فرط الحب دينا ابراهيم الجزء الثالث

الفصل الحادي عشر

– ريان.

خرج اسمه اكثر تطلبًا وكأنه استغاثة من بين ثغرها المنفرج قليلًا فلم يشعر بذاته الا وهو يميل ليلثمه ويلبي نداء يحرق فيه بشغفه الخوف والانكسار … ويبثها بالأمان وال…عشق…
قبله ايقظت داخله بركان من المشاعر المغلقة فصار كالغريق يبحث عن طوق النجاة داخل جوفها يبتلع آهات اجتازت خلاياه لتستقر في جوف صدره، فكلاهما سيسقط من على حافة الهاوية بدون الآخر …

هربت جميع أفكاره وترك العنان لكفيه بالتنقل الحر الجارف فوق غصنها الواعر بحسن مفاتنها القاتلة.
ازدادت شراسة استجابتها كنمرة فكت أسرها للتو فانطلقت راكضه كالمجنونة تبحث وتكتشف المكان، زمجر في رضا حين تقابلت أظافرها الناعمة بمنتصف ظهره تدعوه للمزيد والمزيد.
كان في جنة يشعر بين ذراعيها فيها بالخُلود وتمنى لو تدوم لحظتهما إلى الأبد ولكن لكل بداية نهاية.
شعر بصدمتها تجتاح جسدها الصغير المتحجر المحصور بين ذراعيه بفعل هجومه السافر.
علت انفاسهما كلًا لأسبابه مع تشابه بعضها فمال ريان يسند جبينه فوق كتفها وأسفل عنقها يلهث بقوة لجمح مشاعره وأصابعه تلتف حول معصميها في استعداد للعاصفة المقبلة.

أما “ريم” فكانت أنفاسها العالية تختلط مع الاعاصير داخل رأسها في محاولة لاستيعاب ماذا يحدث هنا وكيف انتهى بها الأمر بهذه الحالة المستسلمة بين أحضانه، فأخر ما تتذكره هو مرض عُمر وخلودهم للنوم.

– إبعد عني.

مرر صوتها المعركة الدائرة داخل صدرها فتنهد ريان وهو يحكم قبضته حول ذراعيها يمنع مقاومتها التي بدأت في الثوران أسفله فزمجرت صائحه:

– إبعد عني يا بني آدم … إنت ازاي تعمل فيا كده.

ارتفع جانب وجهه في غلاظة متعمدة قائلًا بنبرة متعجبة:

– هكون عملت ايه يعني، هي أول مرة اعملها ما انا ياما عملت كده!

غمرتها حمرة الخجل والحقد وهي تنازع أسفله للانفلات منه قائلة في نبرة قاتلة:

– أنا الحق عليا إني وثقت فيك ما انا غبية،
بعد اللي عملته فيا حتى البديهيات معاك لازم كنت آخد حذري فيها معاك.

– ممكن نبطل هري في الفاضي ونتكلم في الجد.

– هري في الفاضي، انت بتتحرش بيا وتقولي هري على الفاضي،
هي كلمة “مش طيقاك” مش فاهمها عشان عقلك يصورلك ان ليك حق تلمسني من تاني.

تأوه عندما ركلت ساقه فقابلت جانب جسده في قوة لكنه جزّ على أسنانه مدعي الهدوء في اجابته الحادة الناهية:

– والله لو اتكلمنا في الحق فأنا أكتر واحد أحق في لمسك لأني ببساطة جوزك بس إنتِ اللي مرهقة شوية وبتنسي.

– حق مين يا أبو حق….

صرخت به ريم في لهجة مستهجنه فأسرع ريان بوضع كفه فوق رأسها بينما تحاول الابتعاد عنه دون جدوى فضحك بغلاظة قائلًا:

– إنتِ هتردحيلي والله عال، الناس بتكبر تعقل وتسمع الكلام وإنتِ بتخيبي.
حدقته ريم بنظرات ساحقة كالرياح العاتية وكل ما تتمناه هو اطاحته ومرغ كبريائه أرضًا
فعض شفتيه يكبح ابتسامة فلو تعلم كم يثيره عنادها ومقاومتها له لِما فعلت من الأساس لكنه أحبط افكاره وحاول التثبت بذلك النقاش الذي كان يحضره منذ فترة كي يعتذر لها ويحصل على رضاها.

– ريم أنا عارف إني غلطت غلط كبير وعارف ان مينفعش تسامحيني بسهولة.

اجابته بارتفاع حاجبها الساخر وكأنها تخبره بتهكم:

– لا يا شيخ.

اغلق فمه في خيط ضيق قبل ان يسعل بخفه متجاهلًا إياها ليتمتم بتوتر:

– انا مغلطش في اني شكّيت فيكي وكدبتك وبس، وعشان تعرفي اني بجد باقي عليكي …
باقي عليكي ده ايه لا معلش لامؤاخذه في اللفظ يعني انا مش هسيبك تبعدي عني طول ما فيا نفس طالع وخارج.

خرج صوتها المعترض مكتوم أسفل قبضته وللحظة وتره احمرار وجهها ظننا انه يقطع تنفسها ولكن استمرار غمغمتها وحركتها اسفله تخبره بانها حمرة الغضب فاستكمل سريعًا:

– عارف عارف مش طيقاني
وحقك أنا ساعات كتير مش بطيق نفسي، بس انا قعدت كده مع نفسي وقولت ياض يا ريان إنت مش عايز تسيب ريم ليه دي ولية نكد حتى.

انفلت ساعدها الأيمن وقتها لتقابله بصفعه لجانب رأسه قابلها هو بابتسامه مغيظة ومال يقبل جبينها متجاهلًا غمغمتها المستنكرة وهو يعيد ذراعها بجانب الآخر ويحكم قبضته على كلاهما في كف واحد من جديد ثم قال متعمدًا الإمساك بنظراتها المشتعلة:

– بس رجعت وقولت اسيبها ازاي وعنيها الحلوة دي هي أول حاجة بفتكرها أول ما افتح عيني.

سرق انتباهها اخيرًا وخفت مقاومتها وهي تنظر إليه عيناها تشع بحاجتها للمزيد وهو لم يبخل فاستطرد:

– اسيبها ازاي والضحكة مش بتطلع من قلبي غير لما تبقى مرسومه من شفايفها الحلوة المبطرخة دي.

ابتسم في خفة وابعد كفه عن وجهها يبعد خصلاتها عن عيناها بينما هي لا تتحرك او تتكلم فقط تطالع عيناه التي لا تتركها وتبثها بشعاع أمل وعشق مهول لا ينتهي هزها ودمر معظم حصونها، ثم مال يلامس أنفه بأنفها معترفًا أخيرًا بما هز جدران قلبها:

– اسيبها ازاي وأنا قلبي معرفش معنى الوطن غير لما سكن في عيونها.

رمشت ريم وارتعشت شفتيها بمشاعر مضطربة بين لهفة وانغلاق حاد لكنه باغتها بقبله رفرفت كجناحي فراشه بخفه فوق ثغرها ليعلن بكل ذرة رجولية وحب يكتنفه:

– بَحبِك..

أعاد قبلته الخاطفة من جديد يرغب في مباغتة عقلها هامسًا بحرارة:

– بَحبِك ومقدرش أعيش من غيرك.

رفرف بشفتيه من جديد يحاول سرقتها بالكامل لكنها انتفضت وتلك المرة هربت تمامًا ورمت ثقلها لتخرج ساقطة من الفراش بينما يحاول هو انقاذها لكنها رفعت اصبعها في وجهه المطل عليها من الفراش، وهتفت متحملة على آلامها في رفض:

– اه فهمت.

-فهمتي!!

اعادها ريان في تعجب فقالت وهي تستقيم وتواجهه في شراسة:

– أيوة فهمتك، إنت فاكر انك هتقدر تضحك عليا واني لسه عيله عبيطه.

– فاكر!

اجابها متهكمًا مغتاظًا من رفضها فقالت من بين اسنانها:

– بالظبط، لكن لا مش هتقدر تضحك عليا لأني متأكدة ان اللي زيك مش بيعرف يحب!

انتفض هو الآخر ليقف في مواجهتها مردفًا في غيرة حارقة:

– اومال مين اللي يعرف يحب،
• الواد المتني اللي فضلتي تضحكي عليا طول فترة جوازنا ومفهماني انه اخوكي وسحبتي مني حق اني أكون السند الحقيقي في حياتك..

خرجت منها ضحكه مستنكرة وهي تلفظ كلماتها متعمدة اشعاله:

-لا وإنت كنت ونعمة السند ليا،
كنت حتة عيله لا راحت ولا جت وإنت محور حياتها بس ازاي كان لازم تقتل كل حاجه حلوة جوايا بعمايلك.

صمت لكنه تركها تفرغ شحنة الكُره من داخلها فاكثر ما يعرفه عنها انها تنسى الإساءة بالعتاب وإن كان هذا ما يستدعيه الموقف لتسامحه فليكن فهو يستحق ذلك وأكثر، ولكن صمته أغضبها أكثر فهتفت في غل:

– وفي الاخر بتسأل كنت متمسكه بأحمد ليه!!
عشان محدش غيره وقف جنبي لما خالتي اللي فضلالي من الدنيا سافرت وهجت بالفلوس اللي حيلتنا واترميت أنا تحت رحمته وهو رحمني.

– خير وعمله وانتهى ويشكر عليه ده حقك
لكن انتي وصلتيه انه يبقى أهم من عيلتك اللي هي أنا وعُمر،
انتي اختارتي هوسك بوجوده، واني مش هشيلك رغم اني كان ممكن احط حياتي تحت رجليكي لو طلبتي.

علا صوته ليهز الجدران بقوة انفعالاته وقساوة ما اخفاه داخل صدره طويلًا مستكملًا باتهام:

– كنتي بتخليني أنام احلم انك سبتيني عشانه وانه خطفك مني ووصلتيني ان اقل حاجة تحصل أشُك فيكي وأصدق.

ترقرقت الدموع في مقلتيها لكنها منعت هبوطها في عناد وصرحت في هدوء:

– إنت صح إنت غلطت وأنا غلطت والعلاقة دي انتهت من زمان ومينفعش تتعلق بيها.

– وإنتِ صح، العلاقة دي انتهت ومينفعش اتعلق بيها..

ظهر الجرح جليًا على وجهها معلنًا عن التناقضات والصراعات المشتعلة داخلها لكنه اقترب منها خطوتين مستكملًا في هدوء وصدق:

– عشان كده هنبني علاقة جديدة، علاقة صح ونضيفة أنا وإنتِ
وغصب عنك يا ريم لأن خيار اني اسيبك ده مش هيحصل.

تلعثمت في رفض تحاول كبح رفرفة قلبها وهمست في اضطراب لا تعلم ما يخرج من فمها:

– مينفعش انا وأحمد….

اقترب منها يقتحم مساحتها معلنًا في لهجة حادة قاتلة تبرز ما يعتريه من حنون غاضب:

– ما اسمعش اسمه على لسانك تاني.

زمت شفتيها وحركت رأسها في استهجان هامسة في اشمئزاز:

– إنسان متوحش مستفز مش قادر تطلع روح التحرش من تفكيرك.

حرك يده في الهواء بلا مبالاة واضحة وهو يتحرك يبحث عن سجائره فيقول بانزعاج بينما يشغل إحداها:

– بطلي بقى جو الرهبنة ده مش لايق عليكي ما إنتِ كنتي متمرغة في حضني من خمس دقايق.

نفخ الدخان بالقرب من وجهها مستمتعًا بالخجل والغضب المتنافس فوق بشرتها السمراء اللامعة وارتفع جانب وجهه في انتصار عندما لم تجد اجابه تتناسب مع حقارته كي تقذفه بها فاكتفت بدب قدميها في طفولية متمتمه ببضع كلمات لم يفهم نصفها وخرجت من أمامه هاربة.

حرك كتفيه مفكرًا لا يهم المهم أن الخطوة الكبرى قد انتهت وانه يشعر وكأن جبال العالم انزاحت عن صدره باعترافه لها، متعجبًا كيف ينسى المرء أن يبوح بمشاعره، فيصبح كإنسان آلي يحارب من أجل العيش والمكانة الاجتماعية متناسيًا أن الأسرة والاحبة دومًا أهم.

*****

استيقظت وسام في الصباح الباكر داخل غرفتها لكنها قابلت اليوم بمشاعر مستفزة كئيبة غير راضية ووجدت نفسها تتصيد المشاحنات في جنون.

– أنا نازل عايزه حاجة وأنا جي؟

قاطع بيجاد تحديقها الصامت في الحائط فنظرت له بلا تعابير هامسة في خفوت:

– لا.

تنهد متذكرًا كيف اوقفته عن اتمام طقوس عشقهما أخر مرة حاكمة عليه بأن يبقى مستلقيًا بجوارها فوق الأريكة متحملًا عقابها بالقرب البعيد بين احضانه، رمقها نظرة أخيره وطلب في رجاء:

– طيب على الأقل اتصلي بعلاء صبي السوبر ماركت خليه يطلعلك اللي تحتاجيه وبلاش تنزلي وإنتِ حامل.

ضاقت عيناها وسألت في تهكم قاسٍ:

– والرفق بالإنسان اللي مش عبد عند حد
ولا نسيته عشان علاء لسه عيل عنده خمستاشر سنة؟

ابتلع بيجاد غضبه في جوفه الجاف بصعوبة وقبض على اصابعه القوية قبل ان يجيبها في جدية متعمدًا كبح ملامحه الغاضبة:

– عنده خمستاشر سنة بس نصيبه انه لازم يشتغل وده خلاه راجل يعني انا مش بستغله،
وأنا بقولك اطلبي ومتقلقيش أنا براضيه كويس وبلاعبه عندي في الجيم ببلاش فهو كده هيحس انه بيساعد والجمايل مردوده.

أنهى جملته واتجه للخارج مغلقًا الباب خلفه دون ان ينتظر اجابتها، زفر في حده ينفس عما يعتمر صدره وهبط في حزن فكل يوم يثبت له ان حياتها البائسة لن تنتهي.
فقد نجح والدها في ترسيخ صورة فاسده داخل عقلها ولن ينجح ابدًا في محوها، كان يمشي تائهًا غير قادر على الانتباه لمن يلقي عليه السلام أو يناديه من اصدقائه، وصل اخيرًا للصالة الرياضية الموجودة بالقرب من منزله ونظر لنفسه في المرأة ولأول مرة يشعر بالهموم والعجز تنعكس من ملامحه.
تلألأت عيون وسام بعبراتها ما إن خرج وانفجرت باكية دون مبرر وظلت الساعة اللاحقة تبكي وتبكي دون توقف فهي مرهقة متعبة ترغب في استعادة حياتها والعيش بطبيعية وترغب في النوم في سلام دون قلق أو هم يقتلها بشأن حياة بيجاد أو بشأن حياة مولودها.

استقامت في تعب لتشعر بدوار وقتي، أمسكت رأسها واستغفرت الله تواليه عندما تذكرت انها لم تأكل منذ الصباح ثم اتجهت للمطبخ لتناول شيء ما فهي لا ترغب في إصابة الصغير داخلها بسوء.
زفرت في غضب وكادت تبكي من جديد عندما اكتشفت انتهاء المربى التي تفضلها لكنها تمالكت ذاتها واتجهت لغرفتها ترتدي عبايتها لشراء المزيد، دار تحذير بيجاد لها في عقلها بأن لا تنزل لكنها تجاهلته بعناد.
دلفت تدور في المتجر الموجود في البناية الملاصقة لمنزلها واختارت بعض الأطعمة التي جذبتها وشعرت باشتهاء لتناولها ما إن رأتها ثم ارتسمت ابتسامه خفيفة على محياها حين تقدم علاء منها يصر على حمل الأكياس لها حتى المنزل.
خرجت وسام خلفه وانشغلت عيناها بالماء المندفق من ماكينة داخل المغسلة المقابلة للمتجر والتي يفصلها عنه بضع مترات قليلة في الشارع الضيق، لكنها شهقت في ذعر وتشنجت معدتها حين شعرت بجلد خصرها يلتوي بين أصابع ما.
قفزت للجانب البعيد وطالعت في عيون متسعة شاب جالس على مقعد أمام المتجر يظهر عليه الغنى وملابسه ومقتنياته تصرخ أموال، عقدت ملامحها في غضب تقابل نظراته الفاسقة بقولها:

– إنت قليل الأدب ومتربتش.

– عارف.

نظرت له باحتقار واندفعت للذهاب فاوقفها في سماجة:

– ماشيه ليه ما تستني اوريكي قلة الأدب.

اندفع علاء الصغير الذي ألقى بالاكياس وهرع نحوها هاتفًا:

– ما تحترم نفسك يا جدع.

وقف الشاب يطالعه في استهجان قائلًا في حده:

– وإنت مال أمك، غور من وشي يالا.

– تعالى يا علاء وصلني وسيبه ده بني آدم بجح.

قالت وسام وعبراتها تسيل على وجهها في غضب لا تصدق ان الرجل تجرأ على لمسها وانه حتى انتفاخ معدتها بحملها لم يشفع لها أمام وقاحته.
احتدت نظرات علاء للرجل في رفض وحقد فسبه الرجل الذي دفع أصابعه في وجه علاء ليرتد للخلف محذرًا:

– يلا يا كوكو وصلها يلا متبحلقش!

علت أنفاس علاء ولكنه اتجه نحو وسام التي تحمل الأكياس من الأرض لمساعدتها ولكن عينيه ترفض الابتعاد في غضب عن الشاب المدلل ولولا جسده الضئيل الضعيف لكسر عظامه.

حين أوصلها همست له وسام بشكر واعتذار، فقابها بالصمت وهزه من رأسه قبل أن يركض للأسفل وما ان لامست أرض الطريق حتي لمعت عيناه في تحدي وهرول راكضًا نحو شخص واحد هو القادر على تهذيب ذلك المتعجرف.

*****

– لا متحملش ع رجلك الوزن ده لان عضلة رجلك مش هتستحمل…
أوقف بيجاد تعليماته وانتبه لذلك الراكض نحوه بأنفاس متقطعة فاعتذر من الرجل امامه واتجه نحو علاء متسائلًا في توتر:

– فيه ايه يا علاء، حاجه حصلت في البيت؟

هز رأسه في نفي لكنه تابع يلقي في إصرار ما حدث منذ قليل، لتشتعل عيون بيجاد بغضب أعمى فيركض كالثور الهائج في جنون حين يُلوح أمامه بالأحمر.
اقترب بيجاد من المتجر فأشارعلاء لرجل يرتدي سروال بلون السكر المحروق وقميص أبيض ناصع فاتجه بيجاد دون تأجيل وبكل عنفوان ضرب قدمه في صدر الجالس فينقلب ككيس البطاطا من فوق المقعد وينفجر الجحيم…

قضمت وسام قطعة من الخبز تجبر جوفها اجبارًا على ابتلاعها بينما دموعها ترفض الجفاف، مسحت أنفها مرة أخرى لا تزال تشعر بالنقم على ذلك الرجل الحقير، لكنها انتفضت في هلع عندما تعالت أصوات الرجال في الأسفل بجنون واسم “بيجاد” الذي يخرج من فم الجميع في ذعر، جعل الدقات في قلبها تتوقف فهمست وهي تلقي بالطعام في إهمال:

– يالهوي يالهوي.

ركضت للشرفة متناسيه حجابها وصرخت في جنون حين رأت زوجها يعتلي صدر المتحرش وقبضاته المتطايره تقابل وجهه الدامي في شراسه:

– بيجاد لا يا بيجاد سيبه.

رفع رأسه يصرخ بها في جنون للدخول ولكنها دخلت فقط لتجذب عباءتها وتركض في هلع نحو الأسفل وهي تدعو الله بصوت عالي ورجاء صادق بأن لا يفقد الحقير روحه على يد زوجها المجنون.
انطلقت نحو الرجال هاتفه دون حرج متعمده زجه من حالته التي يفشل الرجال من حوله في السيطرة عليها:

– بيجاد كفاية هيموت في ايديك!

ضرب بيجاد رأس الرجل الشبه فاقد للوعي في الأرض بحده معارضًا أيادي الرجال التي تحاول جذبه دون فائده ولكن صوتها فاق قوتهم حين جذبه من بقعته السوداء داخل روحه ووقف في جنون هاتفًا في غضب:

– اطلعي فوق ومتنزليش إنتِ اتهبلتي!

اتجه نحوها يدفعها نحو المبنى بملامح تصرخ جنون فحاولت امساكه وهي تنفجر في بكائها:

– عشان خاطري يا بيجاد تعالى فوق كفاية.

– بقولك اطلعي.

ابعد ذراعه المغطى بالدماء عنها تاركًا إياها غارقة في مخاوفها واتجه نحو الرجل الذي يسند الناس جسده الغير متزن وما ان لمحه الشاب حتى صرخ وسقط للخلف محاولًا الهرب منه، تكاتل الرجال حول بيجاد يحاولون دفعه للجانب البعيد اما ذلك الغارق في دمائه فقد كان يزحف حتى حملته ساقه من جديد، وعند علو صوت بيجاد المعلن عن اقترابه منه حتى التفت في ذعر يبحث عن مكان للهرب فلم يجد سوى المبني أمامه.
وغريزته للبقاء دفعته للتفكير بالصعود هناك والاختباء بأحد البيوت كي يستطيع الاتصال بالمساعدة هربًا من ذلك المجنون الذي يعزم على قتله وانهاء حياته.
أغمض جفونه يمنع قطرات من الدماء السائلة من الاستقرار في عينه اليسرى وتأوه في ألم عندما وصل للمدخل وانغرست أصابع صغيرة ولكنها كانت كافية لتسبب له ألم في جسده الذي تم إبراحه ضربًا.

– تعالى بسرعة الله يحرقك يا بعيد.

– ابوس إيدك كفاية وسيبيني أستخبى جوزك هيموتني.

زمجرت وسام في وجهه وهي تجذبه وراءها على الدرج مؤكدة:

– اتنيل واطلع استخبى عشان هيموتك فعلًا.

أسرعت وسام في فتح الباب عندما وصل إلى مسامعها انتقال الأصوات لمدخل المبنى متأكدة ان بيجاد لن يهدأ حتى يصل إليه، فتحت سريعًا ودفعت الرجل للداخل مغلقة الباب في قوة.
سمعت تخطي بيجاد لبابها وحمدت الله إنه في اسوأ أحلامه لن يتخيل انها من تحمي الحقير، نظرت للرجل الغارق في دمائه باشمئزاز وجذبته إلى غرفتها واضعه منشفه فوق رأسه وضغطت بقوة قائلة في غل:

– وقف الدم هجبلك كحول وبن يوقفه، خسارة في جتتك، بس لما ربنا ياخدك ياريت يبقى بعيد عننا.

أمسك الرجل المتألم المنشفة فوق رأسه وسأل في ضعف:

– لما إنتِ مش طيقاني بتساعديني ليه؟

– مش عشان سواد عيونك، عشان خاطر جوزي اللي خسارة يضيّع نفسه عشان كلب زيك.

بصقت كلماتها في اشمئزاز ليبعد الشاب عينيه في خجل عنها ويسأل:

– طيب وههرب ازاي وجوزك تحت

إلتوت شفتيها في سخرية وأخبرته في حده:

– ومين قالك انه تحت جوزي طلع يدور عليك في الشقق ومش هيسكت غير لما يلاقيك.

وقف وكاد يسقط من طوله فاقتربت وسام توازنه في غضب وتدفعه للجلوس رغم اعتراضه:

– يعني هيدخل يدور هنا كمان، يا نهار اسود ده احنا في بيته!

– بالظبط وإحمد ربنا انه في بيته هو مش هيتخيل انك هنا.

– ولما يجي هعمل ايه ؟

سأل الرجل في ذعر فرمقته من اسفله لأعلاه وردت:

– لما يجي تستخبى هنا وتخاف على نفسك عشان لو حس بس انك هنا هيجيب اجلك غير كده انا هتصرف!
ذهبت تبحث عن منشفة وهلعت حين رات الدماء أمام باب المنزل من الداخل فركضت تحضر القهوة المطحونة تعطيه له وتأمره بوضع بعضها فوق جروحه واتجه تحضر منشف تنظف بها أثار تواجد ذلك الابتلاء المختبئ في غرفتها ولسانها لا يتلو سوى الدعاء للخالق بأن تنتهي الأمور على خير.

“فرط الحب”

الفصل الثاني عشر

خرج “ريان” بعد دقائق فوجد “عُمر” متخصر أمام الباب ينتظره، رفع “ريان” حاجبه الأيسر في تساؤل صامت ليجيبه “عُمر” الناقم:

– مش شايفها اتصالحت دي طلعت متضايقه اكتر.

مال “ريان” لمستواه وهمس في حنق:

– إنت فاكرها سهله كده، الموضوع لازم يجيي على مراحل،
دي خناقة كبار مش خناقة على لانش بوكس.

حرك “عُمر” رأسه وكأن والده خيب ظنه وقال ساخرًا:

– ما إنت لو كتت بتوديني المدرسة كنت عرفت ايه خناقة اللانش بوكس دي كمان.

جذب “ريان” أذنه بشكل طفيف وهو يخبره بلهجة معاتبه:

– بطّل لماضه بقى قولتلك السنة الجديده هتدخل ما انت عارف مكنش ينفع ادخلك وانا بنقل شغلي هنا.

ابعد “عُمر” وجهه عنه للجهة البعيدة وهو يزم شفتيه فابتسم “ريان” وجذبه نحوه يقبل رأسه بحنان متعمد دفع اصابعه في جانبي صغيره لتهرب منه ضحكة مفعمة بطفوليته مدغدغه نبضات قلب والده الذي قال في نبرة جديه يشوبها حنان بالغ:

– متخافش يا عُمر ريم مش هتبعد عننا تاني ابدًا، اطمن وخليك واثق فيا وطول ما احنا في ضهر بعض ريم مِلكنا احنا الاتنين.

ابتسم الصغير في رضا وسرور وهز رأسه في موافقة مؤكدًا:

– ومش هتزعلها ابدًا ابدًا.

ارتفع جانب وجهه وهو يستقيم ويبعثر خصلات صغيره فيردد جملة صغيرة الدائمة مؤكدًا في لهجة يشوبها المرح:

– ابدًا ابدًا.

*****

وقفت ريم في مرحاض غرفتها تطالع هيئتها التائهة وقد فشل الماء في إضفاء أي اتزان داخل روحها،
ففي الأمس كانت تخطط وهي مقتنعة بأنها ستتخطاه بالكامل وفي الصباح تقف كالبلهاء أمام المرآة لا تعرف حقيقة شعورها نحوه هل تخطته بالفعل ام أن عِنادها ما يدفن مشاعرها نحوه ويجعلها تهلل في كبرياء مخادع بأنها قادرة على الابتعاد.

– بَحبِك..

هزت رأسها في ارتباك بالغ وصوته بتردد داخل رأسها دون توقف فمست وهي تحيط وجهها بكفيها:

– ايوة يعني انا هعمل ايه دلوقتي؟

رفعت أطراف أصابعها تلامس شفتيها المنتفخة بفعل لمساته الجامحة وجزء كبير داخلها يؤكد لها بانه صادق في اعترافه فالحب المنبعث من عيناه كان حقيقيًا ولامس قلبها في مجون.
وجزء أخر حاد يحذرها ويسألها … السؤال الدائم….

ماذا ستفعل إن تخلى عنها مرة أخرى؟

لأنها بالتأكيد ستنهار وتفقد صوابها، استدارت في المرحاض حول نفسها وهي تتذكر بقاءها باكية داخل منزلها فمضت عليها الشهور الأولى من انفصالهما دون أن ترى ضوء النهار.
وما كان من “أحمد” الشخص الوحيد المهتم سوى أن أرسل لها “دعاء” زميلتها في العمل بطعام في زيارة تتكرر كل أول أسبوع ويرافقها رسالة منه بأن تنهي رثائها والا سيأتي لها في المرة المقبلة ويقتلعها من هنا عنوة.
وقد تكررت تهديداته وتنوعت مع مرساله أسبوع بعد أسبوع حتى طفح بيه الكيل وتفاجأت به يأتي كل يوم لمده شهر كامل ليقف على باب المنزل دون الدخول كي يحثها على الرضوخ لرغباته فينتهي بها الأمر بتغيير ملابسها والنزول للعمل ساعات قليله يتعمد فيها أحمد إخراج مكنونات قلبها حتى تبكي فتركض تختبئ في فراشها تارة وفي فراش “عُمر” تارة أخرى.
تنفست بقوة فحتى آلمها وارتباكها بوفاة والديها لم يوازي أَلم تفتت أمالها في حياتها الجديدة على يد من عشقته بصدق واعطته من نفسها كل ما تملك.

– بَحبِك … مش هسيبِك ابدًا…

ترددت كلماته المدفونة في عقلها الباطن لتصدح داخلها وتغطي حزن بات فاترًا تلاها ابتسامتها حين تذكرت اتهامه:

– وليه نكد….

هزت رأسها فقد وصل البؤس بها لأن تبتسم على مشاكساته البغيضة، خرجت من افكارها عندما دق البغيض نفسه الباب معلنًا عن وجوده مطالبًا:

– إنجزي عايز استحمى.

– ما تروح تستحمى برا ده ايه السخافة دي.

قالت بصوت مسموع وحاجب مرفوع فاتاها رده السمج:

– ماشي بس اوعي تتكلمي كتير في الحمام لتتلبسي.

– أبو تقل دم أهلك.

غمغمت في انزعاج في صوت غير مسموع، ليخبرها وهو يغادر بنبرة مستمتعة رغم عدم سماعه لكلماتها:

-عادي أنتي عادي اشتمي براحتك.

عضت شفتيها تمنع ابتسامه ثم أكملت ارتداء ملابسها في سرعة وما كادت تخرج من بابه حتى علا صوت جرس المنزل.
وضعت يدها فوق فمها تكتم شهقتها فقد نسيت تمامًا مخططها بسبب ارباكه لها، وضعت يدها فوق رأسها هامسة:

– أنا وليه نكد فعلًا انتوا مبتكدبوش.

*****

دندن “ريان” بنغمات أغنية مشهورة وهو يجفف جسده جيدًا وانعقد حاجبيه في تساؤل حين سمع صوت الباب الذي تلاه صوت امرأة غريب، نظر كطفل وقع في ورطة إلى السروال الذي يرتديه وصدره العاري الذي تعمد اظهاره لمشاكسة زوجته الصغيرة ولكنه يشعر بالندم الآن بوجود صحبة غريبه.

– ايه النحس ده.

زفر “ريان” بينما يختبئ خلف الباب ويفتحه ببطء مناديًا بهدوء:

– ريم … ريم …. عُمر ….يا عُمر

صمت من جديد يحاول سماع أيًا منهم فقال بصوت عال قليلًا:

– عُمر تعالى.

صدح صوت غريب مزعج من المطبخ فأخذته دقيقة ليعي انه صوت الخلاط الكهربائي فتنهد في راحة مرجعًا عدم سماعهم له لوجودهم في المطبخ فوضع المنشفة فوق كتفه يخفي ما يستطيع من جسده العريض وهرع للخارج.
كان على بعد خطوتين من الغرفة حين سمع أحد ينظف حلقه لتلتقي عيناه بامرأة حمراء الشعر متوسطة العمر والهيئة وما ترتديه لا يخفي أكثر مما ترتديه، طالعها من اسفلها لأعلاها في تعجب ورمش حين حركت السيدة أصابعها أمام وجهها في حركة مرحبة هامسة:

– أهلا.. أنا نرمين…

كيف بالله يخجل من نظرات امرأة !

تسأل في تعجب وأبعد الخجل من عقله فلما يفعل ان كانت هي لا تفعل؟

فسعل بخفة مرحبًا:

– أهلا بحضرتك… عن إذنك…

تركها ودلف للغرفة وهز رأسه في تعجب متسائلًا ماذا حدث في العالم لتتبدل طباع النساء بطباع الرجال؟..
لكنه ابتسم في غرور فعلى الأقل هناك من يرغب في النظر إليه ويشعره بجاذبيته ورجولته التي تصّر ريم بأفعالها على قمعها،
امم … سيكون عليه معرفه كيف انتهى بزوجته الخجولة صديقة لتلك الامرأة الفجة.
ارتدى باقي بيجامته ثم جلس فوق فراشه يشعل سجائره كالعادة بينما يعبث على جهازه المحمول يتفقد أي رسائل قد تكون عاجلة من مكان عمله وحمد الله عندما لم يجد ليطمئن على باقي أيام اجازته، فقد استطاع أخذ اجازة طويلة لأهمية مكانته في الشركة.
ولولا إنه من موظفيها المؤسسين لِما رضخوا لرغباته وأعطوه اجازة بدون راتب، أمر لم يستطع فعله في بداية انفصاله مع ريم بسبب التغيرات التي طرأت على الاقتصاد العالمي وكادت تطيح بالشركة لولا عملهم المضنى.
ابتسم في مكر فهو لن ينكر انه فضّل الوضع بهذه التعقيدات وقتها خوفًا من مواجهة الواقع ومواجهة ريم، قطع أفكاره دخول ريم المرتبكة التي لم تدق الباب على غير عادتها، رفع رأسه في تساؤل مريب عندما فتحت ثغرها مرتين قبل أن تخبره اخيرًا:

– الفطار جاهز.

ارتفع كلا حاجبيه في ذهول وقد شعر بخطب ما فعليًا فمنذ عودته لم يتناول وجبة واحده معهما وتتركه يتناول وحيدًا ككلبٍ أجرب، ولكنه لن يجادل بالتأكيد فوقف سريعًا قائلًا:

– هي صاحبتك مشيت ولا لسه؟

– لا هتفطر معانا.

أجابته ريم بعد أن ذهبت للخارج فقط ارتفع حاجبي ريان التابع لها يعبر عن ذهوله وتعجبه من هذا التغيير، رمق تلك الجالسة وهز رأسه مرحبًا قبل ان يتوسط الطاولة بجوار عُمر، بينما جلست على الجانب الآخر بينه وبين السيدة.
وكل ما يدور في عقله هو لماذا يشاركهم الطعام وصديقتها لاتزال هنا، فمن عادته لا يحبذ الاختلاط مع اصدقائها وعند حضور إحداهن يتعمد البقاء في غرفته ليعيطهم حريتهم في التحاور.

غلب الصمت على وجبة الإفطار، وحدسه يؤكد له بأن هناك أمر يحدث وهذا الأمر لن يعجبه مطلقًا وبالفعل تأكدت ظنونه حين لكزت “نرمين” الصامتة جوارها.
ولم يفت “ريان” مرفق السيدة الذي تقابل مع جسد ريم وكأنها تحثها على أمر ما، ولكنه تعمد التجاهل حتى ارتفعت عيناه ليقابل ريم التي تركت شوكتها في حدة معلنة:

– أعرفكم ريان… نرمين….
عروستك…

حركت ريم يدها بينهما بالتوالي قبل أن تستقر نظراته الجامدة فوق عينيه الحالكة السواد وقد أشعلت فتيل غضبه، صدح صوت نرمين في الخلفية وهي تسترسل بابتسامه واسعة مرحبة تجهل معركة الأعين الحامية التي تدور بين كليهما:

– أهلا بيك، انا مبسوطة أوي اني قابلتك، ريم على طول بتتكلم عنك بالخير.

لم يسمع ريان كلمة مما تقوله، فقد كان عقله متوقف غير قادر على الاستيعاب ونظراته الثابتة منشغله بإحداث ثقوب في جانب وجه ريم التي تعمدت ابعاد نظرها والعودة للطعام في هدوء وكأنها لم تُفجر قنبلة في وجهه للتو.

عض ريان شفاه العلوية يحاول السيطرة على جانب وجهه الذي يحارب للارتفاع في تعبير عدواني قاسي لكنه التفت يناظر عيون “عُمر” التي على وشك البكاء وأخبره:

– إدخل أوضتك يا عُمر وإفتكر وَعدي ليك كويس.

هز عُمر رأسه في توتر ثم ابتعد عن الطاولة ليختبئ في غرفته.
أما “ريان” فقد أمسك كأس الماء جواره يتجرع ببطء وهدوء ينافي الاحتراق والغضب المختلطان ببعضهما داخل صدره …حسنًا كل لعبة تتطلب طرفان … وهو كذلك…. انهى تفكيره وهو يضع الكأس الزجاجي مردفًا بكل برود:

– إنتِ عارفه أنا مين؟!

– ايوة، ريان طليق ريم.

أكدت “نرمين” باعتياديه فأجابها بشبح ابتسامه:

– أنا جوزها مش طليقها، هي محكتلكيش تفاصيل العلاقة اللي هتكون بينا يا عروستي؟

اتسعت أعينها وانتقلت نظراتها نحو ريم التي تضغط على شوكتها في غضب ترمقه في تحذير، لكنه استند بمرفقيه على الطاولة في أريحيه ليستكمل:

– يعني برغم انك اوبن مايند إلا أنها معندهاش ثقة فيكي عشان تقولك على طبيعة العلاقة اللي هتكون بينا احنا التلاته، يبقى ازاي أوافق عليكي.

اتسعت أعين ريم من وقاحته بينما وقفت “نرمين” التي لم يهمها سوى جملته الأخيرة في حده مهللة في تحذير:

– هو ايه ده اللي توافق عليا إنت فاكر نفسك مين، أنا حاجة كبيره واستحق إحترام أكتر من كده.

– حاجة كبيره ومحترمة مكنتش هتيجي بنفسها لراجل في بيته حتى لو معاه صاحبتك ولا ايه!

– ريان..

هتفت ريم في حده تقطع وصلة احتقاره لصديقتها فهتف بها في صوت زلزل كيانها:

– حقي إنتِ جبتي عروسة وانا قولت مش عجباني مش استايلي البنات مكشوفة الوش دي، ولا هو ده استايلك يا بيبي؟

عجزت ريم عن مجاراته، واغمضت جفونها حين اخترق مسامعها صوت صديقتها:

– إنسان مش متربي ومش محترم ومعرفش واخد قلم في نفسك على إيه.

هتفت “نرمين” التي جذبت حقيبتها للمغادرة فعلا صوت “ريان” الساخر:

– ابقي كملي بقيت هدومك قماش الأول قبل ما تتكلمي عن التربية وقيمتي إنتِ اللي حددتيها لما جيتي تعرضي نفسك عليا جوا بيتي.

اغلقت الباب خلفها في حده فانطلقت “ريم” توبخه:

– إنت انسان مش طبيعي ابدًا.

– والمفروض انك لما تجيبي لجوزك عروسة كده إنتِ طبيعية!.

علت ابتسامة مغيظة محياها وهي تخبره مبررة:

– ده كان طلبك مش اكتر وانا بلبيه.

-لا وإنتِ ملبيه اوي الصراحة.

رد عليها ريان غير عابئ بإخفاء غضبه فتشدق كلماته التالية في حرقة تلسع لسانه:

– أنا مش مصدقك، جيبالي عروسة بنفسك فعلًا يعني إنتِ هتستحملي تشوفي واحدة تانية غيرك في حضني؟

رمشت ريم لكنها قررت استكمال هدم كبريائه للنهاية فهمست بمجون قاتل وهي تلعق شفتيها:

– اه عادي وليه لا ما أنا كمان هنام في حضن واحد غيرك.

انتفض ريان لتنزاح الطاولة من وضعية هجومه بينما يمد ذراعه ليمسك بها، فخرجت منها صرخة هلع بينما تستقيم راكضة من أصابعه الممدودة في شر نحوها متجهة بسرعة قياسيه إلى غرفتها للاختفاء من أمامه فهي تعلم انها عبثت بثباته ومتأكدة انه لن يرحمها ان وقعت تحت يديه، كادت دقات قلبها تتوقف في ذعر وهي تستمع لخطواته الرعدية من خلفها.
وحمدت الله بقوة وهي تستند للباب لا تصدق انها نجحت في إغلاق الباب واحكامه بالمفتاح قبل أن يلحق بها.
كتمت شهقة كادت تنفلت في رعب عندما انتقل لجسدها ذبذبات قبضاته العنيفة التي تدق فوق الباب قبل أن يصلها صوته المختلط بأنفاسه اللاهثة:

– افتحي الباب حالًا عشان هكسر دماغك.

اختلطت مشاعرها بين بكاء وضحك على اقواله فبالتأكيد هي لن تفتح إن كان سيحطم رأسها، لكنها لم تستطع منع تلك الابتسامة الواسعة من على فمها وهي تؤكد:

– الله إنت زعلان ليه، مش دي الحقيقة إنك عايز عروسة تبقى أم لعمر عشان تطلقني؟

قاطعها ريان وهو يضرب بقبضته بعنف مرتين صائحًا:

– اااه…. إنتِ صدقتي نفسك بجد، طلاق ايه يا أم طلاق…
لا فوقي واضح اني كنت غلطان لما قولت اخدك على قد عقلك واهاودك لكن إنتِ مينفعش معاكي غير كسر الدماغ.. افتحي بقولك…

وضعت يدها فوق فمها تكتم ضحكتها لا تدري ما سبب تلك السعادة التي تتدفق في صدرها لكنها ردت بصوت مرتعش ما بين ضحك وغرور:

– على فكرة لو “أحم….

– إخرسي بقولك متخلنيش اكسر الباب واعرفك ان الله حق.
وحطي في دماغك حاجة واحده إياكي تسهي عنها، طلاق مش مطلق، إنتِ ليا أنا وعقلك متحرم عليه التفكير في أي راجل غيري.
ارتفع جانب وجهها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بثقه لتخبره ساخرة:

– دول حاجتين مش حاجة واحده.

جاءتها الإجابة على شكل ضربة قوية من قبضة يده فوق الباب رعشت جسدها الساند فوقه لكن ابتسامتها المنتصرة لم تهتز فقال من بين أسنانه:

-ما تلوميش غير نفسك يا ريم.

ختم جملته بضربة أخيرة صارمة ثم سمعته يطلق بعض الشتائم القذرة مثله قبل أن يبتعد عن الباب…
بالتأكيد ذاهب للبحث عن علبة سجائره التي القتها بكل سلام ورضا داخلي من الشرفة…فكرت في شر لكنه يستحق ذلك المدخن الشره….

– ريم…..!!

صدح صوت “ريان” في توعد من بعيد لتنفجر ضاحكة وهي تتقفز من حولها حتى استقرت فوق الفراش تلتقط انفاسها وسعادة لا توصف تطغي عليها لا تدري سببها اهو انه رفض نرمين ذات الجمال الأخاذ والأنوثة الثائرة أو لأنه يتمسك أكثر بها رافضًا الانفصال مؤكدًا ادعاءات العشق والغرام خاصته.
رن هاتفها يقطع افكارها وتنهدت في حزن عندما لمع أسم أحمد امامها، خبطت رأسها في غيظ متسائلة مالذي يحدث لها ولِم بحق الجحيم تشعر بالسعادة على الإطلاق…

– عشان غبية … وضعيفة…

كررتها أكثر من مرة ثم زفرت تحاول نسيان هذا النهار بالكامل فكل ما حدث به يعد كارثه حقيقيه تهدد مصيرها وما تبقى من عقلها، ويتوجب عليها أن تتخلى بالقوة والعزيمة لأن غريمها قوي جبار لا يهاب ضعفها…

*****

اغلقت “وسام” باب غرفتها بالمفتاح من الخارج ووضعته بأصابع مرتعشة داخل مقدمة ردائها ودقات قلبها ترفض الهدوء والتروي.
ألقت نظرة على باب المنزل من الداخل في توجس قبل ان تنتقل حول الارضية تتصيد أي أثر لدماء الحقير الذي المختبئ بالداخل، ضربت يدها فوق صدرها تحاول السيطرة على نوبة الهلع التي تكاد تصيبها وهي تستمع لاقتراب “بيجاد” مع بعض الرجال المحاولين تهدئته قبل ان يصرخ فيهم للابتعاد عن باب منزله ليدلف.
ركضت نحو الأريكة تجلس فوقها تتصنع الجلوس ووقفت حين دخل يسألها بعيون تدور حول المكان في درجة من الجنون لم تعهدها فيه من قبل:

– مشوفتيش الجبان اللي طلع العمارة.

-وأنا هشوفه فين يعني؟

ردت في سرعة وملامح غاضبة ثم هتفت في وجهه تحاول إخفاء توترها:
– مش كفاية لحد كده وتسيبه في حاله، انت اديته اللي فيه النصيب عايز ايه تاني ولا لازم تموته وتروح في داهيه فعلا المرة دي!

– لا اسكت واسيب عيل نطع يلمس مراتي ويتحرش بيها، بقولك ايه انا مش فايق للكلام ده نهائي كفاية انك مسمعتيش كلامي من الأول وبرضه نزلتي رغم تحذيري ليكي.

– يا سلام دلوقتي بقيت أنا السبب ان الحيوان ده هو اللي اتحرش بيا !

اتجه نحو الخارج من جديد متجاهلًا إياها فسألته في لهفة وهي ترى اثار الضربات فوق اصابعه الحاملة لغرض غريب:

– إنت رايح فين وإيه اللي في إيدك ده؟

ارتفع جانب وجهه في غموض وأجابها ساخرًا:

– ده مفتاح عربية الباشا اللي كانت في المغسلة، ومستحيل هيروّح من غيرها،
أما رايح فين فأكيد نازل اقعد على باب العمارة ويوريني بقى هينزل ازاي أبو الرجالة.

– صدقني اللي بيحصل ده غلط انت بتدمرنا بأفعالك حرام عليك يا أخي.

جزّ على أسنانه رافضًا اجابتها وانطلق للخارج مغلقًا الباب خلفه، متجهًا للأسفل ليجلس فوق مقعد خشبي بمنتصف الشارع كالوحش الهائج المنتظر لمح فريسته كي ينهشها وبجواره يجلس “علاء” في ترقب وتأهب لمساعدة “بيجاد” إن سمح له.

*****

في المساء جلست “ريم” تشاهد التلفاز بكل اريحيه وجوارها عُمر الشبه غافي مستلقي ببراءة وهدوء فوق ساقيها حتى همس:

– ريم ممكن اسألك سؤال؟

– امم أكيد..

– إنتِ بجد عايزه تسبيني انا وبابي؟

ارتبكت ريم التي لم تتوقع سؤاله لكنها سعلت بخفه وهي تخبره:

– الموضوع صعب تفهمه يا حبيبي.

عدل من جلسته وقال في اصرار طفولي:

– صعب ازاي مش الانسان يا يبقى عايز يعيش مع ابنه يا مش عايز؟

ابتسمت ابتسامه خفيفة وهي تلعب في خصلاته الطويلة قائلة:

– لو على ابنه فالإنسان ده أكيد عايز يعيش مع ابنه، لكن ابو ابن الانسان ده بقى هو اللي معقد الدنيا.

– بابي سخيف شوية بس طيب والله.

– عُمر، عيب متقولش على بابي كده.

– سوري، أنا قصدت ان بابي بيحبك أوي وانا بحبك أوي أوي يبقى مينفعش تسبينا ابدًا ابدًا.

– يا روحي مش أنا اللي سيبتكم هو اللي سافر وسابني هنا لوحدي.

خفت نبرتها بتأثر وهي تستكمل متذكرة وحدتها:

-وانت عارف اني بخاف انام لوحدي.

مط عُمر شفتيه في حزن وهز رأسه ليخبرها في لهجة هشة:

– انا كمان كنت بخاف أنام لوحدي خصوصا لما عمتي ليان اتعاركت هي وبابي وراحت بيت جوزها.

رمشت ريم وهي تستمع لتلك التفاصيل اذن ليان متزوجة الآن وتهنأ بحياتها بعد دمرت حياة ريم الهادئة.
استغفرت الله لا ترغب في الحقد عليها حتى وان اساءت إليها، فريم لديها مكنوناتها المركبة صعبة الفهم فلا أحد يستطيع أذيتها وكسرها إلا من يسكنها وينعم بحبها المطلق ومن حطمها وكسر مشاعرها لم تكن كذبة ليان ولكن “ريان” من فعل بتخليه عنها.
بالتأكيد هي غاضبة منها ولا تريد رؤيتها لكن في الحقيقة الأمر غير فارق معها كثيرًا فقط أمر واحد تتمناه هو أن تعلم لِما خانتها وفعلت فعلتها.
انفتح باب الغرفة التي انعزل بها ريان طوال اليوم رافضًا رؤيتها أو تناول الطعام فخرجت من افكارها ورفعت عيناها تطالع هيئته الهائجة بريبه وانخلع قلبها من مكانه حين اقترب منها بصورة مباشرة فاستقامت مذعورة وتلاها في الذعر “عُمر” الذي وقف فوق الأريكة يتشبث بقوة في خصرها حين صدح صوت ريان الغاضب المختلط بشيء من الجنون:

– أنا حجزت تذكرة طيران ومسافر كمان ساعة.

“فرط الحب”

الفصل الثالث عشر
بعد مرور ساعات واقتراب الظلام من السماء، طلت “وسام” من الشرفة للمرة الألف تطالع زوجها للذي لا يزال جالسًا بكل أريحية يشرب كوب من الشاي وكأنه لا ينتظر أحدهم لسفك دماءه!

– فاكر نفسه عايش في شيكاغو، طيب ابلغ عليه بنفسي وارتاح ولا اهبب ايه.

قالت في غضب حانقة على افعاله ثم فركت معدتها المتألمة تحاول التفكير في طريقة للتخلص من تلك المصيبة التي وقعت فيها.
اتجهت نحو غرفتها تفتح الباب لتناظر بعيون متسعة ذلك النائم بكل أريحيه فوق فراشها وكأنه يمتلك المكان فصرخت به:

– يا بجاحتك وكمان نايم قوم يا شيخ قامت قيامتك.

استيقظ الشاب في رعب مبررًا غفوته:

– تعبان ودايخ هموت يا كفرة ،روّحوني.

حركت شفتيها لليمين والشمال لتبصق كلماتها في غضب:

– ولما انت مش قد الشقاوة بتتنيل على عينك ليه؟

أمسك رأسه متأوهً قبل ان يخبرها:

– دماغي هتنفجر مني أنا لازم أروح لدكتور، جوزك جابلي ارتجاج في المخ.

– وماله انزل.

ردت “وسام” وهي تخبط بإحدى قدميها ارضًا في غضب وتوتر ليسأل الشاب في لهفة:

– بجد هو مشي؟!

– لا قاعد في الشارع على باب العمارة مستنيك بس لو حابب تنزل اتفضل.
ابتلع الشاب ريقه في ارتباك ثم صمت ليتأوه من جديد ممسكًا صدره، فقالت له “وسام” في شماتة:

– احسن عشان تحرم تيجي على ستات الناس،
المهم اسمع انا عندي فكرة فوق معايا كده وإياك تنام إنت فاهم دي فرصتك الوحيدة.

هز الشاب رأسه في موافقه واتسعت عيناه في ترقب وهو يستمع لمخططها.

*****

استقام “بيجاد” يلوي جسده لليمين والشمال في ملل وارهاق ثم صاح مرة أخيرة بصوت رج المكان:

– تليفونك ومفاتيحك معايا خليك بقى مستخبي زي الحريم.

اقترب منه صاحب المتجر المسن نسبيًا ليخبره:

– وحد الله يا ابني وخلاص ما انت اديته اللي فيه النصيب سيبه يمشي وخلصنا من الليلة دي،
ولّا يرضيك الرجالة دي قاعدة متمرطة وخايفين عليك تجيب أجله.

– وأنا مش هيكفيني فيه غير أجله يا عم أمين دي مراتي عارف يعني ايه مراتي!
ده انا هقطع صوابع ايده واحطها في عينه بأيديا دي.

– استغفر الله، يا ابني يعني هتودي نفسك في داهيه عشان حتة عيل مترباش؟

– على الأقل يتربى لكن وربي ما اسيبه يمر كده مرور الكرام ولو على جثتي!

قال بيجاد في حقد وغضب ليقطع حديثهم صوت وسام الهاتفة من الشرفة:

– بيجاد.

أسرع يطالعها في غضب لخروجها ومناداته وسط الطريق مشيرًا لها بالدخول لكنها أصرت على وقفتها وهي تزيد من الإشارة له بيدها كي يصعد.
زفر قبل ان يستأذن ويصعد إليها كي يوبخها لعلها تتعقل قليلًا، وحين وصل وجدها تقف على الباب في انتظاره ممسكه بطنها المنتفخة بملامح يشوبها الألم فأسرع نحوها في تساؤل:

– إيه مالك؟

– بطني بتوجعني ومتشنجه أوي.

أمسك “بيجاد” ذراعها يدفعها بخفة للداخل قائلًا في خوف وقلق:

– طيب واقفه ليه ادخلي ارتاحي على سريرك شوية.

– لا لا لا….

أسرعت وسام قائلة في نبرة عالية وحين نظر لها بتساؤل اقتربت منه بجسدها تستند برأسها فوق صدره قائلة في توتر تحاول كبحه دون جدوى:

– اقصد لا شكل النونو عايز يحس بيك مش أكتر،
تصدق بقيت مرتاحه وأنا قريبه منك كده.

ارتفع وجه “بيجاد” في ابتسامه خفيفة ليضمها إليه وقد نسى كل ما يغضبه ليخبرها في خفوت يوضح رضاه:

– عنده أصل، ابقي فكريني اجبله البسبوسه اللي بيحبها واحسن لك تاكليها للواد مرة واحده.

حركت رأسها مرات عده واصابعها تشتد حول جسده تقربه منها تستمد منه القوة لتفعيل مخططها، لكنها حاولت مرة أخيرة:

– ما تقفل الباب وأدخل كفاية ربنا يهديك، أنا مسامحه يا أخي.

– بس أنا مش مسامح.

قالها في انفعال وهو يبتعد للخلف عنها فضربت وسام على وجنتها مرة في غيظ حارق هاتفة:

– إنت عنيد ليه، أنا تعبت.

كاد ينسحب “بيجاد” من المنزل في هدوء يكظم غيظه دون اجابه فأمسكت بذراعه سريعًا قائلة في ارتباك:

– خلاص استنى كنت عايزة اقولك على حاجة.

– اتفضلي يا وسام.

التفت حوله تغلق الباب ثم وقفت قبالته مطالبه:

– ممكن تفضل معايا شوية بطني بتوجعني.

– ما قولتلك ادخلي اوضتك ارتاحي.

– هرتاح ازاي وانت قاعد تحت مستني تموت واحد!.

– وأنا مش هرتاح غير لما أفرفت عضمه ايه رأيك بقى؟!

صوت ارتطام طفيف قطع كلماته فرفع رأسه نحو غرفتها في تساؤل:

– ايه الصوت ده؟

– دي اكيد حاجه وقعت من على السراحه أصلي فاتحه الشباك.

– شباك ايه اللي يوقع حاجه؟!

سأل وهو يهم بالتحرك نحو غرفتها فوقفت وسام أمامه تنظر له بأعين متسعة مرتبكة فسأل في ريبة:

– هو في ايه بالظبط؟

اقتربت منه دون تفكير تلصق جسدها بجسده ثم وقفت على أطراف أصابعها ، وجد نفسه يميل كي يجاري تطلبها في شوق مطبقًا بذراعيه حولها يضمها نحوه أكثر.
ابتعدت وسام لثواني هامسة أمام ثغره وعيناها تتعلق بعينيه المسبلتين برغبته المحمومة:

– وحشتني ومحتاجه أحس بقربك مني يا بيجاد.

انفرجت أسارير وجهه واشتعلت عيناه بنظرة فرحة ناطقة لاعترافها وقد ارهقه عقابها:

– مش أكتر مني، كفاية بعاد انا بتعذب من غيرك.

أخبرها “بيجاد” في صدق وكل ذرة في جسده تكاد تنفجر في سعادة وأمل، فهزت “وسام” رأسها في موافقة لتتدفق الدماء في عروقه.
كاد قلبه الذي أخذ في الضخ داخل صدره بشكل قوي أن ينفجر في سعادة صادقة حين اقتربت منه تتعلق في عنقه مهاجمه بكل مشاعرها ليبادلها بأشد منه توقًا وهو يرفعها بين ذراعيه متحركًا نحو الأريكة فابتعدت تلتقط انفاسها هامسة في ارتباك خفي:

– لا في أوضتنا ….

هز رأسه دون ان ينطق كلمه فحلقه الجاف باحتراق مشاعره يمنعه من ذلك.
شدت وسام فوق عنقه تعيد رأسه نحوها ليذوب كالثلج بين ذراعيها….. كانت مثل انسياب الغيث الذي يهطل على صحراء قلبيهما فتزهر كل المساحات العطشة وترتوي بعد طول انتظار.

*****

ألصق الشاب المذعور أذنه بالباب الخشبي أكثر يستمع إلى همهمات الزوجين بالخارج ولسان حاله يتمنى نجاح خطتها كي يتمكن من الهروب على خير، دعا الله في سره واعدًا بتوبة انه لن يفعل ما فعله مرة أخرى لأي امرأة ابدًا.

اندفع في ترتر وخوف وهو يستمع لتهديدات بيجاد دون وعي فارتطم بسراحه الشعر الخشبية متسببًا بسقوط إحدى العلب الفارغة، زادت دقات قلبه في ذعر ونظر حوله مفكرًا في وسيلة في الهرب إن اكتشفه الرجل.
ولم يجد خلفه سوى النافذة العالية فكاد يبكي في مكانه وهو يتوسل ويرجو داخل قلبه بأن لا ينتبه وبالفعل حين عدت الدقائق عليه دون دخوله عاد للباب يستمع في هدوء تام ثم كاد يصرخ فرحًا حين استمع لصوت الباب المجاور يغلق.
فحسب خطة السيدة التي طالبته بالتنبه بأنها ستقنع زوجها بالذهاب للغرفة المجاورة وحينها سيكون عليه ان ينتظر ثلاث دقائق قبل أن يتسلل للخارج مغلقًا باب المنزل في هدوء خلفه وبعدها:

– تاخد ديلك في سنانك وتقول يا فكيك، إنت فاهم.

صدحت كلمات وسام في عقله ليجيبها في حماس على أي حال:

– فاهم والله.

وبالفعل بعد انتهاء المدة المتفق عليها تحرك في بطء وهدوء حتى وصل إلى باب المنزل ولم يصدق حظه الحسن بأنه خرج بالفعل ليطلق ساقيه للريح متجاهلًا ألامه فيركض دون توقف.

*****

انفتح باب الغرفة التي انعزل بها ريان طوال اليوم رافضًا رؤيتها أو تناول الطعام فخرجت من افكارها ورفعت عيناها تطالع هيئته الهائجة بريبه وانخلع قلبها من مكانه حين اقترب منها بصورة مباشرة فاستقامت مذعورة وتلاها في الذعر “عُمر” الذي وقف فوق الأريكة يتشبث بقوة في خصرها حين صدح صوت ريان الغاضب المختلط بشيء من الجنون:

– أنا حجزت تذكرة طيران ومسافر كمان ساعة.

تحرك صدر “ريم” للأعلى وأسفل تشعر باختناق يضعها في بؤرة سوداء بينما حدقتي عيناها تلتفتان لليمين واليسار في جنون يحمل اضطراب مشاعرها وقد رجت الصدمة كيانها فحاولت إطباق جفونها لتسترد أنفاسها، ثم قالت في صوت منخفض ضائع رغمًا عنها:

– هتسافر… هتسافر….هو …الطيارة…

لم تستطع إخراج جملة صحيحة من على لسانها وقد شعرت بضغط دمها ينخفض وبدأت شفتيها ترتعش دون وعي.
وكل ما يسيطر على تفكيرها هو انه يتركها من جديد،…
يعيد فتح ألامها وقتلها كعادته…
لا يراعي وجودها ولا قلبها الهائم في حبه….
فكبريائه لا يتحمل أن يعطيها مساحتها في رد بضعًا من أخطائه الجسيمة في حقها.
تسمر ريان في مكانه يطالع رد فعلها في تساؤل وارتباك فخف من حده ملامحه وهو يقترب نحوها ببطء وتروي يلامس وجنتها المبللة فقد انهمرت دموعها دون أن تشعر.
فرفعت “ريم” عيناها اليه تتوسل أمرًا هي ذاتها لا تعلم ما هو، هامسه في نبرة متعبة محمله بالاستسلام:

– هتسافر تاني يا ريان؟!

مرر ابهاميه يمسح عبراتها السائلة فوق وجنتيها يهدئها وقد بدء عقله يبدي استجابة مفسرًا سبب اضطرابها، شاعرًا بقلبه يتمزق لآلاف القطع لأنه السبب في كل الضعف والخوف المنبثق من عينيها فأجابها في نبرة متأثرة يقتلها الندم:

– إهدي، إنتِ فهمتي غلط،
ليان في مصيبة،
أنا هسافر وهرجع تاني متقلقيش يا عيوني.

اومأت “ريم” رأسها في حركة متوترة وكأنها تتمنى تصديقه، فحاول ريان إبعاد افكاره العنيفة التي تتملكه بسبب مكالمته مع ليان لأنه على ما يبدو فالقتل سيكون هوايته هو حين يلتقي بزوجها النذل وليس أخيه “بيجاد”.
هز رأسه يبعد سوداوية مشاعره ثم اقترب يقبل رأسها لينتبه إلى صغيرُه ذو الوجه الباكي في صمت فأخبره “ريان” في تعجب وهو يبعد إحدى كفيه عن وجهها ليمده نحو عُمر ملامسًا وجنته المستقرة فوق خصرها:

– عيب يا عُمر إنت راجل، بطل عياط.

– لا أنا مش راجل أنا صغير ومش عايز أسافر،
أنا عايز ابقى عندي ماما تفضل معايا زي صحابي كلهم.

أجابه عُمر في صوت مخنوق ببكائه فانفجرت ريم في بكائها بتأثر وقد ثقل قلبها في حزن مرير وكل ذكرياتها الكئيبة تعود لعقلها تواليه وكأنه سباق، وقد سرع انفجارها كلمات عُمر الصادقة التي لامست قلبها فهي تريد طفلها تحت رعايتها وهي أحق به من أبيه الظالم المستبد الذي لا يشعر بأمومتها ويسرقها منها مرة أخرى.
ضمت عُمر نحوها وسط ذهول “ريان” الغائب عنه مشاعرهما والذي ألجم الموقف لسانه لكنه حاول مردفًا:

– ريم ممكن تهدي بلاش عياط، أرجوكي.

ضمها “ريان” نحوه وهو يخرج صوتًا خافتًا من فمه كناية عن محاولته في تهدئه ريم التي صارت تهتز بالكلام بين ذراعيه.
شعر بالعجز والفشل لأنه لا يستطيع طمئنه قلوب أسرته المهتزة بفشلُه من البداية حين سمح لأحد بالتدخل في علاقتهم لخداعُة وهو سار خلف الأكاذيب والغيرة كالأبله..
بعد دقائق من جلد الذات حاول ريان السيطرة على انفعالاتها هي وعُمر، فزفر بقلة حيلة يحاول التفكير في حل يلجم به جماح خيالاتهم حتى لمعت عيناه في فكرة رائعة نعم مرعبة قليلًا بالنسبة إليه لأنه لم يفعلها قط لكنها كافية لكسب ثقتها من جديد،
فما فعله كان صعب وحقير ويتطلب منه الكثير والكثير ليكفّر عن ذنوبه.
ابعدها ريان قليلًا عنه ينظر لها قبل أن ينظر إلى صغيرُه المستقر بينهما ليخبرهما بابتسامة خفيفة:

– خلاص خلصتوا عياط، أنا اصلًا مسافر لوحدي وعُمر هيفضل معاكي كام يوم.

صرخ عُمر في فرحة حقيقية وهو يتثبت أكثر بخصر ريم الذي تعلقت عيناها بعيون ريان تشعر بالصدمة محاولة التأكد من صدق كلماته.

– بتتكلم بجد يا بابي.

لم يبعد ريان أنظاره عن ريم التي تطالعه كطفلة صغيره تائهة فابتسم على أمل إخفاء حده تأثره ليخبرهما في مشاكسة:

– بجد ده لو إنت هتفضل مؤدب ولو ريم موافقة ومعندهاش مانع؟

– هقعد مؤدب والله.

أخبره عُمر بينما كل ما استطاعت ريم ترجمته هي هزة سريعة قويه من رأسها توضح موافقتها وعقلها المرهق في تعب يرفض التأقلم مع من حوله،
نظر لها ريان مرة في قلق ثم نظر لعُمر قبل أن يتنهد قائلًا:

– يا جماعة مش كده، حرام عليكم نفسكم هتموتوا نفسكم من الزعل عشان أنا مسافر كام يوم بس!.

ارتفع جانب وجه ريم في شبح ابتسامه صغيرة ترغب لو تخبره انها بالفعل حزينة وتخشى غيابُه فداخلها مذبذب غير مستقر….ولطالما كانت… لكنه من دفع القوة فيها، قوة لم تعهدها إلا بعودته لحياتها من جديد.

اقترب ريان يلامس وجهها بينما يوجهه حديثه لعُمر:

– إدخل جوا يا عُمر عايز اقول لريم على حاجة قبل ما أمشي.

أومأ عُمر رأسه ببطء واتجه للداخل في توتر وكأنه يخشى القادم.

– أنا هسيب عُمر معاكي كام يوم لحد ما ارجع،
عارف إن دي مسئولية كبيرة عليكي بس انا مقدرش أثق في حد غيرك في الدنيا كلها.

رمقته بنظرة عتاب دون ان تنطق فأكمل وهو يمد يده يمسك يدها الصغيرة ويرفعها لفمه يقبلها رغم اعتراضها الواهي :

– أنا لازم أمشي دلوقتي، خدي بالك من نفسك وخدي بالك من عُمر.

– حاضر.

همست في ضعف تخفي الكثير والكثير من المشاعر المتناقضة والمتناثرة داخلها ولكنها حين تحرك سألت في لهجة أعلى مما تنوي:

– إنت هتسافر كده، فين شنطتك؟!

– مفيش وقت،
نظر إلى ساعة يده قبل أن تنكمش ملامحه في ضيق ليضيف:

– كان لازم أكون في المطار دلوقتي أساسًا.

تحرك نحو الباب فاتبعته في خطوات سريعة قلبها ينبض وتنفض في ذعر دون مبرر ولكن جرحها في الماضي أقوى مما يقوله ويخبرها به،
توقف “ريان” واستدار نصف التفاته يطالع وجهها الشاحب فتنهد وعاد خطوتين ليستقر أمامها ويضمها في عناق عميق حتى ارتفعت أصابعها عن الأرض بينما تبادله هي العناق تتعلق في عنقه بقوة وتخفي وجهها الممتلئ بدموعها في صدره.
مر الوقت عليهم كساعات طويلًا تعمّد فيها ريان وضع قبلات طفيفة فوق خصلات شعرها وجبينها وشعر بالأمل يكتنف صدره بأنها ستعود له عاجلًا أم آجلًا فهي تستحق منه أن يعطيها مساحتها ووقتها لتعود إليه.
رفع ذقنها نحوه ثم طبع قبلة طويلة فوق ثغرها المرتخي أسفل فمه تاركًا انفاسهما تختلط بضع لحظات قبل أن يبتعد يقبل وجنتها هامسًا:

– بَحبِك..

كانت تشعر بدقاتها في حلقها من شده الانفعال لكنها ابتعدت خطوتين في توتر دون ان تجيبه.

– احم…عُمر تعالى سلم عل…

لم يكمل ريان جملته حتى انطلق عُمر راكضًا من غرفته وكأنه كان جالس خلف الباب فابتسم ريان ابتسامة عريضة عندما حمل الصغير القافز بين ذراعيه يحتضنه بقوة قائلًا في مرح:

– لمعت الاوكره يا حبيبي ولا لسه؟

– يعني ايه يا بابي ما هي نضيفه اصلًا.

– لا يا حبيبي متشغلش بالك،
المهم إنت راجل البيت هنا في غيابي خد بالك من ريم واوعى تتعبها.

انهى جملته بجدية بعيدة عن المرح، فهز عُمر رأسه في فهم، سعل ريان وهو يرمق ريم بطرف عينيه قبل أن يهمس في أذن صغيره:

– حاول متخلهاش تنزل خالص، ولو الزفت التاني اتصل قولي لما ارجع،
واتصرف يا عُمر، فاهمني طبعا.

– فاهم فاهم لا تقلق لا تقلق…

أخبره عُمر بثقه وهو يحرك كفيه الصغيرين فوق كتفي والده فضحك ريان بينما يضعه ارضًا مقبلًا إياه قبله أخيره قبل أن يلقي عليهم السلام ليذهب إلى المطار وكل ذرة في جسدُه تحاربه للبقاء والاستفادة من ثغرة القبول التي اظهرتها زوجته العنيدة.

*****

بعد انتهاء طقوس العشق بينهما جلس “بيجاد” فوق فراشه يلتقط أنفاسه وقد خارت قواه من لقاءهما الحميمي الكاسح لمشاعره واضعًا زوجته الشبه عاريه بين ذراعيه يرفض التخلي عنها او ابتعادها ولو انش واحد.
عبث في خصلاتها بينما قابلته هي بلمسات مختطفه تعبث فوق صدره في استرخاء تام لم يعهد “بيجاد” منذ قررت معاقبته بالانفصال الروحي والجسدي عنه، تنهد في راحة و وَد لو يخلد للنوم وينسى الحياة وما فيها من شغب يومي…شغب..!

انتفض من مكانه محركًا معه “وسام” المرتعبة التي تسألت متعجبة تغيره:

– مالك يا بيجاد؟

– العيل المتني!
ده هيبقى يوم أسود عليا لو الواد مشي.

أبعدها عنه وهرع حول المكان يلملم ملابسه فاعتدلت وسام في جلستها بينما تغطي جسدها بالغطاء قائلة في غل:

– إنت زي ما انت مفيش فايدة فيك.

– خلاص يا ستي أنا مش هعمله حاجه عشان مزاجي رايق بس،
ابن المحظوظة انا راضي بالعلقة اللي ادتهاله،
بس يمين بالله ما ياخد عربيته غير لما يجيبلي ولي أمره.

قال ساخرًا فحركت رأسها بقلة حيله وقلبها يرتعش بتوتر بين اضلعها ودعت الله ان يكون الغبي الذي بالداخل قد هرب بالفعل.
وقفت هي الأخرى ترتدي ملابسها وقلقها يمنعها من ترجمة كلماته التي يرسلها اليها وهو يغادر، سمعت باب المنزل يغلق فانطلقت راكضه ما ان اكملت ملابسها وهرعت لتتفحص الوضع.
فتحت باب غرفتها وتنفست في راحه واضعه كفها فوق صدرها بينما تستند بجسدها المتراخي للخلف متمتمه:

– الحمدلله، عدت على خير.

*****

وصل بيجاد أسفل المبنى فلم يجد علاء في انتظاره بالتأكيد مل الصغير حين تأخر، اتجه نحو المتجر يناديه قائلًا:

-علاء هات الحاجة اللي معاك؟

-حاجة أيه؟

تساءل علاء مستغربًا فأخبره بيجاد بعفوية:

-مفاتيح عربية الواد وتلفونه.

-ما انا ادتهمله لما نزل يا كوتش.

امسكه بيجاد من ياقته في حده قائلًا من بين أسنانه:

-ادتهمله ازاي يعني، انا مش منبه عليك تناديني لو نزل؟

ارتبك علاء الذي أخبره في نبرة يشوبها الحيرة:

-مش أنت سيبته يمشي يا كوتش.

-سيبته يمشي يا كوتش!!!
انت سيبته يضحك عليك بالسهولة دي؟

-يضحك أيه بس، انا شايفه بعيني وهو نازل من شقتك..!

تسمر بيجاد كمن صعقه الرعد في مكانه ثم دفع علاء معه نحو أسفل المبنى قبل ان يدفعه بعيدًا عن مسامع الجميع قائلًا بنبرة حادة:

-انت بتقول ايه يا زفت انت، شوفته امتى وازاي؟

-بعد ما انت طلعت الحاج طلب مني اعمل حاجات وكنت خايف الحاجه تضيع مني،
وأنا طالع على السلم عشان ادهوملك لقيته طالع من شقتك ولما قربت منه قالي انك صالحته وخد الحاجه ومشي.

شعر بيجاد بالأرض تدور من حوله واصابعه تكاد تنكسر من شده قبضته لكنه جذب علاء أشد من اللازم نحوه مهددًا من بين أسنانه:

-أنا مش عايز كلمه من اللي انت قولتها دلوقتي تطلع لحد برا عني وعنك، أنت سامعني يا علاء!

حرك علاء رأسه بالموافقة وملامحه تعكس ارتباكه وحيرته.
تركه “بيجاد” واندفع كالإعصار الاهوج إلى شقته وكل ما يتملكه هو الغضب واحساس قبيح بالخيانة، موجه نحو شخص واحد فقط…. زوجته….

“فرط الحب”

الفصل الرابع عشر

-انتي فين يا ماما؟

سألت وسام الحانقة فأجابتها والدتها موبخه:

-في الطريق خلاص خمس دقايق وهبقى عندك.

-ماما انتي في الطريق بقالك ساعتين، دي لو خالتي جيبالك عريس مش هتعملي كده.

-بطلي لماضه وقله أدب واتنيلي اقفلي،
محمد ابن خالتك موصلني جهزي نفسك عشان تسلمي عليه.

أغلقت “وسام” الهاتف في تذمر فدونًا عن كل الأيام تختار والدتها اليوم لزيارة شقيقتها منذ الصباح الباكر، خرجت منها صرخة طفيفة وانتفضت في رعب تملك كل ملامحها عندما أغلق “بيجاد” الباب بقوة هزت جدران المنزل معلنًا عن دخوله.
ولكن ما جعل فرائصها ترتعد في خوف هي عيناه المخيفة المشتعلة بنيران الغضب.

-كنتي مخيباه في بيتي؟

خرج صوته غريب كالفحيح وهو يتحرك نحوها فتصلبت في مجلسها غير قادرة على التنفس لا تصدق إنه اكتشف الأمر بهذه السرعة.
اقترب منها وهبط لمستواها واضعًا وجهه الجامد صوب وجهها الشاحب مستكملًا في غموض:

-كنتي مخبياه ليه؟

لمعت عيونها بالدموع وارتعشت ملامحها مهددة ببكائها السريع، ولم تستطع اجابته حتى لو رغبت لم تكن لتقدر فحلقها جاف ممتلئ بطعم العلقم المر ونفسها ضاق حتى صار من الصعب عليها سحبه لرئتيها:

-آآآه.

خرج منها تأوه يعبر عن ذعرها عندما ضرب بكفيه على مسندي مقعدها صارخًا في وجهها:

-ردي عليا، مش بتردي ليه؟

-أنا كنت خايفة عليك.

خرجت جملتها مهزوزة بمشاعرها ومختلطة ببكائها بينما تحيط ذراعيها فوق صدرها في ارتعاب واضح.
دوت ضحكته الساخرة المكان وهو يستقيم فتابعت وسام عضلات جسده المشنجة الصارخة بعصبية بالغة قبل ان يمد ذراعه نحوها ليوقفها في مكانها في حده هاتفًا في استنكار:

-ياه قد أيه أنتي عظيمة وبتحبيني،
بتحبيني لدرجة انك تستغفليني وتخليني زي العيل الصغير قدام الناس كلها.

بصق كلماته المليئة بالحقد في وجهها، فتعلقت عيون وسام المصدومة بملامح الاشمئزاز فوق وجهه لتخبره في دفاعية هشة كالمجنونة لا تعي ما يخرج من فمها من شده ارتباكها:

-أيوة عملت كده عشان بحبك،
وانت اللي خلتني الجأ لكده بوحشيتك وهمجيتك..

زاد ضغطه فوق ذراعها دون أن يشعر وقد الهبه حديثها فانتقلت عيناه من أسفلها لأعلاها ليعلن في استحقار وندم:

-مهما حبيتك او عملتلك هفضل بردو متوحش وهمجي في نظرك.

دفعته وسام المتألمة بفعل أصابعه دون جدوى فصاحت في وجهه في اعتراض وقوة تخالف دموعها الملطخة لوجنتيها:

-حب؟
فين الحب ده يا بيجاد؟
انهي حب يخليك معيشني في جحيم اني ممكن افقدك في اي لحظة.

كان يطالعها بخيبة أمل وكأنها خانت ثقته فيها بكلماتها تلك، فاندفعت تمسك تلابيب ملابسه في غضب بعد أن هالها عسر موقفها فبدأت أعصابها تنفلت مزمجره:

-ايوة خبيته منك وهكررها ألف مرة طالما انت أناني وحيوان.

دفعها “بيجاد” بعيدًا عن جسده في قوة أكثر مما ينوي عادت بسببها وسام المصدومة خطوتين للوراء، كان عابسًا يتصبب عرقًا من فرط الغضب لكلماتها المستفزة.
فكان كمن أصابه سحر أسود يتحكم به فلا يري من يشاحنه بل ما يراه ويسمعه هي الخديعة والخيانة وهي بكل غباء تشعل أسوأ شياطينه.
علا صوته المستنكر وهو يجذبها من ملابسها نحوه وكأنه لم يدفعها بعيدًا عنه منذ ثوان:

-أناني وحيوان؟!
مخبية راجل في بيتي وقاعده معاه لوحدكم من الصبح ويا عالم كنتوا بتهببوا ايه وانا الاناني وحيوان ده أنا هموتك بأيدي!.

-أخرس خالص متكملش، إياك تفكر فيها او تتهمني بحاجه زي دي يا بيجاد، لانها بجد هتبقى باللي بينا…

-باللي بينا؟
واحنا في ايه بينا غير ضحك على الدقون،
من يوم ما عرفتك وانا بخدع نفسي وبخفي طبيعتي عشان أقدر اتعامل معاكي كأنك ورقة خايف عليها تتكرمش في ايدي،
عمري ما حسستك بالوجع من اهانتك ليا أو بالغضب اللي بيدمرني كل ثانية من جوايا.

هزها “بيجاد” في عنف كأنه يدفع بكلماته الصلبة داخل عقلها، وهو ذاته غير قادر على وصف النيران التي تضغط فوق صدره وتحول روحه إلى رماد.
تجاهل “بيجاد” المغيب تأوهاتها المتألمة في اعتراض مستكملًا في بغض:

-ولما حبيتك، كافئتي حبي بأية؟
انك تستغلي حبي ليكي عشان تخدعيني وتستغفليني !!

صرخ في نهاية جملته بنبرة قاتلة حامله كل ما يشعر به من ألم وتحطم:

-استغفلتيني عشان بحبك وأنا زي الحمار جريت على حضنك من غير تفكير زي العيل الصغير.

-أفهمني عشان خاطري، والله عملت كده عشان بحبك.

همست مبررة لهجة مذبذبه مليئة بمشاعرها المضطربة المتناثرة لليمين والشمال ما بين التوسل والغضب عليه.
فخرجت منه ضحكه ساخرة وهو يتركها تتخبط في استنكار من كلماته، عائدًا ببطء للخلف هامسًا للفراغ في مُقت:

-انتي كسرتي رجولتي جوا نفسي.

تقدمت منه رغم التشنج القابع داخل معدتها تبكي مستنكرة شاعرة بالظلم فهتفت كمن تلبسها الجنون:

-دي مش رجولة مش لازم اسيبك تعمل اللي في دماغك عشان تبقى راجل.
الرجولة إنك تخاف على نفسك عشان اللي منك زي ما الراجل اللي كسرت عضمه عمل عشان خايف على نفسه وعلى أهله.

عض شفتيه يشعر بكل ذرة تعقل تنتفض هاربة من جسده ليسأل في استهجان غير مبالي بصوت الدقات الصادحة بشكل متوالي فوق باب المنزل الخشبي:

-أنا مش راجل وهو اللي راجل مش كده؟

اقترب منها في خطوات مهددة بينما تبتعد هي عنه متجاهلة صوت والدتها المنادي من الخارج مستكملة في عنادها:

-أيوة مش راجل عشان..

صرخت في ألم عندنا اندفع نحوها وانغلق كفه خلف رأسها يجذب شعرها في غضب هاتفًا:

-أنا مش راجل فعلًا عشان اتجوزت واحدة خاينه زيك.

صدحت تحذيرات والدها داخل عقلها فتحركت دن تفكير، فرفعت ذراعيها في مدافعه غريزية تلاطم جسده في غضب وهجوم مماثل لاقترابه متناسيه انتفاخ بطنها ومتناسيه عواقب غضبه الهادر بينما تصرخ في وجهه:

-والواحده الخاينة دي مش عايزة واحد مش راجل زيك.

شد خصلاتها أكثر يحاول كبح حركاتها حتى تقابل كفها مع وجهه، فلم يشعر “بيجاد” سوى بيده ترتفع وتستقر فوق وجنتها في صفعه مدوية حركت كامل جسدها ليتقابل مع الحائط جوارها.
وقف الزمن بينهما ومرت الدقائق عليهما متثاقلة كأنها ساعات، كانت الدماء تفور في جسد “بيجاد” وتتصاعد في حرارة كأنين في أذنيه.
فوقف لاهثًا لا يرى أمامه سوي هيئة زوجته المنكمشة في ذعر ووجهها المصدوم بينما أصابعها لتغطيه وجنتها المطلية بلون أحمر غاضب بفعل صفعته، ثم تابع كفها الاخر يستقر فوق بطنها في خوف صريح وكأنه وحش كاسر سيمزقها هي وجنينها.
انغلق حلقه باختناق يشعر كمن يسقط من فوق الهاوية، فأخيرًا انتصرت زوجته ووالدها لأنه أقتنع تمامًا في هذه اللحظة إنه ذلك الكائن المتوحش، عديم المشاعر والرحمة التي تصفه به دائمًا، ذلك الكائن الأعمى بالغضب، الذي يستحق الحب أو الحياة مع أحد.
انفرج باب البيت في قوة فقد زعزع الصمت الذي ساد بعد صراخهما مخاوف والدتها التي دفعت بأبن شقيقتها لكسر الباب، ليندفع منه “محمد” بعد محاولات إلى الداخل وخلفه والدتها الراكضة نحو ابنتها في ذعر متسائلة:

-وحدوا الله يا ولاد، انا دمي اتصفى من صوتكم اللي جايب أخر الشارع.

لامست ابنتها تتفحصها ثم انتقل نظرها فوق وجهها الباكي المتعلق بزوجها “بيجاد” الذي لم ينزح بنظره الغامض عنها هو الآخر فهمست مرتعبة:

-يا حوستي، حصل أيه يا ولاد؟

تركت ابنتها التي لم تفييدها أو تنطق بحرف ثم اتجهت نحو “بيجاد” المتشنج في صمت، متسائلة وحدسها يخبرها بكارثة قادمه:

-في ايه يا بيجاد؟

-طلقني….

خرج صوت “وسام” بلهجة غريبة منخفضة موجه في تعب نحو “بيجاد”:

-لو راجل بجد طلقني!

-انتي طال…

وضعت والدتها كفها فوق فمه تمنع كلماته مولوله في صدمه:

-اخرسي يا بنت الموكوسة،
اعقل يا حبيبي ووحد الله، فكر في اللي في بطنها دي واحده صايعة.

أبعد بيجاد يدها عن فمه قاذفًا بينما يرمق زوجته باتهام:

-أنا وبنتك مش نافعين لبعض يا خالتي.

انفجرت وسام في صرخاتها وعلا صوتها بكلمات بذيئة معترضة متتالية غير مفهومة وقد خرجت عن طور عقلها مع اقتراب مخاوفها فأقترب محمد منها يمنع حديثها بوضع يده فوق شفتيها كي لا يزداد غضب “بيجاد” بجنون كلماتها فيقتلهم جميعًا.
إلا أن “بيجاد” اندفع نحو محمد يجذبه في غضب ضاربًا بجسده في الحائط صارخًا في وجهه:

-متمدش ايدك عليها.

-اهدي يا بيجاد هو ميقصدش.

بررت والدة وسام التي ضربت كفاها فوق صدرها في خضه قبل أن تلتحم معهما تحاول إبعاد أصابع “بيجاد” من حول عنق ابن شقيقتها التي كاد يفقد أنفاسه:

-ولا يقصد يا ماما ده بني ادم مريض نفسي، مجنون مفيش فايدة منه انا بكرهك يا بيجاد خلاص وبكره اليوم اللي شوفتك فيه،
أبعد عني وأبعد عن حياتنا اللي دمرتها.

صرخت وسام في اتهام فدفع “بيجاد” جسد قريبها عنه وقد انطلقت كلماتها كالسهام السامة تخترق جدران قلبه، فتراجح للخلف بأنفاس لاهثه ومشاعر عنيفة ثائرة داخله كالبركان.
أغمضت عيناه يخفي احمرارها المجنون ليلتفت بعد ثوان في استسلام نحو باب المنزل مغادرًا في صمت بقلب منطفئ، فأسطورة الوحش انتهت حين التهمته نيران الاحبة.
فتحت وسام شفتيها لإخراج مزيد من الكلمات لكن كل ما خرج منها هو أنفاسها العالية حتى انفجرت في البكاء صارخة في غضب مجنون حتى سقطت أرضًا فاقدة للوعي غير قادرة على تحمل منحنيات الواقع.

*****

بعد مرور أسبوع فاقت أيامه كآبة الزهور في الخريف، وصل “ريان” أرض مصر أخيرًا ممسكًا بأصابع شقيقته “ليان” النحيلة خارجًا بها من المطار باحثًا عن سيارة أجرة تعيده إلى طفليه وقد كان يشعر باشتياق شديد لكليهما وكأنه غاب سنوات طويلة.

-تاكسي.

رمق جسد شقيقته التي القت رأسها بجانب نافذة السيارة مغمضة عينيها في تعب وارهاق واضح ما ان استقلا السيارة، جز على أسنانه يكبح غضبه من الاشتعال وهو يطالع الآثار الحائرة بين الحمرة والزرقة المغطية لجانب وجهها بفعل لكمات نادر الحقير!
زفر في غضب فحتى بعد أن لقنه درسًا قاسيًا لا يزال يشعر بالغضب يندلع في صدره كلما رأى الشقاء في عيون شقيقته، فعلى ما يبدو انه غير قادر على حماية أحد من أحباءه ويفشل بجدارة في تلك الأمور.
مال جانب فمه لأسفل كان عليه الإجابة على مكالماتها فمهما فعلت لا تزال ليان شقيقته الصغرى التي تقيم في الغربة وتحت سيطرة رجل غريب حتى وان كان زوجها.
الله وحده يعلم ماذا كان سيحدث لها ان لم يرسل صديقه لنجدتها حتى يصل إليها، ولن ينسى ابدًا شعوره عند رؤيته لوجهه المكدوم في المشفى فقد تملكه الذنب كالوحش يأكله من كل الجوانب.
شعرت ليان بنظرات شقيقها المشفقة فاستمرت في تصنع النوم كي تتفاداه، تشعر كأنها عادت طفلة صغيره لا حول لها ولا قوة من جديد، بل تشعر كطفلة مشاكسة لا أحد يرغب في مرافقتها أو الاقتراب.
هي لا تستحق مساعدته بعد أن خدعته لكنه كان أول شخص لجأت إليه حين هجم عليها نادر مفرغًا شحنه غضبه عليها لأنها ساومته على تقليل المبلغ، ليتركها الجبان هاربًا حين سقطت مغشيه عليها وسط دمائها، تركها تموت وحيدة دون اهتمام.
حاولت تنظيم تنفسها كي لا ترتبك مشاعرها وتبدأ في البكاء من جديد فقد فعل لها شقيقها ريان الكثير حين حرص على أخذ حقها فلم يعود بها إلا ومعها ورقة طلاقها رسميًا من نادر الذي رضه لمطلب شقيقها الذي أغراه بضعف المبلغ المتفق عليه بينها وبينه.
وبالفعل أعطاه ريان المبلغ ولكنها شعرت بشماته ورضا وهي تتذكر ما اخبرها به صديق ريان الذي أوصلها للمشفى بأنه ما ان اعطاه ورقتها حتى هشم ريان وجه نادر تمامًا كما كاد يفعل في وجهها.
رفعت أصابعها دون شعور تلامس جانب وجهها تتذكر رغمًا عنها كيف أمسك شعرها وكرر ضرب رأسها في الباب بجنون لأنها رفضت اقترابه منها مشمئزة وهو يساومها على الأموال الناقصة.

-تاخدي مسكن تاني؟

فتحت عيناها بتلقائية لكنها لم تنظر نحو شقيقها الذي ترجم اشمئزازها على إنه موجه ألم لكنها اكتفت بهز رأسها بالنفي هامسة:

-لا مبقتش توجع زي الأول، أنا اسفة تعبتك معايا.

أغمض ريان جفونه ثم حرك رأسه في قلة حيله وهو يسمع نبرة الانكسار في صوت شقيقته، مد ذراعه يقربها منه ليضمها بنصف جسده قائلًا في صدق:

-أنا اللي أسف لأني مقدرتش ألملم نفسي بسرعه واسامح.

هربت عبراتها الصامتة عندما شعرت بدفء أخويته فمدت ذراعها تضمها إليها في قوة وحاجه سامحه لذاتها بالبكاء بين ذراعيه لأول مرة منذ الحادثة.
مرر ريان أصابعه بين خصلاتها يربت على رأسه تارة وعلى ظهرها تارة حتى هدأت وعاودت الاعتذار:

-انت ما تستحقش مني لا أنت ولا ريم اللي عمل…

قاطعها ريان وهو يقبل جبهتها مؤكدًا:

-الموضوع ده تنسيه من دماغك، أنا خلاص نسيته وحابب اننا نتخطاه عشان نقدر نكمل حياتنا صح،
هتبقي عملتيلي خدمة كبيرة لو عملتي كده، ممكن؟

ابتسمت في حزن لكنها حركت رأسها في موافقة وتمنت لو يكون الأمر بهذه السهولة، تتمنى لو تعود ليان الصغيرة الخرقاء التي ظنت نفسها تعسه.
كم هو غريب الإنسان فهي تشتاق لتلك الليالي التي امتلكت فيها السعادة دون أن تشعر وكانت تظن وقتها انها من التعساء، لا تعلم كيف غفلت “ليان” لكنها استيقظت حين هزها ريان قائلًا:

-يلا وصلنا.

نظرت حولها ثم اتسعت عيناها في ذعر لتخبره:

-ده بيتك انت وريم!

-ايوة، مالك في أيه؟

حدثها ريان في تعجب فأجابته:

-أنا كنت فاكرة هقعد عند بيجاد؟

-لا هتقعدي معايا الفترة دي وبعدين قرري عايزة تقعدي مع مين.

جذبها ريان من السيارة كي ينطلق السائق بعيدًا بعد أن فرغ حقائبهما وبعد ان حملها ريان وتحرك للمبنى نظر خلفه ليجد شقيقته تقف مكانها كالتمثال فسأل:

-مالك يا ليان؟

امتلأت عيونها بالدموع وهزت رأسها في رفض معلنه:

-عشان خاطري يا ريان مش هقدر اشوفها بعد اللي عملته فيها.

-انتي عارفه ريم كويس يا ليان مش هتعملك حاجه، تعالي نطلع دلوقتي وبكره هنتكلم في الموضوع أكتر.

-ريان…

حاولت من جديد فقاطعها ريان بشيء من الحده:

-ليان خلاص دلوقتي الساعة اتنين الفجر،
واحنا جايين طيران فوق العشر ساعات ومش شايف قدامي خلينا نطلع نرتاح الأول وبكره يحلها الحلال.
اخفضت ليان رأسها وانطلقت باستسلام خلف شقيقها، خائفة وبائسة فقد كانت ولا تزال الشرير في رواية ريم، هي بدئت الخديعة والجبن ولا تستحق منها سوى الاستحقار لكنها لن تتحمل نظرة العتاب والقهر إن رأتهما في عيون ريم.
صعدت خلفه تضع خطوة بعد الاخرى في ثقل وكأنها متجهه لنهايتها، تشعر بالقُبح والذنب وترغب في الهروب، وقفت تتابع ريان يفتح الباب ليتقابلا بالظلام والهدوء عدى ضوء خافت قادم من بعيد.
حمدت الله انهم نائمين ودلفت خلفه في هدوء بقلب يدق في توجس، اشار لها ريان بالبقاء في الردهة ثم انطلق يتفحص غرفة ريم ليتفاجأ بها وصغيره نيام فوق الفراش، أغلق الباب في خفة واشار لليان لاتباعه نحو غرفة عمر هامسًا:

-تعالي نامي في أوضة عمر، هما نايمين هنا.

تحركت في سرعة خلفه وهي تفكر بأن الأمر ليس بهذا السوء ربما ان اغلقت الباب عليها لن ترى أيا منهم حتى تذهب إلي منزل أخيها الأصغر، تنفست في بطء متعجبة كل هذه الحيرة والتيه المتملكان لمكنوناتها، لقد خدعت نفسها بالنضوج المبكر وبانها قادرة على المواجهة وحدها بنصاحة أفكارها…

فإلى أين أوصلتها أفكارها الرهيبة الآن ؟

فكرت ساخرة وهي تغلق الباب وتناظر الغرفة من حولها في حزن وقد عاد لذاكرتها تفاصيل خيانتها من جديد.

*****

-يا بنتي بالله عليكي كلي حاجة، أنا مش هفضل في الهم ده كتير كفاية عليا هم بيجاد.

قالت والده وسام في حرقة، فالتفتت وسام تبعد وجهها الشاحب كورقة بيضاء مزينه بدوائر سوداء حول عيناها وهي تحرك أنامله فوق بطنها المتألمة بعد أن تملك قلبها انقباض قاتل ما أن سمعت أسم زوجها لتخبرها وسام في حزن:

-لا ما تقلقيش عليا يا ماما.

-بنت انتي عنيده زي ابوكي ليه؟

-هو محمد راح الجيم انهارده؟

سألت وسام مغيره محور الحديث فلوت والدتها شفتيها في خيبة أمل مؤكده:

-ايوة بردو مقفول زي ما هو من أسبوع وبيجاد مالوش أثر.

رفعت وسام يدها فوق عينيها تخفي الدموع التي انهمرت في قهر وقلق، فزفرت والدتها مستغفره الله ثم ربتت على ابنتها مواسية بقولها:

-وحدي الله واهدي وان شاء الله خير، متعرفيش اخوه هيرجع امتى؟

حاولت وسام تجفيف دموعها وهزت رأسها بالنفي مردفه:

-لا كلمت ريم وقالتلي مكلمهاش غير مرتين مرة من المطار ومرة من المستشفى،
ومش عارفة عنه حاجة عشان في مشاكل مع اخته ولسه مفضاش يكلمهم.

-عيني عليك يا بيجاد يا ضنايا، مالكش حد في الدنيا.

تمتمت والدها في قهر وهي ترمق وسام عن قصد فأبنتها أخطأت ويتوجب عليها كأم تنبيهها إلى أفعالها كي لا تكررها من جديد، نظرت لها وسام في غضب لتخبرها في غيظ:

-ماما متبوظيش أعصابي، أنا متمرطة نفسيًا اصلًا.

-أحسن تستاهلي، بقى في واحدة متربية تعمل كده وتقول الكلام الزفت ده لجوزها يا مؤمنة.
وأنا اللي كنت فاكرة نفسي مربياكي أحسن تربية، أخص عليكي.

-يا ماما أرجوكي كفاية، أنا مغلطش لوحدي هو كمان مد ايده عليا وانا بطني مليانه.

-طيب يمين بالله لو انا مكانه لكنت كسرت كل عضمه في جسمك وما همنيش اللي في بطنك حتي،
عشان تبقى تخبي رجاله غريبة في بيتك يا صايعة.

أخبرتها والدتها وهي تجز على أسنانها محركه كفها كتأكيد للعنف الذي يعتريها فهتفت وسام التي توشك على البكاء من جديد:

-يا ماما حرام عليكي بقى كفاية عرفت اني غلطت أكتر منه،
ممكن نركز في اللي حنا فيه ونلاقي الأول!

-ولما انتي هتموتي نفسك عليه كده، بتغلطي ليه؟

-يوووة.

قالت وسام في حرقة وقلبها يتمزق في ندم وخوف على زوجها المختفي منذ أسبوع كامل ولا أحد يعلم إلى أين ذهب.
عادت بذاكرتها إلى ثلاثة أيام ماضية حين كانت غارقة في بغضها عليه مفكرة كيف ستتعامل مع الموقف مصره على فكرة الانفصال في عناد، لتتسرب أفكارها حين دلفت عليها والدتها تخبرها وقد ارهقها الصمت بأن بيجاد لا وجود له منذ طردته.
وقتها صدمتها والدتها باختفائه وحاولت وسام التريث وعدم التفكير في الأمر والتركيز على مشاعر الغضب والنقم عليه، ولكن بعد مده من بحث ابن خالتها ووالدتها وانغلاق هاتفه ليومين كاملان تملكها الرعب والتوجس.
فهي تخشى على زوجها من جنون أفعاله وتلوم نفسها لأنها لم تستطع لجمه أو التعامل معه بشكل جيد، تكفي كلمات والدتها المحللة والساخرة لتقتنع بأنها حطمت قلبه كليًا.

-جربتي تتصلي بيه؟

خرجت من أفكارها على سؤال والدتها فحركت وسام رأسها للأعلى وللأسفل قائلة:

-اه أول امبارح اتصلت عليه خمس مرات.

-من تلفونك؟

-لا من تلفونك انتي، معيش رصيد.

ضربت والدتها بكفيها فوق بعضهما أمام وجهها وكأنها ترغب في اللطم مستنكره:

-مستنيه أيه يعني، ما تتنيلي على عينك اشحني واتصلي يمكن يرد عليكي انتي!

-الله مش هو اللي مش بيرد، مجاش في بالي اصلًا، بطلي تزعقيلي!

-يا ميلة بختي يا اني يا امى ووكستي في بنتي،
وقفت تجذب حجاب الصلاة قائلة من بين أسنانها:
-هنزل ابعتلك رصيد واتصلي بيه أول ما يوصل انتي سامعة،
ولو رد وتتأسفي وتراضيه وتبوسي ايديه كمان … فاهمه!

كانت لهجة والدتها أمره وكأنها طفلة صغيرة تؤنب على أخطائها، فهزت رأسها في موافقة لأنها ستفعل كل ما يطلبه منها الأمر كي تسمع صوته فدقات قلبها تتوق إليه، شعرت بغصة تقبض قلبها فهي تشتاق لزوجها كثيرًا وترغب لو تركض بين ذراعيه متوسله معتذرة عسى أن يسامحها.

-يارب ترد عليا وتريح قلبي.

همست في خفوت فلا أحد يشعر بذلك الإحساس المتملك لجوارحها، أو بشعور الذنب المحاوط لأفكارها كالسجن الممتلئ بشتى ألوان العذاب، فهي ستموت حرفيًا إن فقدته وقرر الابتعاد عنها لأنها بالتأكيد تستحق هذا العقاب الشديد منه….
عضت شفتيها في قهر، ودعت الله أن يحفظ حبها داخل قلبه كما يحفظ حبه داخل قلبها…. فهي مجنونة وتفوق زوجها جنونًا وقت غضبها لكنها نادمة … نادمة بشدة.

“فرط الحب”

الفصل الخامس عشر

خرج ريان من المرحاض بجسد غارق في التعب والإرهاق، لا يزال مبلل برذاذ الماء من حمامه البارد إلا أن ذلك لم يمنع الابتسامة الكبيرة التي ارتسمت على وجهه المشاكس في لهفه أثناء اقترابه من زوجته النائمة كالملائكة، طالع جسد صغيره المبعثر في كل اتجاه جوارها واتسعت ابتسامته وكم يتمنى النوم والصحو على هذا المشهد كوال العمر.
مسح رأسه وأعلى صدره مرة أخيره بالمنشفة قبل ان يلقيها ويستلقي ببطء بجوارها في رضا كمن أمتلك الحياة.
انكمشت ريم ما أن لامسها بجسده البارد نسبيًا فتابع القشعريرة التي سرت في سرعة بجسدها الصغير وملئت عنقها الرائع المغري لكنها ضغطت فوق جسد عمر تقربه منها مطالبة بالدفء.
خرجت منه ضحكة خفيفة بعد أن عانقها يقرب جسدها منه بعيدًا عن طفله في رغبة شريرة بطفوليه لامتلاكها وحدة فعمر ينعم بأحضانها منذ زمن، استقر برأسه فوق عنقها يستنشق رائحتها على أمل ارضاء الشوق المشتعل داخل صدره.
وتنهد بحرارة لقد أشتاق لها بجنون وكأنها المرة الأولى التي يبتعد فيها عنها.
رفرف قلبه بعد مرور دقائق ساكنة حين دفعت بظهرها نحوه مستمتعة بالحرارة المستجدة التي ألهبت جسده ما ان أقترب منها، فرفع ذراعه الذي لا يزال ملفوف حول خصرها ليضع كفه أسفل رأسها يرفعه نحوه قليلًا قبل أن يميل ويطبع قبلات صغيرة مبعثرة فوق وجنتها.
تململت ريم لكنها لم تستيقظ حتى حين استقر بشفتيه فوق عنقها يدمغها بأشواق قبلاته الحارة ا، تحركت منزعجة من حرارة تلك الأنفاس التي تداعب أسفل أذنها لكنها لوت عنقها في تطلب وهي تشعر بفمه يداعب مشاعرها مطالبة بالمزيد ولم يبخل هو.
تأججت نيرانه بقوة فمرر ذراعه الاخر من أسفل كتفها كي يضغط بكلا ذراعيه حول جسدها فيحتويها أكثر داخل أحضانه في غرام وشعر بسيطرته تنساب مع الرياح فتنهد هامسًا بين قبلاته:

-ريم…

-امم..

خرج أنينها كالموسيقى فضغط على جسدها أكثرًا لاثمً عنقها بقبلة قوية أخيرة مؤكدًا بأنفاس لاهثة غير قادر على إبعاد شفتيه عن بشرتها الناعمة:

-اصحي قبل ما نروح في داهية عمر جنبنا.

انفتحت جفون ريم تطالع الغرفة امامها في ذهول ثم قطبت حاجبيها في تعجب تحاول التركيز لاستيعاب ما يحدث خلفها:

-انا رجعت من السفر.

همس ببطء، فأفرجت عن صراح حاجبيها وشهقت تلتفت نحوه قائلة بصوت يشوبه النوم وهي تلامس وجهه تتأكد انها لا تحلم به كما كانت تفعل طيلة الأيام الماضية:

-ريان انت رجعت بجد؟

-وحشتيني…

ارتمت ريم في احضانه دون تفكير تعانقه في قوة ثم قالت في عتاب:

-لو وحشتك كنت اتصلت بيا، اقصد بعمر أصل انت كنت واحش عمر أوي.

-معلش مكنش عندي وقت اجيب شريحة جوال، بكره هفهمك كل حاجة،
وبعدين عمر بس اللي كنت واحشه؟

-وليان عملت ايه؟

قالت في حرج تغير الموضوع وهي تبتعد عنه قليلًا لا تريد الخضوع والاستسلام سريعًا، فصمت يطالع عيناها القلقة قبل ان يبلل شفتيه مخبرًا إياها:

-اتطلقت من جوزها ونزلت معايا.

-نزلت معاك مصر.

سألت بتلقائية بلمحة حزن فجزء منها شعر بعدم راحة لأنها مقتنعة بأن ما حدث لليان كان عقاب غدرها، سعل ريان قبل ان يرد في توتر:

-في أوضة عمر.

اتسعت عيون ريم التي اشتعلت بمشاعر جمه غير قادره على تحديدها ولكنها بالتأكيد ليست سعيدة، انتهت صدمتها سريعًا قبل أن تدفع كتفه تحاول إبعاده عنها ليردف في تعجل:

-أنا عارف انك زعلانة منها بس دي أختي والظروف جيت عليها جامد،
انتي شايفة كان ينفع اسيبها وهي محتاجاني؟

-حاجة متخصنيش، أعمل اللي تعمله.

أجابته في حده وقد بدأت مشاعرها في التخبط فهي لم تتوقع ان تأتي المواجهة أقرب مما تتوقع فعوده ليان يذكرها بقبح فعلتها وتدميرها لحياتها، حاولت ريم الإفلات من بين أصابعه المطبقة على جسدها لكنه رفض مؤكدًا:

-طيب ممكن ناخد بريك انهارده وننام، والصبح هخليها تمشي لو ده هيريحك ؟

عقدت حاجبيها ترمقه في غضب وحنق لأنه يعلم جيدًا انها لن تتركه يطرد شقيقته من منزله وقت محنتها حتى وان اذتها بشدة.

-يخربيت الطيبة اللي في دمك دي.

قال ريان بنبرة مرحه مستمتعًا بمشاعرها الفياضة ثم قرب وجهه منها عنوة يحاول تقبيلها فجزت على اسنانها قائلة:

-ريان متستفزنيش، دي مش طيبه انا بس انسانه طيبعيه أكيد مش هخليك ترمي اختك!

قرب شفتيه يحاول ملامسه شفتيها فسارعت بإخفاء رأسها في صدره هامسة في رفض:

-ريان، ممكن أفهم انت نايم جنبي ليه؟
يعني هو في حاجه جديدة فاتتني في علاقتنا؟

-شكلك مكنتيش حاسه بنفسك ولا ايه،
انتي اللي اول ما جيت قولتيلي خودني في حضنك يا ريان وحشتني يا ريان، بوسن…

اخبرها ريان في مشاكسه بينما يحرك ذراعه في الهواء يعبر عن هول أفعالها، فوضعت كفها فوق فمه تمنع حديثه الوقح بوجه أحمر ليقبل الوقح كفها مرات متتاليه حتى هربت منها ضحكاتها ناتجة عن دغدغاته لتوبخه:

-ريان، بطل هزار.

ابعد كفها ومال دون انذار سارقًا انفاسها في قبلة عميقة يبث بها مشاعره لها ثم أبتعد متنفسًا بالندم هامسًا:

-اعملي نفسك بتحلمي وسبيني انام كده وانتي في حضني.

لم تعارضه ريم وقد انقطعت انفاسها بسحر غرامه وذاب المنطق خلف جفنيها فتركته يضمها إلى احضانه غير قادره على الحركة او الاعتراض.
همهم ريان في رضا واغلق عيناه مطالبًا النوم في سلام بينما أغمضت هي جفونها تشعر بالأمان اخيرًا منذ أيام.

*****

في الصباح الباكر جلس أحمد فوق مكتبه يهز ساقه في عنف وتوتر وكل دقيقه تمر عليه تؤكد له بأن ريم باعت قضيته وأن ريان انتصر بسرقتها منه.

-ردي بقى!!

هتف في غضب وهو يعاود الاتصال بها دون جدوى، لمعت عيناه بشر وكم يتمنى بأن يرى البغيض اتصالاته غير مبالي بموقف ريم وقتها، زفر في حده فكم يشعر بالحقد والكره تجاه ذلك الرجل، فهو يملك امرأة محبة لا يستحقها وطفل صغير نعم حقير لكنه لا يستحقه ايضًا…
غامت عيناه في حقد فريات يملك أيضًا القوة والإصرار والمواجهة والقدرة على التحكم في حياته….
وجميعها اشياء عاجز هو عن امتلاكها، ضرب بقبضته فوق ساقه دون اهتمام برد فعل العاملتان المتعجبتان من حركته المفرطة، فمالت احداهما هامسة:

-اتلحلحي قبل ما ريم ترجع وتخطفه منك او يتجنن من غيرها، أيهما أقرب !!

-اتلحلح ايه اكتر من كده أيه!
ده بارد اجيله يمين اجيله شمال عينه ما بتترفعش نحيتي.

قالت الفتاة في حقد وغيظ فضحكت صديقتها مردفه:

-روحي قوليله يشرب ايه وافتحي البلوزه دي شوية، فكي عن نفسك وعلى الراجل يا بهيمة.

تنهدت “دعاء” في استسلام ثم خلعت أول زرين بقميصها في توتر لتتتقل بأناملها فوق وجنتيها تقرصها كي تزيد حمرتها أثناء تحركها بعزم نحو ” أحمد” الغارق في عالمه الخاص، فسألت في صوت رقيق غنج نوعًا ما:

-صباح الخير، تحب اعملك قهوة يا أستاذ أحمد شكلك مضغوط انهارده.

لم يرفع أحمد رأسه او يرمقها بطرف عينه حتى واكتفى بقوله المقتضب:

-اعمليها سادة لو سمحتي.

-طيب تحب تفطر معايا انا و….

قاطعها أحمد في ملل يرغب في التفكير بمفرده:

-دعاء مش عايز حاجة، شكرا ليكي القهوة كفاية.

احمر وجهها بحرج لكتها ابتعدت تجرر اذيال الهزيمة نحو صديقتها التي تمط شفتيها لليمين واليسار في حنق، حدقتها “دعاء” بنظره قاتله هامسة:

-عجبك الكسفة والتهزيق ده!

-ابن الايه، أنا عمري ما شوفت راجل مش هامه الستات بالطريقة دي أيه حجر.

-لا يا اختي بيهمه بس ريم وبس.

اخبرتها دعاء في حقد واتجهت تحضر قهوته في غيظ مرير.
خطف أحمد نظرات مغيظه نحوهن فهن لا يملن من محاولاتهن الساذجة في لفت انتباهه، ابتسم في سخرية فقد تعلم درسًا قاسيًا لا يود تكريره مرة أخرى.
فهو يتعمد تجاهل جميع النساء منذ الموقف الأسود الذي تعرض له في مقتبل عمره، انكمشت ملامحه في غضب وقهر لا يزال يتذكر التخبط الذي تملكهُ حين لم يستطع إكمال معصيته مع تلك العاهرة في الليلة المشؤومة التي تحداه فيها أصدقاءه بأن يذهب معها للغرفة.
لقد رفض وقتها في تعنت لكنهم اتهموه بأفظع الاتهامات والجُبن واتهام واحد فقط نجح في اخترقته ودفعه ليدلف مع العاهرة وهو قول احدهم بأن والده قتل رجولته.
عاد بأفكاره لتلك اللحظة حيث كانت الأمور تجري في سلاسة وكم كان منغمسًا بين ذراعيها كالمجنون يحاول اثبات أمر لا يعلمه هو، حتى صدح صوت والده من حوله فانتفض جام جسده كمن تلبسه شيطان أقبح من شيطانه.
تعجبت السيدة من تحوله الحاد من الحرارة للبرودة التامة فلم يتحمل حاجبها الرفيع المرفوع بتساؤل ساخر، فهرع مبتعدًا في ذعر عنها.
لملم ملابسه يرتديها أثناء خروجه من الغرفة وإلى خارج المنزل بالكامل دون الالتفات لأصدقائه الضاحكين خلفه وللحين لا يقدر على نسيان تهكماتهم القبيحة.
فرك عينيه يحاول نسيان شعوره الكريه ورجولته المتألمة المنكسرة في قسوة.
لا يدري كيف استطاع تجاوز الأمر وقتها لكنه بالتأكيد عانى الكثير من الاحباط والقهر فالاحتفاظ بهذا السر بعيدًا عن الجميع كان يقتله ببطء فهو ليس مختلف عن أي رجل شرقي يخشى نظرة المجتمع ولن يتحمل معرفة أحد بالأمر.

-انا وثقت فيكي انتي يا ريم وعرفتك بأسوأ مخاوفي، بلاش تخذليني.

تمتمت في حزن فلا أحد على هذه الأرض يعلم بسره سواه هي وتلك العاهرة، ريم جعلته يشتهي الحب والرفقة الحنونة، جعلته يعتقد بأن حياته يمكن أن تكون مختلفة عن طابع الوحدة المتوقع فقد أخذ قرار بعدم الزواج غير قادر على إحباط روح أخرى معه وتعذيبها بعجزه.
اما ريم فكانت مختلفة كانت رفيقه حياة وروح، جعلته يؤمن بأن هناك أمور أهم من الجسد جعلته يؤمن بالاختلاف ونسيان الواقع، جعلته يقتنع بأن الانثى ليست هي من تحدد رجولة الرجل بل هو من يحددها باحترامه وعطاءه.
ريم بالنسبة له كانت شعاع الأمل من أجل حياة طبيعية يتمناها وعليها فهو يكره ريان بشدة لأنه سرق فرصته في تلك الحياة….

*****

في منزل “ريان” جلست ليان فوق الفراش تضم وساده في توتر فمنذ سمعت أصوات ريان وريم في الخارج، وهي تتصبب عرقًا كمن يوشك على خوض اختبار مدرسي مصيري، وعقلها يصرخ متسائلًا في حيرة:
كيف يا ترى ستقابها ريم هل تكرهها بشكل تام الآن؟
اهناك امل بأن تسامحها بعد اذيتها لها؟
والسؤال الأهم هل ستقدر ليان على قبول رد فعل ريم أيا كانت بالإيجاب أو السلب؟
طرقات خفيفة اخرجتها من أفكارها فعضت أطراف أصابعها تتمنى أن يستسلم الطارق لكنها تنفست عدة مرات تتمالك رباط جأشها حين عاود الطرق من جديد فقالت في نبرة خافتة:

-ايوة.

-صحيتي؟

أتاها صوت شقيقها الرخيم ببقايا اثار نومه، فأجابته سريعًا وتدعوا بأن يذهب دون ان تضطر لفتح الباب ومواجهتهم بالخارج.

-ايوة.

ساد الصمت قبل أن ينظر ريان بطرف عينيه نحو ريم التي تحول الأطباق على المائدة تتصنع الا مبالاة ثم التفت نحو باب الغرفة المغلق موبخًا:

-ما تفتحي الباب!

عضت ليان شفتيها في غيظ ولكنها اتجهت ببطء تفتح الباب وهي تتعجب أين اختفت تلك الفتاة الوقحة عديمة المشاعر التي تشكلت على يد نادر…

اه نعم لقد ابرحها نادر ضربًا حتى خرت هاربة فلم يتبقى سوى ليان التائهة الضعيفة…

فكرت في سخريه قبل ان تفتح اخيرًا الباب، مد ريان ذراعه يجذبها للخارج نحو الطاولة في هدوء متجاهلًا ثقل عضلاتها الرافضة.
رفعت ريم نظرها نحو ليان لتتسعا عيناها في صدمة وهي ترى مدى سوء وجه ليان المبرح ضربًا، ارتفع كفها يغطي فمها في ذعر، لا تتخيل كيف يمكن لرجل ان يتصرف بتلك الوحشية مع فتاة صغيرة الحجم كليان حتى وان كانت قبيحة الطباع.
تمالك ريان مشاعره المحبطة الجلادة للذات وهو يرى وجه ريم المشفق على شقيقته وتعجب للطيبة وفرط الحب داخلها فتلك طباع ريم ولن تتغير مهما حاولت اظهار العكس.
سعل بخفة وداخله تمني واحد بأن تمر الأمور بين ريم وليان بسلام، تصلبت ليان بجواره مثبته قدمها في الأرض تحاول الفرار من قبضته فالتفت إليها متعجبًا من حده رد فعلها ولكنه ذهل أكثر عندما انفجرت ليان باكية تتمتم بألفاظ غير واضحة تتوسل بأن يتركها كي تهرب من عيون ريم المشفقة…
لم تستطع ليان تحمل الشفقة والاهتمام المنبثقة من عيون ريم وشهرت بحقارة لا توصف وكرهت ذاتها أكثر وأكثر فانهارت باكيه لا تقدر على النظر نحوها فهي لا تستحق ان تعاملها ريم سوى بالاحتقار والاشمئزاز.
انفلتت من بين اصابع ريان راكضه للداخل من جديد فاتبعها ريان قائلًا:

-بتعيطي ليه يا مجنونه، هي كلمتك؟

-مش هقدر يا ريان، أنا مستحقش انها تزعل عليا حتى أنا احقر من كده بكتير.

-انا مش قولتلك اللي فات مات ومتفكريش في الموضوع ده من تاني.

اخبرها ريان بنبرة حادة فوضعت كفيها فوق رأسها مستكمله بكائها طالبة:

-عشان خاطري وديني بيت بيجاد دلوقتي.

زفر ريان في تعب ليخبرها مستسلمًا:

-تمام، اديني فرصة استحمى واغير هدومي وهوديكي لبيجاد.

وبذلك خرج لمواجهه ريم التي اتبعته داخل غرفتهما ثم اقتربت منه تسأله في قلق صادق:

-هي بتعيط ليه، هو وشها لسه بيوجعها؟

-لا الطيبة في عيونك هي اللي وجعتها.

رمشت ريم وهي تطالعه في عدم فهم لم تتوقع قوله، فمال يحاول تقبيل جبهتها لكنها ابتعدت خطوة عنيدة هامسة في حده:

-ممكن تبطل لعب بمشاعري وتقولي ايه حصل بالظبط؟

ارتفع حاجبه تعجبًا من حده لهجتها لكنه تعمد تجاهل الوضع ورد يخبرها بما مرت به شقيقته:

-اللي حصل ان جوز ليان طلع انسان واطي وليان طلبت منه يطلقها وحصل قبل ما أنا انزل مصر بكام شهر…

-وسيبتها ونزلت ليه؟

تسألت ريم في تعجب وهي تجلس قبالته فاخبرها ساخرًا:

-عشان مكنتش أعرف كنا مقاطعين بعض.

-عشاني؟

سألت في حيرة فحدقها بنظرة ذات معنى مؤكدًا:

-لا علشاني وعلشان خاطر ابني وعشان خاطر كدبتها اللي حرمتنا من أغلى حاجة عندنا.

حركت ريم جفنيها وازدردت ريقها في بطء تحاول ابتلاع تأثرها بجروح ماضية، فاستكمل ريان كي يبعدها عن منحنى افكارها الحزينة:

-نادر مكنش انسان سوي، كان عايز يستغلها بأي شكل فطلب منها مبلغ معين عشان يديها ورقه طلاق وكان بيهددها انه هيردها لعصمته من تاني في اي لحظة لو منفذتش.

صمت وهو يتجه نحو الطاولة يجذب سيجاره يشعلها قبل ان يستطرد:

-لحد ما راحلها من أسبوع ولما ملقاش المبلغ كامل اتجنن وزي ما انتي شايفة كده،
وقتها بعتتلي مسج من كلمة واحدة صفى دمي حرفيًا “الحقني”، اتصلت بيها زي المجنون لقتها بتعيط ومش قادرة تتكلم وبتقولي ان نادر ضربها…

صمت يبتلع غضبه هو تلك المرة فجلست ريم حواره تربت على كتفه مواسية تحثه على الإكمال:

-انا مش عارف طمنتها ازاي و قفلت معاها، عشان أكلم صديق ليا يلحقها بعدها اتصلت حجزت أول طيارة ولحظها كانت بعد ساعة،
وهناك اديت جوزها فلوسه وخدت ورقة طلاقها ورجعت بيها على هنا.

أخبرها ريان دون التطرق إلى عقابه الخاص والعنيف للغاية للنادر قبل العودة، صمت كلاهما يفكران في غرابة الوضع وغرابة الأحداث في حياتيهما.

لما لا يعيشان حياة طبيعية بلا أي مغامرات كباقي البشر؟

كان هذا تساؤل ريم قبل ان تخبره بنبرة هادئة:

-طيب تعالي دخلها فطار.

-لا انا هوديها لبيجاد.

-لو…

كادت تخبره ريم بانها لا تمانع بقائها لكنه سبقها بقوله:

-هي مش هتسامح نفسها دلوقتي، سبيها تروح تتعامل مع مشاكلها الأول.

هزت رأسها في صمت واتجهت للباب لإطعام طفلها فأوقفها همس ريان الغارق بصدق مشاعره:

-أنا بحبك يا ريم.

علت دقات قلبها من الصفر إلى مائه في أقل من لحظه عندما وجدت خلفها يرفع اناملها مقبلًا داخل كفها الصغير، لكنها أسرعت تحارب ارتباكها جاذبة يدها قبل ان تهرع في خطوات ثابته تهرب من امامه مغلقة الباب خلفها، وضعت ريم يدها فوق قلبها مغمغمه في اعتراض:

-يا ملطشة القلوب يا جلاب المصايب بصحيح!

دوت ضحكة ريان التي خرجت من القلب سارقه من شفتيها ابتسامه صغيره قبل ان تسمع صوت انغلاق المرحاض لتحمر وجنتيها في خجل عندما سرح خيالها في طقوس استحمامه…

قليلة الحياء…

هزت رأسها موبخه وكادت تتحرك حين قاطعها جرس الباب، اتجهت بتلقائية تفتح الباب، فاتسعت عيناها في صدمة حين وجدت “أحمد” يقف أمامها بنظرة منذرة بالشر:

-أحمد انت بتعمل أيه هنا؟

ارتفع جانب وجهه في ابتسامه ساخرة قائلًا في نبرة أشد سخرية:

-وأنتي كمان وحشتيني، شكرًا على السؤال…!

التفت ريم في توتر وخوف تتأكد بأن ريان لم يأتي قبل أن تدفع باب المنزل لتخرج مؤاربه إياه خلفها هامسة:

-أحمد انت مينفعش تجيلي البيت، ريان هيبهدل الدنيا.

-لا والله، أفهم من كده أن ريان هو المهم عندك، رجعتي بالسرعة دي،
طيب اتقلي شهرين تلاته واحفظي ماء الوجه قدام نفسك…

عقد ذراعيه وهو يرمقها باشمئزاز واتهام من اسفلها لأعلاها، فأخبرته ريم في حرج واصابعها تفرك طرف ردائها في توتر كتلميذة مشاغبة فكلماته دائمًا تضربها في الصميم:

-أحمد لو سمحت مالوش لازمه الكلام ده،
ممكن تقولي عايز ايه وتمشي قبل ما تحصل مصيبة.

-عايزك وعايز وعدك ليا.

قالها أحمد بابتسامه واسعة تخفي الكثير والكثير من الآلام.

*****

في هذه الأثناء فتحت ليان باب الغرفة تقسم بأنها سمعت صوت يهاجم أحلامها، ضيقت عيناها وهي تلمح باب المنزل مفتوح انشًا فوصلتها همهمات لشخصين من الخارج.
علت أنفاسها واغمضت جفونها تستمع لألحان صوته القاسي فتستقر داخل احشائها لتحملتها قدمها هناك دون وعي لكنها توقفت في حده حين لطمتها كلماته كالماء الحارق:

-عايزك وعايز وعدك ليا.

وضعت ليان كفها فوق فمها في ذعر ترغب التفكير في مغزى كلماته خاصة عندما وصلها صوت ريم المرتعب:

-جرالك أيه يا أحمد، أيه الطريقة اللي بتتكلم بيها دي؟
اللي حاصل ده مش ذنبي انا مضحكتش عليك وكنت مستعده اتجوزك فعلا لو كان ريان طلقني.

انعقدت تلك المنطقة بين حاجبي ليان وعلت دقات قلبها في توجس، لتتسع عيناها عندما هتف أحمد غير مبالي بقدرة غيرهما على الاستماع:

-أنتي كذابة مكنتيش هتتجوزيني من الأول انتي لسه بتحبي ريان والدليل شايفه قدامي.

نظرت ريم للأرض في خجل لكنها اكملت في حده:

-أنا ست متجوزة، يعني مينفعش أكلم ح…

-طيب ما انتي كنتي متجوزة وكنا بنتكلم عادي ايه اللي اتغير؟

-حاجات كتير اتغيرت وريان مش ممكن يتقبل كلامي معاك بسهولة.

أخبرته في نبرة خافته متوجسه:

-اقولك انا اللي اتغير يا ريم،
أنتي يا ريم، اتغيرتي ومبقتيش الصديقة والأخت اللي اعرفها، أنتي خنتيني وضحكتي عليا.

-أنا مخنتكش وعمري ما اتخليت عنك اللي انا فيه ده مش بأيدي..

-لا خنتيني لما توعديني بالأمل والحياة وبعدين تسحبيها بكل قسوة من تحت رجلي تبقي خنتي الأخوة اللي ما بينا.

بصق أحمد كلماته في حده وغضب جاهلًا عن ليان التي تناست للحظة الحوار الدائر بينهم وتاهت في حزن مع نبرة الألم المختبئ أسفل غضبه ليتمزق قلبها لا شعوريًا حين أكمل في حاجة صريحة:

-انتي عارفة اني لو متجوزتش خلال شهور قليلة ابويا هياخد مني محل شغلي وهيقطعني تمامًا من عيلتي،
يعني ببساطه خيارك الأناني الخارج عن ارادتك زي ما بتقولي، هيضيع بسببه حياة شخص وأسرة بالكامل.

خرج صوت ريم مختنق ببكائها غير ثادرة على كبح عبراتها وشعورها بالقذارة وعدم قدرتها على مساعدته يقتلاها:

-أنا أسفة والله بس مش بأيدي صدقني أنت أخويا يا أحمد.

هز أحمد رأسه في خيبة أمل يتعمد نقل مشاعره المحبطة والسلبية لعينيها الحزينة مستكملًا في حده:

-لا بإيدك يا ريم محدش بيجبر حد يفضل معاه لو انتي مش عايزة ريان كنتي هتطلبي منه الطلاق.

فركت ريم دموعها في حزن وغضب على الذات لأنه يصرخ بالحقيقة في وجهها.
الصقت ليان أذنها بالباب وقد انكمشت ملامحها في غضب مصدومة من التغيير المقيت في شخصية أحمد فهذا ليس الصديق الهادئ المحبب الذي جلست برفقته دوما مع ريم، لما يصر على ضغط ريم واحباطها فنبراتها تؤكد حبها لشقيقها.

-انتي بتعملي ايه؟

شهقت ليان واضعة يدها على فمها ملتفته في خضه مما دفع الباب للانغلاق في قوة رغمًا عنها، طالعت “ليان” شقيقها المتسائل بحاجب مرفوع عن سبب وقوفها المريب وتلعثمت تخبره:

-الراجل…
أقصد اه الزباله … اه ايه ده وشي واجعني اوي مرة واحده ومش قادرة اجيب الزبالة للبواب ممكن تجيها انت.

قالت في نبرة مهتزة تحاول تمالك خوفها لكنها تنفسا الصعداء حين ابتلع شقيقها ارتباكها ليهز رأسه في ريبه متجهًا إلى المطبخ.

اما في الخارج فقد توقفت دقات قلب ريم داخل صدرها حين انغلق الباب وسمعت صوت ليان وريان، شعرت برعشة تتملكها كمن قبض عليه يرتكب خطيئة ونظرت لأحمد بعيون باكية تتوسل الإنقاذ.
رمقها أحمد في صمت وضاقت عيناه وهو يستمع لصوت امرأة مألوف لتتسع عيناه في معرفة مناظرًا ريم بقسوة اتهاماته لتقبلها وجود الحقيرة سريعًا.
انفتح الباب لتتأكد ظنونه حين ظهرت ليان شاحبة الوجه ولكن ملامحه الغاضبة اختفت وتحولت لتعجب حين لمح وجهها المكدوم فطالعها في ذهول صامت متسائلًا ايً من الشقيقين فعل ذلك بوجهها…بالتأكيد بيجاد المجنون….
تجاهلت ليان نظراته المتفحصة لوجهها وانتفض قلبها في صدرها متسائلة هل هو اهتمام أم مجرد فضول ذلك الذي تراه داخل عيناه الغامضة لكنها الجمت أفكارها بمطالعتها لريم هامسة:

-ريان طالع دلوقتي، ادخلي بسرعة مفيش وقت، لو سمحت امشي من هنا.

وجهت أخر جملتها لأحمد دون النظر إليه وحين استمرت نظرات ريم المصدومة دون أن تتحرك مدت ليان ذراعها تجذبها للداخل مغلقة الباب في وجه أحمد الساخر.
كانت ريم حائرة لا تدري ماذا تنوي ليان فعله لأنها بالتأكيد لن تثق بأي حركة تصدر منها بينما كانت ليان تحاول عدم مقابلة عيون ريم قدر الإمكان، قاطع حربهن الداخلية حضور ريان المتسائل بملامح الشك وحاجب مرفوع:

-هو مين هياخد الزبالة، احنا معندناش بواب؟

نظرت الفتاتان لبعضهم البعض لتخبره ريم في توتر واضح وتلعثم:

-لا مش بوابه ده ده …
اه اصل لما سافرت السكان جابوا واحد ياخد الزبالة بس أنا مشيته دلوقتي.

-ومشتي ليه أنا جبتله الزبالة!

-ريحته وحشه.

-ريحته وحشه، هو احنا هنناسبه!

-في ايه يا ريان ما تسيبها براحتها.

انتقلت أعين ريان المتسعة في تعجب بينهما ألم ترفض كلتاهما التحدث لبعضهما منذ دقائق، والآن يغطيان على أمر ما فحدسه يؤكد له بأن مشاعر عدم الراحة المنبثقة منهما ليست من فراغ.

-الفطار جاهز.

اخبرتهم ريم الراكضة نحو الطاولة وداخلها كثير من التساؤلات وحدها ليان قادرة على الإجابة عنها، شاكرة حظها لأنها لم تخبر ريان فهي غير قادرة على تحمل إيذاء ريان لأحمد أو العكس يكفي ما تسببت به من خراب للأخير.
أعاد ريان القمامة ثم غسل يديه وعجله أفكاره تدور لليسار واليمين في شك، لمعت عيناه في مكر ثم اتجه نحو الشرفة فلم يجد أحد.
حرك شفتيه ربما هو من يفكر أكثر من اللازم تحرك للداخل مستسلمًا ولكن سيارة يعرف مالكها جيدًا انطلق محركها لتتحرك بعيدًا ببطء أمام عينيه، أغمض ريان عينان يخفي قسوة مشاعره ضاغطًا على فكيه بقوة يشعر بالغضب يكتنفه من كل جانب.

بقلم دينا إبراهيم روكا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *