اتحداك أنا الجزء الأول

«أتحداك أنا»
«الفصل الأول»

قبل ذلك بـ ستة أشهر، كان يُسير بـ سيارتـــه على سُرعة هادئة، تنفس بـ عُمق وهو يُضيق عينيــهِ بتفكير في أمرًا مـا، أرتسمت إبتسامة قاسية غريبة على وجهه وهو يصف سيارتـــــه بقرب من البناية التي يقطن فيهـا مؤقتـًا، ترجل عن سيارته ثم سار بخُطى هادئة، ولكن أوقفه صوت همهمة يأتي من خلف سيارته، وضع يديــهِ بداخل جيب بنطالـه وهو يتراجع قليلاً، ثم ألتفت برأسه وقد أقترب من ذلك الصوت، عقد ما بين حاجبيــه بتوجس عندمـا وجد شئ ما متكوم على الرصيف، ليجد أنــه ماهو إلا جسد بشري متكوم على نفســه، هتف بصوتٍ حـاد مُتسائلاً:
-إنت مين؟؟..

أنتظر أن يرفع وجهه بـ عينين جادة، سُرعـان ما أصــ,,ـابه الذهول عقب أن رأى أنها فتاة، فقد كانت تخفي شعرهـا وترتدي ملابس رجال، ومع ذلك لم يستطــع إدراك ملامحها من شدة الظلام المُحيط بالمكـان، وقف أمامهـا مباشرةً وهو يسألهـا في شئ من الحدة:
-إنتي سمعاني؟؟.. إيـه إللي مخليكي أعدة بالشكل ده؟؟..

سمـع صوتهـا المُرتجف قائلة:
-ساعدني!

ضيق عينيهِ أكثر عقب كلمتها المُريبة تلك، أقترب منهـا أكثر وأنحنى بـ جسده نحوها لتتسع عينـــاه بصدمة واضحـة وهو يرى أنهـــا مُصــ,,ـابة بـ طلق نـ,,ـاري، وثيابها السوداء مليئة بالدماء، أعتدل في وقفته وهو ينظر حوله محاولاً التفكير، مسح على شعره بقوة قبل أن يهمس بغضــ,,ـب مكتوم:
-ينهـــــار أسود.

أنحنى مرة أُخرى وهو يسألهـــا:
-مين عمل فيكي كده؟؟..

لم ترد عليـهِ، فـ أخرج هاتفــه سريعًا وهو يقول:
-طب أستحملي شوية، أنا هتصل بالإسعاف.

وقبل أن يعبث بـ هاتفـه، وجدهـا تمسك معصمـه قائلة بوهن لا يليق بها:
-لأ، إسعاف، لأ.

ألتفت برأسـه للجانبين قائلاً:
-أستني أشوف في حد في الشارع ولا لأ.

وحينمــا تأكد من عدم وجود أي مارة في هذه الساعة المُتأخرة، رمقها بـ نظراته القوية ثم انحنى بجزعه ليحملها عن الأرضية الصلبة وتوجه بهـا بخُطى سريعة نحو مدخل البناية، همس لهـا بصوتــه العميق:
-لازم تروحي المُستشفى، حالتك مطمنش.

سمع صوتهـا المُتقطع وهي ترد عليه:
-لأ، أ.. أوعى تـ.. تعمل كده، يـ.. ياإمـا تسبني.

صعد بها إلى الطابق الثاني، بدأت تلك الفتـاة تعلو حرارتهـا ويرتخي جسدهـا المُرتعش بين يديه؛ حيثُ ظهرت قطرات العرق الباردة على جيبينهـا، فـ أستسلمت لفقدان وعيهـا وخارت قواهـا تمامًا حيثُ سقطت رأسهـا على كتفـه، أنتبـه لها فـ هز رأسه نفيًا قائلاً بإمتعاض:
-هو أنا كُنت ناقص.

أنزلها برفق حتى لامست قدميهـا الأرض، وذراعـه لايزال محاوط خصرها، بينمـا رأسها على كتفه، أخرج سلسلة مفاتيح المنزل وهو يهمس بكلمات غير مفهومة، عاد يحملها بين ذراعيهِ قابضًا عليها بين يديهِ، دخل منزله ثم أغلق الباب بـ قدمه، ركض نحو غُرفته ثم وضع جسدهـا المُرتخي على الفراش برفق، أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهون يعبث فيه، وضعـه على أذنه ثم قال بلهجة حادة خطــ,,ـيرة:
-عايزك تيجي حالاً على العنوان إللي هبعتهولك.

ألتفت برأسه نحوها وهو يقول بجمود:
-في واحدة مُصــ,,ـابـة بـ طلق نـاري، فمن غير كلام كتير، تيجي ومتقولش لأي حد إني كلمتك.

أنهى المُكالمة دون أن ينتظر رده، زفر زفيرًا حارًا وهو يجلس على طرف الفراش بجوارها، سحب منديلاً ورقيًا من حافظة المناديل ومسح عنهـا حبات العرق المُلتصقة على جبينهـا فـ بدا وجهها أكثر وضوحًا له، تأمل تفاصيله بدقة، حرك رأسـه بتفكير وهو يهمس بشرود:
-إنتي حكايتك إيــه؟؟..

******
«بعد عدة ساعات»

-آنسة، يا آنسة، إنتي سمعاني؟؟..

حاولت أن تفتح عينيها ولكنها شعرت وكأن أجفانها كُتل رصاص، ألم شديد في كُل مكان بجسدها، تأهوت بخفوت وهي تحرك رأسها بتعب، بينما هو يمسح جبينها بمنشفة ورقية، ثم وضع يده على جبينهـا فزفر بإرتيـاح حينما تأكد من إنخفاض درجة حرارتها، فبعد أن أتى الطبيب، قام بنزع الرصـ,ـاصة وطهر الجـ,ـرح جيدًا بالمواد المُطهرة وضمد الجـ,ـرح جيدًا، حتى لا يكون تلوث الجـ,ـرح قد وصل للدمـاء، وعندمـا غادر من المكان، قـام بـ عمل كمادات لهـا لتخفيض حرارتهـا المُرتفعـة.

كادت تصرخ من هول الألم ولكن كبحت انفعالاتهـا وحاولت فتح عينيهـا المشوشتين لتدقيق النظر فيمـا حولهـا، سمعت صوتــه من جديد وهو يقول:
-إنتي سمعاني طيب؟؟.. حاولي تفتحتي عينيكي.

وأخيرًا فتحت عينيها وأتضحت الرؤية أمامهـا لتصطدم بـ وجهه، حاولت أن تعتدل في جلستـها ولكن أشتدت عليها الوخزات الحادة، أغمضت عينيها وقد أرتجفت شفتاهـا مُخرجة آهة خافتة، سمعت صوته مرة أُخرى وهو يحاول أن يجعلهـا تتحدث بأيّ كلمة، فقالت بوهن:
-عايزة أشرب ماية.

وكأنـه كان يعلم ذلك، فقد كان كوب الماء جاهزًا، جذب الكوب من على الكومود بينما فتحت عينيها وأعتدلت في جلستها بحرص، قرب الكوب من شفتيها فبدأت تشرب المياة الباردة بهدوء حتى أنهت نصفها، عاد يضع الكوب مكانه وهو يسألها بصوتٍ جاد ممتزج بالإهتمام:
-أحسن دلوقتي؟؟..

حركت رأسهـا إيجابيًا وهي تتسائل بحيرة:
-إنت مين؟؟.. وإيه إللي حصل؟؟.. آخر حاجة فكراهـــا اني..

صمتت قليلاً حينما هاجمتها الذكريات والأحداث ليلة الأمس، بلعت ريقها بصعوبة وهي تضع يدها تلقائيًا على مكان إصــ,,ـابتها، أغمضت عينيها بضيق وهي تهمس بداخلها «يا إلهي».

تأمل معالم وجهها بدقة وهو يسألها بدون أي مواربة:
-أفتكرتي؟؟..

فتحت عينيها ببُطء وهي ترد عليه بخفوت:
-أيوة أفتكرت، شُكرًا إنك أنقذتني، عارفة إني تعبتك معايا أوي.

رد عليها بجدية:
-مفيش داعي، بس أحب أعرف إنتي مين؟؟..

صمتت قليلاً قبل أن تسأله بالامبالاه:
-هتفرق معاك يعني لو عرفت اسمي؟؟..

مط شفتيه وهو يومئ برأسه قليلاً متسليًا، ثم قال بثقة مراقبًا ملامح وجههـا الثابتة:
-أيوة هيفرق معايا.

نظرت أمامها بصمت وبملامح باهتة، قالت بلا تعبير:
-«لينا».

نهض من مكانه وهو يسألها بلهجة خشنة:
-إزاي أتضــ,,ـربتي بالنـار؟؟..

قالت بصوتٍ غريب غير مقروء:
-آسفة، مش هقدر أقول.

ضيق عينيهِ قليلاً وهو يضع يديه على خصره، حينها ألتفتت برأسها نحوه وهي تُتابع بجمود:
-إنت أنقذتني وكل حاجة، بس ميدلكش الحق بإنك تستجوبني.

ظل ينظر إليها طويلاً بتعبير غامض، ثم قال أخيرًا بصوتٍ أجش خافت:
-لأ لازم أعرف، إنتي مين بظبط؟؟.. وإيــه إللي حصل؟؟..

قالت بلا تعبير وهي تُشير بيدها:
-أُعذرني يا..

هز كتفيـه وهو يقول:
-«مُــراد».

ابتسمت «لينا» وهي تومئ برأسها قائلة بخفوت:
-أُعذرني يا مُراد، مش هقدر أتكلم.

أخفضت عينيها عدة لحظات ثم رفعتهما مجددًا إليـهِ تقول بخُبث:
-وبعدين بصراحة أنا جعانة جدًا، مفيش أكل هنا؟؟..

انعقد حاجبيه قبل أن يرتفع احداه وهو يحدق في عينيها مباشرةً، عيناها تلمعان بترفع هادىء عجيب و ثقة تفوق طولها المتآكل، تمالك نفسه وهو يهز رأسه قليلاً كي يستوعب أنها تطلب منـه الطعام.. وتجلس على فراشــه بكل أريحية وكأنه منزلها.

قست عيناه للحظات وقد تقوس فمه بإبتسامة ماكرة قائلاً:
-لأ مفيش، على العموم أنا هنزل أجيب أكل دلوقتي، وإكرامًا مني هجبلك لبس بدل إللي إنتي لبساه ده؟؟..

أنعقد ما بين حاجبيها بإستغراب، قبل أن تُخفض رأسهــا لترى الكثير من الدماء على ملابسها، فـ عادت تنظر إليهِ وهي تقول ببراءة لا تُليق عليها:
-يبقى كتر خيرك.

أقترب منها وهو يرمقها بنظرات غريبة هادئة، ثم قال بثقة:
-لينا كلام تاني مع بعض.

كانت عينيها واثقة للغاية وهي تحدق في عينيه مباشرةً، لم تهتز من كلماتـــه بل إبتسمت لـه إبتسامة غامضة، أنتظرت أن يُغادر من المكان، وحينمـا سمعت صوت باب المنزل يُغلق، وجدت نفسهـا تقول بإختناق:
-إيـه المُصيبة إللي وقعت نفسي فيهـا دي؟؟..

******

منذ أن عاد وهو يرمقها بنظرات حائرة خفية، وهي تنظر للطعام بنظراتٍ شاردة، ظل يراقبها طويلاً والحق يُقـال أنه قد بدأ يشعر بالتسلية قليلاً رغم خطورة الموقف الكارثي الذي وضع نفســــه بـهِ، شعر بأن وجودهـــا سيكون خطر عليـهِ لذا قرر أن يخرجهــا من منزلــه في أسرع وقت مُمكن، ولكن أجتاحه الضيق وأخفض عينيـه وهو يفكر أنه سيجعلها تنصرف وقد أُصيبت بـ طلق نـ,,ـاري مُنذ عدة ساعات فقط.

تنهد بضجر وقبل أن يهتف بأي شيء كانت تبتسم بثقة مرددة بلهجة هادئة:
-مفيش داعي تفكر في وجودي.

رفع عينيهِ مذهولاً نحوها، فرفعت عينيها الجميلتين إليهِ أيضًا وهي تكمل مضغ الطعام ببساطة، ثم أضافت بهدوء:
-بعد ما أخلص أكل، هتحرك من هنـا، كفاية إنك تعبت معايا.

رفع «مُـراد» يده إلى جبهته وهو ينظر إليها مذهولاً هامسًا بداخله:
-دي بتقرأ الأفكار كمان!!

رمقها بعيون قوية وهو يقول بحزم في نفسه:
-مش هينفع أسكت، أنا مش مرتاح.

رفع ذقنـه ونفخ صدره بنفسٍ صـارم، ثم قال بلطف:
-لينا، طب لو أتحركتي من هنـا هتروحي فين؟؟..

ردت عليهِ «لينا» وهي تكمل مضغ الطعام ببساطة:
-للأسف يا مُراد مش هقدر أقول أي معلومة تتعلق بيـا.

أخذ «مُراد» نفسً آخر، ثم أغمض عينيهِ لعدة لحظات قبل أن يعد للعشرة محاولاً تهدئة نفسـه، بينما لم تهتم بحنقه الواضح، تمتم بصلابة:
-لينا، أنا أنقذتك ومن حقي أعرف إيـه سبب حــ,,ـادثتك، أتكلمي أحسنلك.

تركت الخبز وهي تقول بلهجة غريبة:
-مش هتكلم، ومش هقول أي معلومة عني، ولو عايز تمن إنقاذك ليا، قولي عاوز كام وأنا هديلك إللي إنت عايزهُ، غير كده ملكش عندي حاجة.

أنتفض «مُراد» من مكانــه ثم أنقض على فكي وجهها وهو يكاد يعصره بين يده القاسية، صاح بها بصوتٍ جهوري:
-لينااااا، أسلوبك يتعدل معايـا، وإلا هتشوفي وش عُمرك ما شوفتيـه، وبعدين فلوس إيـه إللي أنا هعوزهــا، إنتي عبيطة؟؟..

أنهى كلماتهُ الأخيرة وهو يدفع وجههـا، عاود الجلوس وهو يخلل أصــ,,ـابعهُ بخُصلات شعره البُني الغزير محاولاً تهدئة نفسه، أمّـا هي فنظرت إليهِ بتعابير غير مقروءة، ثم هبت واقفة وهي تهدر فيه بحدة شرسة:
-اسمع يا إسمك إيه أنت، مش عشان أنا في بيتك وأنك انقذتني يبقى هسكتلك لما تهني، المرة الجاية لو إيدك اترفعت عليا هقطعهالك.

رمقها بصدمة وهو يقول في شئ من غضــ,,ـب:
-نعم، أنتي بتقولي إيه؟؟..

ردت عليه بذات اللهجة:
-اللي أنت سمعته.

أدارت له ظهرها متوجهه نحو الداخل، راقبها بعينين حادتين كالصقر حتى أختفت عن أنظاره، زفر أنفاسه بحرارة وهو يهمس بغضــ,,ـب:
-البنت دي مش سهلة، وراهـا سر كبير، لازم أعرفه، على الأقل أعرف أأمن نفسي، لتكون تبع (…).

******
بعد أن غادر من المنزل لسببٍ ما، أنتهت من أرتداء ملابسها التي أحضرها لها، كانت تُليق عليها كثيرًا، دققت النظر في صورتهــا المعكوسة هُناك لترى وجهًا ارتسم عليهِ الحزن بدقة عالية، على الرغم من لمعة القوة التي ظهرت بداخل عينيهـا السوداويان، سحبت نفسًا عميقًا مُرتجفًا وهي تمسك هاتفهـا الصغير لتعبث فيـهِ قبل أن تضعـه على أذنهـا مُنتظرة رد الطرف الآخر، وحينما أتى همست بخفوت:
-أنا راجعة.

صمت الطرف الآخر قليلاً قبل أن يقول بلهجة تشفّ عن سُخريتـه:
-وتفتكري إني موافق أنك ترجعي.

تلك المرة هتفت بـ ثقة غير قابلة للتشكيك:
-طبعًا هتوافق، لأنك محتاجني.

تمتم بإزدراء:
-واضح أن الرصاصة إللي خدتيهـا هي إللي خلتك تعقلي.

تراقصت إبتسامة قاسية على شفتي «لينـا» وهي تقول في ألم:
-طبعًا، رصاصة إللي أدهالي واحد من رجالتك هي إللي ساعدتني إني أرجع لـ عقلي وأجيلك.

سكتت للحظةً قبل أن تُضيف بخُبث:
-بس عرفتني أد إيـه إنت محتاج وجودي، وإنك لما يأست فإني أرجع قولت أما أخلص منهـا ولا أنا غلطانة؟؟..

قال في شئ من الضيق:
-لأ مش غلطانة، المُهم هترجعي إمتى، لأني مش عايز قلق؟؟..

ردت عليهِ بجدية:
-ما أنا محتاجة الباسبور بتاعي و..

قاطعهــا بصوتـــه الأجشّ:
-فهمتك، هبعتلك رسالة دلوقتي فيهــا عنوان واحد أسمـه «نشأت»، تروحيلـه الليلة وهو هيديلك كل إللي إنتي عوزاه، وتفضلي عنده لغاية ما يجي وقت السفر وتجيلي، مفهوم؟؟..

همست بإقتضاب:
-تمام.

أغلقت هاتفهـــا ثم رفعت وجههــــا نحو المرآة، رمقت نفسهـــا بـ نظرات غير مفهومة ثم همست بقسوة:
-لازم تعملي ده، لازم يا لينا، لغاية ما تخلصي منهم كلهم.

******
«أتحداك أنا»
«الفصل الثاني»

ضحكاتٍ عالية أمتلأت بالمكان؛ بعد نجاح خطتهما أخيرًا، فهي ستعود إلى مكانها الطبيعي بعد محاولاتٍ كثيرة كانت نتيجتها الفشل، توقفت ضحكات «داود» وهو ينظر إلى الفراغ بإبتسامة إنتصار، أتت فتـاة من خلفـه، ترتدي ملابس فاضحة عارية، تتميز بجمالهـا المُفتن، وقفت خلفه قبل أن تسأله بهمسٍ ناعم.. خبيث:
-مبسوط؟!..

ألتفت إليهـا برأسـه وهو يُجيبهـا ببسمة واثقة:
-طبعًا، هترجع تاني وهنكمل الشغل، لأننا داخلين على التقيل.

أستقامت في وقفتهــا وهي تتسائل بصوتٍ رفيع، يملؤه الريبة:
-إنت طبعًا قدرت توصل لمكانهـا من بدري، يعني إنت لسه مطمنلهـا؟؟، لتكون بتدبر مصيبة تكشفنـا.

أشار بيده وهو يضع يده الأخرى في جيب بنطالـه قائلًا بهدوءٍ جاد:
-ماتخفيش، أنا كنت عارف كل تحركاتهــا، ده غير لو فكرت تلعب عليا، هتلاقي المـ,ـوت وقف فوق دماغهـا، ومش أنا بس، إللي زي «لينا»، ألف واحد وواحـد هيخلصوا عليهـا لو فكرت تغدر.

مطت شفتيهـا للأمام وهي تراه يتوجه بخطوات متأنية بطيئة حتى وصل للمكان الخاص به وهو الذي كان أشبـه بـ(بـار) موضوع عليه زجاجات كثيرة متراصة من أنواع الخمر المختلفة، فجلس على المقعد المُقابل، وأمسك بكأس وسكب به الخمر ليحتسيه على جرعة واحدة، لتأتي «جـوان» من خلفه تحاوطتـه بذراعيهـا حول كتفيه وتقبله من جانب صدغه، ثم جلست قبالتـه وهي تهتف:
-المهم عندي إنك مبسوط يا حبيبي.

أجابهـا «داود» وهو يضع ساقه فوق الأخرى:
-أكيد طبعًا، «لينا» بتعمل شغل محدش يقدر يعملـه، ده غير كدا العملية الجديدة قربت، وهي اللي هتقوم بيهـا، بس مش لوحدهــا.

عقدت ما بين حاجبيهـا وهي تسألـه بإهتمام:
-أومال مين؟!..

*****
-مشيت!!.. مشيت إزاي وإمتى؟؟..

قالهــا «مراد» مُندهشًا وهو يجلس على الأريكة، أمسك الورقة التي تركتهــا لــه على فراشـــه وفتحهــا بهدوء وحاجباه ينقعدان بشدة دون شعور منـه، فـ وجد ثلاث كلمات.. ثلاث كلمات فقط كتبتهــا بـ لغة منقمة:
«شُكرًا لك مراد»

رسم على محياه إبسامة ساخرة وهو يغمغم:
-مش كان أحسن أنك تشكريني بنفسك، بس أحسن خلصت من لسانهـا اللي عايز قطعه.

هز رأسـه بحيرة، ولكن خرج من تفكيره عندمـــا تعالى رنين هاتفــه الصاخب، فـ أمسكـــه ثم أجاب على الطرف الآخر باللغة الأنجليزية بـ نبرة ثابتة:
-مرحبًا سيد «رفعت» .

صمت قليلاً قبل أن يقول بجمودٍ:
-لا تقلق، ستجدني أمامك في خلال يومين فقط.

أغلق الهاتف، ثم عاد ينظر إلى الورقة بنظراتٍ غير مفهومـة، همس بصوتٍ غريب ولكنـــه بعيد.. بعيــــد:
-أختفت فجـأة، زي ما ظهرت بردو فجـأة!!..

*****
بعد مرور يومان فقط، كانت عادت «لينا» إلى القصر، نظر إلى ذاتهـا في المرآة تتأمل نفسهـا بدقة عالية، إبتسامة جانبية واثقة مُرتسمة على شفتيهــا، وعقلهــا يعمل على تنفيذ ما قررتـه، عيناهـا تلتمعان ببريق من القسوة، وهي تقول بحزم مشددة على كل كلمة تنطقهـا:
-كل القسوة إللي أتزرعت جوايا، هتطلع على إللي زرعهـا من البداية، واحد واحـد، لأن خلاص أنا موريش حاجة غيركم، ومعنديش حاجة أخسرها.

أستمعت إلى صوت طرقات على باب غرفتهـا، أذنت بالدخول لتجد رجل تابـع لوالدهــا يلج إلى الداخل وهو ينطق بثبات:
-داود باشا بيستعجلك وبيقولك الضيف وصل.

أومأت رأسهـا إيجابيًا، ثم أشارت بطريقة آمرة بالخروج من الغرفة، أتسعت إبتسامتهـا وهي تقول بشر دفين:
-جه لقضـاه المستعجل.

*****
دقيقة.. دقيقتين، وكانت تتحرك بخُطى ثابتة واثقة للغاية، تُليق بهـا كثيرًا، هبطت إلى الأسفل بثوبهـا الأسود الذي يصل إلى ما قبل ركبتيهـا بقليل، كان ينسدل على جسدهـا مُلتصقًا به ليظهر رشاقة قدهـا، ذات ويتجمع أطرافه حول عنقهـا بنعومة، عاري الظهر والأكتاف، أما خُصلاتها السوداء فقد تركتها حرة تنساب على وجهها بجاذبية.

ألتفت «داود» برأســه نحوهـا ما أن أستمع إلى صوت خطواتها الواثقة، أتسعت إبتسامتـه مرددًا بفخر:
-أهيه وصلت، لينـا الصاوي، بنتــي.

نظرت «لينـا» للضيف الغير مُرحب به من جهتهـا، لتتلاشى إبتسامتهـا وعيناهــا تلتمعان بدهشة قاسية، بينمـا تلك العينين التي ترمقانهـا ما هي إلا عينين ماكرتين حادتين، خرج صوتهـا غير واضحًا وهي تغمغم بذهولٍ:
-«مــراد»!!..

عينيــه، وآآه من تلك الطريقة التي نظر بهـا نحوهـا ما أن تفاجئ بوجودهـا، وثب «مراد» واقفًا قبل أن يتقدم نحوهـا بروّية، تابع «داود» حديثـه قائلًا بجدية:
-وده مراد يا لينا، اللي أختارتـه يكون دراعي اليمين، بعد ما أثبت إخلاصـه على مر السنين دي كلهـا.

وقف قبالتهـا قبل أن يلتقط يدهـا، ثم أنحنى قليلًا يُقبلـه برقة، رفع رأسـه نحوها متمتمًا بخبث دفين أستشعرته:
-بنسـوار، إحنا هيبقى بينا شغل كبير وجميل كدا، زي ما أنتي جميلة كدا يا.. لينـــا.

تمالكت ذاتهـــا وهي ترفع ذقنهـا قليلًا قائلة ببسمة واسعة هاتفة بدلالٍ ماكر:
-أكيد يا مراد، إحنا طريقنا واحد، وهدفــ,,ـنـا واحد، وأنا سمعت عنك كتير، وأخيرًا قابلتك.

رمقهـا بنظرات هادئة.. ولكن نظراتٍ بألف كلمة ومعنى، نظرت بإتجاه والدهـا بعيونٍ قوية، لتجده يُشير بعينيــه نحو «مراد» ثم بالذهاب إلى الأعلى حيث غرفة النوم الخاص به أو.. بهـا، ضيقت عينيهـا بقهرٍ حارق، غضــ,,ـب يكاد أن يحــ,,ـرق الأخضر واليابس، ولكن ملامحــــه باردة تمامًا وهو يرفع ساقه فوق الأخرى قبل أن يغمز لهـا ثم أشعل أحد سجائره، قال «داود» بلهجة جادة مُبتسمًا من زاوية فمه:
-تحب تتغدى الأول ولا تستريح من الطريق وبعدين نتكلم.

قال كلماتـه الأخيرة وهو ينظر نحو «لينا» بنظرات ذات مغزى واضحة، ألتقطها كل منهما بسهولة، إبتسم «مراد» بجمود وهو يجيبـه:
-لأ هطلع أستريح.

أطبقت «لينـا» على ساعده وهي تجذبه نحوهـا هاتفة ببسمة ماكرة لوالدهـا:
-وأنا هوصله أوضتــه بنفسي، وأطمن أنه مش محتاج حاجة.

حرك «داود» رأسه وهو يقول بملامح باردة:
-تمام يا لينا.

أستسلم «مراد» لجذبهـا له وتحرك ليصعد معهـا للأعلى حيث الغرفة التي تم تجهيزهـا لإقامتـه بهـا، ثم خطت به للداخل وهي تقول بلهجة ثابتة:
-دي أوضتك، مش ناقصهـا حاجة.

دنى منهـا عدة خطوات ونظرات عينـاه غريبة، فأتسعت عيناها قليلًا قبل أن تسأله بصوتٍ يحمل الشك:
-إنت هتعمل إيه؟!..

وقف أمامها وبدأ يداعب شعرها وهو يهمس لهـا بصوتٍ خطــ,,ـير:
-مالك؟!.. مشوفتيش نظرات أبوكي إنك تخليني أستمتع شوية؟!..

لم تهتز أبدًا بل رفعت حاجبها للأعلى، في حين تابع بإبتسامة جانبية ساخرة:
-تفتكري من الممكن أضيع فرصة زي دي؟؟..

رفعت ذقنها قليلًا تحدجه بنظرات باردة، بينما تابع وهو يطوق خصرها بذراعه قائلًا:
-بس آخر حاجة أتوقعهـا إنك تكوني بنت أكبر تاجر مخدرــ,,ـات والسـ,ـلاح، لأ بجد أتفاجآت؟!..

ردت عليه بصوتٍ قوي رغم هدوئه:
-طيب ما أنت دراعه اليمين، ورغم كدا متفاجئتش.

أبعدت ذراعه بمنتهى الهدوء عن خصرها وهي تتراجع إلى الخلف، حرك كتفيه قائلًا ببساطة:
-يمكن لأنك ماشية بمبدأ توقع الغير المتوقع.

وقبل أن يتحرك نحوها، وجدها تهدر فيه بقوة غريبة عليها:
-أسمعني كويس، إللي في دماغك مش هيحصل مهما كان التمن، مش «لينا الصاوي» إللي يتاخد منها أي حاجة بالغصب.

ضحك «مراد» بصوتٍ عال قبل أن يقول بسخرية:
-في إيه يا بيبي، هي دي أول مرة؟؟..

تلاشت إبتسامته وهو يقترب منها مرة أخرى، ثم قال بصوتٍ غريب:
-رغم إن شكلك بيقول إنك مش بتاعت الكلام ده، بس في ناس كتير بتحب تلبس أقنعة وخصوصًا اليومين دول.

ثم قال بصلابة وهو يقف أمامها:
-يالا يا لينا.

هدرت «لينا» بحدة وهي تشير بإصبعيها:
-لو لمست شعرة مني هيبقى آخر يوم في عمرك.

قبــ,,ـض على ذراعيها بقسوة يجذبها نحوه، فـ أصطدمت يديها بصدره العريض، هدر بصوتٍ فحيح كالافاعي:
-وأنا تشوقت أكتر بعد ما شوفت شراستك، بس ده مش هيمنعني عن أي حاجة أنا عاوزها.

أتسعت عيناها قلقًا، وحينما رأته يغمض عينيه وعلى وشك تقبيلها، كانت دفعته بقوة جبارة، ثم رفعت يدها عاليًا تصفعه وهي تصرخ بعُـ,ـنف:
-حيوااااان.

رمقها بعينين مصدومتين ولكن سرعان ما تبدلت إلى نظرات قاسية.. غاضبة بشدة، قبــ,,ـض على ذراعيها بعنــ,,ـف وهو يقول بصوتٍ مخيف:
-عملالي فيها الخضرة الشريفة، أنتي فكراني إني هسكتلك يا بنت الصاوي.

هدرت بصوتٍ قوي وهي تحدق في عينيه مباشرةً رغم نبضات قلبها المرتفعة من كثره الخوف من تلك المواجهة:
-مش أنا إللي يتقالي الكلام ده، قوله لنفسك يا يا مراد.

سحبت «لينا» نفسًا عميقًا قبل أن تضيف:
-أنا أتحداك لو قدرت تأذيني.

*****
«أتحداك أنا»
«الفصل الثالث»

ظل ينظر إليها عاقدًا حاجبيه بشدة، إلا أن الذهول كان ظاهرًا بعينيه، عيناهــا تتحداه بكل قوة لم يراهـا من قبل، رغم أنه على ثقة بأنها ترتجف بداخلهـا ولو قليلًا، بملامح مغلقة إنما بعينين يتطاير منهما الشرر ونبرة تهتز لها أعتى الرجال قال:
-مُتأكدة إنك أد الكلام ده؟!..

قال تلك الأخيرة بنبرة ساخرة سوداء وهو يكشر بقوة، ارتعدت أوصال «لينـا» وهي تناظر ذاك الوحش البشري أمامه، والذي يبدو مستعدًا لالتهامها كل الاستعداد، ورغم ذلك هتفت بثقةٍ وقوة لا أحد يعلم مصدرها:
-أنا مش بنطق بأي كلمة إلا لما بكون أدهـا، ولو تحب أثبتلك، مفيش مشكلة.

تصلب فك «مراد» وارتجفت عضلة في خده إلا أنه لم يتحرك إنشًا بينما «لينا» تكمل بكل هدوء:
-ودلوقتـي من الأفضل تدخل تستريح، العملية قربت أوي، ولازم نستعد.

وقبل أن تلتفت وجدتــه ينطق بصوتٍ غاضب مكتوم:
-عاوزة تقوليلي إنك منمتيش مع حد قبل كدا؟!.. ولا هو بمزاجك؟؟..

وقاحتــه تخطت الحدود، إبتسمت بمرارة قاسية قبل أن تُجيب دون أن تلتفت:
-رغم أنها حاجة متخصكش، بس حاجة زي كدا، كله بيمشي على حسب رغبتي أنا.

دون كلمة أخرى، سارت بخطى هادئة تمامًا نحو الباب كي تلج إلى خارج الغُرفة، تاركة خلفهــا شخص على وشك الجنون من كلماتهـا اللعينة، تقوس فمـه بإبتسامة قاسية.. بها شيءٍ من التسلية وهو يضع يديه داخل جيوب بنطالـه متمتمًا بهدوءٍ ماكر كالصياد الذي رأى أخيرًا فريستـه:
-إذا كان كدا بقى، أنتي لازم تتعاملي بأسلوب تاني خالص، كان لازم أعرف إنك مش سهلة أبدًا من أول يوم شوفتك فيـه.

*****
هبطت «جوان» باحثة عن «داود» بعينيهـا، فـ وجدته جالسًا بالشرفة الخاصة بمكتبه وأمامه العديد من الملفات لحسابات المطاعم الخاصة به يقوم لمراجعتهـا، غابت لعدة دقائق ثم عادت وهي تحمل كأسين من الخمـ..ر دنت منه وهي تقول:
-حبيبي أنت لسه قاعد؟!..

أشار بيده وهو يقول:
-براجع بس على الحسابات.

جلست «جوان» على ذراع المقعد العريض الذي يجلس “داود” من فوقه وتمايلت عليه حيث بسطت ذراعهـا نحوه بكأس الخمـ..ر الخاص به فتناوله منها دون أن ينظر نحوهـا، صمتت قليلًا قبل أن تقول فجأة بصوتٍ حانق:
-داود، أنا مش مرتاحة لـهدوء لينا.

أنتصب في جلسته وترك ما بيده وهو يسألها بإهتمام:
-ليه يا جوان؟!.. وبعدين أنا وضحتلك لو فكرت تلعب نهايتهـا هبقى إيـه؟؟.. الشغل إللي إحنا بنعمله ده ملوش غير طريق واحد، وأظن إنتي عارفة ده كويس.

التفكير يُقـ,ـاتلهــا، فقالت بلهجة جادة:
-ممكن نهايتك دي تبقى على إيد بنتك، هي معندهاش حاجة تخسرهـا خلاص.

سكتت للحظةٍ قبل أن تقول بنبرة ذات مغزى:
-ومتنساش إنهـا عمرهـا ما هتنسى إنك قـ,ـاتل أمهـا.

إبتسم بسخرية وهو يقول بنبرة حادة:
-كانت هتبلغ عني، عوزاني أعمل إيـه؟؟..

هب واقفًا وهو يُضيف بعينين مظــ,,ـلمتين:
-وكان نفسي تخلف ولد يكمل مسيرتي، لكن هي أكتشفت ده، وأكتشفت شغلي الحقيقي، لو مكنتش قتـ,ـلتهـا، كانوا هما إللي هيعملوا كدا، وساعتهـا كانت مكانتي إللي فضلت أبني فيها سنين هتتهز، وأنا لا يمكن أسمح بـ ده أبدًا.

وثبت واقفة وهي تقول بجدية تامة:
-وعشان كدا بحذرك، لأنها مش بس عارفة إنك قتـ,ـلتهـا، دي عارفة إنك مش بتعتبرهـا بنتك، هي بالنسبالك مجرد سلعة، وده بيزود قساوة جوا قلبهـا، ويا ويل لو دوقت قسوة لينـا.

أستدار نحوها وهو يدنو منهـا قائلًا بثقة:
-ماتقلقيش يا حياتي، أنا عارف أنا بعمل إيه، ده أنا داود الصاوي!!

بادلتـه «جوان» إبتسامة وهي تطوق عنقه هامسة بنعومة:
-طب إيه بقى موحشتكش؟؟..

تبدلت نظراتــه إلى مكر وهو يقول:
-طبعًا وحشاني، وتعالي أثبتلك.

ضحكت بخفة وهو يسحبهـا إلى الأعلى حيث غرفتهمـا، وقضيا ليلتهمـا وسط خيوط الليل المُنسدلة على القصر.

*****
في صباح اليوم التالي، هبط «مراد» إلى الأسفل فوجد كل من «داود» و«لينـا» يجلسان معًا يتحدثان عن تلك الشحنة الضخمة التي يجب أن تدخل مصر في أقرب وقت ممكن، تحرك نحوهمــا وهو يحيهمـا مبتسمًا بسخرية لـ«لينا»، التي بادلتـه إبتسامة صفراء دون أن ترد على تحيته، جلس قبالتهــا وهو يستمع إلى لهجة «داود» المُهتمة قائلًا:
-ها يا مراد، أتمنى تكون نمت كويس.

أومئ برأسه وهو يقول بجدية:
-جدًا، ها إيه الشغل إللي هنبدأ فيـه؟؟..

نظر «داود» لإبنتــه نظراتٍ غامضة ثم نظر نحوه مرة أخرى وهو يُجيب:
-المعلومات إنت عارفهــا، ولكذلك الميعاد، المهم أنا عاوز حراسة على اشحنة إللي نازلة مصر، خلي الناس يتابعوهـا أول بأول.

تعجب «مراد» من طلب رئيسـه ليهتف متسائلًا:
-أعتبره حصل، بس إشمعنا المرة دي؟؟..

تنهد بحرارة وهو يجيبـه بعدم إرتياح:
-مش عارف، بس أنا مش مطمن الفترة دي، متنساش أن في قلق حوالينـا، ده غير البوليس مركز جامد.

أومئ «مراد» رأسه إيجابيًا وهو يقول بتفهم:
-معاك حق يا بوص، أنا هظبط مع الرجالة وهبلغهم، وبعد كدا لازم أرجع مصر عشان أتابع بنفسي.

هز «داود» رأسه برضا، ومازال بداخله بعض من القلق بشأن شحنة الأسلحة، والتي سيتم نقلهـا من مصر إنجلترا إلى مصر خلال أيام، أنتبـه إلى صوت إبنتـه الحاد وهي تسألــه:
-أومال أنا دوري إيه؟؟.. أنا معرفش أي حاجة عن الشحنة دي ولا ميعادهـا.

نطر لهـا بحدة وهو يضــ,,ـرب بعصـاه قائلًا:
-هتعرفي كل حاجة في وقتهـا.

إبتسمت له بسخرية وهي تقول:
-إذا كان كدا يبقى إيه لازمتي يا داود باشا، على العموم إنت حُـر، إبقى شوف مين هيعرف يظبط الشغل إللي مفيش حد بيقدر يعمله غيري.

قالت كلماتهـا الأخيرة وهي ترفع ذقنهـا بثقة، ثم نظرت في إتجاه «مراد» الذي تابع ما يحدث بنظرات غامضة.. حائرة، غادرت من أمامهم متوجهه نحو الدرج كي تصعد إلى الأعلى، أنتظر «داود» إلى أن أختفت عن أنظاره، فهتف بصرامة:
-النهاردة يحصل التنفيذ في إللي يخص لينـا، عاوزين نخلص.

هز «مراد» رأسه بالإيجاب، وعيناه تشردان بعيدًا، ومن نقطة ما، أشتدت لون عينيـه السوداء ظلامًا، من كثره ما يشعر به بداخلـه جهه تلك الفتاة.

*****
في المساء، كانت «لينـا» تسير بخطى شاردة، وهي تنظر أمامهـا بمشاعر متخبطة، ألم غريب عادت تشعر بـه، فهي أصبحت تكره الوقت الذي تتأمل فيهـا ذاتهـا، فما أن تأتي تلك اللحظة، حتى تهاجم الذكريات والآلآم قلبهـا، سحبت نفسًا عميقًا وهي تقول بقسوة:
-هانت، والكل هيدفع تمنـه.

أيًا كان سبب شرودهـا الآن فهو لا يشغل تفكير ذلك الرابض في الزاوية المظــ,,ـلمة القريبة منها، يستعد لتنفيذ الخطة، تحرك «مراد» نحوها بخطوات حذرة كالفهد، وحانت الفرصة، أنقضاضة واحدة من الخلف كانت كافية؛ ليشل حركتهـا بشماله، وباليمنى كمم فمها بقطعة قماش تحوي مخدرًا قويًا سريع المفعول، وقبل أن تفيق من صدمتها تخلى عقلها عن وعيه في لخظات، وبدت وكأنهـا تسمع صوت من بعيد يقول:
-أنا آسف.

فــ تراخت ذراعهـا المتشبثتان بقبــ,,ـضتـه بذهول حول فمهـا، وتنازلت قدماها عن حملهـا ملقية بنفسهـا نحو صدره كهديةٍ ثمينةٍ.
*****
«أتحداك أنا»
«الفصل الرابع»

ضوضاء وتشوش يُصاحبانها، أحاطا بعقلها، غمامة سوداء باهتة تزحف بعيدًا عن وعيها؛ لتسمح بتأوهاتٍ خافتةٍ متلاحقةٍ تنطلق من صدرها؛ لتبدأ ذاكرتهـا بإسترجاع اللحظات الأخيرة قبل أن تفقد وعيهـا، تشنج جسدها، وقاومت ثُقل جفنيهـا بفزعٍ، وهي تحاول فتح عينيهـا مراتٍ ومراتٍ، مقاومتهـا تزيد تدريجيًا مع زيادة نبض قلبهـا الذي يضخ الدم في عروقها بجنونٍ، وقد تمكن منها الرعب قبل أن تفتح عينيهـا تمامًا.

وقبل أن تُدرك وضعهـا الصعب، سمعت صوته الساخر الذي جذب انتباههـا نحو الباب الخشبي العريض في زاوية تلك الغرفة الغريبة:
-لما تستوعبي، إبقي قوليلي.

تجمد بصرها ذاهلةً فوق سطح وجهه البارد النظرات وهي تهمس بإسمه:
-مراد؟!..

كان واقفًا مُستندًا بكتفه إلى حافة الباب المفتوح عاقدًا ذراعيـه فوق صدره، إبتسامة ساخرة زينت شفتيه وهو يقول:
-مفاجأة، بس ماتقلقيش مش هتدوم.

لحظةٌ، أثنتان، ثلاث.. لا تتكلم، صامتةٌ مذهولةٌ كما هي تناظره بعينين شاخصتين، نهضت من على الفراش ببطءٍ، محاولةٍ أن تتغلب على دوار رأسهـا الذي هاجمها بضراوة قبل أن تقول بصوتٍ متجهم:
-عايز إيه يا مراد؟؟..

رفع كتفيه بلامبالاةٍ كأن الأمر لا يعنيه، مُجيبًا وهو يحدق بعينيهـا:
-الموضوع ميخصنيش، دي أوامر والدك.

أنفرجت شفتاها بتساؤلٍ قائلةٌ:
-يعني إيه؟؟..

دنى منها عدة خُطوات قبل أن يسألها بصوتهِ الحاد:
-كُنتي بتعملي إيه لما هربتي من هنا على مصر؟؟.. عشتي هناك إزاي في الشهر إللي أختفيتي فيه بعيد عن داود باشا.

ألقت عليهِ نظرةٍ مُحذرةٍ نـ,,ـاريةٍ وهي تُجيبـه:
-إنت جاوبت بنفسك، كنت هربانة منه، ولما بعت حد عشان يقتـ,ـلني وضــ,,ـربني بالنـ,,ـار، إنت إللي عالجتني بنفسك، فقررت بدل ما أمـ,ـوت في الشارع، أرجعله تاني.

بحروفٍ مُهددة قـــال:
-يعني إنتي مفكرتيش تخونيـــه؟!..

لحظةٍ واحدةٍ فقط، وصوت ضحكاتهــا تعالت بالمكان، بينما هو يحدق فيهـا بغضــ,,ـب جامح لا أحد يعلم سببه، صمتت فجأة وهي تسأله بتهكم:
-هروح مثلًا أبلغ عليه؟؟.. طب إزاي وهو كل عملية كانت بتتعمل كنت ببقى أنا معاه فيها، هودي نفسي في داهية يعني؟؟..

صمت طويل دام، قبل أن يخرج سـ,ـلاحـه الخاص به الذي كان مُندس خاف قميصـه، ثم صوبـه نحوهـا وهو يقول:
-أنا عندي تعليمات بإني أبعتك لرحلة بدون رجعة، مُتأكدة إنك مخونتيناش؟؟..

رمقتـه بثقةٍ وإبتسامةٍ صغيرةٍ مُرتسمة على وجهها وهي تقول:
-إللي زيي مش بيخاف من المـ,ـوت، وردي هو هـو، محصلش أي خـ,ـيانة، لأن ده معناه هلاك لنفسي.

ثم نظرت للسـ,ـلاح وهي تُضيف:
-تقدر تضــ,,ـرب.

أتسعت إبتسامتـه الساخرة، قبل أن يمد يده بالسـ,ـلاح وهو يقول بثبات:
-إثبتي ده بنفسك.

أمسكت السـ,ـلاح بعينين حادتين خلفهمـا الكثير من الألم، سُرعانٍ ما أغمضت عينيهـا وهي تضع فوهه سـ,ـلاحـه على جانب جبينهـا، تستعد لإطلاق النـ,,ـار، ضغطت على الزناد ولكن لم تنطلق أي رصاصةٍ، فتحت عينيها بدهشة وهي تنظر للسـ,ـلاح قبل أن تسمعه يهتف بجمودٍ:
-كده أثبتي عدم خـ,ـيانتك لينا، يالا بينـا نرجع عشان نتفق على العملية، لأن السفر بكرا.

نظرت لـه بعينين حادتين لتقابلهـا عينيـه القاسيتين، أمسكت يده بقوةٍ لتضع السـ,ـلاح على راحة يده قبل أن تقول بصوتٍ هامس خافت:
-المرة دي هعديهـا لأنها أوامر داود باشا، غير كدا مش هيحصل المرة الجاية إنك تقف قصادي وتهددني كدا.

وبدون كلمةٍ أُخرى تركتـه مُغادرة من ذلك المكان الذي أشبه بمخزنٍ قديمٍ، راقبهــا بعيونٍ قوية وهو يمسح على شعره بقوةٍ قبل أن يهمس بصوتٍ شارد.. وبه شيءٍ من خيبة الأمل:
-خُسـارة، خُســارة يا لينـا، أول مرة ظني يخيب.

*****
ما أن عادت إلى القصر حتى ركضت بسرعةٍ خفيةٍ نحو غُرفتهـــا، ثم أغلقت الباب بالمفتاح حتى تمنع دخول أيّ شخصٌ مؤقتًا، نبضات قلبهـا تتزايد بعنــ,,ـفٍ، أغرورقت عينيهـا بالدموع القهرة وهي تنظر حولهـا بغضــ,,ـبٍ حـارق، تُكاد أن تنفجر، سحبت نفسًا عميقًا قبل أن تتحرك بهدوءٍ غريبٍ، أنحنت بجسدها لتبعد بالبساط المفترش عن الأرضية، جلست في وضع القرفصاء وهي تتأمل تلك البلاط المقصودة، فوجدتهـا بالفعل غير مُثبتة بالأرضية كالبقية، أخرجت «لينا» حديدية للأعتناء بالأظافر؛ وبدأت في رفعها، لتجد مجموعة أوراق مع كيس بلاستيكي به هاتف صغير، فـ ألتقطتـه بلهفةٍ.

دقيقة واحدة، وكانت تضع الهاتف على أذنها وهي تقول بصوتٍ حاولت إخراجه طبيعيًا:
-العملية بكرا على الساعة ٤، أيوة الشحنة هتوصل على المينـا هناك، وأنا هكون موجودة، دي أوامر داود باشا.

بلعت ريقهـا بصعوبةٍ وهي تسأله بتعب من أثر ما يحدث لهـا:
-مطلوب مني إيه؟؟..

*****
بعد قليل، مددت جسدهـا على الفراش، وأغلقت الأنوار وأكتفت بتلك الإضاءة الخافتة التي تظهر من النوافذ والشرفة، زفرت بحرارة قبل أن تغمض عينيهــا محاولة جلب النوم إليها؛ حتى تهرب قليلًا من الواقع المرير، ولكن شعرت بوجود شخص ما بغرفتهـا، فتحت عينيهـا سريعًا وقبل أن تستوعب الأمر وجدت رجلٍ ملثم على وشك أن ينقض عليهـا، شهقت بخفوت وهي تُدير ذاتها على الفراش حتى وقعت على الأرض، ثم هبت واقفة لتجده يحمل سـ,ـلاح نـ,,ـاري يوجهه نحوهـا، وصوتٍ خشن يقول بالإنجليزية:
-يجب التخلص منك، أنتِ العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا منذ البداية.

أتسعت عيناها قليلًا بقسوةٍ وهي تقترب منـه بهدوء، وقفت قبالتـه حتى أصبحت فوهة السـ,ـلاح على صدرهـا مكان قلبهـا وهي تقول بهمسٍ فحيح:
-أقتـ,ـلني إن كنت تستطيع.

وقبل أن يضغط على الزناد ألتقطت منـه السـ,ـلاح بعد أن قبــ,,ـضت على معصم يده كي تلف ذراعه خلف ظهره، ورفعت قدمهـا تضــ,,ـربـه بكل قوة، فـ أندفع جسده إلى الأمام حتى وقع على طاولة التي وقعت معه، وكُسر زجاجهـا، ولكن سرعانٍ ما وقف وهو يصرخ فيهـا بغضــ,,ـب قبل أن يحاول الإنقضاض عليهـا ولكن هاجمتـه بكل قوتهـا، وأستمر العراك بينهما حتى وقع على الأرضية، أنحنت بجسدهـا وقبل أن تقـ,ـتلـه بكسر رقبتـه، أنفتح الباب على مصراعيه ليدخل «مراد» وتعبيرات وجهه تعكس عما بداخله.

نظرت لـه بذهولٍ وبأنفاسٍ عالية دون شعور، لتشعر بألم مفاجئ في ظهرهـا وفكهـا بعد أن لكمهـا الرجل الملثم، فإندفع جسدها للوقوع على مكان الزجاج المتناثر، وركض هاربًا، ولكن رصاصة «مراد» كانت أسرع منه، فأستقرت بقدمــه وأنطلقت صرخاتـه الآلآمة.

ركض «مراد» نحو «لينـا» محاولًا إبعادها بحرص عن الزجاج الذي دخل بعضًا منه في ذراعيهـا، أمسك وجهها بين راحتيه وهو يسألهـا بقلق:
-لينا، لينـــا، أنتي كويسة؟؟..

أومأت رأسهــا بتعب، لتجده يضم رأسها إلى صدره دون أن يمس بجسدهـا وهو يتمتم:
-ماتقلقيش، إنتي في أمان.

دخل حراس القصر ما أن وصلت إليهم إشارة من هاتف «مراد»، فـ ركض جميعهم نحو الرجل الملثم؛ كي يأخذوه، ماعدا ثلاثة منم الذين إستمعوا إلى أمر «مراد» القائل:
-يالا بسرعة خدوه عندكم وتعرفوا هو تبع مين.

دقائقٌ، نهضت «لينـا» بمساعدتـه محاولة أن تظهر ثباتهـا، وضع ذراعه على كتفهـا وكأنه يحميهـا، ثم تحرك بهـا نحو الفراش، مددت جسدهـا عليه وهي تسأله بهمسٍ خافت:
-مش هتمشي؟؟..

هز رأسه نفيًا وهو يتحرك نحو الركن البعيد عنها بقليل، ثم جلس على المقعد العريض والناعم وهو يُجيب بإبتسامة هادئة:
-لأ، هقعد هنا شوية لغاية ما تنامي، عشان أبقى أطمنت عليكي، بس لازم نتكلم في إللي حصل ده.

ردت عليه «لينا» بصوت جامد:
-أوعدك بكرا، بس سبني أنام، أنا تعبانة.

لا يعلم لم شعر بأن تعبهـا ليس جسدها بل تعب روحهـا المشوهة، تأملهـا بعيون دقيقة وهو يشعر بجنون نبضات قلبه ما أن أستمع إلى صوت عراك قوي وهو يمر بجوار غرفتها صدفةٍ، ولكن حينما دخل ورأى سيطرتهـا تأكد أنها فتـاة ليست قويةٍ، بل شرسةٍ.

ولكنـه الآن يخشى كثيرًا، أن يقع في حب تلك الفتاة، إبنة تاجر المخدرــ,,ـات، والذي مصيرهـا بالتأكيد المــ,ــوت.

*****
بعد عدة ساعاتٍ كثيرةٍ، وصل كل من «مراد» و«لينا» إلى أرض مصر، ليتجها معًا فور وصولهمـا إلى الفندق بعد أن قام كل منهم بحجز غرفة ولكن بأسماء مختلفة تمامًا حتى لا يكشفهمـا أحدًا، وبعد مرور ساعتين تحركا معًا مرةٍ أُخرى إلى الميناء والمقرر وصول الشحنة له وفور وصولهمـا، وقف «مراد» يتأمل «لينا» وهي تنظر حولهـا بثقة وذقنها مرفوع قليلًا وكأنها ولدت هكذا، دنى منها وهو يسألها بإهتمام:
-أنتي كويسة؟؟..

ألتفتت له وهي تجيبه بالامبالاة:
-آه كويسة، هيكون مالي يعني؟؟..

حرك رأسه سلبًا وهو يقول:
-مش باين يا لينا.

جف حلقهـا فجأةٍ، وهي تسأله في شئ من التوتر:
-إيه مالي يعني.

-عينيكي عكس شكلك، شكلك بيقول إنك باردة، لكن عينيكي بتقول أن جواكي غضــ,,ـب يقدر يحــ,,ـرقنا كلنا.
-هتعمل فيهـا بتقرأ العيون؟؟..

قالتها بلهجة ساخرة، ليقضع يديه بداخل جيبه وهو يقول بثقة تليق به:
-أنا فعلًا بعرف أقرأ العيون كويس أوي، والكلام إللي قولته هو إللي موموجد في عينيكي في اللحظة دي.

لم تعرف بماذا تجيب، فوجدت أنه من اليجب أن تصمت، ولكن سؤالـه جعلها تتصلب في مكانها حينما قال بريبة:
-إللي هجم عليكي إمبارح ده أنتي تعرفيه؟؟..
-لأ، معرفوش.

قالتها بإقتضاب محاولة أن تتحشى النظر إلى عينيه الحادتين كالصقر، أنتفضت من مكانها عندما سمعت أصوات سيارات الشرطة تداهم المكان لتنتشر حالة من الذعر والتوتر، وتجد الجميع يخرج سـ,ـلاحـه، يستعدون للهجوم، ألتفتت لـ«مراد» الذي هدر فيهـا بغضــ,,ـب وهو يخرج سـ,ـلاحه:
-سـ,ـلاحك يا لينـا، يالاااااا.

أخرجت «لينا» سـ,ـلاحهـــا وهي تخلع نظارتهــا الثمينة تلقيهــا بأي مكان تستعد للهجوم مع «مراد» والجميع، وبالفعل دقائق قصيرة وكان المكان بأكمله يعج بأصوات الطلقات النـ,,ـارية، وأنتشرت الفوضى والدمـــاء.

*****
«أتحداك أنا»
«الفصل الخامس»

وقفت «لينـا» خلف أحد الحاويات بالميناء وقد أتخذتهـا ساترًا لها من الطلقات النـ,,ـارية التي يعج بها المكان بعد أن كانت تحيطها الرصاصات من كُل جهات، بدأت تطلق الرصاص بحاجبين منعقودين بشدة، فتسقط الجــ,,ـثث هامدة أمامها في مشهد مأساوي، حاولت التحرك أكثر من مرة متسللة إلى خارج المكان، كلما هدأ صوت الرصاص لتطالها طلقة مفاجئة إما خلفها أو أمامها أو بجانبهـا، لتتراجع عن فكرتها متسمرة في مكانها.

مضى بعض الوقت على وضعها، حتى وجدت أن الأجواء هدأت أخيرًا، سحبت «لينا» نفسًا عميقًا وتحركت عدة خطوات؛ كي تبحث عن «مراد»، ولكن سرعان ما عادت أصوات الرصاص تملئ المكان، أنحنت بجسدها قليلًا محاولة أن تبتعد عن الرصاص، ولكن شعرت بمن يطوق خصرها، يجذبها بقوةٍ نحوه بعيدًا عن مرمى النيران، حاولت التملص منه لكن قبــ,,ـضتـه القوية أبت تركها، حتى أستقر كلاهما خلف تلك الحاوية، إستمعت إلى صوته الغاضب المكتوم:
-أهدي يخربيتك، فرهدتيني، أنا مراد.

ألتفتت له برأسها تطالعه بعيونٍ حادة رغم لمعة الخوف الذي ظهرت بهما رغمًا عنها؛ وكأنها تتأكد من كونه «مراد»، تأمل ملامح وجهها سريعًا قبل أن ينظر إلى الأجواء حولهم، هتف بلهجة قوية لها:
-ركزي معايا يا لينا، لازم نخرج من هنا في أسرع وقت ممكن.

أومأت رأسها بالإيجاب، ليراقب هو المكان بتركيز محاولًا إيجاد ثغرة ما يستطيعان من خلالها الخروج بأقل خسائر ممكنة؛ حتى وجد أحداها أخيرًا، فهو طريق مخفي مليئ بالحاويات المتراصة جنبًا إلى جنب يغطي تحركهما ويمهد لهما الطريق إلى الخارج.

عاود النظر إليهـا ليقول بصوتٍ عميق، به شيءٍ من القلق:
-أسمعيني كويس، الطريق إللي هناك ده هنمشي فيه بسرعةلغاية المخرج إللي في آخره.

رهزت رأسها وهي تقول بإيجاز:
-إطمن.

وقبل أن تتحرك وجدته يجذبها نحوه مجددًا، تطلعت إليه بتعجب لتجده يتابع بلهجة مشددة:
-إنتي هتكوني ورايا يا لينا، وأنا هعاين الطريق، بلاش تهور ولا أختراعات، خلينا نطلع من هنا بأقل خساير.
-ماتقلقش يا مراد، ثق فيا.

أومئ لها بالإيجاب، ثم أشار له أن تتبعه، وبالفعل تحركا معًا، وكلما أنتقلا من خلف أحد الحاويات إلى التالية لها يسمعان طلق نـ,,ـاري يوقفهما ثم يعاودان التحرك مرة أخرى، ومن كان يعترض طريقهمـا إما أن تطلق «لينا» رصاصتها في الخلف أو «مراد» يطلق دون أن ينتظر في الأمام، حتى وصلا لسيارتـه.

تنهدت «لينا» بإرتياح وهي تدس سـ,ـلاحها قبل أن تقول بجدية:
-كويس إننا خرجنا وآآ..

لم تكمل كلماتها وهي تلتفت له قبل أن تتسع عينيهـا بصدمةٍ قلقة، دنت منه وهي تتمتم:
-مراد إنت أتصــ,,ـابت؟؟..

حاول «مراد» كتم آلالامة، وهو ينظر لهـا محاولًا التماسك قائلًا:
-ماتقلقيش يا لينا، أركبي يالا.

أقتربت منه وهي تقول بقلق:
-أركب العربية، وأنا إللي هسوق، يالا بينا.

أستقل كل منهما في السيارة، بينما هو كان جـ,ـرحه ينـ,ـزف نـ,ـزيفًا، ولكنه لم يبدي ذلك، أعتدلت «لينا» وهي تستقر في مقعدها من جديد، حاولت تفحص جـ,ـرحه ولكنه صاح فيها قبل أن تلمسه:
-متلمسنيــش.

لم تستمع له، بل أزاحت السترة لتجد كمية غير قليلة من الدماء قد لوثت قميصه، شهقت بفزع وهي تقول:
-أنت نزفت كتير أوي، هنعمل إيه؟؟.. المشكلة مش هينفع نطلع على المستشفى.

بدأت طاقته تضمحل، والرؤية تشوشت قليلًا، أنفاسه تسارعت ولاحقت بعضها البعض، جسده توهج بسخونة حامية، حاول التحدث وهو يقول بتعب:
-إسمعيني كويس يا لينا، مفيش مكان نقدر نروحه غير الفندق، أنا هدخل هناك بسرعة ومش هيبان عليا حاجة بسبب الچاكت الأسود إللي لابسه، وأول ما نوصل تختفي كام دقيقة في أوضتك، وبعدها تجيلي، ومعاكي الأدوات إللي تعالجيني بيهـا.

حركت رأسهـا بالإيجاب وهي تبدأ تسيطر على عجلة القيادة لتقود إلى حيث الفندق، حاولت أن تبعد شعور التوتر الذي يعتريهـا، فيجب إنقاذه قبل فوات الأوان.

*****
في إنجلترا، هب «داود» واقفًا وهو يدور حول مكتبــه، أنعكس الغضــ,,ـب على معالم وجهه، وقد ألتمعت عيناه بالشر الدفين وهو يصرخ بعصبية:
-يعني إيه؟؟.. ده أنا كدا هروح فستين داهية.

صمت قليلًا قبل أن يصرخ بعصبيتـه:
-طب أقفل، أقفــل، وحسابك معايا بعدين.

أنهى مكالمتـه وهو يهمس بعدة كلمات غير مفهومة، صدح صوت رنين هاتفه الصاخب، فتطلع إلى أسم المتصل بإضطراب قبل أن يضع الهاتف على أذنه مجيبًا بتوتر كبير:
-أيوة يا باشا.

هدر بإنفعال بيّن:
-إزاي ده يحصل يا داود، يعني إيه الشحنة تتضبط، الشحنة ضاعت ووديتنا في داهيـة.

قال «داود» بإرتباك وهو يتحرك في أنحاء غرفة مكتبه:
-يا باشا وأنا ذنبي إيه؟؟.. آخر حاجة أتوقعها أن البوليس يطب علينـا.

هدر بصوت غاضب وهو يشعر بنيران تشتعل في رأسه:
-في خاين وسطينـا، لازم تعرفـــه، لازم يا داود وإلا هتدفع التمن، لينا كلام تاني مع بعض.

أغلق الهاتف دون أن ينتظر رده، ألقى «داود» هاتفه على سطح مكتبه وهو يقول بحنق:
-خاين إيه بس؟؟.. مين يتجرأ ويخوني؟؟..

أتى صوت «جوان» من خلفه وهي تقول بدون تفكير:
-يبقى أكيد «لينا».

*****
بعد فترة وجيزة، دخلت «لينا» الغرفة الخاصة بـ«مراد»، ثم أغلقت الباب بالمفتاح، تنفست بعمق وهي تمسك الحقيبة الصغيرة متوجهه نحو غرفتـه، لتجده يمدد جسده على الفراش بوهن، وحرارة جسده ترتفع ونبضه ينخفض على أثر فقدان الكثير من الدماء، جلست بجواره وهي تهمس بلهفة:
-مراد، مـراد فوق أرجوك، إنت سامعني؟؟..

فتح جفونه نصف فتحة وهو يهمس:
-سامعك، هتقدري تعالجيني؟؟..

هزت رأسها سريعًا وهي تقول:
-ماتقلقش، أعتمد عليا.

فتحت حقيبتهــا لتجد أدوات طبية ومعقمة تفي إستخدامهم بالكامل، ضيقت عيناها بتركيزٍ وهي تحاول إخراج الرصاصة، حاول «مراد» كتم آلالامة بصعوبة بالغة، وحبات العرق أمتلئت بوجهه وهو يتأوه بألم:
-آآآه.

رفعت عيناها نحوه وهي تقول برجاء:
-أستحمل يا مراد، أستحمل وخاليك معايا، إياك تستسلم.

بلعت ريقها بصعوبة وهي تُضيف:
-أنا هكوي الجـ,ـرح، أنا عارفة أنها خطوة صعبة لكن لازم تمسك نفسك.

تنفس «مراد» بعمق محاولًا التماسك، رغم بدء إرتفاع درجة حرارته بشكلٍ ملحوظ، وبالفعل ما أن قامت بتلك الخطوة الصعبة، حتى أطلق «مراد» صرختـه من شدة الألم:
-يا لينــااااا، آآآه.

سحبت منديلًا ورقيًا وهي تمسح حبات العرق من على قائلة بألم:
-ألف سلامة عليك، أستحمل، خلاص هانت.

أغمض عينيه بتعب، لتخرج هي من الحقيبة إبرة مسكنة وإبرة المضاض الحيوي، ترقرت الدموع في عينيهـا من إضطراب مشاعرها وهي تقول بإرتباك:
-أنا هديك حقنة المسكن ومضاض حيوي، وهتبقى كويس.

تحرك عن جلسته وهو يتأهوه بصوت مكتوم:
-ماشي.

دقيقة واحدة وكان فقد وعيه بعد إرتفاع حرارة جسده، قامت بتغليف كتفه بالشاش الطبي تغليفًا جيدًا، ثم بدأت بعمل الكمادات له حتى تنخفض حرارتـه، أستمرت على ذلك الحال لفترة طويلة حتى أنتهت من كل شيء، زفرت بإرتياح وهي تطمئن عليه، فـ بدأت تتخلص من آثار الدماء ثم خرجت من غرفتـه؛ كي تعود إلى غرفتهـا كس تأخذ حمامًا باردًا تزيل إرهاق ما حدث اليوم.

*****
في منزل بعيد عن كل الصراعات، ناولت «دينا» عصير من البرتقال لـ«سلوى» قبل أن تجلس بإريحية على الأريكة وهي تمسك مشروبهـا أيضًا، شردت قليلًا وهي تبتسم بحزن، أشتاقت إليه كثيرًا، لا تعلم لمَ تشعر بنغزة عنيفة في قلبهـا؛ وكأنه يتألم، خرجت من شرودهـا على صوت «سلوى» المهتم:
-مالك يا دينـا؟!.. بتفكري في أخوكي؟؟..

حركت رأسها بالإيجاب وهي ترد بشوق:
-وحشني أوي يا سلوى، نفسي أطمن عليه، بس مش عارفة، أكتر من سنة ومشوفتوش، عايشة قلقانة عليه طول الوقت، بس النهاردة قلبي واكلني عليه.

إبتسمت «سلوى» بمرارة وهي تهمس:
-معاكي حق، نفسي أنه يطمنا عليه.

ربتت «دينا» على كفها بحنوٍ وهي تقول:
-أنا عارفة إنك بتحبيـه، أدعيله يا سلوى، ولما يرجع بإذن الله، أنا واثقة أن كلنا هنبقى فرحانين، ونعمل الخطوبة إللي هو أجلها لغية ما يخلص من إللي هو فيه.

شردت عينا «سلوى» بعيدًا وهي تغمغم:
-يارب.

*****
بعدما أخذت حمامًا باردًا، ولجت إلى الخارج وهي تتوجه نحو حقيبتهـا حتى تضع عدة أشياء، أستمعت إلى صوت طرقات على الباب، أتسعت عيناها قليلًا قبل أن تسحب سـ,ـلاحهـا ودسته خلف ظهرهـا، أتجهت نحو الباب تفتحه وهي تقف بثبات، ليطالعهـا رجل طويل البنية، يمسك صينية الطعام، أشارت له بالدخول، فدخل بخطى هادئة يضع الطعام على الكومود، حدثته بجدية قاطعة:
-تمام، تقدر تتفضل؟؟..

تحرك نحو الباب وقبل أن يلج إلى الخارج، قال بصوتٍ هادئ.. مريب:
-وصل فرمان مـ,ـوتك، ولازم يتنفذ حالًا.

وقبل أن تستوعب وجدته يخرج سـ,ـلاحه، غريب الشكل، فأدركت أنه كاتم للصوت، رفعه نحو جبينها بإبتسامةٍ جادة، ليتفاجئ بإبتسامتهـا المستفزة له وهي تقول:
-وأنا جاهزة!.
«أتحداك أنا»
«الفصل السادس»

هي تعلم أن مصيرها للمـ,ـوت، إذًا حين يطرق بابهـا يجب أن تبتسم لا أن تخف، فهي خُلقت قوية وستمـ,ـوت هكذا، ظلت ثابتة في مكانهـا، بعينيهـا السوداويان تطالعه بإبتسامتهـا الواثقة، تلاشت سريعًا حينما سمعت صوتٍ ما قادم نحوهما، فوجدته يخرج من الغرفة يبحث بأنظاره عن ذلك الصوت ليجد سيدة تحمل إبنتهــا الصغيرة، شهقت سيدة بخوف وهي ترى شخص يحمل سـ,ـلاح يقترب منهـا، فصرخت بفزع:
-ألحقونـا، ألحقونـــي.

وقبل أن يوجه السـ,ـلاح نحوهمـا، كانت «لينـا» أنقضت عليـه من الخلف وقد طوقت عنقـه بذراعهــا، وبخفة يد أخرجت سـ,ـلاحهــا المندس خلف قميصهـا الأسود، وقامت بضــ,,ـربـه على رأســه، ليصيبــه الدوار ويقع منه السـ,ـلاح، فأخذتـه على الفور، وأخفت سـ,ـلاحهــا، وضعت فوهة السـ,ـلاح على صدره وهي تهدر فيه بغلظة:
-مين إللي باعتك، أنطق، مين إللي باعتك؟؟..

وقبل أن يحرك شفتيـه ضرلبته مرةٍ أُخرى بجانب جبينـه، فإزداد دواره وهي تصرخ بعصبية:
-مين إللي باعتك؟؟..

نطق بصعوبة بالإنجليزية وهو على وشك فُقدان وعيـه:
-الكينـج.

قالهـا ثم وقع أرضًا، في حين تراجعت للخلف بذهولٍ، نظرت حولهـا لتجد الأمن وقد عمّ المكان من الفوضى والتحقيقات خاصةً بعد وصول الشرطة، فبدأت التحقيقات مع السيدة أولًا، ثم مع «لينـا» بعدما تم القبــ,,ـض عليـه، فإنتهت التحقيقات بقولهـا:
-أنا سمعت صوت واحدة بتصرخ برا، لقيت الراجل ده، محستش بنفسي غير وأنا بهاجمه من ورا وقدرت أسحب منه السـ,ـلاح وضــ,,ـربته بيه على دماغه لغاية ما تقبــ,,ـضوا عليه.

تسائل الضابط بسخرية:
-مش غريبة بنت زيك تقدر تعمل ده كله لوحدهـا في 3 دقايق بس؟؟..

إبتسمت ببراءة وهي هي تجيبه:
-لأ مش غريبة، لأني من وأنا صغيرة بتدرب في رياضة الكارتية.

رغم عدم تصديقه لهـا، إلا أنه لا شيء قانوني عليهـا، أنتظرت أن يغادر الجميع، وأن يعود الطابق إلى هدوئه حتى تطمئن على «مراد»، وبالفعل بعد ساعتين فقط دخلت إلى غرفتــه، بعدما أخذت مفتاح غرفتـه، تفاجآت بجلوســـه على الأريكة، وهو عاري الصدر فـ أظهرت عضلاتــه المتكدسة، دنت منـه وهي تقول:
-حمدلله على السلامة.

نظر لهـا بتعبيرات غامضة وعينين حادتين قبل أن يسألهـا بكل هدوء:
-إيه إللي حصل برا؟؟..

ظلت ثابتة في مكانهـا وهي تُجيبه بالامبالاة:
-معرفش، واحد قبــ,,ـضوا عليه شكله كان عاوز يدل يقتـ,ـل حد.

عقد ما بين حاجبيـه وهو يقول بلهجة جادة:
-يقـ,ـتل!.. أمم وأنتي بقى أتدخلتي في الحوار ده؟؟..

أرتبكت من نظراتـه الدقيقة، وصوته الساخر لتجيبـه:
-أومال كنت عاوزني أشوف واحد داخل يقـ,ـتل حد وأقف ساكتة.

هب واقفًا لتتراجع إلى الخلف قليلًا بتوتر ملحوظ، دنى منها عدة خطوات لتتراجع أيضًا حتى هدر فيهـا:
-ما تثبتي في مكانك.

أشتعلت عيناها بغضــ,,ـب وهي تقول:
-متعليش صوتك عليا.

تقوس فمه بإبتسامة ساخرة سوداء وهو ينطق بتهكم:
-كل إللي هامك الصوت، ومش هامك المصايب إللي إحنا فيها؟!..
-مصايب إيــه؟؟.. إذا كان على الشحنة فـآآ…

قاطعهـــا بغلظة مثيرًا بيده:
-بغض النظر عن أن أحنا هنشوف ألأيام سودة بسبب الشحنة دي، لكن كونك تتدخلي في حوار زي ده، مع وقت جاي يقتـ,ـل، فمعتقدش أنه جاي يقـ,ـتل غيرك أنتي يا أنـا، ولا إيــه؟؟..

صعقت من تخمينــه بتلمك السرعة، بلعت ريقهـا بصعوبة لتجده يهدر فيهـا بإنفعال:
-حصل ولا لأ؟؟..

عقدت ساعديهـا أمام صدرهـا لتقول ببرودٍ:
-حصل يا مراد، حصل وكان جاي يقـ,ـتلني، ولحقت نفسي، ياريت كفاية كدا، أنا إللي فيا مكفيني.

وقبل أن تستدير وجدتـه يقبــ,,ـض على ذراعهـا يجذبهـا نحوه صارخًا فيهـا بحدة:
-كل دول عاوزين يقـ,ـتلوكي؟؟.. ليـه؟!.. إنتي مين بظيط؟؟.. إيه حكايتك؟؟.. ليه كل ده بيحصل معاكي، إنتـــي ميــن؟؟..

حدقت في عينيه مباشرةً وهي تقول بقوةٍ جبارة:
-أنا لينـا الصاوي، عدوة الكل، وحبيبتهم في نفس الوقت، علاقتنـا هي المصلحة وبـس، علاقة معقدة، محدش هيقدر يفهمها ولا حتى إنت.

صمت طويل دام وعينيـه القاسيتين ترمقانهـا بتدقيق حاد، يحاول أن يعلم ما يدور في عقلهـا، ولكنهـا ثابتة بشكلٍ مريب، رغم ما يشعر به من أنهيارهـا القريب، زفر بحرارة قبل أن يرخي قبــ,,ـضة يده عنها وهو يقول بجمودٍ:
-إحنا هنرجع إنجلترا، ميعاد طيارتنــا كمان كام ساعة، يالا بينـا نجهز نفسنـا.

قال كلمتـه وهو يغادر من مكانه متوجهًا نحو المرحاض، تاركًا إياهـا في وهنٍ غريب أجتـاح جسدهـا، أغمضت عينيهــا محاولة الصمود وهي تهمس بخفوت:
-ليه المـ,ـوت دايمًا جمبي ومش بياخدني معاه وأرتاح.

ترقرت الدموع في عينيهــا وهي تهمس بإبتسامة صغيرة:
-نفسي أمـ,ـوت عشان أشوف الإنسانة الوحيدة إللي حبتني في العالم ده.. أمــي.

سكتت لحظةٍ قبل أن تهمس بألم مرير:
-بس ماتقلقيش، هشوفك قريب، مش هسيبك لوحدك كتير.

*****
بعد مرور ثلاثة أيام، كانت «لينا» جالسـة على الفراش تضم ساقيهـا إلى صدرهـا، وعيناها شادرتان في نقطة فراغ، أغمضت عينيهـا وهي تزفر بحنق مكتوم حينما أستمعت إلى طرقات على باب غرفتهـا، هبطت من على الفراش متوجهة بخطوات بطيئة نحو الباب، فتحتـه وهي تتوقع مجئ والدهـا، لكن وجدت «مراد» يقف أمامهـا بطولـه الفارع، سحبت «لينا» نفسًا عميقًا وهي تسأله ببرود:
-نعم يا مراد، خير؟؟..

تطلع إلى معالم وجهها الواهنـة رغم قوتهـا الظاهرة، قال بلهجة ىعميقة:
-لينا، إحنا لازم نتكلم، وكمان شكلك مش عاجبني، فيكي إيـه؟؟.. أنا حاسس إنك خسيتي شوية ولا أنا بيتهيألي؟!..

هزت رأسهـا بالسلب وهي تجيبــه:
-أنا عارفة إنك عاوز تتكلم في إيه، بس حقيقي يا مراد، مش قادرة أتكلم، أنا حاسة بتعب.

صمت قليلًا قبل أن يقول بجدية:
-لينا إنتي مبقتيش بتاكلي من ساعة ما رجعنـي، وأنا ساكت، عاوز أعرف فيكي إيه، قوليلي وأنا هساعدك؟!..

قبل أن تتحدث، وجدت شخص ما يقترب منهمـا وهو يقول بإحترام:
-لينا هانم، «آريان» باشا تحت وبيسأل عليكي.

شهقت «لينـا» وهي تتمتم بلهفة:
-آريــان.

تجاوزت «مراد» الواقف ينظر إليهــا بذهول، وهو يرى إندفاعهـا إلى الخارج من أجل ذلك الغريب، غضــ,,ـب حارق أشتعل بصدره، وهو يقول بغضــ,,ـب مكتوم:
-وبعدين بقى، هو إيه إللي بيحصل ده؟؟.. أنا مستني منهـا إيه يعنـي؟؟..

عقد ما بين حاجبيه وهو يتسائل بريبة:
-بس مين آريان ده؟؟.. لأ أنا لازم أعرف.

أندفع بخطواتٍ شبه راكضة نحو الدرج ليجدهـا تهبط إلى الأسفل تركض نحو «آريان» الذي أستقبلهـا بين ذراعيـه، ألم غريب دخل قلبــه، وهو يراها بداخل أحضان الغريب، تابع هبوطه إلى الأسفل، ليجدهـا تتراجع عنه وهي تقول بتلهف:
-كويس إنك جيت يا آريان، أنا لازم أتكلم معاك.

أومئ «آريان» برأسه وهو يهتف بتأكيد:
-أول ما بعتيلي مسدج، خدت أول طيارة لإنجلترا وجيتلك على طولك من غير تفكير، في إيه؟؟.. مـالك؟!..

قبل أنن تتكلم شعرت بوجود «مراد» خلفهـا ما ـن وصلت إليهـا رائحة عطره المميزة بالنسبة لهـا، ألتفتت له بعينين قلقتين لتجده يضع يديه بجيوب جاكيته بإتزانٍ وهو يشير إليه بهدوءٍ:
-ممكن أعرف مين ده؟؟..

أجابـه «آريان» ببسمة هادئة:
-أنا آريان، وأكيد إنت مراد دراع اليمين لداود باشا، مش كدا؟؟..

تجمدت تعابير وجه «مراد» وهو يرد على حديثه ساخرًا:
-آه أنا مراد، وإنت بقى تعرف لينا من زمان؟؟..

أومئ «آريان» رأسه بالإيجاب وهو يجيبه بخبث:
-آه طبعًا أعرفهـا من زمان.

أظــ,,ـلمت عيني «مراد» وتوحشت ملامحه بطريقة مخيفة وهو يقول:
-إزاي؟؟..

تحدثت «لينا» تلك المرة بجدية قاطعة:
-مراد، معلش آريان جاي مخصوص عشاني، فلو سمحت سبنا خمس دقايق.

ملامح وجهه نطقت بالكثير، شعرت أنه سيقترب منها ليقـ,ـتلهـا، لكنهـا تفاجآت أنه ينسحب إلى الخارج بكل هدوء، ولكنه الهدوء ما قبل العاصفة، ألتفت إليهـا «آريان» ينظر لهــا قبل أن يقول بجدية:
-على فكرة، أنا شاكك في مراد؟؟..

ضيقت حاجبيها وهي تسأله بشك:
-في إيه؟؟..

صمت قليلًا قبل أن يجيب بهدوءٍ زائف:
-هقولك بعدين، لما أتأكد الأول، المهم كنتي عوزاني في إيه؟؟..

تذكرت تلك المصيبة التي وقعت عليها بدون سابق إنذار، أرتجف جسدها فجـأة وهي تهمس بإرتعاش:
-من 3 أيام، في حد حاول يقـ,ـتلني يا آريان، بس قدرت ألحق نفسي، ولما مسكته أعترف أنه جاي بناءً على أوامر الكينج.

أتسعت عيناه ذهولًا وهو يقول:
-نعـــم!!، لأ مستحيل طبعًا، لا يُمكن الكلام ده.

زادت إرتجافة جسدهـا وهي تهز رأسهـا نفيًا هاتفة بخوف:
-والله قالي كدا، الكينج عاوز يقـ,ـتلني، إزاي موصلكش معلومة زي دي، إنت عارف ده معناه إيـه؟؟..

مسح على وجهه بقوة وهو يقول بإنفعال بيّن:
-إزاي يا لينا، إزاي وهو أساسًا لما عرف إني نازل إنجلترا قالي إني أوصلك معلومة أنه عاوزك تسافريله إنتي ومراد عشان العملية الجديدة.

شهقت بصدمة وهي تحاول التراجع، إلا أنه قبــ,,ـض على كتفيهــا وهو يسألها بقلق:
-لينـا، مالك؟؟.. فيكي إيه؟؟..

شحب وجههـا بشدة، فوقعت رأسهـا على كتفه وهي تهمس بضعف:
-خلاص هيقـ,ـتلني، كل إللي عملته ضاع يا آريان.

قال بحنوٍ رغم قلقه عليه:
-أهدي يا لينا، مفيش حاجة ضاعت، على فكرة أنتي فيكي حاجة غلط.

أبتعدت عنــه وقد إزاداد إرتعاشهـا وهي تهمس:
-أنا فعلًا كدا، أنا تعبانة أوي يا آريان.

دخل «مراد» فوهو يضع هاتفه في جيبه، رفع أنظاره الحانقة نحوهمـا، ليرى شحوب وجه «لينا» بوضوح، وإرتجافة جسدهـا، تحرك نحوها وهو يقول بقلق:
-لينا، مالك؟؟..

ما أن رأته حتى أغرورقت الدموع في عينيهـا، نغزة عنيفة ضــ,,ـربت قلبـه وهو يسألهـا:
-مالك يا لينا، في إيه؟؟..

دنى منها عدة خوات يحتضن وجههـا بين راحتي يديه وهو يسألها بحنوٍ مثير:
-مالك يا لينا؟؟.. فيكي إيه؟؟..

في حين وقف «آريان» مكانــه متسمرًا في مكانــه وهو يرى قلق «مراد» عليهـا، فهمس بشرود:
-أنا لو طلع إللي في دماغي صح، يبقى كل حاجة أتحلت.

ألم عنيف ضــ,,ـرب رأسهـا قبل أن تغمض عينيهـا مستسلمة لظلامهـا، لاحظ «مراد» ترنحهـا فطوق خصرهــا بلهفة وهو يناديهـا قبل أن تسقط في أحضانـه فاقدة الوعي، حملهــا بين ذراعيه بقلق شديد وهو يُنادي عليهـا محاولًا إفاقتهـا، ليلاحظ برعب بشرتهــا الشديدة التي تحاكي برودة بشرة المـ,ـوتى، وزرقة شفتيها.

*****
«أتحداك أنا»
«الفصل السابع»

تمّ نقلهـا إلى أقرب مشفى بعد إزدياد سوء حالتهـا، وقف الجميع يترقب خروج الطبيب من الداخل، بعد أن تم نقلهـا إلى غرفة الفحص، وقد تضاربت مشاعر الجميع ما بين الخوف والقلق والتوتر والبرود، ما عدا كل من «داود» وعشيقتـه «جوان»، فقد ظل «داود» واقفًا بجمودٍ يحسد عليه، وكأنها ليست إبنته، في حين بدأت تعبيرات «جوان» تعكس عن ما بداخلها من التوتر، وضع «مراد» يديه بداخل جيوب بنطالــه وهو يسير ذهابًا وإيابًا بخوف، و«آريان» يتابعه بعينين حادتين وكأنه يحاول فهم شخصية ذلك المارد.

أنتبـه الجميع على صوت خروج الطبيب من الداخل، تحرك «مراد» نحوه وهو يسأله بتلهف واضح بلكنة الإنجليزية:
-إيه أخبارهـا دلوقتي يا دكتور؟؟.. طمني.

أجابـه الطبيب الإنجليزي بهدوءٍ تام:
-بخير دلوقتي وفــ,,ـاقت، إطمنوا.

عقد «مراد» ما بين حاجبيه وهو يسأله بحدة:
-أومال سبب الإغماءة إيه؟؟..

تنهد الطبيب قبل أن يجيبـــه بجدية:
-واضح أنها بذلت مجهود ضخم الفترة إللي فاتت، لكن مع قلة الغذا، ضغطهـا وطي، وده سبب الإغماءة، لكن…

صمت الطبيب للحظةٍ حتى يضمن إنتباه الجميع له، فسأله «آريان» بقلق:
-لكن إيـه؟؟..

ألتفت “مراد” على حين غرة يرمقه بحدةٍ قاسية، ولكن سرعان ما عاود النظر إلى الطبيب حينما قال:
-إحنا شكينا في حاجة، فعملنا تحاليل، وفعلًا شكي طلع صحيح، الآنسة لينا كانت بتاخد حبوب، الحبوب دي بتخلي أعصــ,,ـابهـا تسترخى تمامًا، ويبدأ جسمهـا يسترخى، لدرجة أن الموضوع كان ممكن يتطور وأنها متقدرش تحرك صباعهـا حتى.

هدر «داود» في الطبيب بغلظة واضحة:
-لا يُمكن لينا تاخد حبوب زي دي، أكيد في حاجة غلط.

أومئ الطبيب برأسه وهو يخبره بصوتٍ جدًّ:
-مش لازم تكون هي إللي بتاخد، ممكن حد بيحطلها في الأكل، لكن التحاليل بتثبت أن الحبوب دي بتاخدهـا وآثارها بدأت تبان عليهـا.

ضيق «مراد» حاجبيـه بغضــ,,ـب أسود وهو يتسائل بحيرة بداخلــه:
-هو في إيه؟؟.. إيه البت دي، الكل عاوزها تمـ,ـوت وفي نفس الوقت محتاجنهـا، هو إيه إللي بيحصل؟!..

لم يشعر بمغادرة الطبيب إلا حينما ربت «آريان» على كتفه، وإستمع إلى صوته المتسائل بإهتمام:
-هتدخل تشوفهـــا؟؟..

همَّ بالتحرك؛ لكنه توقف في منتصف المسافة ليسأله بفضولٍ وبوجهٍ جامد كالصخر:
-أنا عاوز أعرف إنت تقرب لـ«لينا» في إيه؟!..

إبتسم «آريان» ببُطءٍ وهو يُجيبــه بهدوء:
-أنا صديق طفولتهــا، أرتحت كدا؟؟..

لم يجيبـه «مراد» بل زفر بضجر وهو يتركـه متوجهًا نحو الغُرفة التي تقطن فيهـا «لينا»، طرق على الباب بخفة قبل أن يدخل وهو يبحث بعينيه عنهــا، فوجدهـا تعتدل في جلستهـا مبتسمة له في هدوء مريب، جلس على طرف الفراش وهو يسألهـا ببسمة مهتمة:
-قلقتيني عليكي، أحسن دلوقتي؟؟..

هزت رأسهـا بالإيجاب، وهي تسأله بلؤم:
-وأنت بقى قلقت عليا؟؟..

أتسعت إبتسامتـه الجذابة وهو يخبرهـا بصوته العميق المميز:
-مش عارف، بس بحس إنك مسؤولة مني، بحس إني لازم أكون في ضهرك وأحميكي من الخطر إللي حوالينا دايمًا.

ضحكت بخفة وهي تقول:
-إيه يا مراد؟؟.. من إمتى الكلام ده؟!..

أعتدل في جلستـه وهو يرد عليهـا بشرودٍ:
-مش عارف، يمكن من وقت ما سافرنا مصر وواجهنا الخطر سوا هناك، أنا عمري ما شوفت بنت زيك يا لينـا، ولا هشوف.

تجهمت تعبيرات وجهها وهي تقول في شئ من الألم:
-أوعى يا مراد، أوعى مشاعرك تتحرك ناحيتي، إللي زيي وزيك كلمة السعادة مش موجودة في قاموسهم، إللي زيي وزيك طريقهم طريق واحد وهو المـ,ـوت، أوعى يا مراد.

تجهم وجهه بشكلٍ ملحوظ غير راضيًا عن ما تقوله، وظل الوجوم مصاحبًا تعبيراته وهو يسألهـا مباشرةً:
-عاوزة تقولي إن مشاعرك متحركتش ناحيتي لغاية اللحظة دي؟؟..

أرتبكت على الفور وهي تشيح نظراتهـا بعيدًا عنــه، دقات قلبهـا تتعالى بعنــ,,ـف، تود أن تقبــ,,ـض عليه وتعتصره بين يديهـا حتى يتوقف عن ذلك، إبتسم «مراد» بسخرية وهو يقول:
-إذا كنتِ إنتي مش قادرة، إزاي بتقوليلي أنا أعمل ده؟؟..

ألتفتت له وهي تقول بهدوءٍ زائف:
-إسمع يا مراد، أنا آآ…

لم تتابع كلماتهـا حينما فتح الباب ودخل كل من «آريان» و«داود» و«جوان»، إبتسمت لهم بإقتضاب وهي تشيح بنظراتهـا بعيدًا عنهم، إستمعت إلى لهجة والدهـا الحادة وهو يخبرهـا ببرود:
-أنا أتكلمت مع الدكتور، قالي إنك هتباتي هنا النهاردة وبكرا تقدري ترجعي البيت، عاوزك تستعدي لأن عندنـا عملية كبيرة جدًا قريب.

رمقه «مراد» بحنق، ليتفاجئ برد «لينا» القائل بسخرية:
-ماتقلقش يا داود باشا، إطمن على مصالحك.

صمتت قليلًا قبل أن تقول فجـأة بإبتسامة ثابتة غريبة:
-ممكن يا جماعة تسبوني شوية لوحدي مع.. «جــوان».

رفعت «جوان» عينيهــا بخوف نحوهـا وهي تسألهـا بإرتباك:
-أنا، لـ.. ليـه؟!..
-هتعرفي دلوقتي، سبوني معاها خمس دقايق بس.

نظر «مراد» إليهـا بريبة، في حين هز «آريان» رأسه بيأس وكأنه يعلم ما تريده منهـا، أستقام «داود» واقفًا وهو يقول بكل هدوء وبرود في آنٍ واحد:
-على العموم أنا همشي، وأنتي يا جوان شوفي هي عوزاكي في إيه وأبقي حصليني، هستناكي تحت في العريبة.

حركت رأسهـا بإيماءة خفيفة وهي ترى الجميع يغادر من الغرفة، لتتحرك هي نحوها بخطى بطيئة متوترة، ليزداد إرتباكهـا وهي تجدهـا تهبط من على الفراش، وتقف بصلابة تجعلهـا تخشى منهـا كثيرًا، إبتسمت «لينا» بثقة وهي تهتف بسخرية:
-إيه يا جوان، تعالي أقفي قدامي يالا، زي ما بتقفي قدام داود باشا وتسخنيه عليا.

توجهت «جوان» نحوهـا وهي تقول بثقة زائفة:
-عايزة إيه يا لينا، عاوزة توصلي لإيــه.

وقفت قبالتهـــا بثقتهـا الزائفة أمامهـا ثباتهـا المخيف، غابة من السكون أمتدت قبل أن يدوي صوت صفعة قوية في المكان، شهقت «جوان» بصدمة وهي تضع يدها على وجنتها مكان الصفعة، وقبل أن تستوعب وجدتهـا تجذبهـا من خصلات شعرهــا، لتنطلق منها صرخة ألم وهي تقول:
-في إيـــه؟؟.. إنتي عايزة مني إيه؟!..

همست «لينا» بصوت فحيح كالأفاعي:
-بقى إنتي يا حشرة تحتطيلي حبوب في الأكل، عوزاني معرفش أحرك في الآخر صباعي حتى عشان داود باشا يخلص عليا، وتاخدي مكاني يا (…)، لااااا مش لينـا الصاوي إللي يتعمل فيهـا كدا يا بنت الـ(…).

قالت كلمتها الأخيرة وهي تترك خصلات شعرهـا لتقوم بصفعهـا مرةٍ أخرى، أحتدت عيني “لينا” وهي تقبــ,,ـض على يدها ثم قامت بلفها خلف ظهرهـا، لتنهمر دموع “جوان” وهي تقول برعب:
-خلاص يا لينا، خلاص آسفة.

هدرت فيهـا “لينا” بغضــ,,ـب جامح وهي تسألهــا:
-أصرفها منين، راحة تلعبي من تحت لتحت، بدل ما تيجي توقفي قصادي.

شهقت «جوان» ببكاء وهي تردد:
-دراعي يا لينا، دراعي هيتكسر.

رفعت «لينا» ذقنها وهي تقول بقوة:
-عشان بس تعرفي إني ممكن أفعصك زي الحشرة، صبرك عليا لما أخرج من هنا، أوعدك هتشوفي أيام سودة.

شهقت بألم بعدما أرخت «لينا» قبــ,,ـضة يدهــا عنها، نظرت لهـا برعب وهي تتراجع للخلف، أنتفضت من مكانها وهي تستمع إلى صوتها الهادر قائلة:
-يالا غوري من هنـا.

أومأت برأسهـا سريعًا وهي تركض نحو الباب لتفتحه ثم فرت هاربة وكأنها كانت في مواجهة وحشٍ شرس، إبتسمت «لينا» بتهكم قبل أن تتحرك نحو المرحاض بخطى بطيئة، أغلقت الباب خلفهـا وهي تتنهد بحــ,,ـرقة قبل أن تستمع إلى صوت مراد من الخارج، عقدت ما بين حاجبيهـا وهي تتحرك نحو النافذة الصغيرة والتي تطل على خارج غرفتهـا في الطابق تحديدًا، فتحت جزءًا بسيطًا منه لترى «مراد» يقف أمام النافذة يوليهـا ظهره، ويتحدث في هاتفـه بصوتٍ عميق قائلاً:
-ماتقلقش يا فندم، كله تحت السيطرة، وفي عملية كبيرة قريب.

سكت للحظات قبل أن يؤكد له:
-لأ إطمن مفيش حد قدر يكشفني، وقريب أوي هيتقبــ,,ـض عليهم في العملية الكبيرة دي، لأننا هنقابل الراس الكبيرة.

أغلقت النافذة ببطء حتى لا يشعر بهـا، تراجعت للخلف بصدمة وكأنها أصيبت بالصاعقة، مسحت «لينا» على وجهها بقوة وهي تهمس بذهولٍ:
-ينهار أسود، مـراد يبقـى ظابـط!!!

*****
«أتحداك أنا»
«الفصل الثامن»

اللامبالاة التي أنا عليها الآن لم تُهدي إليَّ بالمجان، بل بمواقف كلفتني عمرًا بأكمله.

ثلاثة أيام مرت بدون أيّ أخبار جديدة، تجنبت لقائــه، ولا تزال الصدمـة تعتريهـا، معنى ذلك أن خلال أيام ستنتهي، حياتهـا هنا ستنتهي، أغمضت عيناهــا وهي تتنفس بعمقٍ، محاولة أن تهدئ تمامًا، ولكن لا تعلم لمَ تحترق روحها بتلك الطريقة، هبت «لينا» واقفة فجـأة وهي تتحرك نحو خارج غرفتهــا، لتصطدم بـ«مراد» واقفًا أمامهـا يعقد ساعديه أمام صدره الضخم، تنفست «لينا» بحدة وهي ترمقه بنظراتٍ غاضبة قبل أن تشيح وجهها بعيدًا عنه متوجه نحو غُرفة الرياضة.

تصلبت ملامح «مراد» تمامًا وأشتعلت عيناه بلهيب أسود مخيف، قال بلهجة هادئة لكن أمتلأت بنبرة الحزم الذي لا يقبل الجدل:
-فاكرة كدا هتقدري تبعديني عنك؟!.. ماشي يا لينا، هنشـوف.

سحب نفسًا عميقًا وهو يتجه بخطواته الثابتة نحو صالة الرياضة، أستمع إلى صوت أقدام، وتأتي الجلبـة من الداخل، ففتح الباب وهو يجوب ببصره الحـاد نحو المكان، ليراهـــا موليـه ظهرها، تركض بسُرعة عاليـة أعلى اللعبـة الشهيرة الماشيـة، وقد بدأ يتعرق جسدها بـ غزارة، فـ كان مُكيف الهواء مُغلقـًا، شعرت «لينا» بوجوده فقامت بخفض سُرعة اللعبـة تدريجيًا حتى توقفت، ألتقطت أنفاسـها ثم نظرت إليه وهي تسأله بجفاء:
-نعم، عايز إيــه؟!..

وكأنها أطلقت سراح الغضــ,,ـب الكامن بداخله فدبت العاصفة بملامحه دون أن يهتم بإخفائهـا هذه المرة وهو يقول بصوتٍ خافت لكن يثير الرجفة:
-إنتي فاكرة بإللي بتعمليه ده، أنا هسيبك يا بنت الصاوي؟؟..

عيناها اليوم فاقدت لبريقهما.. فاقدتين للحياة.. شعر بشيء قابع في حنجرته من الشعور بها، هناك وتر كهربائي وصل بينهما يجعله يشعر بإختلاجتها بوضوح، فتابع بصوتـه الخافت يملؤه الشراسة:
-فاكرة إني هسيبك؟؟..

ظلت «لينا» متصنمة في مكانها، حجرًا في حنجرتها يتثاقل، النيران في عينيها تشتعل غضــ,,ـبًا، حتى قالت أخيرًا بهدوء:
-زي ما قولت قبل كدا، طريقي أنا تحديدًا هو المـ,ـوت، وبذات بعد العملية الكبيرة، لو أنا عايشة النهاردة، بكرا همـ,ـوت يا مراد، وأظن إنت عارف ومتأكد من ده.

أرتفعت نبضات قلبـه فجأة بخوفٍ، فهي في نظر العالم، أكبر مجرمة أرتكبت الكثير من الجرائم في حق الوطن، ويعلم حق المعرفة أن حياتها ستنتهي بعد تلك العملية الكبرى، أتسعت عينا «مراد» للحظةٍ قبل أن تعودا لبرودهما وهو يقول بصوتٍ خطــ,,ـير:
-ولغاية ما يجي اليوم ده، تتعاملي معايا كويس، إحنا بنكمل بعض في شغلنـا ده، وكلهـا عملية واحدة ونرتاح، وقتهـا إبقي أتعاملي بالطريقة إللي تحبيهـا.

عم الصمت داكن مشحون بينهما.. وعيناهما في حربٍ يائسة، إلى أن قالت “لينا” أخيرًا:
-مش هتلحق يا مراد تشوفني بعد العملية الجديدة، كله خلاص هيكون.. أنتهــى.

تصلب فك «مراد» وارتجفت عضلة في خده إلا أنه لم يتحرك إنشًا بينما «لينا» تكمل:
-أظن إنت عرفت السفر بكرا بليل، هنسافر اليونان، عشان نتفق على العملية، ياريت بقى تسبني أستعد ليهـا، وتسبني في حالـي.

وكأن كلماتهـا أصــ,,ـابت قلبـه بألم قوي، لم تتغير ملامح «مراد» وهو ينظر إليها، إلا أن عينيه ألتمعتا ببريقٍ أكثر قسوة، دنى منها عدة خطوات حتى وقف قبالتهـا، رفع يده يبعد خصلات شعرها المتمردة من على جبينها وهو يهمس بصرامة دون أن يرفع صوتك:
-تأكدي يا لينا إني مش هسيبك، لو سبتك.. يبقى هسيبك وإنتي ميــ,,ـتـة، تمام؟!..

ظلت تنظر إليه بصدمة وهو يبادلها النظر إليها بهدوء، ليخفض عيناه أمام نظراتها القـ,ـاتلة في تعبيرها القوي، ودون أن ينتظر ردهـــا، أولى لها ظهره ثم سـار نحو باب الغرفة يلج إلى الخارج تاركًا إياهـا في صدمة من كلماتــه.

*****
يوم وآخر، حتى أتى وصل كل من «مراد» و«لينا» إلى آتينــا في اليونان، هبط إلى الأسفل بخطوات ثابتة، شاب بمنتصف العقد الثالث من عمره، وسيم الملامح، قوي البنية، إبتسم لهم «روكــــان» بسمة جذابة وهو يتحدث باللغة العربية وكأنه يتقنهـا:
-حمدلله على السلامة.

أنتبه كل من «مراد» و«لينا» على صوته الأجش، واللذان بمجرد وصولهما إلى آتينا أصطحبهمـا شخص ما من المطار حتى إلى قصر «روكان»، والذي كان على الطراز اليوناني الأصيل الفاخر، تحفة فنية بحق، فنان من أبدعها ورسم تفاصيلهـا، تقدم «روكان» نحوهما لتنتقل أنظاره من «مراد» إلى «لينا» وألتقط كف يدهـا الحر منحنيًا نحوه يُقبلـه برسمية وودّ قائلًا بصوته الجذاب بلكنة الإنجليزية:
-مرحبًا أنستي الجميلة.

أشتعلت النيران بعيني «مراد» يجز على أسنانه بغيظ، ثم أعتلى أحد المقاعد الشاغرة وأسند ظهره عليهـا بإرتياح، وكذلك «لينا» التي وضعت ساقها فوق الأخرى بثقة، جلس «روكان» قبالتهم، وهو ينظر لهم بثباتٍ قائلًا:
-بما أن آريان، لسه موصلش، فـ يشرفني أستضيفكم في بيتي المتواضع لحين وصوله.

ثم وجه أنظاره لـ«لينا» وهو يقول ببسمة خبيثة:
-لينا، أنا عاوزك كمان شوية في موضوع.

تجهمت تعبيرات وجه «مراد»، وأظــ,,ـلمت عيناه بطريقة مخيفة قاسية وهو يدرك جيدًا معنى بسمتـه وكلمتـه الأخيرة، وجه أنظراه المُظــ,,ـلمة نحوها ليرى ردة فعلهـا، وجدهـا تبتسم له بهدوء وهي تومئ برأسهـا، أغمض عينيه يكاد يعتصرهمــا وبركان من الغضــ,,ـب بداخله يشتعل يود كثيرًا أن يحــ,,ـرق العالم بأكمله، مع حــ,,ـرقة قلبه التي أزدادت بعد موافقتهـا.

*****
بعد قليل، دخل «روكان» وهو يطوق خصر «لينـا» التي إبتسمت له بكل هدوء خبيث، وعيناهـا تلتمعان بشكلٍ مغري، ظلت تنظر إليه طويلاً بملامح مرتخية واهنة، قبل أن تهمس برقة معذبة:
-قبل أي حاجة، لازم أتكلم معاك شوية.

إبتسم وهو يقربها منه أكثر ليقول بصوت خافت أجش:
-قولي يا لينا، أنا سامعك.

تنهدت بحرارة قبل أن تسأله بشك:
-هو إنت فعلًا إنت إللي بعت الراجل عشان يقـ,ـتلني في مصر؟؟..

أتسعت إبتسامتـه وهو يجيبهـــا:
-كنت عارف إنك هتسألي السؤال ده، تفتكري إني ممكن أضحي بعميلة زيك، وبجمـال زي ده؟!.. أبقى مغفل يا بيبي.

ضحكت بخفة وهي تضع يده على صدره ثم قالت بصوتٍ ناعم:
-مش يمكن تعمدت تعمل ده، لما هربت ونزلت مصر؟؟..

صمت قليلًا قبل أن يقول بجدية:
-لينا، إللي عاوز يأذيكي هما عايشين معاكي في نفس المكان، ده غير متنسيش إنتي أهم عميلة عندنا، فأكيد العصــ,,ـابات التانية خايفين على مصالحهم من قوتك، فنفسهم يخلصوا منك، ولما إنتي بتلحقي نفسك بيحاولوا يوقعوا بينـا، أظن إنتي جربتي ده قبل كدا، مش كدا؟!..

برقت عينا «لينا» وهي تستقيم قليلاً لتقول بشك:
-هو قالي الكينج عاوز ده، ومفيش كينج غيرك يا روكان.

قربهـا إليه بشدة وهو يقول مؤكدًا:
-أنتي عارفة كلمتي يا لينا، لو عاوز أقـ,ـتلك، مش هتبقى بالطريقة دي، هتبقى أشرس وأظن إنتي متأكدة من ده، كفاية كلام.

قال كلمته الأخيرة وهو ينحني كي يُقبلهـا، ولكن وضعت أصــ,,ـابعها على شفتاه مبتسمة له بنعومة قائلة:
-مش لازم نشرب الأول، ولا إيـه يا روكان؟!..

هتفت بإسمه بطريقة مغرية وهي تسبل جفنيهـا، فأومئ برأسه وهو يرخي قبــ,,ـضة يده على خصرهـا، تنفست «لينا» بعمق، وهي تتحرك نحو الطاولة الصغيرة، التي بهـا زجاجة من الخمـ..ر، وكأسين، نظرت من طرف عينيهـا نحوه لتجده يقوم بفك أزرار قميصـه، فبخفة يد أخرجت زجاجة صغيرة جدًا.. سريعة المفعول، وسكبتها بداخل الكأس، ثم أخفتهـا جيدًا، ثم فتحت زجاجة الخمـ..ر وسكبتها بداخل الكأسين، شهقت بصدمة حينما شعرت يطوق خصرها من جديد، فحاولت الإبتسام وهي تمد بيده بالكأس الخاص به هاتفة بدلال:
-تؤتؤ، نشرب الأول.

زاد حماسـه وهو يبتسم لها بجاذبية، لتشعر بنفور من إقترابه منها بتلك الطريقة، وما أن تجرع المشورب، حتى قربهـا إليه وهي تحاول عدم التجاوب معه، بدأ يحرك يديه بجرأة على جسدها، ويُقبل عنقهـا، تجعلهـا تقشعر ويُصيبهـا النفور أكثر والإشمئزاز وقبل أن يقبل شفتيهـا، تراجعت للخلف وهي تهمس له بهمسٍ مغري:
-إستنى الأول أغير هدومي.

بلع ريقه بصعوبة لتتحرك بخطى ثابتة نحو المرحاض، ما أن أغلقت الباب حتى أصــ,,ـابهـا الغثيان، أندفعت بجسدهـا تتقيء بعنــ,,ـف، دوار عنيف هاجم رأسهـا وهي تحاول التغلب على حالتهــا، أخرجت كل ما في جوفهــا، ثم أسندت جسدها على الحائط بإجهاد، لم تشعر بدموعهــا الحارقة التي أنهمرت بغزارة، ولا بالوقت الذي مر.

*****
في مصر، ركضت «دينا» نحو هاتفهـا الذي يصاحبه رنينٍ صاخب، تناولته من على الأريكة تنظر لأسم المتصل بضيق لتتبدل نظراتها على الفور إلى سعيدة وهي تبتسم ببهجة، ضغطت على زر الرد وهي تضعه على أذنها هاتفة بعشــ,,ـق:
-«أدهـــم».

سمعت رده من على الجهة الأخرى قائلًا بلهجة يملؤها السعادة:
-عيون أدهم، وقلب أدهم كله، إيه أخبارك؟!..

جلست على الأريكة وهي تجيبــه:
-تمام الحمدلله، وأنت طمني عليك وعلى الشغل؟؟..

ترك القلم وهو يتنهد مُجيبًا بهدوء:
-الشغل تمام يا حبيبتي، خلاص هانت، قريب هفتح الفرع الجديد، وإللي طبعًا أخوكي شريك فيه معايا، وبالنسبة إيه أخباري، فأنا تمام.

صمت لحظةٍ قبل أن يقول بإبتسامة جادة.. شغوفة:
-عندي ليكي خبر حلو.

هتفت «دينا» بلهفة:
-إيــه، إيه قولي يا أدهم بسرعة؟..
-وصلت ليا أخبار بأن أخوكي هيرجع قريب خلاص، هيكون انتهى من العملية دي نبدأ حياتنا بقى.

أنتفضت «دينا» من مكانها وهي تصرخ بسعادة:
-الله إنت بتتكلم بجد؟؟.. يا فرحة عمري أخيرًا، ده كدا فرحتين، مراد هيرجع، وإحنا هنتجوز.

قال «أدهم» بغيظ مكتوم:
-الله يسامحه، بسبب العملية جوزانا أتأجل أكتر من مرة، والله لو حصل إيه المرة الجاية لأخطفك وأتجوزك يا دينا.

أتسعت إبتسامتها وهي تقول بخجل:
-لأ إن شاء الله مش هيحل حاجة، المهم أن خلاص يا أدهم، هانت يا حبيبي.
-معاكي حق، هانت.

*****
في صباح يوم التالي، أغتسلت «لينا» أكثر من مرة وهي لا تزال تشعر بقبلاته على عنقهـا، خرجت من المرحاض لتجده مازال غائصًا في النوم، زفرت بإرتياح قبل أن تبثق عليه بكل غل، أبعدت خصلات شعرها عن وجهها وهي تتحرك بخطى سريعة نحو الباب لتخرج من غرفته.

حاولت أن تتماسك وأن لا تبكي مرة أخرى، ركضت نحو غرفتهــا حتى وصلت إليهـا وما أن دخلت وأغلقت باب غرفتها، وجدت فجأة من يلثم فمها ويشل حركتها كليًا لتصرخ بصوتٍ مكتوم، تلوت بإنفعال لتتصلب في مكانها بخوفٍ وهي تستمع إلى صوت «مراد» القائل بلهجة قاسية مخيفة.. مخيفة جدًا:
-نمتي معاه يا لينا، نمتي معـاه؟!.. طلع بمزاجك يعني، أنا النهاردة مش هسيبك، يا هاخد إللي أنا عايزهُ منك يا هقتـ,ـلك.

*****

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *