عزومتي على فرح طليقي حكايات روز أمين

عزومتي على فرح طليقي المليونير كانت عشان يشوفوني وهو بيتجوز الأحسن مني. رحت هناك ومعايا ولاده التوائم التلاتة، عندهم 4 سنين.. وأمه الكاس وقع من إيدها واتفرفد على الأرض.

​الجزء الأول

​عزموني عشان فاكرين إني لسه مكسورة وضايعة.

وده كان أول غلطة.

الغلطة التانية إنهم قعدوني على ترابيزة 19.

جنب باب المطبخ بالظبط.

بعيد عن الكاميرات.

وبعيد عن العيلة.

بس قريبة كفاية عشان أسمع همس وتلقيح الكلام من كل الناس أول ما “مايكل” يدخل القاعة وهو ماسك إيد عروسته الجديدة.

هو ده اللي “فيكتوريا” -أمه- كانت عايزاه.

كانت عايزة شو.. لقطة كسر نفس أخيرة، متغلفة بورد أبيض وفلوس ومظاهر.

كانت عايزة الطليقة الغلبانة المرمية ورا لوحدها، وهي بتطسها بخبر جواز ابنها المليونير من بنت أصغر وأقوى ومن “عيلة عريقة”.

عايزاني قاعدة ساكتة.. مكسوفة.. ومنسية.

بس “فيكتوريا” غلطت غلطة عمرها.

مكانتش تعرف إني جايبة معايا ولاده.

​أنا اسمي “صوفيا”.

من أربع سنين، عيلة “ستيرلينج” طردوني من قصرهم في دالاس كأني حتة زبالة دخلت على أرضيتهم الرخام.

“مايكل” وقتها كان جوزي.

وسيم.. غني.. وشخصيته ضعيفة.

من نوعية الرجالة اللي شكلهم هيبة بالبدلة التوكسيدو، بس بيتحولوا لعيل صغير أول ما أمهم ترفع حاجبها بس.

بس الشرير الحقيقي في القصة دي مكانش “مايكل”.. كانت أمه “فيكتوريا”.

الست دي اللي بتفطر وهي لابسة لولي، وصوتها كله برود وجفاء.. ست شايفة إن الحسب والنسب والدم أهم من الحب، والمنظرة قدام الناس أهم من الحقيقة.

فاكرة في يوم بصتلي على ترابيزة السفرة وسط كاسات الكريستال وقالتلي:

“البنات اللي شبهك يا صوفيا بيبقوا حلوين لفترة، نزوة يعني.. مش اللي يتشالوا في العيلة ويعملوا امتداد لاسمنا”.

“مايكل” سمعها.. ومطقش بكلمة.

والسكوت ده بقى هو عنوان جوازنا.

لما كانت بتتريق على أصلي، كان بيبص الناحية التانية.

لما كانت بتعدل على لبسي، كان يبتسم بضعف.

ولما قالت إني متنفعش أتصور معاهم في صورة العيلة الكبيرة، قالي “متفكيش ومتتبخريش بزيادة وخليكي مرنة”.

ولما قررت في الآخر إنه يطلقني، مضى الورق وهو مش قادر يحط عينه في عيني.

​خرجت بشنطة هدوم واحدة.

لا مؤخر.. لا اعتذار.. ولا سند.

ده اللي كانوا فاكرينه.

بس اللي مكانوش يعرفوه، إني خرجت من القصر ده وأنا حامل.. حامل في توأم تلات توم.

اختفيت لاني كنت مجبرة.

أنا عارفة “فيكتوريا” كويس، وعارفة محاميينها، وقضاتها، والناس اللي بتشتريهم بفلوسها، والمخبرين بتوعها.. عارفة قدرتها على إنها تقلب الفلوس لس*لاح وتسميه “حماية العيلة”.

لو كانت عرفت إني شايلة عيال “مايكل” في بطني، مكانتش هتعاملهم كأطفال.. كانت هتعاملهم كورثة.. وكانت هتاخدهم مني غصب عني.

عشان كده هربت.

​رحت شيكاغو.

أوضة إيجار.. لابتوب مستلفاه.. وتلات عيال لسه مولودين.

كنت بشتغل 18 ساعة في اليوم.

أكلم العملاء وأنا شايلة عيل على كتفي والاتنين التانيين نايمين جنب المكتب.

كنت بعمل مواقع نت والرضعات بتسخن، وأرد على الإيميلات وأنا بهز السراير برجلي.

كنت بعيط في الحمام عشان ده المكان الوحيد اللي عيالي مش هيسمعوني فيه.

كنت بنام خطف.. كل مرة عشرين دقيقة.

وبأكل أي لقمة تتبقى بعد ما أشتري اللبن الصناعي.

وبالبطء الشديد، ووجع القلب، بنيت حاجة مستحيل حد من عيلة “ستيرلينج” يطولها.

شركه تسويق إلكتروني صغيرة.. بعدين كبرت وبقت على مستوى البلد كلها.. وبعدين بقت شركة، العملاء بتوعها هما نفس الناس اللي “فيكتوريا” كانت بتتمسح فيهم عشان يعملوا تبرعات لجمعيتها الخيرية.

على ما عيالي تموا أربع سنين، مكنتش البنت الفقيرة اللي كسرت نفسي على العشا.

بقيت رئيسة مجلس إدارة شركة “بينيت”.

وثروتي مكانتش حاجة “فيكتوريا” تقدر تتريق عليها.. دي حاجة كانت هتخليها تقرأ الرقم مرتين وتفرك عينها.

​وبعدين الدعوة وصلت.

ظرف شيك، خط دهبي ومكتوب باليد، وريحة برفيوم غالي.

“مايكل” و”إيزابيل”.

طبعاً.. بنت سيناتور.. صغيرة، شيك، متحدثة، سياسة.. يعني من الآخر: القطعة الناقصة في صورة العيلة.

وقفت جنب شباك شقتي الفاخرة في شيكاغو وضحكت.

مش عشان الموقف بيضحك، عشان متوقع أوي.

“مايكل” أخيراً لقى العروسة اللي أمه فصلتهالوا.. جوازة صفقات.

فجأة “ليو” شد جيبتي.

“مامي؟”

بصيت تحت.. ابني كان واقف جنبي وماسك الديناصور اللعبة بتاعه، وبعينيه الرمادي الجدية بيراقب وشي.

وراه، “سام” و”ماتيو” كانوا بيعملوا قلعة من مخدات الكنبة وبيتخانقوا مين فيهم هيبقى الملك.

التلاتة واخدين عيون “مايكل”.. نفس الرمادي الحاد بتاع عيلة “ستيرلينج”.. نفس الشعر الويفي الغامق.. نفس رسمة الدقن اللي موجودة في كل الصور الزيت اللي “فيكتوريا” معلقاها في طرقة قصرها.

بس قلوبهم؟ قلوبهم دي بتاعتي أنا.

“في ايه يا حبيبي؟” ليو سألني.

بصيت للدعوة تاني.. وبصيت لعيالي.

بقالي أربع سنين بحميهم من العيلة دي.

بقالي أربع سنين “فيكتوريا ستيرلينج” بتنام مرتاحة وهي فاكرة إنها مسحتني من الوجود.

يمكن جه الوقت اللي تعرف فيه الحقيقة.

مسكت تليفوني وكلمت السكرتيرة: “إلغي كل مواعيدي يوم السبت”.

“تمام يا فندم، كله؟”

“كله.”

بصيت لعيالي وهما بيجروا ورا بعض في الصالة، وضفت: “وكلميلي الترزي بتاعي، عايزة تلات بدلات تفصيل لعيال عندهم أربع سنين”.

سكتت ثانية وقالت: “مناسبة خاصة؟”

ابتسمت: “آه.. لم شمل العيلة”.

​يوم السبت وصل، متغلف بورد أبيض وفلوس كتيرة.

الفرح كان في قصر خاص في منطقة نابا فالي.

بوابات حديد ضخمة.. جناين متظبطة بالمسطرة.. سيرفيس ركن عربيات.. وأمن واقفين عاملين نفسهم مش بيقيموا الضيوف بالنظر.

مئات من الأغنية كانوا ماليين الجنينة؛ سياسيين، رجال أعمال، وسيدات مجتمع.

ستات لابسين ألماس قبل ما الشمس تغيب، ورجالة ضحكهم عالي جنب أبراج كاسات الشمبانيا.

وفوق في بلكونة الجنينة، كانت واقفة “فيكتوريا ستيرلينج”، ماسكة كاس كريستال، ومستنية الشو اللي خططتله.

كانت عايزاني أدخل لوحدي، مكسورة، أشوف “مايكل” واقف مع عروسته الجديدة، عشان أفهم إني اتبدلت بحد أحسن، أشيك، ومن مستواهم.

كانت عايزة تتفرج على كسرة وشي.

تمام.. هوريكي الوش التاني.

​البوابات فتحت.

دخلت عربية دفع رباعي سودة.. وراها تانية.. وراها تالتة.

الكلام بدأ يقل.. الأمن وقف انتباه.. والضيوف لفتوا وشوشهم.

العربية الأولى وقفت بالظبط جنب الممشى المترتب لزفة العريس والعروسة.

“فيكتوريا” نزلت الكاس شوية من إيدها.

الباب الوراني فتح.. ونزلت أنا.

فستان أخضر زمردي هيرميز.. حلقان ألماس.. شعري ملموم لورا.. وراسي في السما.

مش ملهوفة.. مش مهجورة.. ولا البنت اللي رموها زمان.

الهمس بدأ في ثانية:

“هي دي صوفيا؟”

“شكلها اتغير أوي!”

“مش دي كانت مراته الأولى؟”

“أنا افتكرتها اختفت!”

​فضلت منفضالهم.. لفت وشي للعربية ومديت إيدي.

“ليو” نزل الأول.. بدلة قطيفة سودا صغيرة.. جزمه بتلمع.. وبعينيه الرمادي كان بيبص للناس كأنه عارف إن المكان ده مش أمان.

بعده “سام”.. وبعده “ماتيو”.

تلات عيال صغار.. عندهم أربع سنين.. واقفين كتف في كتف.

نسخة طبق الأصل من “مايكل” لما كان في سنهم.

الجنينة اتقلبت سكات.. مش هدوء.. سكات تام!

كأن المكان كله نسي يتنفس.

كاس شمبانيا فلت من إيد حد واتفرفد على الأرض الرخام.

وصيفة العروسة شهقت.. وراجل كبير واقف قدام همس: “يا نهار مش فايت.. يا فتاح يا عليم”.

​في اللحظة دي، “مايكل” ظهر في آخر الممشى ببدلته.. أول ما شاف العيال، وشه اتخطف تماماً، الدم هرب منه.

عرف.. من قبل ما حد ينطق.. من قبل ما حد يسأل.. ومن قبل ما حد يكذب.

عرف!

فتح بوقه بس مفيش صوت طلع.

حلو أوي.. من أربع سنين كان السكوت هو س*لاحه المفضّل ضدي.. دلوقتي الس*لاح ده بقى بتاعي أنا.

​بس اللقطة التاريخية كانت “فيكتوريا”.

فوق في البلكونة، الكاس الكريستال وقع من إيدها واتكسر تحت رجليها.

كل الرؤوس لفت وبصتلها.

لأول مرة في حياتها، “فيكتوريا” كان باين عليها الرعب.. مش الضيق، مش الإهانة.. الرعب الحقيقي!

لأنها كانت بتبص على تلات وريث شرعيين مكانتش تعرف عنهم حاجة.

رفعت عيني وبصيتلها.. وابتسمت نص ابتسامة.

مش هي عزمتني على لم شمل؟ وأنا جبت العيلة معايا.

​”مايكل” خد خطوة لقدام: “صوفيا…” صوت شرخ وهو بيقول اسمي.

فَات الميعاد يا حبيبي.

“إيزابيل” العروسة ظهرت وراه بفستانها الأبيض، في الأول كانت مستغربة ومش فاهمة حاجة.. بعدين عينها جت على العيال.

بصت لـ ليو.. لـ سام.. لـ ماتيو.. بعدين لـ مايكل.. وبعدين لـ فيكتوريا.

بالراحة كده، وش العروسة بدأ يتغير.. لأن حتى لو حد غريب هيشوف الشبه؛ نفس العيون، نفس الشعر، نفس الدم.

“مايكل..” إيزابيل همست بصوت بيترعش: “مين دول؟”

محدش رد.

الجنينة كلها كانت مستنية.. الكاميرات بدأت تترفع، والموبايلات بتسجل.. بالظبط زي ما “فيكتوريا” كانت عايزة، بس مش دي اللقطة اللي كانت طالباها.

​بصيت لولادي.. بعدين للراجل اللي اتخلى عني.. وبعدين للست اللي حبت تمسحني.

وقلت بصوت واضح وعالي: “دول أولادي”.

الضيوف بدأوا يهمسوا بزيادة، “فيكتوريا” مسكت في سور البلكونة جامد، و”مايكل” بلع ريقه بصعوبة: “صوفيا، أنا مكنتش أعرف”.

بصيتله: “آه.. لأنك مسألتش”.

وشه جاب ألوان.

أخيراً “فيكتوريا” لقت صوتها وزعقت: “المهزلة دي مش مقبولة هنا!”.

الكلام ده كان هيخليني أضحك.. لفتلها وقلت: “المهزلة الحقيقية هي إنك تعزمي طليقة ابنك وتقعديها جنب باب المطبخ عشان تتفرجي على كسرتها”.

وشها خشب: “معندكيش أي إثبات”.

​مديت إيدي في شنطتي الصغيرة.. “فيكتوريا” ثبتت مكانها.

ست ذكية.. عرفت الحركة دي؛ حركة الدوسيه، المستندات، الورق.. اللغة الوحيدة اللي العائلات الغنية بتخاف منها لما تقع في الإيد الغلط.

طلعت تلات شهادات ميلاد.. وتلات تقارير تحليل DNA.. نسخ معتمدة ومختومة.

حطيتهم على ترابيزة دفتر الحضور البيضا تحت فازة الورد.

وقلت: “الإثباتات متسجلة وجاهزة.. مع المحامي بتاعي، وفي المحكمة، ومع كل المسؤولين عن أموال وممتلكات عيلة ستيرلينج”.

​أبو “مايكل” قام من على كرسيه بسرعة لدرجة إن الكرسي عمل صوت عالي على الأرض.

“فيكتوريا” همست: “أنتي مش هتعملي كده”.

ابتسمت: “أنتي اللي عزمتيني”.

العروسة خديت خطوة لورا: “مسؤولين أموال؟” وبصت لـ مايكل: “مايكل، فهمني في إيه؟”

“إيزابيل، اسمعيني بس…”

“لأ!” صوتها كان بيترعش: “أنت كنت عارف؟”

“والله ما كنت أعرف!”

“بس عيلتك عملت حاجة!” السكوت رد عليها.

فيكتوريا جزت على سنانها: “الفرح ده هيتكمّل”.

​بصيت للضيوف، للكاميرات، للورد، وللشمبانيا.. وبصيت لبنت السيناتور اللي بدأت تستوعب إنها دخلت حرب وهي لابس فستان أبيض.

بعدين بصيت لـ فيكتوريا تاني وقلت كلمة واحدة، ونضيفة وقاطعة: “لأ.. مش هيتكمل”.

​”مايكل” كان بيبص للعيال كأن الأرض بتتهد تحت رجليه.

“ليو” مسك إيدي وهمس: “مامي.. هو ده؟”

كل شخص في الجنينة سمع الجملة دي.

وش “مايكل” اتقسم نصين من الوجع.. مش لدرجة إني أسامحه، بس لدرجة إن اللحظة تخليه ينزف ندم.

نزلت على ركبتي جنب ابني وقلتله بحنية: “آه يا حبيبي.. ده بابا”.

​”سام” بص لـ مايكل بعينيه الرمادي الجدية، و”ماتيو” استخبى شوية ورا فستاني.

و”مايكل ستيرلينج”؛ المليونير، الابن البار، الجبان اللي بيمشي ورا أمه، وقف قدام مئات من الضيوف وهو مستوعب إنه فوت أربع أعياد ميلاد، أربع مرات صبحت العيد، أول كلمات نطقوها، أول خطوات مشيوها، ركبهم اللي اتعورت وهما بيلعبوا، وحكاوي قبل النوم.. تلات عيال كبروا من غيره بس عشان أمه كانت عايزة شجرة عيلة “أنظف”.

​”فيكتوريا” نزلت من البلكونة، وشها رجع هادي ومتماسك تاني.. أو بيمثل الهدوء.

وقالتلي بصوت واطي ومليان سم: “صوفيا.. خلينا نتكلم في الموضوع ده على انفراد”.

هزيت راسي بالنفي: “لأ.. أنتي كنتي عايزة شهود.. ودلوقتي بقوا عندك”.

​رميت لـ “مايكل” ظرف أخير في إيده، إيديه كانت بترعش وهو بياخده: “إيه ده؟”

“الورقة الأولى دي إعلان بقض*ية حضانة”.

بلع ريقه بصعوبة: “والباقي؟”

بصيت لـ فيكتوريا وقلت: “الباقي ده هو اللي أمك عملته من أربع سنين”.

​الدم هرب من وشها تماماً.. لأنها عرفت، من قبل ما الظرف يتفتح، ومن قبل ما “مايكل” يقرأ سطر واحد، ومن قبل ما أبو العروسة (السيناتور) يتدخل وهو متنرفز ومش فاهم حاجة.. “فيكتوريا” عرفت إن الماضي وصل أخيراً، وجايب معاه تلات عيال صغار ببدل قطيفة.. والمرة دي، مش هتعرف تقفل البوابة في وشهم.

الجزء الثاني

​”فيكتوريا” وقفت مكانها زي الصنم، عينيها كانت بتتحرك بسرعة بين الدوسيه اللي في إيد ابنها وبين عيون الضيوف اللي بتاكلها بنظراتها. السيناتور “ويتمور” –أبو العروسة– خطى خطوتين هيبتهم تزلزل الأرض، وشه كان قالب أحمر وعروق رقبة باينة وهو بيبص لـ “مايكل”.

​”في إيه هنا بالظبط يا مايكل؟ ومين الأطفال دول؟” صوت السيناتور كان طالع جهوري صحى القاعة كلها من صدمتها.

​”مايكل” مكنش بيرد، مكنش سامع أصلاً.. كان راكع على ركبة ونص في الأرض، وعينيه مغرغرة دموع وهو بيمد إيده بالراحة لـ “ماتيو” اللي استخبى ورا فستاني بزيادة. “مايكل” همس بصوت مبحوح: “تلاتة؟.. صوفيا.. أنتِ شيلتي كل ده لوحدك؟”

​”لوحدي تماماً” ردت عليه ببرود يجمد المايه، “زي ما مامتك خططت بالظبط”.

​في اللحظة دي، “إيزابيل” العروسة مسكت ديل فستانها الأبيض وشدت الظرف من إيد “مايكل” المرتعشة. فتحته بسرعة وبدأت تقرأ الورق.. ملامح وشها الرقيقة بدأت تتكسر وتتحول لذهول، بعدين لقمة القرف. بصت لـ “فيكتوريا” وقالت بصوت مسموع للكل: “أنتِ.. أنتِ هددتيها بملفات مزورة؟ ودفعتي فلوس للمستشفى عشان يكتبوا إن العيال ماتوا لو اتولدوا هنا؟”

​الهمس في الجنينة اتقلب لـ لغط وعاصفة كلام. رجال الأعمال والسياسيين بدأوا يرجعوا لورا خطوتين، كأن عيلة “ستيرلينج” بقى عندها وباء مش عايزين يتعدوا منه. الكاميرات والموبايلات كانت لسه شغال تصوير، واللقطة اللي “فيكتوريا” تعبت عشان ترتبها بقت هي حبل المشنقة اللي بيلف حوالين رقبتها.

​”فيكتوريا” حاولت تاخد نفس وتصلب طولها، بصت لـ إيزابيل وقالت بنبرة حادة: “الورق ده مزور! البنت دي جاية تبوظ الجوازة وتعمل شو عشان تاخد قرشين.. أمن! طلعوا الست دي بره حالا!”

​الأمن بدأوا يتحركوا فعلاً، بس قبل ما يخطوا خطوة واحدة، اتنين رجالة بجسم ضخم وبدل سودا ونضارات غامقة ظهروا من ورايا ووقفوا زي السد المنيع قدام أولادي. دول مكنوش مجرد حراس.. دول حراس شخصيين من الفئة الأولى، اللي فلوس “فيكتوريا” نفسها متقدرش تشتريهم.

​أنا ضحكت، ضحكة خفيفة ورايقة قوي، وبصيت لـ فيكتوريا: “أمن مين يا فيكتوريا؟ أنتِ فاكرة نفسك لسه بتتعاملي مع البنت الغلبانة بتاعة زمان؟ أنا مبقتش صوفيا اللي بتعيط على عشا العيلة.. أنا صوفيا بينيت، رئيسة مجلس إدارة الشركة اللي لسه ممضيا عيلة ‘ويتمور’ عقد رعاية لحملتهم الانتخابية الجديدة الأسبوع اللي فات.. مش كده يا سيادة السيناتور؟”

​السيناتور “ويتمور” بصلي، وعينه وسعت لما ربط وشي بالاسم اللي بيسمعه في اجتماعات البيزنس الكبيرة. بص لـ “فيكتوريا” وبص لابنه، وقال بلهجة حاسمة وقاطعة: “الجوازة دي باظت.. إيزابيل، هاتي إيدك واقلعي الطرحة دي، إحنا ماشيين”.

​”بابا! اسمعني بس!” مايكل قام وقف وهو بيحاول يمسك إيد إيزابيل، بس هي نفضت إيده بقرف: “أنت بني آدم جبان ومقرف.. عيالك بقالهم أربع سنين عايشين في الدنيا وأنت عايش في لالا لاند ورا كلمة ‘حاضر يا ماما’؟ أنا مستحيل أدخل العيلة دي”.

​إيزابيل قلعت الطرحة ورمتها في الأرض، ولمت فستانها ومشيت ورا أبوها اللي وشه كان زي الخشب. في ثواني، نص المعازيم الأقوياء بتوع الحزب والسياسة بدأوا ينسحبوا وراهم عشان محدش اسمه يتوسخ في الفضيحة دي.

​”فيكتوريا” كانت بتنهج، الوجاهة والمظهر والشياكة اللي عاشت عمرها كله تبنيهم اتهدوا في عشر دقايق وعلى مشهد ومسمع من مجتمع دالاس كله. بصتلي وعينيها كانت بتطلع شرار: “أنتِ دمرتي ابننا! دمرتي مستقبله!”

​خطيت خطوة واحدة لقدام، وسبت إيد “ليو” بالراحة، ووقفت قصادها بالظبط.. الطول بالطول، والعين في العين. وقلت بنبرة هادية بس تق*تل: “ابنك هو اللي دمر نفسه لما سابك تطردي مراته وعياله عشان المنظرة.. أنا مدمرتوش، أنا جيت أوريه بس تمن سكوته كام.. تمن سكوته هو الأيام اللي كان هيسمع فيها ولاده بيقولوا ‘بابا’ لأول مرة، اللحظات اللي كان هيشيلهم فيها وهم عيانين.. هو دفع التمن ده خلاص، وأنتِ دفعتي تمن كبرك ومنظرتك”.

​لفت وشي وبصيت لـ “مايكل” اللي كان واقف منهار ودموعه نازله على بدلته الشيك: “الدعاوى القضائية هتوصل للمحاميين بتوعك بكرا الصبح.. مش عشان الفلوس، أنا فلوسي تشتري قصر مامتك ده وتعمله جراج لعربيات شركتي.. الورق ده عشان عيالي يتكتبوا باسمك غصب عن عين أي حد، وعشان العالم كله يعرف إن عيلة ستيرلينج العريقة خانت لحمها ودمها”.

​نزلت لـ ولادي، ابتسمت لهم وقلت: “يلا يا حبايب مامي.. الخروجة خلصت”.

​”ليو” مسك إيدي اليمين، و”سام” و”ماتيو” مسكوا إيدي الشمال. لفينا وشنا ومشيت وسط الممشى الأبيض المرشوش ورد، مئات العيون كانت بتبصلي بنظرات فيها رعب وفيها احترام شديد.

​ركبنا العربية الدفع الرباعي السودة، الباب اتقفل، والعربيات بدأت تتحرك وتخرج بره البوابات الحديد الكبيرة بتاعة القصر. بصيت من الشباك ورايا لآخر مرة.. شفت “فيكتوريا” واقعه على الكرسي والناس ملمومة حواليها بيفوقوها، و”مايكل” واقف لوحده في نص الممشى، بيبص على أثر عربيتنا وهي ماشية، والدموع مغرقة وشه.

​أخدت نفس طويل وضمت ولادي لحضني.. الرحلة كانت صعبة، والوجع كان كبير، بس اللحظة دي.. اللحظة دي كانت تسوى كل دمعة نزلت مني في الحمام وأنا بهز السراير برجلي. الحكاية القديمة اتقفلت، وحكايتنا إحنا الأربعة.. لسه هتبدأ.

 

الجزء الثالث والأخير

​بعد ساعتين بالظبط، كنا في الطيارة الخاصة بتاعة شركتي، راجعين شيكاغو.

العيال ناموا من التعب على الكراسي الجلد العريضة، “ماتيو” الصغير كان واخد الديناصور في حضنه، و”ليو” و”سام” راسهم على كتف بعض. كنت قاعدة بصلهم والهدوء اللي في الطيارة حسسني لأول مرة من أربع سنين إن الحمل اللي على كتفي انزاح.. إن الطار بايت بس صاحبه أخد حقه تالت ومتلت.

​تليفوني اللي على الترابيزة مسبش رن.. مكالمات ورسايل من أرقام معرفهاش، وإيميلات عاجلة من جرايد ومواقع فضائح ومجتمع. الفيديو بتاع “كاس الشمبانيا وهو بيتفرفد” ونزولي من العربية بالعيال بقى تريند على كل منصات التواصل في أمريكا.. عيلة “ستيرلينج” بقت ماتش ملاكمة الكل بيتفرج عليه.

​وسط كل ده، رن رقم أنا حافظاه صم.. رقم “مايكل”.

سيبته يرن لحد ما فصل.. ورن تاني.. وتالت. في المرة الرابعة فتحت الخط وحطيت التليفون على ودني من غير ما أنطق بكلمة.

​سمعت صوت أنفاسه المكتومة، كان باين إنه بيعيط أو منهار: “صوفيا.. أرجوكي متقفليش”.

فضلت ساكتة.

“أنا عارف إني مستهلش حتى تبصي في وشي..” صوته كان بيترعش ويقطع، “أنا شفت الورق.. شفت اللي أمي عملته.. شفت التهديدات وتقرير الوفاة المزور اللي بعتتهولك شيكاغو.. أنا والله العظيم ما كنت أعرف حاجة عن كل ده! أنا افتكرتك زعلتي ومشيتي ونسيتيني”.

​رديت بصوت رخام، واطي عشان العيال متصحاش بس حاد زي الموس: “ومسألتش ليه يا مايكل؟ م دورتش ليه؟ مكلفتش نفسك تسافر شيكاغو وتخبط على الباب ليه؟.. عشان كنت مستسهل السرير الحرير والأكل اللي بيجيلك على الجاهز ورضا مامتك.. أنت كنت عارف ومغمي عينك عشان تريح دماغك”.

​”أنا غبي.. أنا ضيعت عمري وضيعتكم..” بكا وبقى يشهق زي العيل الصغير، “أنا سيبت القصر.. مشيت وسبت أمي وأبويا والفرح والدنيا كلها.. أنا قاعد في عربيتي على الطريق مش عارف أروح فين.. صوفيا، أنا عايز أشوف ولادي.. عايز أصلح أي حاجة”.

​”مفيش حاجة بتتصلح يا مايكل” قلتها ودمعة واحدة غصب عني نزلت ومسحتها بسرعة، “العيال دول كبروا.. شبعوا من غيرك، ووجع سنانهم خف من غيرك، وخوفهم من الضلمة اتمسح من غيرك.. هما مش محتاجين أب.. هما عندهم أم بمليون راجل.. المحامي بتاعي هيكلمك بخصوص الإجراءات، غير كده، اسمي متطقهوش تاني”.

​قَفلت السكة في وشه.. وعملت للرقم بلوك.. نهائي.. وبدون رجعة.

​بعد ست شهور..

​الأمور استقرت، المحاكم حكمت بإثبات نسب العيال لـ “مايكل ستيرلينج” وغصب عن عين “فيكتوريا” اتكتبوا في كل الدفاتر الرسمية وأموال العيلة كورثة شرعيين، والفضية خلت أسهم شركاتهم تقع في الأرض لحد ما اضطروا يبيعوا جزء كبير منها عشان يغطوا الخساير.. “فيكتوريا ستيرلينج” بقيت عايشة ورا الستائر المقفولة، محدش من مجتمع دالاس بقى يعزمها ولا يدخل بيتها.. المنظرة اللي عاشت عشانها، بقت هي سجنها.

​أما “مايكل”، فسمعت إنه سافر يشتغل في فرع شركة صغير في ولاية تانية، بعيد عن أمه وسيطرتها.. حاول يبدأ من الصفر، بس بعد ما فات الأوان.

​كنت واقفة في مكتب التراس الجديد بتاعي في شيكاغو، الشمس كانت دافية وبتنور المكان.. الباب خبط ودخلوا التلاتة بشنط الحضانة بتاعتهم.

​”مامي! مامي!”

جروا عليا ورموا الشنط في الأرض.. “سام” وراني رسمة رسمها في الحضانة؛ كانت عبارة عن أربع أشخاص ماسكين إيد بعض: أنا والتلات عيال.. ومفيش حد خامس معاهم.

​حضنتهم هما التلاتة ضمة طويلة، وشميت ريحتهم اللي بترد الروح.. بصيت من الشباك على السما الواسعة، وابتسمت ابتسامة حقيقية وصافية لأول مرة من سنين.

​أنا مش صوفيا المكسورة.. ولا صوفيا الضحية.

أنا صوفيا بينيت.. اللي كتبت نهايتها بنفسها، وحمت عيالها، وعلمت الدنيا كلها إن الست لما بتقوم.. مبترحمش.سنتين عدوا على اليوم ده..

​الحياة في شيكاغو بقت هادية، ومستقرة، وكلها نجاحات. عيالي بقوا عندهم ست سنين، ودخلوا واحدة من أحسن المدارس هنا. مبقوش الأطفال الخايفين بتوع زمان، بقوا واثقين في نفسهم، عارفين هما مين، وبقوا يشيلوا شنطهم بنفسهم ويدخلوا مدرستهم وراسمهم في السما.. زي مامتهم بالظبط.

​في يوم، وأنا قاعدة في مكتبي بتابع تقارير الأرباح السنوية لشركة “بينيت”، السكرتيرة دخلت ووشها مخطوف شوية.

“فندم.. في حد بره مصمم يقابل حضرتك.. ومعهوش ميعاد”.

رفعت عيني من على اللابتوب: “أنتِ عارفة إني ملمش مقابلات من غير مواعيد يا جيسيكا.. مين ده؟”.

سكتت ثانية وقالت: “بيقول إن اسمه مايكل.. مايكل ستيرلينج”.

​جسمي متنحش.. وقلبي مدقش بسرعة زي زمان. الوجع لما بيموت مبيسبش وراه غير برود تام.

قلت لها بهدوء: “دخليه”.

​الباب فتح.. ودخل “مايكل”.

مكنش مايكل بتاع زمان.. الراجل اللي كان بيلبس توكسيدو بآلاف الدولارات ويهمه الكسرة في بنطلونه. كان لابس قميص عادي، وشه باين عليه السن، وفيه علامات إرهاق وتعب وشقى حقيقي.. شقى حد بيشتغل بإيده لأول مرة في حياته.

​وقف عند الباب ومقربش، بصل للمكتب الفخم وبصلي، وقال بصوت واطي: “شكراً إنك وافقتِ تشوفيني يا صوفيا”.

“معاك خمس دقائق يا مايكل.. قولي اللي عندك”.

​خطى خطوتين: “أنا مش جاي أطلب سماح.. أنا عرفت إنه غالي أوي ومستحلوش. أنا بس جاي أقولك إني نفذت اللي اتفقت مع المحامي بتاعك عليه.. مضيت على التنازل عن أي وصاية، والفلوس اللي المحكمة حكمت بيها للعيال من ممتلكاتي الشخصية اتحولت لحسابهم.. أنا مش عايز من الدنيا دي غير إنهم يعيشوا أحسن عيشة”.

​بصيتله وقلت: “هما عايشين أحسن عيشة من غير فلوسك يا مايكل.. بس ده حقهم وأنا مش هسيبه”.

هز رأسه وبص في الأرض: “عارف.. أنا بس كنت عايز أقولك.. أمي ماتت الأسبوع اللي فات”.

​الخبر نزل عليا عادي.. مفيش فرحة شماتة، ومفيش حزن.. مجرد خبر.

“جالها جلطة.. عاشت آخر سنتين لوحدها في القصر، محدش كان بيعتب بابها، والناس اللي كانت بتجاملها عشان اسمها وفلوسها نفضوا ايديهم منها أول ما سيرتها بقت على كل لسان.. ماتت وهي بتنده على اسمي، وأنا مكنتش جنبها.. كنت بشتغل في ورشة صيانة في تكساس.. هربت من سجنها وسيبتها فيه”.

​بصلي وعينيه دمعت: “أنا خسرت كل حاجة يا صوفيا.. خسرت أمي، وخسرت عيلتي، وخسرت البنت الوحيدة اللي حبتني بجد.. وخسرت ولادي اللي من دمي.. أنا عايش بس عشان أدفع تمن سكوتی القديم”.

​قمت وقفت.. وسندت بإيدي على المكتب، وبصيتله بكل قوة: “أنت اخترت السكة السهلة زمان يا مايكل.. والست اللي تبيعها عشان ترضي أمك، ربنا بيلف الأيام ويخليها هي اللي تشتري كرامتك وكرامة عيلتك بالفلوس.. أنت دفعت التمن، وأمك دفعت التمن.. والموضوع ده اتقفل بالنسبة لي من يوم ما خرجت من الفرح بتاعك”.

​بص للساعة اللي في الحيطة، لقى الخمس دقائق خلصوا. أخد نفس طويل، وطلع من جيبه ظرف صغير وحطه على طرف المكتب.

“دي مش فلوس.. دي جوابات كتبتها للعيال.. ليو وسام وماتيو. كاتب فيها كل حاجة.. كاتب إني أسف، وإني بحبهم، وإني مكنتش راجل كفاية عشان أحميهم.. أرجوكي.. لما يكبروا ويسألوكي عني.. إديهم الجوابات دي.. وخليهم يقرروا بنفسهم لو عايزين يشوفوني أو لأ.. أنا مش هظهر في حياتكم تاني غصب عنكم”.

​لف ضهره ومشي.. خطوته كانت تقيلة، بس كان باين إنه لأول مرة في حياته بياخد قرار لوحده.. كراجل حر، مش كعيل ورا أمه.

​بعد كام ساعة..

​الشمس بدأت تغيب وتعمل لون برتقالي دافي على بحيرة شيكاغو. الباب خبط ودخلوا ولادي التلاتة.. “ليو” بطوله اللي بدأ يفرض، و”سام” بضحكته الشقية، و”ماتيو” الهادي.

​”مامي! مامي! روحنا التمرين ودخلنا أهداف كتيرة انهارده!”.

جروا عليا وحضنتهم.. بصيت للظرف اللي سابه مايكل على المكتب.. وفكرت لثواني.

هل أقطعه؟ هل أرميه؟

لأ.. صوفيا بينيت مبتخافش من الماضي.. ومبتخبيش الحقيقة.

​فتحت درج المكتب المقفول، وحطيت الجوابات فيه بالراحة.. وقفلت عليها.

لما يكبروا.. هيدخلوا المكتب ده، وهيفتحوا الدرج، وهيقرأوا الحكاية كاملة.. وهما اللي هيختاروا. بس لحد ما اليوم ده ييجي.. هما ولادي أنا.. بتوعي أنا.. وبس.

​شيلت “ماتيو” الصغير على كتفي، ومسكت إيد ليو وسام، وقلت لهم بابتسامة مالية وشي: “يلا يا أبطال مامي.. نروح ناكل بره ونحتفل بالأهداف اللي دخلتوها؟”.

​”يييييه! يلا يا مامي!”.

​خرجنا من المكتب، قفلت الأنوار، والباب اتقفل ورايا.. اتقفل على قصة قديمة ماتت واندفنت، واتفتح على حياة جديدة كاملة.. إحنا اللي بنرسمها بأيدينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *