات الموحية.. سمع صوتها يتهدج:

ـ ما حلقتش دقنك ليه؟..

كاد أن يصرخ بها.. “أنتِ مجنونة يا ست أنتِ!”.. ولكنه بدلاً من ذلك.. قرر أن يلاعبها بطريقتها فازاح يدها ببطء وهو يهمس لها:

ـ بحلقها بالليل.. عشان بتضايق مراتي..

ابتعدت عنه ولمعت عينيها بسخرية:

ـ أنت متخيل كده.. أني هغير… تؤ تؤ تؤ.. أنا ما يهمنيش مراتك.. ولا أيه اللي بيضايقها.. ولاحبها لك, ولا حتى حبك لها..

ورفعت أناملها لتداعب صدره بإغراء:

ـ أنت عارف اللي أنا عاوزاه..

سألها:

ـ واللي هو؟..

رفعت يدها الأخرى لتتسلل نحو صدره هي الأخرى وترتفعا معاً لتحيط بعنقه وهي تهمس بإغراء:

ـ الشالية بتاعي في الساحل.. نروح يومين.. نغير الديكورات..

وصمتت للحظة لتردف:

ـ ونغير جو.. وبعدين ترجع لمراتك.. ما ترجعش.. براحتك..

أجابها بابتسامة:

ـ فكرة كويسة.. حتى هتكون فرصة حلوة أني أفسح منى في الساحل..

سألت بغضب:

ـ منى مين؟..

هز كتفيه بملل:

ـ منى مراتي..

تحكمت في غضبها بصعوبة وهمست له وهي تحرك يديها من خلف عنقه ولكن لتمرر أظافرها بخفة تاركة خدش طويل على طول عنقه وهمست بخبث:

ـ ما تتحدانيش يا حسن.. أنا دايماً باخد اللي أنا عايزاه…

تركته في حيرة ورحلت.. ولم يعلم بوجود الخدش في عنقه إلا ليلاً ومنى تحاول دفعه بكل ما تملك من قوة صارخة بصوت مجروح:

ـ أنت كنت فين قبل ما تيجي يا حسن؟..

*************

تسللت دنيا بخفة من الفراش تاركة مازن ليرتاح قليلاً.. ارتدت روباً قصيراً.. واتجهت للمطبخ لتعد له النسكافيه كما يحبه.. بدون استخدام الماكينة.. ولكنها تعده له يدوياً حيث تدعك السكر مع حبيبات النسكافيه لفترة طويلة ثم تصب له الماء واللبن.. الثلث والثلثين.. ابتسمت لنفسها ابتسامة حزينة.. فهي أصبحت تحفظ عاداته وما يحب وما يكره كما تحفظ اسمها.. وتسعى دائماً لإسعاده وإرضائه..

وضعت يدها على قلبها تريد أن تخرجه من بين ضلوعها لتسأله..

“ليه؟.. ليه ما اختارتش تحبه هو؟.. ليه اختارت اللي بيوجعك ويجرحك؟..”..

كادت أن تسقط دمعة من عينيها.. لولا أنها شعرت بأنفاسه فوق عنقها.. ويديه تتسلل إلى فتحة روبها هامساً:

ـ ليه سيبتي السرير؟..

حاولت أن تبعد يديه ولكنها تعلم مدى إصراره عندما يريد شيئاً.. فتركتهما أخيراً:

ـ كنت بعملك نسكافيه..

لفها نحوه وهو يفتح الروب ليضمها لصدره طابعاً قبلة على عنقها:

ـ اممممم.. ممكن نأجل النسكافيه شوية؟..

حاولت التملص منه وهي تشعر بيده تلف خصرها من أسفل الروب والأخرى تثبت رأسها حتى يتمكن من تقبيلها.. فهمست بضعف:

ـ مازن.. عندي شغل.. لازم أنزل..

حرك يده من خلف رأسها ليزيح قدح النسكافيه فيسقطه في الحوض.. ورفعها بين ذراعيه واتجه بها إلى غرفتهما بسرعة..

بعد فترة.. كان يرتشف قدحاً آخر من النسكافيه بتلذذ وهو مستلقي في الفراش.. وهي جالسة بجواره.. تريد أن تعلم ما به.. فهي تشعر باختلافه.. وخاصة بعد ظهوره أمام عتبة شقتها في الليلة التالية لزفافه.. ليلتها همس باجهاد:

ـ صداع يا دنيا.. صداع هيفرتك دماغي..

اصطحبته ليلتها إلى الأريكة.. ووضعت رأسه في حجرها وظلت تمسدها لساعة كاملة قبل أن تظهر معالم الارتياح على وجهه..

همست له:

ـ أحسن دلوقتِ؟..

أجاب باقتضاب:

ـ أنا كنت عند حسن..

ولم يقل المزيد.. فقط أغمض عينيه واستسلم للنوم..

علمت ليلتها أنه لن يجيب على أي سؤال.. فاحترمت رغبته.. ولم تجادل.. ولم تناقش.. فقط عدلت من وضع رأسه لتتلقاها على صدرها.. وظلا هكذا.. حتى الفجر.. فنهض ليذهب الى منزله وهو يضمها الى صدره طابعاً قبلة على جبينها:

ـ متشكر قوي يا دنيا..

تحسست وجنته بحنان:

ـ انا موجودة دايماً يا مازن.. دنيا صديقتك قبل ما أكون دنيا مراتك..

أفاقت من ذكريات تلك الليلة على أصابعه تداعب ساقها وهو يسألها:

ـ سرحانة في إيه؟..

رمقته للحظة:

ـ عايزة أزور عليا..

ابتسم ابتسامة واسعة.. تحولت لضحكة عالية.. ولم يستطع التوقف عن الضحك.. حتى أن دنيا سحبت منه قدح النسكافيه وهي تلكزه بعنف:

ـ إيه!.. هو أنا قلت نكتة!..

هز رأسه وهو يحاول التحكم في ضحكاته:

ـ مستغرب بس.. مراتاتي الاتنين.. بيحبوا عليا جداً.. أعتقد أنها الست الوحيدة اللي هتجتمعوا على التعاطف معاها وحبها.. وهي تستحق بصراحة..

وقفت دنيا على ركبتيها ووضعت يديها في خصرها لتطل عليه من علو:

ـ سخيف.. على فكرة ما فيش حاجة تضحك؟.

ثم قطبت حاجبيها:

ـ أنت معجب بعلياء بجد؟

تصنع التأثر:

ـ أنتِ عايزة يزيد يقتلني, صح؟.. بس دي غيرة دي ولا إيه!.. غريبة.. أنتِ عمرك ما غيرتي من نيرة!

لفت جسدها وجلست بجواره وهي تناوله قدح النسكافيه مرة أخرى وتجبه بصراحة كما اعتادت:

ـ مش عارفة.. ممكن تكون غيرة.. بس مع نيرة أنا فاهمة إحساسك ناحيتها وعارفة مشاعرك.. واليوم اللي هغير فيه من نيرة.. هو اليوم اللي هبعد فيه عن حياتك, لكن يمكن غِرت إن إعجابك يكون من نصيب واحدة تانية..

رمقها بدهشة:

ـ عارفة.. على قد وضوحك.. على قد ما أنتِ لغز كبير..

أمسكت ذقنه بأناملها وهي تداعبه:

ـ بس لغز حلو.. مش كده..

تحرك فجأة ووضع القدح بجواره وقلبها على ظهرها وهو يهتف:

ـ لغز زي العسل.. وأنا ناقصني عسل اليومين دول!..

ضحكت بعبث.. وتملصت منه لتقف بجوار الفراش مكتفة ذراعيها:

ـ عايزة أروح لعليا..

رمى نفسه على الفراش وهو يتحسر متمتماً

“مكتوب عليك الحرمان من العسل يا مازن”.

ثم رفع صوته:

ـ بلاش يا دنيا.. يزيد هيتضايق..

رفعت حاجبها:

ـ ومين قالك أني عايزة موافقته!

ـ طب وموافقتي أنا!

ـ وأنت مش هتوافق ليه؟..

اعتدل في جلسته وجذبها لتجلس بجواره:

ـ وضع عليا النفسي مش مستقر.. اللي مرت به مش بسيط.. ده غير الحمل.. بلاش.. يا دنيا.. وخاصة إنه المفروض أنك ما تعرفيش تفاصيل اللي حصل..

ـ بس أنا كنت عايزة أساعدها..

ـ يزيد موجود..

رمقته بنظرة نارية.. فعادت ضحكاته ترتفع وهو يجذبها لتصبح تحته مرة أخرى:

ـ يظهر أنك ونيرة بتشتركوا في حب عليا وكره يزيد..

همست بضعف:

ـ مازن..

اقترب منها بخطورة:

ـ مازن محتاج العسل…

**********

وصل يزيد إلى فيلا والده وهو يشعر بالإجهاد الشديد.. فهو لم يغمض عينيه منذ يومين.. ولن يطمئن ويغمضهما قبل أن يصطحب علياء إلى شقتهما بأمان.. حتى أنه طلب من رئيس الأمن في مجموعته وضع رجلين من أفضل رجاله أمام غرفتها بالمشفى.. وأمرهما ألا يسمحا لأحد بالدخول سواه, هو ونيرة فقط.. فبالرغم من سخافة نيرة إلا أنها تهتم بعلياء بصدق..

اقترب من مكتب والده ليخبره بقراره بعدم العودة إلى دبي مرة أخرى.. فهو قرر البقاء ومحاولة إنجاح حياته والتأقلم مع وجود زوجتين.. ضرب رأسه بقوة.. فريناد ما زالت بدبي.. كيف غاب ذلك عن باله؟.. حسناً.. سيطلب منها العودة.. ولكن أولاً.. يحتاج إلى الحديث مع والده.. ثم حوار طويل وحازم مع والدته ليوضح لها وضع علياء في حياته..

قبل أن يمد يده ليفتح باب المكتب وصله صوت والده يصرخ في والدته بغضب:

ـ أنتِ تعديتِ السفالة للإجرام.. ولو كنتِ فاهمة إني ما اكتشفتش اتفاقك مع أعمام عليا تبقي غلطانة.. السواق بتاع عليا اعترف بكل حاجة.. والقذارة اللي بلغتيها لأهل البنت أنا مش هسكت عليها.. اللي عملتيه ده يا مدام اسمه تحريض على القتل..

تجمدت يدا يزيد على مقبض الباب وهو يستوعب ما وصل لأذنيه للتو…
(◉‿◉) (◉‿◉) (◉‿◉) (◉‿◉) (◉‿◉) (◉‿◉)
الفصل العشرون

وقفت منى تمشط خصلاتها السوداء الطويلة يرتسم تعبير غامض في عينيها التي تقابل عينيّ حسن في المرآة.. منذ عاد من عمله وهي تتهرب منه.. ولكن عينيها تمسح ملامحه بغموض غريب.. وكأنها تبحث عن شيء ما..

تحرك حسن أخيراً من فوق الفراش وقد سأم لعبة تبادل النظرات عبر المرآة.. وقف خلفها وألصق جسده بها وامتدت يده لتمسك بكفها فتسقط فرشاة الشعر منها محدثة دوياً خفيفاً.. ولفها نحوه وهو يضمها بقوة هامساً:

ـ الجميل زعلان ولا مخاصمني!

لم ترد عليه, بل لم ترفع عينيها إليه حتى.. حرك أنامله ليمسك بذقنها يرفع وجهها ليواجه عينيها الحزينة وهو يهمس وقد ظهر القلق واضحاً بنبرته:

ـ منى.. أنتِ مش طبيعية.. في إيه؟..

حاولت الهروب من عينيه.. الابتعاد عن قبضته القوية حول خصرها.. تتناسى تلك المكالمة الملعونة.. صاحبة الصوت المغناج التي تتغزل بزوجها ورجولته.. ومتعتها بين ذراعيه..

رفعت له عينين معذبتين سقطت منهما دمعة بلا إرادة منها.. سارع هو على الفور ليمسحها بشفتيه وهو يسألها بهلع:

ـ في إيه يا منى؟..

تركت رأسها ليسقط فوق صدره وقد بدأت دمعاتها تتوالى وهي ترفع يديها لتعقدهما خلف عنقه.. لتصطدم أناملها بالخدش الطويل في جانب عنقه.. الخدش.. الذي وصفته لها ابتسام على الهاتف.. وحددت موضعه تماماً.. وهي تضحك بغنج وقح عن المتعة التي منحها لها حسن لتمنحه هذا الخدش..

دفعت منى حسن بقوة تخلص نفسها من بين ذراعيه هاتفة بصوت مجروح:

ـ أنت كنت فين قبل ما تيجي يا حسن؟..

لم يسمح لها حسن بالابتعاد.. وتمسك بذراعيها بين يديه يلمح دموعها التي أبت التوقف ونظرات الألم بعينيها وهو يهز رأسه بحيرة:

ـ كنت في الشغل يا منى.. هكون فين يعني؟..

دفعته للتخلص من ذراعيه.. ومنعته من محاولة الامساك بها من جديد وتعالت شهقاتها:

ـ لا يا حسن.. لا.. قولي كنت فين..

تحرك ليتمسك بكتفيها ويتغلب على مقاومتها الواهية ليقترب من عينيها الباكية:

ـ منى.. أنا عمري ما كدبت ولا هكدب عليكِ.. في إيه؟.. أنا مش فاهم حاجة.. فهميني..

رفعت عينيها الدامعتين لتمرا على الخدش بجانب عنقه وهي تحرك شفتيها بدون صوت.. فعاد هو ليضغط على كتفيها باصرار:

ـ منى.. أنا أعصابي اتحرقت.. في إيه؟؟..

مسحت دموعها بظاهر يدها وهي تشير إلى خدشه بإصبع مرتعش:

ـ الجرح اللي في رقبتك ده من إيه؟..

رفع يده يتلمس عنقه وهو يتساءل:

ـ جرح ايه ده!!

وتحرك ليقف أمام المرآة ليتفحص عنقه عن قرب.. فلمح الخدش الطويل.. وتذكر على الفور حركة أنامل ابتسام بجانب عنقه.. فشتم بصمت.. وهو يلتفت إلى منى التي أغرقت الدموع وجهها.. ويجذبها لتجلس بجواره على الفراش.. وبدأ يحكي لها كل ما حدث منذ لمحته ابتسام في المرة الأولى فاتسعت عينا منى بذهول.. وسحبت يدها من بين كفيه وهي تنهض من فوق الفراش وتكتم صرختها بيدها.. فنهض حسن بدوره ليواجهها:

ـ هي دي الحقيقة يا منى..

هزت رأسها بذهول:

ـ يعني الست دي.. عايزة… عايزة…

تركت سؤالها ناقص.. بدون أن تكمله.. بينما تضرجت وجنتيها خجلاً.. فلم يستطع حسن كبت تعليق مشاكس:

ـ لسه خدودك بيحمروا يا منى!!..

صرخت بغيظ:

ـ حسن!!..

مد ذراعه وهو يقبض على خصرها بقوة ويقربها منه هامساً:

ـ حسن!!.. حسن زعلان.. حسن مخاصمك.. معقولة تشكي فيا؟!!..

أخفضت منى نظرها حرجاً وهي تهمس:

ـ ده مش شك.. دي.. دي..

همس مستمتعاً:

ـ غيرة؟..

رفعت عينيها إليه ودموعها مازالت تتعلق بأهدابها.. وهمست بوجل:

ـ وخوف يا حسن.. خايفة أصحى من حلمي بيك.. خايفة أفوق وأنزل من سابع سما.. ووقتها مش رقبتي اللي هتنكسر.. لا.. ده قلبي..

ضمها إليه أكثر.. متكئاً بجبهته فوق جبهتها هامساً:

ـ بحبك يا منى.. وما حبيتش غيرك..

سكنت بين ذراعيه تستمع لدقات قلبه والتي رغم صخبها إلا أنها كانت تهدئ من مخاوفها.. وتمنحها أماناً وحماية كانت في حاجة لهما.. ظلا هكذا لفترة.. حتى علا رنين هاتف حسن.. تجاهله في البداية إلا أنه عاد للرنين مرة تلو الأخرى.. حتى اضطر أن يبتعد عن منى لييمسك بالهاتف ويتأمل شاشته المضيئة بغيظ جعل منى تتحرك بدورها لتجواره وهي تسأله:

ـ في إيه يا حسن؟.. مين على التليفون؟..

ـ أجاب بغيظ:

ـ دي الست ال****.. اللي قلت لك عليها..

توسعت عينا منى بذهول وهي تستمع إلى اللفظة التي أطلقها حسن على ابتسام.. وسرعان ما توردت وجنتيها حرجاً من مجرد التفكير بتلك الكلمة.. ولاحظ حسن ذلك على الفور.. فغمغم معتذراً:

ـ آسف يا منى.. الأسطوات اللي معايا بيقولوا الكلمة دي باستمرار.. يظهر أنها مسكت في لساني..

أومأت منى برأسها وظهر اللوم واضحاً بنبرتها:

ـ بصراحة يا حسن أنت بقيت تكرر كلام كتير من بتاع زمايلك ده.. يا حبيبي.. مش لازم تنسى أبداً أن دي فترة مؤقتة.. و..

قاطعها حسن بضيق:

ـ أنا فاهم يا منى.. وآسف إذا كنت ضايقتك بكلمة كده ولا كده..

عاد الرنين يرتفع مرة أخرى.. فما كان من منى إلا أن سحبت الهاتف من يده.. وتأكدت أن تلك السيدة هي من تتصل ففتحت الخط على الفور.. لتصدم أذنيها ضحكة مبتذلة وصوت ابتسام الذي تعرفت عليه من مكالمتها السابقة يهمس في شماتة:

ـ أكيد مراتك اللي أنت طالع لي بيها السما دي طينت عيشتك.. عشان تعرف أنك مش قدي.. أظن تعقل كده بقى وتهاودني بدل..

كانت عينا منى تتوسع بذهول من جرأة تلك المرأة وقاطعتها بقوة:

ـ لا.. اطمني.. أنا لا طينت عيشته.. ولا هو هيهاودك.. واقفلي الخط بقى.. كفاية سفالة..

صرخت ابتسام على الجهة الأخرى:

ـ أنتِ مين؟.. أنتِ مراته!!.. اعطيني حسن.. هو جبان للدرجة دي مش قادر يواجهني بنفسه..

أغمضت منى عينيها.. وابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول استدعاء هدوء لا تمتلكه في تلك اللحظة:

ـ اسمعي يا مدام.. اللي أنتِ عايزاه من جوزي ده مش هيحصل.. خلي عندك كرامة.. ولمي نفسك وما عدتيش تتصلي تاني.. وأظن أنتِ عارفة هو ابن ناس قد ايه.. وواحد زيه عمره ما هيقرب لبواقي الرجالة التانية.. أظن فهماني..

وأغلقت منى الخط, بل والهاتف وهي ترتعش مما حدث بينما وجدت حسن يصفق بكفيه بقوة وهو يفتحهما على آخرهما قائلاً بصوت أجش:

ـ ينصر دينك يا ست الستات..

رمقته منى بذهول.. وداخل عقلها تتردد جملة أزعجتها كثيراً..

“حسن اندمج بزيادة في مهنته الجديدة”…

*********

“أنتِ تعديتِ السفالة للإجرام.. ولو كنتِ فاهمة إني ما اكتشفتش اتفاقك مع أعمام عليا تبقي غلطانة.. السواق بتاع عليا اعترف بكل حاجة.. والقذارة اللي بلغتيها لأهل البنت أنا مش هسكت عليها.. اللي عملتيه ده يا مدام اسمه تحريض على القتل”..

تجمدت يدا يزيد على مقبض الباب وهو يستوعب ما وصل لأذنيه للتو… وأغمض عينيه بألم وهو يتأكد من هاجس مجنون مر بذهنه واستبعده على الفور.. ليتبين أنه لم يكن هاجس ولكنه بكل تأكيد كان جنوناً..

فتح الباب ببطء.. لتصطدم عيناه بعينيَ والده الذي شحبت ملامحه على الفور مما جعل سهام تلتفت لتواجه عينيّ ابنها اللذين اتقدتا كجمرتين.. وهو يهمس لها بذهول:

ـ ليه؟.. ليه؟؟.. دي كانت ممكن تموت..

صرخت سهام بلهفة وهي تواجه ابنها:

ـ ما يهمنيش.. أنا ما يهمنيش غيرك يا يزيد..

حاولت تقترب منه إلا أنه مد ذراعه على طولها ليمنع اقترابها صارخاً بعنف:

ـ ما تقربيش مني.. ما تقربيش مني..

اندفعت سهام نحو يزيد متجاهلة تحذيره وهي تصرخ به بدورها:

ـ اسمعني يا يزيد.. افهمني يا بني.. أنا عملت كده عشانك.. كان لازم أحميك واحمي حياتك ومستقبلك..

صرخ بقوة:

ـ حياتي ومستقبلي!!.. أنتِ عارفة أنتِ قلتِ إيه؟.. فاهمة الصورة اللي وصلت لأعمام علياء كانت إيه؟.. مستوعبة أنهم كانوا ممكن يقتلوها..

قاطعته أمه بصرخة مدوية:

ـ يموتها.. يقتلوها.. وأنا إيه اللي يهمني!.. أنا قلت لك أني ما فكرتش غير فيك أنت وبس.. أنت وبس اللي باقي لي يا يزيد..

ـ أناااااااا..

كانت صرخة مشروخة.. وهو يتأمل أمه محاولاً التحكم في دموعه.. ومجاهداً كل شياطينه التي تحثه على الانتقام.. ولكن أينتقم من أمه؟!!.. كيف؟..

مسح وجهه بكفيه وهو يصارع للخروج من هوة حيرته.. هوة تبتلعه بسرعة.. ولا تهتم لمقاومته العنيفة.. دوار.. دوار عنيف أصابه وهو يحاول الوصول لقرار.. لوسيلة ليحافظ على وعده لعلياء باسترداد حقها ممن ظلمها.. وفي نفس الوقت يحتفظ بصلة ما بأمه..

“يا الله..”..

همسها لنفسه وهو يلقي بجسده على الأريكة المريحة في غرفة المكتب.. رامياً رأسه إلى الخلف.. ضاغطاً بأصبعيه على جسر أنفه حتى يقلل من عنف الصداع الذي يضرب رأسه بلا رحمة..

شعر بأنامل والدته تملس على جبهته بحنان.. فابتعد عنها صارخاً:

ـ قلت لك ما تلمسينيش..

ترقرقت الدموع بعينيّ سهام وهي تلومه بألم:

ـ للدرجة دي.. للدرجة دي بنت نادية سيطرت عليك وبقيت مش طايق لمسة من أمك..

ضرب ركبتيه بعنف وهو يقفز لينهض بعيداً عنها هاتفاً بقوة:

ـ علياء.. اسمها علياء.. مراتي.. مراتي اللي حضرتك شوهتي سمعتها وسمعتي وسمعة أبويا.. حولتينا لمجموعة شواذ عايشين علاقات مريضة.. وكل ده ليه.. ليه.. لييييييييه؟؟؟؟..

علا صوته بصراخ هيستيري وهو يلمح شفتي والدته تتحركان.. فقاطعها بقوة:

ـ ما تقوليش عشاني.. آسف جداً.. مش مصدقك..

كان عصام قد قرر اتخاذ وضع المتفرج في النقاش الدائر بين زوجته وابنه.. كان رجل أعمال محنك ويدرك أنه في وضع خاسر من جميع النواحي.. فيزيد لن يسامحه على اخفاء اختطاف علياء عنه.. وسهام قررت منذ زمن أن تسقيه الأمرين بسبب زواجه من نادية.. فقرر الاكتفاء بالمتابعة عن بعد.. وعدم التدخل.. إلا أن صرخة يزيد الأخيرة بسهام وما رسمته من ألم شديد على ملامحها أجبرت عصام على التدخل لينهر يزيد بلطف:

ـ يزيد.. ما ينفعش تتكلم مع والدتك بالطريقة دي..

التفت له يزيد وكأنه فوجئ بوجوده.. وأخذ يتأمله للحظات.. وأخيراً قال بعنف مكبوت:

ـ ما تقلقش حضرتك.. أنا وماما طول عمرنا بنعرف نتفاهم مع بعض بدون تدخل من حضرتك.. طول عمري وأنا لوحدي معاها..

توسعت عينا عصام بذهول لرد يزيد.. ليفاجئه يزيد برد آخر:

ـ وعلى فكرة.. سفر مش هسافر.. وهرجع لشغلي في المجموعة أول ما اطمن على علياء.. وحملها يستقر..

صرخت سهام بجزع:

ـ حمل!!.. حمل يا يزيد!.. هي البنـــ

وقبل أن تكمل إهانتها المعتادة لعلياء هتف بها يزيد بصرامة لم تعتدها منه:

ـ علياء حامل يا ماما ايوه.. علياء هتكون أم أولادي.. أنا فاهم أن ده شيء حضرتك صعب تتقبليه.. لكن مع الوقت هيكون الموضوع أسهل.. ومش هنضايق حضرتك بزيارات أو مقابلات…

قاطعت سهام كلامه وهي تصرخ بهيستريا:

ـ أنا كان عندي حق.. عندي حق.. أهي بعدتك عني أهي.. ومش عايزاك تزورني.. يزيد يا حبيبي.. لو على اللي في بطنها.. احنا نستنى لما تولد وناخد البيبي وريناد هتربيه وهتكون أم..

صرخ يزيد مقاطعاً:

ـ مامااااااااا

وضرب قبضته بسطح المكتب فارتطمت بمرمدة زجاجية.. تحطمت تحت قبضته لفتات.. وتسببت له في جرح بالغ بكف يده..

صرخت سهام بقوة لمرأى دماء يزيد.. وحاولت الاقتراب منه إلا أنه رفع يده المدماة إليها مانعاً اياها من الاقتراب قائلاً لها بصوت حاسم:

ـ أنا حاولت.. يشهد ربنا أني حاولت أني كلامي ما يكونش جارح أو مؤذي.. رغم أنك آذيتني وآذيتِ علياء.. لكن يظهر أني لازم أكون واضح.. ماما.. علياء هي مراتي.. هي ما سرقتنيش منك ولا أغوتني.. بالعكس.. أنا اللي..

ابتلع ريقه بصعوبة وهو يكمل:

ـ أنا اللي آذيتها كتير.. علياء هتكون أم ابني وهي اللي هتربيه.. ومن فضلك.. ما تقربيش ناحية علياء.. ما تكلميهاش في التليفون.. لو حتى شوفتيها ماشية في شارع.. غيري اتجاهك.. عشان أنا لو عرفت أنك قربتِ منها.. وقتها فعلاً هتكوني خسرتيني بجد..

شهقة ملتاعة كانت الرد على كلمات يزيد.. ولكنها لم تصدر من شفتي سهام, بل كانت ريناد هي من تقف على باب الغرفة وتنظر إلى جرح يزيد النازف بجزع وتستمع إلى كلماته الحاسمة بقلق جعلها تهتف متسائلة:

ـ هي.. هي علياء حامل؟..الكلام ده بجد..

التفت إليها يزيد بحنق:

ـ حمد لله على السلامة يا مدام ريناد.. وصلتِ امتى وازاي ومين سمح لك أنك تسافري؟

تحركت ريناد بثقة لتجذب يزيد من ذراعه وهي تلقي بنظرات حذرة على والديه الذين صمتا تماماً.. وتمكنت بسهولة من اخراج يزيد من الغرفة لتتجه به إلى غرفته القديمة وتبدأ في مداوة جرحه برقة بالغة, رقة لم يعتدها منها, تقارب حميم حرمته إياه منذ بداية زواجهما..

سألها في خفوت يخفي غضب مستتر:

ـ أنتِ كنتِ تعرفي ماما ناوية على إيه؟..

رفعت عينيها بسرعة إليه وأخفضتهما ثانية.. واستمرت بتضميد جرحه بمهارة.. ولكنه لم يستسلم لصمتها.. ضغط على يدها بقوة وهو يهمس من بين أسنانه:

ـ ردي عليّ..

ـ طنط سهام قالت لي أنه عندها الطريقة اللي تخليك تطلق عليا.. لكن ما وضحتش ازاي..

ضحك بسخرية مريرة:

ـ عبيط أنا عشان أصدق الكلام ده!..

أنهت تضميد جرحه وتحركت لتخبره بغضب:

ـ والله أنا كان ممكن أكذب وأقولك ما اعرفش بتتكلم عن إيه.. لكني جاوبت بصراحة وما كدبتش.. وقلت لك الحقيقة..

نظر إليها بتأمل.. كان منطقها سليماً.. ولكن حدسه يخبره أنها كانت تعلم..

تفرس في عينيها بحثاً عن الحقيقة ولكنه لم يجد إلا نظرات جامدة وواثقة..

موقفها الثابت أجبره على تصديقها وهو ما كانت تخطط له تماماً.. فلو أنكرت معرفتها عن الموضوع لما صدقها.. فتعمدت ذكر نصف الحقيقة.. حتى تقنعه بصدقها.. وهو صدقها ولكن مجبراً.. يجبره شعور بالذنب نحوها.. ذنب منبعه ضعف إحساسه بها.. نسيانه أو تناسيه لوجودها في اليومين السابقين.. لهفته القوية في الذهاب إلى علياء.. ذنب.. ذنب متعدد الأوجه.. ذنب لا يعرف له تكفيراً..

تنحنح ليجلي صوته:

ـ يلا بينا.. هوصلك وبعدين هروح المستشفى..

حاولت ريناد التحكم بأعصابها قدر الإمكان.. فيزيد يلعب بأوراق مكشوفة الآن ويصرح بوضوح عن أهمية علياء في حياته..

سألته ريناد بفضول واضح:

ـ فعلاً عليا حامل؟..

ـ أيوه علياء حامل..

لم يستطع السيطرة على الفرحة المتراقصة في صوته.. ولم تستطع ريناد السيطرة على غضبها الذي بدا واضحاً وهي تسأل:

ـ كام؟

لف وجهه عنها وهو يجبها بخفوت:

ـ شهرين..

اتسعت عيناها ذهولاً.. ثم أخفضتهما سريعاً.. وهي تهمس:

ـ مبروك..

ـ الله يبارك فيكِ..

رفعت عينيها وأخبرته ببساطة:

ـ أنا عايزة أروح لدكتور أتابع معاه وأعرف سبب تأخر الحمل..

رمقها بذهول وهو يسأل:

ـ حمل إيه اللي اتأخر!.. إحنا ما كملناش شهرين متجوزين!..

أجابته بنزق:

ـ بس عليا حملت على طول.. وأنا لازم أعرف إيه اللي غلط عندي..

وضع وجهه بين كفيه يحاول أن يخفي ضحكة مريرة ارتسمت على ملامحه وهو يتذكر المثل الشعبي الحكيم..

“هم يضحك وهم يبكي”…

ولكنه عاد ليتذكر.. تلك هي ريناد.. لا تسمح لأحد بأن يتفوق عليها.. حتى بأسبقية الحمل!!..

ـ يلا يا ريناد.. هوصلك بيتنا وهنتكلم في موضوع الدكتور ده بعدين.. أما أفوق من اللي أنا فيه..

أجابته بتردد:

ـ طيب ما توصلني عند ماما..

قاطعها بحسم:

ـ لا ماما ولا بابا.. هتروحي بيتك.. تفتحيه وتشوفي ناقصه إيه.. زي أي زوجة ما بتعمل.. ولو على خالتي.. كلميها تيجي تبيت معاكي الكام يوم الجايين دول.. لأني مش عارف ظروفي..

اجابته بضيق:

ـ أوك يا يزيد.. اللي تشوفه..

هل كان يقسو عليها؟.. كلا.. ربما قليلاً.. هز رأسه بعنف ينفض عنه تلك الأفكار.. فهو غير قادر على التعامل معها بتلك اللحظة..

********

وصل إلى المشفى بعدما قام بتوصيل ريناد إلى منزلهما.. ليجد نيرة جالسة على الأريكة وهي تقلب بقنوات التلفاز في ملل.. وعلياء مستغرقة في نومها بوداعة طفلة رقيقة..

زفرت نيرة بحنق ما أن رأته وهي تخبره بنزق:

ـ حمد لله على السلامة.. ما كنت نمت لك تلات- أربع ساعات كمان..

همس يزيد في تعب وهو يلوح بيد المضمدة:

ـ آسف يا نيرة.. اتأخرت غصب عني.. لو تحبي أوصلك بنفسي أو ابعت معاكِ واحد من بتوع الأمن..

لمحت يده المربوطة والتعب الواضح على ملامحه.. فهمست بخفوت:

ـ ما فيش داعي.. مازن سايب لي عربية بسواقها بره.. على فكرة, الدكتورة كتبت لعليا على خروج بكره.. هاجي على الساعة 11 كده عشان أساعدها..

تصبح على خير..

خرجت نيرة وهي تغلق الباب خلفها.. فتوجه يزيد بلهفة إلى فراش علياء.. ليجوارها ملتصقاً بها.. ومحيطاً إياها بذراعيه.. وهو يملس على خصلاتها التي رتبتها نيرة في قصة شعر جديدة.. لمحها فور دخوله الغرفة ولكنه أجل تفحصها حتى تغادر نيرة..

رتبت نيرة خصلات علياء وهذبتها فتركت غرة كثيفة على جبهتها وتمتد لتغطي حاجبيها وتستطيل قليلاً بينهما بينما ظهر عنقها الطويل جلياً نتيجة الخصلات القصيرة جداً خلف عنقها الذي طبع عليه يزيد شفتيه متأوهاً مدركاً لروعته والتي أظهرتها التصفيفة الجديدة.. فهمس بأذن علياء بغيظ وهو يتابع سلسلة الشامات الصغيرة بإصبعه.. ثم استبدل إصبعه بشفتيه:

ـ أنا هعمل خير للبشرية وأقتل نيرة.. هي عملت لك القصة دي عشان تجيب لي ذبحة!.. صح؟

تململت علياء بانزعاج بين ذراعيه.. فعاود تقبيلها في عنقها بخفة.. فتحت على إثرها عينيها ولفت وجهها له وكأنها تتأكد من وجوده.. قبلها على جبينها برقة وهو يزيد من ضمها حتى شعرت بضمادة يده تخدش بشرتها.. فنزلت بعينيها لترى يده المربوطة.. حركت عليها أناملها بخفة ورفعت عينيها بتساؤل قلق.. عاود مداعبة غرتها بلطف ورفعها عن عينيها هامساً:

ـ ما تقلقيش.. جرح بسيط..

شعر بأناملها تمر على يده الجريحة برقة وكأنها تربت عليها بحنان.. ثم ما لبثت أن لفت جسدها بين ذراعيه لتصبح في مواجهته وتغرز وجهها بعنقه وتلفه بذراعيها وتعود للنوم مرة أخرى..

رفع غرتها من فوق عينيها مرة أخرى.. وهو يهمس:

ـ يعني تكشف رقبتك وتغطي عينيكي!!.. صاحبتك دي مجنونة..

شعر بابتسامة شفتيها على عنقه.. فارتعش جسده تأثراً.. وزاد من ضمها.. وقد أدرك أنها لم توجه إليه كلمة واحدة.. هي مازالت تعاقبه بخصامها.. وهو مستعد للتحمل..

*************

مرت عدة أيام على وجود علياء بشقتها.. كانت تقضي أغلبها بالاستلقاء بفراشها كما أمرتها الطبيبة.. لم يفارقها بها يزيد إلا ساعات قليلة كان ينهي بها أعماله في فرع الشركة المواجهة للشقة.. ويعود إليها سريعاً.. فهي مازالت تتخبط رعباً من ذكرياتها الأليمة بين أهلها..

مازال رجلي الأمن مرابطان أمام الشقة.. وظف سيدة خمسينية لترعى علياء في ساعات غيابه.. وكانت دنيا هي من تكفلت بالعثور عليها, بطلب من مازن بالطبع.. فكانت “أم علي”.. وهي سيدة في أوائل الخمسينات.. وحيدة تماماً بعد زواج أشقائها وشقيقاتها.. وهي من أفنت عمرها في رعايتهم.. لينطلق كل منهم في حياته.. مطالبين إياها بإكمال المشوار ورعاية أولادهم.. ولكنها السيدة المضحية تمردت على ما جبلت عليه من إيثار.. وقررت الخروج للعمل.. حتى لو كانت مدبرة منزل لزوجة شابة صغيرة.. صامتة وخائفة معظم الأوقات.. ولكنها تملك ذلك الشيء الغامض الذي دفع بـــ”أم علي” بالموافقة على رعايتها على الفور.. فهي تبدو وكأنها بحاجة إلى الحماية طوال الوقت..

نيرة كانت تأتي لزيارتها وتقضي معظم النهار برفقتها.. وكأنها تهرب هي الأخرى من بيتها.. من زوجها.. كما برعت في الهروب من نظرات علياء المتسائلة بشأن وجودها المستمر معها وابتعادها عن مازن..

ولكن علياء لم تصمت ذلك اليوم.. فهي ترى التعاسة بعيون نيرة.. ولا تدرك لها سبباً فعشق مازن لها واضحاً لعيون علياء التي سألت نيرة وهما جالستين في أحد الأيام بالشرفة التي ملأها يزيد بشتلات القرنفل.. حتى يسعد عينيها برؤية زهرتها المفضلة:

ـ نيرة.. حبيبتي.. في إيه؟.. مش معقول دي تصرفات عروسة جديدة..

غمغمت نيرة بتوتر:

ـ هيكون في إيه يا عليا؟!.. ولا حاجة.. أنتِ عارفة ظروف ارتباطي بمازن.. و..

قاطعتها علياء:

ـ مازن بيحبك يا نوني.. بيعشقك.. الحكاية أكبر من ظروف ارتباطكوا..

ضحكت نيرة بافتعال:

ـ هو يعني لازم يتصرف بجنون زي سي يزيد بتاعك.. اللي مش بيخليكي تخطي الأرض.. تصدقي ده طلب مني أني أكلمه لو حبيتِ تدخلي أوضتك عشان يجي يشيلك.. ربنا يعينك على جنانه..

كانت نيرة تلقي بكلماتها بغرض المزاح ولكن بداخلها شعور قوي يصرخ.. بأنها تريد ذلك أيضاً.. تحتاج أن يدللها مازن كما اعتاد في فترة خطبتهما.. ولكن بفضل اندفاعها.. حرمت نفسها ذاك الدلال والعواطف الجامحة التي كان يغرقها بها.. تباً.. ألم تكن تستطيع الانتظار لتنال من حسن في موقف آخر..

حسناً.. يجب أن تفكر وتجد حلاً لتستعيد شغف مازن.. ولكن كيف؟.. كيف أقربه مني بدون أن أبدو كالمتسولة لعاطفته؟.. كانت تعصر ذهنها بقوة وهي تفكر في أي حل.. أي طريقة.. حينما سمعت صوت “أم علي” المتفكهة وهي تخبرهما بضحكة مكتومة:

ـ ست عليا.. يزيد بيه وصل من شغله وبيقولك تحبي يدخلك الأوضة دلوقتِ؟

ابتسمت علياء بدورها.. فهي مازالت تخاصمه.. لا تطلب منه أي شيء مباشرة بل تستخدم “أم علي” لايصال رسائلها له.. والسيدة تكتم ضحكاتها مرة.. وتؤنبها مرة أخرى محذرة اياها..

“هتزهقي الراجل منك.. وهيطفش يدور له على ست تانية”..

كان رد علياء ابتسامة بلهاء.. فــ”أم علي” التي تدلل يزيد كطفلها العائد بعد غياب لا تعلم بعد بوجود زوجة أخرى في حياته..

ـ ست عليا.. ست عليا..

أخرجها صراخ “أم علي” من أفكارها نظرت لها بحيرة بينما همست نيرة بخفوت:

ـ خلاص يا أم علي.. قولي له يجي.. أنا نازلة دلوقتِ..

لحظة واحدة وكان يزيد أمامها.. ليرفعها من على مقعدها بين ذراعيه هامساً كالعادة:

ـ لفي ايديكِ حوالين رقبتي يا علياء..

أطاعته بصمت.. وركنت رأسها على كتفه وهي تخفي عينيها عن نيرة.. ولكنها لم تستطع كبح ابتسامتها الفرحة والتي لمحتها نيرة على الفور وهي تلحظ احتقان وجه يزيد بقوة..

ابتسمت نيرة بدورها وهي تتذكر قول مازن بأن علياء تملك سُلطة كبيرة على مشاعر يزيد.. ودوى بذهنها جملته الغاضبة.. أن تتعلم منها.. برقت الفكرة في رأسها على الفور.. فاتسعت ابتسامتها.. أكثر وأكثر.. وهي تتمتم..

“ماشي يا مازن.. أما نشوف هتقول إيه على اللي اتعلمته من عليا!”..

**************

جلس كلاً من مازن ويزيد على أحد الأرائك بمكتب هذا الأخير يستمعان إلى حسن وهو يقص عليهما مطاردة تلك السيدة التي تدعى ابتسام له بشتى الطرق والوسائل.. حتى أنها تجرأت وظهرت أمام منزله.. طالبة.. بل متوسلة إياه الذهاب إلى منزلها لمناقشة بعض الأعمال الخاصة!!..

يومها نهرها بعنف.. وهددها بفضيحة مدوية أمام أهل الحارة.. والذين لن يغفروا تفكير سيدة مثلها.. لتظهر منى لحظتها وتزيد في تهديدها بــ”علقة محترمة من سيدات الحارة المحترمات حتى يظهر لها صاحب”..

يومها هربت مسرعة بسيارتها ولكنها لم تكف عن الاتصال.. وإرسال الرسائل..

كانا الرجلين يكتمان ضحكاتهما بصعوبة وحسن يصرخ:

ـ أعمل إيه في *****… دي؟.. بطلوا ضحك وساعدوني..

قطب مازن متعجباً استخدام أخيه لمثل ذلك اللفظ.. وما لبث أن تذكر عدة ألفاظ مشابهة أثناء سرد الحكاية.. فسأل حسن بضيق:

ـ من إمتى بتتكلم بالطريقة دي يا حسن؟..

رد حسن بغيظ:

ـ بقولك إيه يا هندسة.. عيش عيشة أهلك وبلاش الأنزحة الكدابة دي!!

ردد مازن بذهول:

ـ عيش عيشة أهلك!!.. حسن..

قاطعه حسن بغيظ أكبر:

ـ يوووووه.. سايب المشكلة وجاي في الهايفة وتتنح لي فيها.. انجز يا بشمهندس وشغل الجمجمة..

هتف مازن بغضب:

ـ حسن…

أمسك يزيد بذراعه ضاغطاً عليه بقوة حتى يمنعه من الاسترسال في الكلام.. فسكت مازن على مضض.. بينما توجه يزيد لحسن مستفسراً:

ـ يعني هي عايزة جواز.. ولا…

ضرب حسن كفيه ببعضهما على معدته وهو يسخر:

ـ لا يا سيدي.. ولا.. وبعدين هتفرق معاك في إيه؟..

ـ خلاص يا حسن.. اهدى شوية.. عشان نتفاهم.. أنت أساساً اتعاملت معاها غلط..

كتف حسن ذراعيه وهو يسأل:

ـ غلط؟.. تقصد إيه يا دنجوان عصرك؟..

لاحظ يزيد نبرة حسن المحتدة وتغير أسلوبه.. وكان قد لاحظ تغير مفرداته كذلك.. فتبادل مع مازن نظرات قلقة.. حسن.. يتحول.. يتغير ويقسو بقوة.. فحسن القديم لم يكن ليهدد سيدة أبداً بافتعال فضيحة حتى ولو كانت تلك الابتسام..

ابتسم يزيد بتوتر:

ـ بص يا حسن.. أنت قعدت تقولها مراتي.. وبحب مراتي.. طبعاً جننتها وحطيتها قدام تحدي.. كأنك.. يعني..

قاطعه حسن بفظاظة:

ـ أيوه.. كأني رميت قماشة حمرا في وش تور..

ابتلع يزيد لعابه بضيق:

ـ يعني.. تقريباً..

هتف حسن بحنق:

ـ والمطلوب؟.. أخلي الــ ***** تغور من وشي إزاي؟؟؟…

تغاضى يزيد عن سوء ألفاظ حسن وهو يسأله بتوسل:

ـ أحل لك مشكلتك وتساعدني مع علياء.. عايزها ترجع تكلمني تاني.. هيه.. موافق؟..

ضرب حسن كف بكف وهو يصيح:

ـ يحرق دي صحوبية يا أخي.. يعني لو ما ساعدتكش.. هتسيبني أغرق مع الست اشتعال دي!!..

ـ خلاص يا حسن.. اهدا يا أخي..

كان مازن صامتاً بغضب وهو يستمع للحوار.. يريد أن ينهض ليمسك بتلابيب هذا الحسن ويسأله”من أنت؟.. وأين أخفيت شقيقي؟؟”.. ولكنه حاول السيطرة على أعصابه بقوة فولاذية وهو يتذكر محاولاته الحثيثة مع والده ليفك الحصار قليلاً حول حسن.. محاولات يشعر أنها على وشك النجاح بها.. ولكنه يحتاج إلى القليل من الوقت بعد..

سمع يزيد ينصح حسن بهدوء:

ـ بص يا حسن.. هي بس حست أنك مميز شوية عن اللي حواليك وده جذب واحدة من نوعيتها.. يعني لو تقدر تحسسها أنك واحد عادي زي زمايلك يعني.. و..

صرخ مازن مقاطعاً:

ـ لاااااا.. أنت عايزه يتحول أكتر من كده!!..

انتفض حسن بغضب ليجذب مازن من قبه قميصه وهو يسأله بحرقة:

ـ قصدك إيه؟..

دفعه مازن بقوة ولكن حسن كان أكثر غضباً ليتزحزح.. والتمعت نظرة شرسة بعينيه مما دفع بيزيد ليتدخل على الفور بينهما ليبعدهما عن بعض وهو يهمس لمازن بغضب:

ـ لو مش عارف تتحكم في أعصابك.. روح.. لكن مش هسمح أن ترفع إيديك عليه.. فاهمني..

عاد مازن إلى مقعده بعنف.. بينما التفت يزيد إلى حسن مهدئاً:

ـ خلاص يا حسن خلينا في المهم.. زي ما قلت لك.. حاول تظهر قدامها كأي نقاش.. من زمايلك.. و..

قاطعه حسن بسخرية:

ـ هو ده الحل السحري بتاعك؟!..

هز يزيد رأسه نفياً وهو يلتقط هاتفه ليتصل بأحد أصدقائه.. وسرعان ما تعالت ضحكاته مع ذاك الصديق قبل أن يخبره بلهجة غامضة:

ـ عندي طلب صغير..

سكت قليلاً وأكمل:

ـ خدمة خاصة بنون النسوة أيوه.. تعرف ابتسام نيازي؟؟

قهقه يزيد بقوة:

ـ أنا قلت ما فيش غيرك هيحل المشكلة.. مدام ابتسام يا سيدي ناوية على واحد معرفة.. والراجل غلبان ما لوش غير مراته وبيته.. و..

قطع يزيد كلماته بينما وصله الرد على الطرف الآخر.. فصاح يزيد:

ـ تسلم يا غالي.. أنا برضوه قلت الحل في إيد ناجي..

سكت قليلاً وهو يستمع لناجي.. ثم أنهى المكالمة:

ـ حبيبي.. اللي تؤمر به.. عدي عليّ في الشركة وهخلص لك الموضوع..

أغلق الهاتف.. والتفت إلى حسن مبتسماً:

ـ خلاص يا سيدي.. وأهو ناجي هيخلصك منها.. وهيتحمل هو عذاب الست اشتعال.. ارتحت؟..

أومأ حسن موافقاً.. وقد تنهد بارتياح.. بينما يزيد يعاجله بلهفة:

ـ قولي أعمل إيه بقى؟.. نفسي علياء ترجع تكلمني تاني.. عايز أسمع صوتها.. كل اللي أعرفه عن الرومانسية عملتهولها.. قرنفل وغرقت لها الشقة.. نجاة وحفظت أغانيها.. أنا..

قاطعه حسن بهدوء وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة رقيقة فعاد للحظة حسن القديم:

ـ سيبها تخاصمك يا يزيد..

صرخ يزيد بعنف:

ـ إيه!!

اتسعت ابتسامة حسن:

ـ سيبها تخاصمك.. تعاقبك.. تحس أنها في إيدها حاجة تعملها.. أقضي عقوبتك لنهايتها.. بس ما تخاصمهاش أنت.. كلمها على طول, حتى لو ما ردتش عليك.. احكي لها عن شغلك.. عن يومك.. هتعملوا ايه لابنكم اللي جاي في الطريق.. كلمها وما تبطلش كلام.. واستحمل خصامها لحد ما هي تكتفي..

ربت على كتف يزيد وهو يخرج مودعاً وشاكراً له مساعدته.. بينما رمق مازن بنظرة خاطفة وتحرك ليفتح الباب قبل أن يشعر بذراعي مازن تنطبقان عليه بعناق أخوي وهو يهمس له:

ـ آسف يا حسن.. أخوك الصغير مدب.. استحمله بقى!..

ابتسم حسن بهدوء.. وهو يربت على كتف شقيقه.. ويخرج سريعاً..

********

وقف يزيد تحت الدش وهو يتلقى مياهه الباردة علها تخفف شيئاً من غليانه.. وهو يتذكر نصيحة حسن في ذلك اليوم.. بأن يسمح لعلياء بعقابه للنهاية..

وها هو يتحمل ببسالة دش بارد تلو الآخر حتى لا يزعجها.. ينتظرها بصبر لم يكن يعلم أنه يملكه حتى تعاود الحديث معه مرة أخرى.. لا ينكر أن نصيحة حسن كانت مفيدة.. حسناً مفيدة قليلاً.. فهو منذ تلك الليلة وهو يحادثها بلا انقطاع.. تعجبت من أحاديثه الطويلة في البداية.. ثم سرعان ما ارتسم الاهتمام في عينيها وهي تتابعه يسرد تفاصيل يومه.. وكيف حل تلك المشكلة.. وكيف أجل حل أخرى حتى يسرع ليكون بجوارها.. بجوار ابنهما.. كان يلمح نظرة حنان وابتسامة لا توصف بكلمات على شفتيها وهي تسمعه يحادث صغيرهما.. أو يحدثها بشأن من شئونه.. ابتسامتها تلك كانت مكافأة له على صبره.. على غليانه لقربها.. احتراق فعلي يشعر به.. ولا دواء له غيرها.. فقد تيقن من ذلك.. في عصر أحد الأيام برفقة ريناد.. ولكن للعجب كانت ريناد تبدو مكتفية وسعيدة.. يبدو أن طول الحرمان حسن من أدائه..

ابتسم بسخرية من نفسه وهو يجفف جسده ويخرج من الحمام ليستلقي في فراش علياء الوردي.. ذلك الذي أصرت على اصطحابه معها من المزرعة.. وتحول مؤخراً لفراشه هو.. فهو بعد عدة ليالِ احترق جسده برغبته بها ولم يستطع الاقتراب منها.. قرر أن ينتقل من غرفتها.. كان يضمها حتى تنام وتستغرق في نومها.. ثم يذهب إلى فرضه الليلي من الأدشاش الباردة.. وينام في فراشها الوردي الضيق.. مرر يده بخصلت شعره بغيظ.. ألا تشعر بغليانه.. باحتراقه.. بتوقه لها..

بينما كان هو يحترق داخل الفراش الوردي كانت علياء تعض يدها مترددة.. لا تعلم هل تقدم على تلك الخطوة أم لا.. توقفت يدها على مقبض غرفته وهي تفكر.. هل تذهب إليه؟.. هل تبدأ هي؟..

في بداية خصامها له كان يسعدها نظرة التوق العنيفة بعينيه.. والآن أصبحت تشعر بتوق مماثل.. وربما أعنف نحوه.. تباً.. أنها الهرمونات بالتأكيد.. كما قرأت في أحد الكتب الخاص بصحة الحامل.. وظنت وقتها أنه يمتنع عنها تنفيذاً لتعليمات الطبيبة.. ولكن انقضى الوقت وانقضت التعليمات وهو ما زال متباعداً..

حسناً.. ليس متباعداً تماماً.. فهي تشعر بغليان جسده وهو يجاورها كل ليلة حتى تستغرق في النوم.. غليان يزداد باضطراد.. وأنبأتها غريزة أنثى ولدت على يديه.. أنه وصل لأقصى درجات تحمله.. لذا حسمت أمرها ولفت مقبض الباب.. لتدخل إلى الغرفة المظلمة.. وتتحرك نحو فراش يزيد بتردد.. بينما عيني يزيد اتسعاتا في وسط وجهه وهو يراها تدلف إلى الغرفة.. وهي ترتدي منامة تويتي الشهيرة.. عبس شاتماً.. كم تمتلك منهم.. هل ينبغي أن يمزقهم جميعاً..

وقفت أمام الفراش وهي ترمقه بخجل.. بينما كاد مفرش السرير أن يشتعل بنيران توقه إليها.. ولكنه ظل صامتاً وهو يضغط على أسنانه بعنف بينما هي تقترب منه بتردد.. لتهبط تجاوره بخجل.. تلتصق به.. وتجذب رأسه نحوها.. تمنحه قبلة كانت هي ولأول مرة البادئة بها.. لم يستطع صبراً لثانية أخرى تمر, فجذبها إلى صدره برغبة حارقة.. عنيفة.. لن تشبعها سواها..

*******

صوت ارتطام شديد بأثاث غرفة المعيشة كان ما أيقظ منى.. والتي تعجبت كيف غفت وهي تنتظر عودة حسن.. والذي أصبح يتأخر بعودته يوماً بعد يوم.. والليلة تأخر كثيراً.. حتى أنها نامت قبل عودته..

صوت ارتطام آخر.. وسباب بذيء وصل إلى مسامعها.. قبل أن ترتدي مئزرها المنزلي وتخرج بسرعة لترى من بالخارج.. لتفاجيء بحسن راقداً على ظهره فوق الأريكة وهو يحاول خلع حذائه.. وفي كل مرة يفشل كان يشتم ببذاءة..

هتفت بتعجب وهي تتجه نحوه لتعدل من جلسته.. وتتكئ على ركبتيها لتخلع حذائه:

ـ حسن اتأخرت قوي..

فوجئت به يجذبها من عنقها بقسوة ويرفع وجهها إليها هامساً:

ـ منى.. ريحتك حلوة قوي..

مرغ شفتيه في عنقها بنهم.. حتى شعرت بأسنانه تغرز في بشرة عنقها الرقيقة.. فأـبعدته عنها بقوة:

ـ في إيه يا حسن؟..

جذبها مرة أخرى ليقبلها بعنف حتى أدمى شفتيها:

ـ هو إيه اللي في إيه.. في اني عايز مراتي.. عايز أتبسط شوية.. إيه مش من حقي بعد تعب ومرمطة طول النهار إني أرجع ألاقي الحتة بتاعتي مستنياني وعايزة تبسطني..

رددت منى بذهول:

ـ حتة بتاعتك!!.. تبسطك!!

جذبها مرة أخرى ليضغطها إلى صدره بعنف كاد أن يحطم أضلاعها وهو يقبلها بشهوة.. هامساً:

ـ اخرسي بقى هتطيري النفسين من دماغي..

شهقت منى بعنف.. وهي تتلقى منه معاملة لم تتصور أبداً أن تتلقاها أي زوجة من زوجها.. زوجها الذي كان يعشقها.. قبل أن يعرف التدخين.. والسجائر.. سجائر غير بريئة أبداً..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *